لا بد من التزامها أو ترك المذهب.
وسأل أبو الحسن الأشعري أبا علي الجبائي عن ثلاثة إخوة لأب وأم مات أحدهم صغيرا، وبلغ الآخر فاختار الإسلام، وبلغ الآخر فاختار الكفر، فاجتمعوا عند رب العالمين، فرفع درجة البالغ المسلم، فقال أخوه الصغير: يا رب، ارفع درجتي حتى أبلغ منزلة أخي، فقال: إنك لا تستحق، إن أخاك بلغ، فعمل أعمالا استحق بها تلك الدرجة، فقال: يا رب، فهلا أحييتني حتى أبلغ، فأعمل عمله؟ فقال: كانت المصلحة ١ تقتضي اخترامك قبل البلوغ، لأني علمت أنك لو بلغت لاخترت الكفر، فكانت المصلحة في قبضك صغيرا.
قال: فصاح الثالث من أطباق النار ٢ وقال: يا رب هلا فعلت معي هذا الأصلح، وقبضتني صغيرا، كما قبضت أخي صغيرا؟ ٣ فما جواب هذا أيها الشيخ؟ فلم يحر ٤ إليه جوابا ٥.
قالوا: وإذا علم الله سبحانه من بعض العبيد أنه لا يختار الإسلام وأنه لا يكون إلا كافرا مفسدا في الأرض، فأي مصلحة لهذا العبد في إيجاده؟
قالوا: وأي مصلحة لإبليس وذريته الكفار ١ في إيجادهم؟ فإن قلتم: عرضهم للثواب، قيل لكم: كيف يعرضهم لأمر قد علم ٢ أنهم لا يفعلونه وأنه ٣ لا يقع منهم البتة؟
ومن هنا أنكر غلاتهم العلم القديم، وكفرهم السلف على ذلك، ومن أقر به منهم فإقراره به يبطل مذهبه ٤ وأصله في وجوب مراعاة الصلاح والأصلح.
وهذا معنى قول السلف: ناظروا القدرية بالعلم، فإن جحدوه كفروا، وإن أقروا به خصموا ٥.
قالوا: وأما حديث العوض على الآلام، فالرب تبارك وتعالى قادر على إيصال تلك المنافع بدون توسط الآلام.
قالوا: وهذا بخلاف المستأجر، فإن له منفعة وحاجة في توسط تعب الأجير واستيفاء منفعته.
فأما من يتعالى ٦ عن الانتفاع بخلقه، ولا يحتاج إلى أحد منهم البتة، فلا يعقل في حقه ذلك.
قالوا: وأما وقوع الآلام على وجه العقوبات، فذلك إنما يحسن في الشاهد لحصول التشفي من الجناة ٧ وإطفاء نار الغيظ والغضب بالانتقام منهم، وذلك لحاجة المعاقب إلى العقاب وانتفاعه به؛ وقياس
الغائب على الشاهد في ذلك ممتنع.
قالوا: وأما الإيلام للاعتبار بأن يعتبر الغير بالألم الواقع بغيره، فيكون ذلك أدعى له إلى الإذعان والانقياد؛ فلا ريب أن الصبي إذا شاهد المعلم يضرب غيره على لعبه وتفريطه كان ذلك مصلحة واعتبارا له، ولعله أن ينتفع بضرب ذلك الغير أكثر من انتفاع المضروب، أو حيث لا ينتفع المضروب.
ولكن إنما يحسن ذلك إذا كان المضروب مستحقا للضرب، فأين استحقاق الأطفال والبهائم؟
قالوا: وكذلك تمكينه تعالى عباده أن يؤلم بعضهم بعضا ويضر بعضهم ١ بعضا -مع قدرته على منع المؤلم المضر- أي مصلحة لمن مكن من ذلك وأقدر عليه؟ وهل كانت مصلحته إلا تعجيزه وأن يحال بينه وبين القدرة على الأذى وضرر العباد ٢؟
قالوا: فهذه الشريعة التي وضعتموها لرب العباد تعالى، وأوجبتم عليه ما أوجبتم، وحرمتم عليه ما حرمتم، وحجرتم ٣ عليه في تصرفه في ملكه بغير ما أصلتم وفرعتم بعقولكم وآرائكم، تشبيها له وتمثيلا بخلقه فيما يحسن منهم ويقبح؛ مع أنها شريعة باطلة ما أنزل الله بها من سلطان، فإنكم لم تطردوها، بل أنتم متناقضون فيها غاية التناقض، خارجون فيها عما يوجبه كل عقل صحيح وفطرة سليمة.
فلا للتشبيه والتمثيل طردتم، ولا بالتعويض قلتم، ولا على حقيقة الحكمة والحمد
وقفتم.
بل أثبتم له تعالى نوع حكمة لا تقوم به، ولا ترجع إليه، بل هي قائمة بالخلق فقط؛ وقد حتم بها في تمام ملكه.
كما أثبت له إخوانكم من الجبرية قدرة مجردة عن حكمة وحمد وغاية يفعل لأجلها، بل جعلوا حمده وحكمته اقتران أفعاله بما اقترنت به من المصالح عادة، ووقوعها مطابقة لمشيئته وعلمه فقط، فقدحوا بذلك في ١ تمام حمده.
