مستلزم ١ لعدمه.
والنفس تطلب سبب العدم، فتقول: لم لم يوجد كذا؟ فيقال: لعدم كذا، فيضاف عدم المعلول ٢ إلى عدم علته، لا إضافة تأثير، ولكن إضافة استلزام وتعريف.
وأما التعليل بالمانع فلا يكون إلا مع قيام السبب إذا جعل المانع مقتضيا للعدم، وأما إذا أريد قياس الدلالة فوجود المانع يستلزم عدم الحكم سواء كان المقتضى موجودا أو لم يكن.
والمقصود أن ما عدمته النفس من كمالها فمنها، فإنها لا تقتضي إلا العدم، أي عدم استعداد نفسه ٣ وقوتها هو السبب في عدم هذا الكمال.
فإنه كما يكون أحد الوجودين سببا للآخر، فكذلك أحد العدمين يكون سببا لعدم الآخر.
والموجود الحادث يضاف إلى السبب المقتضي لإيجاده، وأما المعدوم فلا يحتاج استمراره على العدم إلى فاعل يحدث العدم، بل يكفي في استمراره عدم مشيئة الفاعل المختار له.
فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن لانتفاء مشيئته، فانتفاء مشيئة كونه سبب عدمه.
وهذا معنى قولهم: "عدم علة الوجود علة العدم".
وبهذا الاعتبار الممكن القابل للوجود والعدم لا يترجح أحد طرفيه ٤ إلا بمرجح، فمرجح عدمه عدم مرجحه، ومعنى الترجيح والسببية ههنا الاستلزام لا التأثير، كما تقدم.
فظهر استحالة إضافة هذا الشر إلى الله عز وجل.
وأما الشر الثاني، وهو الشر الوجودي -كالعقائد الباطلة والإرادات الفاسدة- فهو من لوازم ذلك العدم.
فإنه متى عدم العلم ١ النافع والعمل الصالح من النفس لزم أن يخلفه الشر والجهل وموجبهما، ولا بد، لأن النفس لا بد لها من أحد الضدين، فإذا لم تشتغل بالضد النافع الصالح اشتغلت بالضد الضار الفاسد.
وهذا الشر الوجودي هو من خلقه تعالى، إذ لا خالق سواه، وهو خالق كل شيء، لكن كل ما خلقه الله فلا بد أن يكون له في خلقه حكمة لأجلها خلقه، فلو لم يخلقه فاتت تلك الحكمة.
وليس في الحكمة تفويت هذه الحكمة التي هي أحب إليه سبحانه من الخير الحاصل بعدمها، فإن في وجودها من الحكمة ٢ والغايات التي يحمد عليها سبحانه أضعاف ما في عدمها من ذلك، ووجود الملزوم بدون لازمه ممتنع.
وليس في الحكمة تفويت هذه الحكمة العظيمة لأجل ما يحصل للنفس من الشر، مع ما حصل من الخيرات التي لم تكن تحصل بدون هذا الشر، ووجود الشيء ٣ لا يكون إلا مع وجود لوازمه وأنتفاء أضداده، فانتفاء لوازمه يكون ممتنعا لغيره، وحينئذ فقد يكون هدي هذه النفوس الفاجرة وسعادتها ٤ مشروطا بلوازم لم تحصل، أو بانتفاء أضداد لم تنتف.
فإن قيل: فهلا حصلت تلك اللوازم وانتفت تلك الأضداد؟ فهذا هو
السؤال الأول، وقد بينا أن لوازم هذا الخلق وهذه النشأة وهذا العالم لا بد منها، فلو قدر عدمها لم يكن هذا العالم بل عالما آخر ونشأة أخرى وخلقا آخر.
وبينا أن هذا السؤال بمنزلة أن يقال: هلا تجرد الغيث والأنهار عما يحصل به من تغريق وتعويق ١ وتخريب وأذى؟ وهلا تجردت الشمس عما يحصل منها من حر وسموم وأذى؟ وهلا تجردت طبيعة الحيوان عما يحصل له من ألم وموت وغير ذلك؟ وهلا تجردت الولادة عن ٢ مشقة الحمل والطلق وألم الوضع؟ وهلا تجرد بدن الإنسان ٣ عن قبوله للآلام والأوجاع واختلاف الطبائع الموجبة لتغير أحواله؟ وهلا تجردت فصول العام عما يحدث ٤ فيها من البرد الشديد القاتل، والحر الشديد المؤذي؟
فهل يقبل عاقل هذا السؤال أو يورده؟ وهل هذا إلا بمنزلة أن يقال: لم كان المخلوق فقيرا محتاجا، والفقر والحاجة صفة نقص، فهلا تجرد منها وخلعت عليه خلعة الغنى المطلق والكمال المطلق؟ فهل يكون مخلوقا إذا كان غنيا غنى مطلقا، ومعلوم أن لوازم الخلق لا بد منها فيه؟
ولا بد للعلو من سفل، وللسفل ٥ من مركز.