وقام حزب الله وحزب رسوله وأنصار الحق بـ "لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير" حق القيام، ورعوا ٢ هذه الكلمة ٣ حق رعايتها علما ومعرفة وبصيرة، ولم يلقوا بالحرب بين حمده وملكه، بل أثبتوا له الملك التام الذي لا يخرج عنه شيء من الموجودات أعيانها وأفعالها، والحمد التام الذي وسع كل معلوم، وشمل كل مقدور.
وقالوا: إن له تعالى في كل ما خلقه وشرعه حكمة بالغة ونعمة سابغة لأجلها خلق وأمر، ويستحق أن يثنى عليه ويحمد لأجلها، كما يثنى عليه ويحمد لأسمائه الحسنى ولصفاته العلى ٤.
فهو المحمود على ذلك كله أتم حمد وأكمله، لما اشتملت عليه صفاته من الكمال، وأسماؤه من الحسن، وأفعاله من الحكم والغايات المقتضية لحمده، المطابقة لحكمته، الموافقة لمحابه.
فإنه سبحانه كامل الذات، كامل
الأسماء والصفات، لا يصدر عنه إلا كل فعل ١ كريم مطابق للحكمة، موجب للحمد، مرتب ٢ عليه من محابه ما فعل لأجله.
وهذا أمر ذهب عن طائفتي الجبرية والقدرية، وحال بينهم وبينه أصول فاسدة أصلوها، وقواعد باطلة أسسوها، من تعطيل بعض صفات كماله، كما عطل الفريقان حقيقة محبته، وقالوا: إنه ٣ لا يحب ولا يحب، بل حقيقة محبته ٤ عند الجبرية: مشيئته وإرادته؛ ومحبة العباد له: إرادتهم لما يخلقه من النعيم في دار الثواب، فالمحبة عندهم إنما تعلقت بمخلوقاته لا بذاته.
وحقيقة محبته وكراهته عند القدرية: أمره ونهيه؛ ومحبة العباد له: محبتهم لثوابه المنفصل.
وأصل الفريقان أنه لا يقوم ٥ بذاته حكمة ولا غاية يفعل لأجلها، ثم اختلفوا، فقالت الجبرية: لا يفعل لغاية ولا لحكمة أصلا.
وتكايست القدرية بعض التكايس فقالت: يفعل لغاية وحكمة لا ترجع ٦ إليه، ولا تقوم به، ولا يعود إليه منها وصف.
وأصل الفريقان أيضا أنه لا يقوم بذاته فعل البتة، بل فعله عين ٧ مفعوله.
فعطلو أفعاله القائمة به، وجعلوها نفس المخلوقات المشاهدة
التي لا تقوم به.
فلم يقم به عندهم فعل البتة.
كما عطل غلاة الجهمية صفاته فلم يثبتوا له صفة تقوم به، وإن تناقضوا.
وكما عطلت "السينائية" أتباع ابن سينا ذاته فلم يثبتوا له ذاتا زائدة على وجود مجرد لا يقارن ١ ماهية ولا حقيقة.
وأصلت الجبرية أنه تعالى لا ينزه عن فعل مقدور يكون قبيحا بالنسبة إليه، بل كل مقدور فهو جائز عليه؟ وإن علم عدم فعله فبالسمع، وإلا فالعقل يقضي بجوازه عليه.
فلا ينزه عن ممكن مقدور إلا ما دل عليه السمع ٢، فيكون تنزيهه عنه، لا لقبحه في نفسه، بل لأن وقوعه يتضمن الخلف في خبره وخبر رسوله، ووقوع الأمر على خلاف علمه ومشيئته، فهذا ٣ حقيقة التنزيه عند القوم.
وأصلت القدرية أن ما يحسن من عباده يحسن منه، وما يقبح منهم يقبح منه؛ مع تناقضهم في ذلك غاية التناقض.
فاقتضت هذه ٤ الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة فروعا ولوازم كثير ٥ منها مخالف لصريح العقل ولسليم الفطر ٦، كما هو مخالف لما أخبرت به الرسل عن الله؛ فجعل أرباب هذه القواعد والأصول قواعدهم وأصولهم محكمة، وما جاء به الرسول متشابها!
ثم أصلوا أصلا في رد هذا المتشابه إلى المحكم، وقالوا: الواجب فيما خالف هذه القواطع العقلية -بزعمهم- من الظواهر الشرعية أحد أمرين: إما تخريجها ١ على ما يعلم العقلاء أن المتكلم لم يرده بكلامه من المجازات البعيدة، والألغاز المعقدة، ووحشي اللغات ٢، والمعاني المهجورة التي لا يعرف أحد من العرب عبر عنها بهذه العبارة، ولا تحتملها لغة القوم البتة، وإنما هي محامل أنشأوها هم، ثم قالوا: نحمل ٣ اللفظ عليها! فأنشأوا محامل من تلقاء أنفسهم وحكموا على الله ورسوله ٤ بإرادتها بكلامه، فأنشأوا منكرا وقالوا زورا.
فإذا ضاق عليهم المجال، وغلبتهم النصوص، وبهرتهم شواهد الحقيقة من اطرادها، وعدم فهم العقلاء سواها، ومجيئها على طريقة واحدة، وتنوع الألفاظ الدالة على الحقيقة، واحتفافها بقرائن من السياق والتأكيد وغير ذلك، يقطع ٥ كل سامع بأن المراد حقيقتها وما دلت عليه = قالوا: الواجب ردها، وأن لا يشتغل ٦ بها!
وإن أحسنوا العبارة والظن قالوا: الواجب تفويضها، وأن نكل علمها إلى الله من غير أن يحصل لنا بها هدى أو علم أو معرفة بالله وأسمائه
وصفاته، أو ننتفع ١ بها في باب واحد من أبواب الإيمان بالله وما يوصف به وما ينزه عنه، بل نجري ألفاظها على ألسنتا، ولا نعتقد حقيقتها، لمخالفتها للقواطع العقلية!
فسموا أصولهم الفاسدة وشبههم الباطلة التي هي كبيت العنكبوت، وكما قال فيها القائل ٢:
شبه تهافت كالزجاج تخالها ... حقا وكل كاسر مكسور ٣
إزالة لحرمته من القلوب، ومنعا للتعلق به والتمسك بحقيقته في باب الإيمان والمعرفة بالله وأسمائه وصفاته.
فعبروا عن كلامهم بأنه "قواطع عقلية"، فيظن الجاهل بحقيقته أنه إذا خالفه فقد خالف صريح المعقول، وخرج عن حد العقلاء، وخالف القاطع ١! وعبروا عن كلام الله ورسوله بأنه "ظواهر"، فلا جناح على من صرفه عن ظاهره، وكذب بحقيقته، واعتقد بطلان الحقيقة؛ بل هذا عندهم هو الواجب!
وقد أشهد الله سبحانه عباده الذين أوتوا العلم والإيمان أن الأمر بعكس ما قالوه، وأن كلامه وكلام رسوله هو الشفاء والعصمة والنور الهادي والعلم المطابق لمعلومه ٢، وأنه هو المشتمل على القواطع العقلية السمعية والبراهين اليقينية، وأن كلام هؤلاء المتهوكين الحيارى المتضمن لخلاف ٣ ما أخبر به عن نفسه وأخبر به عنه رسوله هو الشبهات الفاسدة والخيالات الباطلة، وأنه كالسراب الذي يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا، ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب ٤.
وهؤلاء هم أهل العلم حقا الذين شهد الله سبحانه لهم به فقال تعالى: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ويهدي إلى صراط العزيز الحميد (٦)﴾ [سبأ/ ٦] ٥.
ومن سواهم ١ من الصم والبكم الذين قال الله فيهم: ﴿وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير (١٠)﴾ [الملك/ ١٠]، وقال تعالى: ﴿أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولو الألباب (١٩)﴾ [الرعد/ ١٩].
وكان ما شهدوه من ذلك بالعقل والفطرة، لا بمجرد الخبر؛ بل جاء إخبار الرب تعالى وإخبار رسوله مطابقا لما في فطرهم السليمة وعقولهم المستقيمة.
فتظافر ٢ على إيمانهم به الشريعة المنزلة، والفطرة المكملة، والعقل الصريح.
فكانوا هم العقلاء حقا، وعقولهم هي المعيار، فمن خالفها فقد خالف صريح المعقول والقواطع العقلية.
ومن أراد معرفة صحة ٣ هذا فليقرأ كتاب شيخنا وهو "بيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح ٤ "، فإنه كتاب لم يطرق العالم له نظير في بابه، فإنه هدم فيه قواعد أهل الباطل من أسها، فخرت عليهم سقوفه من فوقهم؛ وشيد فيه قواعد أهل السنة والحديث، وأحكمها، ورفع أعلامها، وقررها بمجامع الطرق التي تقرر ٥ بها الحق من العقل والنقل والفطرة والاعتبار.
فجاء كتابا لا يستغني من نصح نفسه من أهل العلم
عنه ١، فجزاه الله عن أهل العلم والإيمان أفضل الجزاء، وجزى العلم والإيمان عنه كذلك.
فصل
عدنا إلى تمام الكلام في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي، وبيان طرق الناس في ذلك، واختلافهم في إيلام الأطفال والبهائم.
وقالت "البكرية" وهم أتباع بكر ابن أخت عبد الواحد بن زيد البصري ٢: إن البهائم والأطفال لا تألم البتة.
والذي حملهم على هذا موجب التعليل والحكمة، ولم يرتضوا ما قالت الجبرية من نفي ذلك، ولا ما قالت المعتزلة من حديث الأعواض وما فزعوه عليه، ولم يمكنهم القول بمذهب "التناسخية" القائلين بأن الأرواح الفاجرة الظالمة تودع في الحيوانات التي تناسبها، فينالها من ألم الضرب والعذاب بحسبها، ولا بمذاهب "المجوس" من إسناد الشر والخير إلى إلهين مستقلين كل منهما يذهب ٣ بخلقه، ولا بقول من يقول: إن البهائم مكلفة مأمورة
منهية مثابة معاقبة، وإن ١ في كل أمة منها رسول ونبي ٢ منها، وهذه الآلام والعقوبات الدنياوية جزاء على مخالفتها لرسولها ونبيها = فلم يجدوا بدا من التزام ما ذهبوا إليه من إنكار وقوع الآلام بها ووصولها إليها.
وقد رد عليهم الناس بأنهم كابروا الحس، وجحدوا الضرورة، وأن العلم بخلاف ما ذهبوا إليه ضروري.
وقال من أنصف القوم: لا سبيل إلى نسبة هؤلاء إلى جحد الضرورة مع كثرتهم، ولكنهم ربما رأوا أن الطفل والبهيمة لا تدرك الآلام حسبما يدركها العقلاء.
فإن العاقل إذا أدرك تألم جوارحه وأحس به تألم قلبه، وطال حزنه، وكثر هم روحه وغمها، واشتدت فكرته في ذلك وفي الأسباب الجالبة له والأسباب الدافعة له؛ وهذه الآلام زائدة على مجرد ألم ٣ الطبيعة، ولا ريب أن البهائم والأطفال لا تحصل لها تلك الآلام كما تحصل ٤ للعاقل المميز.
فإن أراد القوم هذا فهم مصيبون، وإن أرادوا أنه ٥ لا شعور لها بالآلام ٦ البتة وأنها لا تحس بها فمكابرة ظاهرة، فإن الواحد منا يعلم باضطرار أنه كان يتألم في طفوليته ٧ بمس النار له، وبالضرب، وغير ذلك.
وقالت طائفة: كل ما يتألم به الطفل والبهيمة ليس من قبل الله سبحانه، ولا فعل الله فيه الألم، لما ثبت من حكمته.
وهذا يشبه ١ قولهم في أفعال الحيوان أنها ليست من خلق الله، ولا كانت بمشيئته.
لكن هذا أشد فسادا من ذلك، فإن هذه الآلام حوادث لا تتعلق باختيار من قامت به ولا بإرادته، فلا بد لها من محدث، إذ وجود حادث بلا محدث محال، والله سبحانه خالقها بأسبابها المفضية إليها، فخالق السبب خالق للمسيب.
فإن أراد هؤلاء نفي فعلها عن الله مباشرة من غير توسط سبب ٢ أصلا فهذا قد يكون حقا، وإن أرادوا أنها غير منسوبة إلى قدرته ومشيئته البتة فباطل.
وذهبت طائفة إلى أن في كل نوع من أنواع الحيوانات أنبياء ورسل ٣، وأنها مستحقة للثواب والعقاب، وأن ما ينزل بها من الآلام فجزاء لها وعقوبات على معاصيها ومخالفتها.
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿وما من دابة في الأرض ولا طائر يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم﴾ [الأنعام/ ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (٢٤)﴾ [فاطر/ ٢٤].
وقالت طائفة من التناسخية: إن الله تعالى خلق خلقه كلهم جملة واحدة بصفة واحدة، ثم أمرهم ونهاهم، فمن عصى منهم نسخ روحه في جسد بهيمة تبتلى بالذبح والقتل كالدجاج والغنم والإبل والبقر والبراغيث والقمل، فما يسلط ٤ على هذه البهائم من الآلام فهو
للأرواح الآدمية التي أودعت هذه الأجساد.
فمن كان منهم زانيا أو زانية كوفئ بأن جعل في بدن حيوان لا يمكنه ١ الجماع كالبغال، ومن كان منهم عفيفا عن الزنا مع ظلمه وغشمه ٢ كوفئ بأن جعل في بدن تيس أو عصفور أو ديك، ومن كان منهم جبارا عنيدا كوفئ بأن جعل في بدن قملة أو قرادة ٣ ونحوهما، إلى أن يقتص منهم ثم يردون، فمن عصى منهم بعد كرته ٤ كرر أيضا عليه ذلك التناسخ هكذا أبدا حتى يطيع طاعة لا معصية بعدها أبدا، فينتقل إلى الجنة من وقته؛ أو يعصي معصية لا طاعة معها، فينتقل إلى جهنم من وقته ٥.
وقد ذهب إلى هذا المذهب من المنتسبين إلى الإسلام رجل يقال له أحمد بن حابط ٦ طردا لأصول ٧ القدرية وشريعتهم التي شرعوها لله، فأوجبوا بها عليه وحرموا.
وذهب المجوس إلى أن هذه الآلام والشرور من الإله الشرير المظلم، فلا تضاف إلى الإله الخير العادل، ولا تدخل تحت قدرته.
ولهذا كان أشبه أهل البدع بهم القدرية النفاة.
وقالت الزنادقة والدهرية: كل ذلك من تصرف الطبيعة وفعلها،
وليس لذلك فاعل مختار مدبر بمشيئته وقدرته، ولا بد في النار من إحراق ونفع، وفي الماء من إغراق ونفع، وليس وراء ذلك شيء.
فهذه مذاهب أهل الأرض في هذا المقام.
ولما انتهى أبو عيسى الوراق ١ إلى حيث انتهت إليه أرباب المقالات، طاش ٢ عقله، ولم يتسع لحكمة إيلام الحيوان وذبحه، صنف ٣ كتابا سماه "النوح على البهائم" ٤، فأقام عليها المآتم وناح، وباخ بالزندقة الصراح.
وممن كان على هذا ٥ المذهب أعمى البصر والبصيرة كلب معرة النعمان المكني بأبي العلاء المعزي، فإنه امتنع من أكل الحيوان، زعم لظلمه بالإيلام والذبح ٦.
وأما ابن خطيب الري ٧ فإنه سلك في ذلك طريقة مركبة من طريقة المتكلمين وطريقة الفلاسفة المشائين، وهذبها ونقحها، واعترف في
آخرها بأنه لا سبيل إلى الخلاص عن المطالبات ١ التي أوردها على نفسه إلا بالتزام أنه تعالى موجب بالذات، لا فاعل بالقصد والاختيار! فأقر على نفسه بالعجز عن أجوبة تلك المطالبات إلا بإنكار قدرة الله ومشيئته وفعله الاختياري، وذلك بجحد ربوبيته.
ونحن نذكر كلامه بألفاظه.
قال في مباحثه المشرقية:
"الفصل السادس في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي.
وقبل الخوض فيه لا بد من تقديم مقدمتين:
المقدمة الأولى: الأمور التي يقال لها ٢ إنها شر إما أن تكون أمورا عدمية، أو أمورا وجودية.
فإن كانت أمورا عدمية فهي على أقسام ثلاثة، لأنها إما أن تكون عدما لأمور ضرورية للشيء في وجوده مثل عدم الحياة، وإما أن تكون عدما لأمور نافعة قريبة من الضرورة كالعمى ٣، وإما أن ٤ لا تكون كذلك كعدم العلم بالفلسفة والهندسة.
وأما الأمور الوجودية التي يقال إنها شرور فهي ٥ كالحرارة المفرقة لاتصال العضو.
واعلم أن الشر بالذات هو عدم ضروريات الشيء وعدم منافعه مثل عدم الحياة وعدم البصر، فإن الموت والعمى لا حقيقة لهما إلا أنهما عدم الحياة وعدم البصر، وهما من حيث هما كذلك
شر ١، فإذن ليس لهما أعتبار آخر بحسبه يكونان شرين.
وأما عدم الفضائل المستغنى عنها -مثل عدم العلم بالفلسفة- فظاهر أن ذلك ليس بشر.
وأما الأمور الوجودية فإنها ليست شرورا بالذات بل بالعرض، من حيث إنها تتضمن عدم أمور ضرورية أو نافعة، ويدل عليه أنا لا نجد شيئا من الأفعال التي يقال لها شر إلا وهو كمال ٢ بالنسبة إلى الفاعل، وأما شريته فبالقياس إلى شيء آخر.
فالظلم مثلا يصدر عن قوة طلابة ٣ للغلبة وهي القوة الغضبية، والغلبة هي كمالها وفائدة خلقتها.
فهذا الفعل بالقياس إليها خير، لأنها إن ضعفت عنه فهو بالقياس إليها شر، وإنما كان شرا للمظلوم لفوات المال وغيره عنه.
والنفس الناطقة ٤ كمالها الاستيلاء على هذه القوة، فعند قهر ٥ القوة الغضبية يفوت النفس ذلك الاستيلاء، فلا جرم ٦ كان شرا لها.
وكذلك النار إذا أحرقت فإن الإحراق كمالها، ولكنه ٧ شر بالنسبة إلى من زالت سلامته بسببها.
وكذلك القتل وهو استعمال الآلة القطاعة في قطع رقبة إنسان، فإن كون الإنسان قويا على استعمال الآلة ليس شرا له بل خير ٨، وكذلك كون الآلة قطاعة هو خير لها، وكذلك
كون الرقبة قابلة للانقطاع، كل ذلك خيرات، ولكن القتل شر من حيث إنه متضمن لزوال الحياة.
فثبت بما ذكرنا أن الأمور الوجودية ليست شرورا ١ بالذات بل بالعرض ٢.
المقدمة الثانية ٣: أن الأشياء إما أن تكون مادية، أو لا تكون.
فإن لم تكن مادية لم يكن فيها ما بالقوة، فلا يكون فيها شر أصلا.
وإن كانت مادية كانت في معرض الشر، وعروض الشر لها إما أن يكون في ابتداء تكونها أو بعد تكونها.
أما الأول فهو ٤ أن تكون المادة التي يتكون منه إنسان أو فرس ٥ يعرض لها من الأسباب ما يجعلها رديئة المزاج رديئة الشكل والخلقة.
فرداءة مزاج ذلك الشخص ورداءة خلقه ليس لأن الفاعل حرم بل لأن المنفعل ٦ لم يقبل.
وأما الثاني وهو أن يعرض الشر للشيء بطروء ٧ طارئ عليه بعد تكونه، فذلك ٨ الطارئ إما شيء يمنع المكمل من الإكمال مثل تراكم
السحب وإظلال الجبال الشاهقات إذا صار مانعا من تأثير الشمس في النبات، وإما شيء مفسد مضاد ١ مثل البرد الذي يصل الى النبات فيفسد بسبب ذلك استعداده للنشوء والنمو.
وإذا عرفت ذلك فنقول: قد بينا أن الشر بالحقيقة إما عدم ضروريات الشيء، وإما عدم منافعه.
فنقول: الموجود إما أن يكون خيرا من كل الوجوه، أو شرا من كل الوجوه، أو خيرا من وجه وشرا من وجه.
وهذا على ثلاثة أقسام ٢: فإنه إما أن يكون خيره غالبا على شره، أو يكون شره غالبا على خيره، أو يتساويا ٣ خيره وشره، فهذه أقسام خمسة.
أما الذي يكون خيرا من كل الوجوه فهو موجود، وأما الذي ٤ يكون كذلك لذاته فهو الله تبارك وتعالى.
وأما الذي يكون ٥ لغيره فهو العقول والأفلاك، لأن هذه الأمور ما فاتها شيء من ضروريات ذاتها ولا من كمالاتها.
وأما ٦ الذي كله شر أو الغالب فيه أوالمساوي فهو غير موجود، لأن كلامنا في الشر ٧ بمعنى عدم الضروريات والمنافع، لا بمعنى عدم
الكمال الزائد.
وإذا عنينا بالشر ذلك ١ فلا شك أن ذلك مغلوب والخير غالب.
لأن الأمراض وإن كثرت إلا أن الصحة أكثر منها، والحرق ٢ والغرق والخسف وإن كانت قد تكثر إلا أن السلامة أكثر منها.
فأما الذي يكون خيره غالبا ٣ على شره، فالأولى فيه أن يكون موجودا لوجهين:
الأول: أنه إن لم يوجد فلا بد وأن يفوت الخير الغالب، وفوت الخير الغالب شر غالب، فإذن في عدمه يكون الشر أغلب من الخير، وفي وجوده يكون الخير أغلب من الشر، ويكون ٤ وجود هذا القسم أولى.
مثاله: النار في وجودها منافع كثيرة، وأيضا مفاسد كثيرة مثل إحراق الحيوانات، ولكنا إذا قابلنا منافعها ٥ بمفاسدها كانت مصالحها أكثر بكثير من مفاسدها، ولو لم توجد لفاتت تلك المصالح، فكانت ٦ مفاسد عدمها أكثر من مصالحه ٧، فلا جرم وجب إيجادها وخلقها.
الثاني -وهو الذي يكون خيره ممزوجا بالشر- ليس إلا الأمور التي تحت كرة القمر، ولا شك أنها معلولات العلل العالية ٨، فلو لم يوجد
هذا القسم لكان يلزم من عدمها ١ عدم عللها الموجبة لها، وهي خيرات محضة، فيلزم من عدمها عدم الخيرات المحضة، وذلك شر محض، فإذن لا بد من وجود هذا القسم.
فإن قيل ٢: فلم لم يخلق الخالق هذه الأشياء عرية عن ٣ كل الشرور؟ فنقول: لأنه لو جعلها كذلك لكان هذا هو القسم الأول، وذلك مما قد فرغ منه.
وبقي في العقل قسم آخر وهو الذي يكون خيره غالبا على شره.
وقد بينا أن الأولى بهذا القسم أن يكون موجودا".
قال: "وهذا الجواب لا يعجبني لأن لقائل أن يقول: إن جميع هذه الخيرات والشرور إنما توجد باختيار الله تعالى وإرادته، مثلا الاحتراق ٤ الحاصل عقيب النار ليس موجبا عن ٥ النار، بل الله تعالى اختار خلقه عقيب مماسة النار، وإذا كان حصول الاحتراق عقيب مماسة النار ٦ باختيار الله وإرادته فكان ٧ يمكنه أن يختار خلق الإحراق عندما يكون خيرا ولا يختار خلقه عندما يكون شرا.
ولا خلاص عن هذه المطالبة إلا ببيان كونه سبحانه وتعالى فاعلا بالذات، لا بالقصد
والاختيار.
ويرجع حاصل ١ الكلام في هذه المسألة إلى مسألة القدم والحدوث".
قلت: لما لم يكن عند الرازي إلا مذهب الفلاسفة المشائين القائلين بالموجب بالذات، أومذهب القدرية المعتزلة ٢ القائلين بوجوب رعاية الصلاح أو الأصلح، أو مذهب الجبرية نفاة الأسباب والعلل والحكم؛ وكان الحق عنده مترددا بين هذه المذاهب الثلاثة، فتارة يرجح مذهب المتكلمين، وتارة مذهب المشائين، وتارة يلقي الحرب بين الطائفتين ويقف في النظارة، وتارة يتردد بين ٣ الطائفتين؛ وانتهى إلى هذا المضيق ورأى أنه لا خلاص له منه إلا بالتزام طريق الجبرية -وهي غير مرضية ٤ عنده، وإن كان في كتبه الكلامية يعتمد عليها ويرجع في مباحثه إليها- أو طريق ٥ المعتزلة القائلين برعاية الصلاح وهي متناقضة غير مطردة = لم يجد بدا من تحيزه إلى أعداء الملة القائلين بأن الله لا قدرة له ولا مشيئة ولا اختيار ولا فعل يقوم به، ومعلوم أن هذه المذاهب بأسرها باطلة متناقضة، وإن كان بعضها أبطل من بعض.
وإنما ألجأه إلى التزام القول بإنكار الفاعل المختار في هذا المقام تسليمه لهم الأصول الفاسدة والقواعد الباطلة التي قادت إلى التزام بعض أنواع الباطل.
ولو أعطى الدليل حقه، وضم ما مع كل طائفة من الحق إلى حق الطائفة الأخرى، وتحيز إلى ما جاءت به الرسل، على علم وبصيرة، وتقرير ١ لما جاؤوا به بجميع طرق الحق، لخلص ٢ من تلك المطالبات مع إقراره بأن رب العالمين فعال لما يريد، يفعل بمشيئته وقدرته وحكمته ٣، وأن له المشيئة النافذة والحكمة البالغة، وأن تقدير تجريد النار عما خلقت عليه من الإحراق، والماء عما خلق عليه، والرياح والنفوس البشرية عما هيئت له وخلقت عليه = مناف ٤ للحكمة المطلوبة المحبوبة للرب سبحانه؛ وأن هذا تقدير لعالم آخر غير هذا العالم، وتعطيل للأسباب التي نصبها ٥ الله مقتضيات لمسبباتها، وأن
تلك الأسباب مظهر حكمته وحمده، وموضع تصرفه بخلقه ٦ وأمره.
فتقدير تعطيلها تعطيل للخلق والأمر، وهو أشد منافاة للحكمة وإبطالا لها؛ واقتضاء هذه الأسباب لمسبباتها كاقتضاء الغايات لأسبابها، فتعطيلها عنها ٧ قدح في الحكمة، وتفويت لمصلحة العالم التي عليها نظامه وبها قوامه.
ولكن الرب سبحانه قد يخرق العائدة ٨، ويعطلها عن مقتضياتها
أحيانا إذا كان فيه مصلحة راجحة على مفسدة فوات تلك المسببات، كما عطل النار التي ألقي فيها إبراهيم وجعلها عليه بردا وسلاما عن الإحراق لما في ذلك من المصالح ١ العظيمة.
وكذلك تعطيل الماء عن إغراق موسى وقومه وعما خلق عليه من الإسالة والتقاء أجزائه بعضها ببعض = هو لما فيه من المصالح العظيمة والآيات الباهرة والحكمة التامة التي ظهرت في الوجود، وترتب عليها من مصالح الدنيا والآخرة ما ترتب.
وهكذا -سبحانه- سائر أفعاله ٢، مع أنه شهد ٣ عباده بذلك أنه هم ٤ مسبب الأسباب، وأن الأسباب خلقه وملكه ٥، وأنه يملك تعطيلها عن مقتضياتها وآثارها، وأن جعلها ٦ كذلك لم يكن من ذاتها وأنفسها، بل هو الذي جعلها كذلك، وأودع فيها من القوى والطبائع ما اقتضت به آثارها، وأنه إن شاء أن يسلبها إياها سلبها، لا كما يقول أعداؤه من الفلاسفة والطبائعيين ٧ وزنادقة الأطباء إنه ليس في الإمكان ٨ تجريد هذه الأسباب عن آثارها وموجباتها، ويقولون:
لا تعطيل في الطبيعة.
وليست الطبيعة عندهم مربوبة مقهورة تحت قهر قاهر وتسخير مسخر يصرفها كيف يشاء، بل هي المتصرفة المدبرة.
ولا كما يقول من نقص ١ علمه ومعرفته بأسرار مخلوقاته وما أودعها من القوى والطبائع والغرائز، وبالأسباب التي ربط بها خلقه وأمره وثوابه وعقابه؛ فجحد ذلك كله، ورد الأمر إلى مشيئة محضة مجردة عن الحكمة والغاية وعن ارتباط العالم بعضه ببعض ارتباط الأسباب بمسبباتها، والقوى بمحالها.
ثم المحذور اللازم من إنكار الفاعل المختار الفعال ٢ لما يريد بقدرته ومشيئته فوق كل محذور، فإن القائل بذلك يجعل هذه الشرور بأسرها لازمة له لزوم الظل ٣ لحامله والحرارة للنار، لا يمكنه ٤ دفعها ولا تخليص الخيرات منها ٥.
فهم فروا من إضافة الشر إلى خلقه ومشيئته واختياره، ثم ألزموه إياه، وأضافوه إليه إضافة لا يمكن إزالتها، مع تعطيل قدرته ومشيئته وخلقه وعلمه بتفاصيل أحوال عباده؛ وفي ذلك تعطيل ربوبيته للعالمين.
ففروا من محذور بالتزام عدة محاذير، واستجاروا من الرمضاء بالنار! ٦
وهذا كما نزهه الجهمية عن استوائه على عرشه وعلوه على مخلوقاته
فرارا ١ من التحيز والجهة، ثم جعلوه سبحانه في كل مكان مخالطا للقاذورات والأماكن المكروهات وكل مكان يأنف العاقل من مجاورته.
ففروا من تخصصه بالعلو، فعمموا به كل مكان!
ولما علمت الفرعونية بطلان هذا المذهب فروا إلى شر منه، فأخلوا داخل العالم وخارجه منه البتة، وقالوا: ليس فوق العرش رب يعبد، ولا إله يصلى له ويسجد، ولا ترفع إليه الأيدي، ولا يصعد إليه الكلم الطيب والعمل الصالح، ولا عرج بمحمد -صلى الله عليه وآله وسلم- إليه بل عرج به إلى عدم صرف، ولا فرق بالنسبة إليه بين العرش وبين أسفل سافلين ٢.
ومن المعلوم أنه ليس موجودا في أسفل سافلين، فإذا لم يكن موجودا فوق العرش فهذا إعدام له البتة وتعطيل لوجوده.
فلما رأت الحلولية وإخوانهم من الاتحادية أشباه النصارى ما في ذلك من الإحالة قالوا: بل هو هذا الوجود الساري في الوجودات ٣، الظاهر فيها على اختلاف صورها وأنواعها بحسبها ٤.
فهو في الماء ماء، وفي الخمر خمر، وفي النار نار، وهو حقيقة كل شيء وماهيته.
فنزهوه عن استوائه على عرشه، وجعلوه وجود كل موجود خسيس أو شريف، صغير أو كبير، طيب أو غيره، تعالى الله عما يقول أعداؤه علوا كبيرا.
وكذلك القائلون بقدم العالم نزهوه عن قيام الإرادات والأفعال المتجددة به، ثم جعلوا جميع الحوادث لازمة له لا ينفك عنها.
ونزهوه عن إرادته ١ لخلق العالم وأن يكون صدوره عن مشيئته وإرادته، وجعلوه لازما لذاته كالمضطر إلى صدوره عنه.
وكذلك المعتزلة الجهمية نزهوه عن صفات كماله لئلا يقعوا في تشبيه ٢، ثم شبهوه بخلقه في أفعاله، وحكموا عليه بحسن ما يحسن منهم وقبح ما يقبح منهم، مع تشبيهه بها ٣ في سلب صفات كماله بالجمادات والناقصات.
فإن ٤ من فر من إثبات السمع والبصر والكلام والحياة له ٥ لئلا يشبهه، فقد شبهه بالأحجار التي لا تسمع ولا تبصر ولا تتكلم.
ومن عطله عن صفة الكلام لما يلزم من تشبيه يزعمه ٦، فقد شبهه بأصحاب الخرس والآفات الممتنع منهم الكلام ٧.
ومن نزهه عن نزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا، ودنوه عشية عرفة من أهل الموقف، ومجيئه يوم القيامة للقضاء بين عباده، فرارا من تشبيهه بالأجسام، فقد شبهه بالجماد الذي لا يتصرف ولا يفعل ولا يجيء
ولا يأتي ولا ينزل.
ومن نزهه عن أن يفعل لغرض أو حكمة أو لداع إلى الفعل، حذرا من تشبيهه بالفاعلين لذلك، فقد شبهه بأهل السفه والعبث الذين لا يقصدون بأفعالهم غاية محمودة ولا غرضا مطلوبا محبوبا.
ومن نزهه عن خلق أفعال عباده وتصرفه فيهم بالهداية والإضلال وتخصيص من شاء منهم بفضله أو منعه لمن شاء، حذرا من الظلم بزعمه، فقد وصفه بأقبح الظلم والجور حيث يخلد في أطباق النيران من استنفد عمره كله في طاعته، إذا فعل قبل الموت كبيرة واحدة، فإنها تحبط جميع تلك الطاعات، وتجعلها هباء منثورا، ويخلد في جهنم مع الكفار ما لم يتب منها، إلى غير ذلك من أصولهم الفاسدة.
فهذا وأمثاله فروا منه ١، وهدى ٢ الله الذين آمنوا لما اختلفوا من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.
قاعدة كمال العبد وصلاحه يتخلف عنه من أحد ١ جهتين:
إما أن تكون طبيعته يابسة قاسية غير لينة ولا منقادة ولا قابلة لما به كمالها وفلاحها ٢.
وإما أن تكون لينة منقادة سلسة القياد، لكنها غير ثابتة على ذلك، بل سريعة الانتقال عنه كثيرة التقلب.
فمتى رزق العبد انقيادا للحق وثباتا عليه فليبشر، فقد يسر لكل خير ٣، وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
قاعدة
إذا ابتلى الله عبده بشيء من أنواع البلايا ١ والمحن فإن رده ذلك الابتلاء والامتحان ٢ إلى ربه، وجمعه عليه، وطرحه ببابه، فهو علامة سعادته وإرادة الخير به.
والشدة بتراء لا دوام لها وإن طالت، فتقلع عنه حين تقلع، وقد عوض منها أجل عوض وأفضله، وهو رجوعه إلى الله بعد أن كان شاردا عنه، وإقباله عليه بعد أن كان نائيا عنه، وانطراحه على بابه وقد كان عنه معرضا ٣، وللوقوف على أبواب غيره متعرضا.
وكانت البلية في حق هذا عين النعمة، وإن ساءته، وجمرهها طبعه، ونفرت منها نفسه.
فربما كان مكروه النفوس إلى ... محبوبها سببا ما مثله سبب ٤
وقوله تعالى في ذلك هو الشفاء والعصمة: ﴿وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون (٢١٦)﴾ [البقرة/ ٢١٦].
وإن لم يرده ذلك البلاء إليه، بل شرد قلبه عنه، ورده إلى الخلق، وأنساه ذكر ربه، والضراعة إليه، والتذلل بين يديه، والتوبة والرجوع
إليه؛ فهو علامة شقاوته وإرادة الشر به.
فهذا إذا أقلع عنه البلاء رده إلى حكم طبيعته، وسلطان شهوته، ومرحه وفرحه؛ فجاءت طبيعته عند القدرة بأنواع الأشر والبطر والإعراض عن شكر المنعم عليه بالسراء، كما أعرض عن ذكره والتضرع إليه في الضراء.
فبلية هذا وبال عليه وعقوبة ونقص في حقه، وبلية الأول تطهير له ورحمة وتكميل.
وبالله التوفيق ١.