ولوازم العلو من السعة والإضاءة والبهجة والخيرات، وما هناك من الأرواح العلوية النيرة المناسبة لمحلها، وما يليق بها ويناسبها من الابتهاج والسرور والفرح والقوة
والتجرد من علائق المواد السفلية ١ لا بد منها.
ولوازم السفل والمركز من الضيق والحصر، ولوازم ذلك من الظلمة والغلظ والشر، وما هنالك من الأرواح السفلية المظلمة الشريرة وأعمالها وآثارها لا بد منها ٢.
فهما عالمان علوي وسفلي، ومحلان وساكنان تناسبهما مساكنهما وأعمالهما وطبائعهما، وقد خلق كل ٣ من المحلين معمورا بأهليه وساكنيه، حكمة بالغة وقدرة قاهرة.
وكل من هذه الأرواح لا يليق بها غير ما خلقت له مما يناسبها ويشاكلها.
قال تعالى: ﴿قل كل يعمل على شاكلته﴾ [الإسراء/ ٨٤] أي على ما يشاكله ويناسبه ويليق به، كما يقول الناس: "كل إناء بالذي فيه ينضح" ٤.
فمن أراد ٥ من الأرواح الخبيثة السفلية أن تكون مجاورة للأرواح الطيبة العلوية في مقام الصدق بين الملأ الأعلى فقد أراد ما تأباه حكمة أحكم الحاكمين.
ولو أن ملكا من ملوك الدنيا جعل خاصته وحاشيته سفلة الناس وسقطهم وغرثهم ٦ الذين
تناسبت ١ أقوالهم وأعمالهم وأخلاقهم في القبح والرداءة والدناءة لقدح الناس في ملكه وقالوا: لا يصلح للملك.
فما الظن بمجاوري الملك الأعظم مالك الملوك في داره وتمتعهم برؤية وجهه وسماع كلامه ومرافقتهم للملأ الأعلى الذين هم أطيب خلقه وأزكاهم وأشرفهم؟
أفيليق بذلك الرفيق الأعلى والمحل الأسنى والدرجات العلى روح سفلية أرضية قد أخلدت إلى الأرض، وعكفت على ما تقتضيه طباعها ٢ مما يشاركها ٣ فيه بل قد يزيد عليها ٤ الحيوان البهيم، وقصرت همتها عليه، وأقبلت بكليتها عليه، لا ترى نعيما ٥ ولا لذة ولا سرورا إلا ما وافق طباعها من مأكل ٦ ومشرب ومنكح من أين كان وكيف اتفق.
فالفرق بينها وبين الحمير والكلاب والبقر بانتصاب القامة ونطق اللسان والأكل باليد، وإلا فالقلب والطبع على قلوب ٧ هذه الحيوانات
وطباعها، وربما كانت طباع الحيوانات خيرا من طباع هؤلاء وأسلم وأقبل للخير.
ولهذا جعلهم سبحانه شر الدواب، فقال: ﴿إن شر الدواب عند الله الصم البكم الذين لا يعقلون (٢٢) ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون (٢٣)﴾ [الأنفال/ ٢٢، ٢٣].
فهل يليق بحكمة العزيز الحكيم أن يجمع بين خير البرية وأزكى الخلق وبين شر البرية وشر الدواب في دار واحدة، يكونون فيها على حال واحدة من النعيم أو العذاب؛ قال تعالى: ﴿أفنجعل المسلمين كالمجرمين (٣٥) ما لكم كيف تحكمون (٣٦)﴾ [القلم/ ٣٥ - ٣٦]. فأنكر عليهم الحكم بهذا، وأخرجه مخرج الإنكار لا مخرج الإخبار، لينبه العقول على أن هذا مما تحيله الفطر وتأباه العقول السليمة.
وقال تعالى: ﴿لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة أصحاب الجنة هم الفائزون (٢٠)﴾ [الحشر/ ٢٠].
وقال تعالى: ﴿أم نجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض أم نجعل المتقين كالفجار (٢٨)﴾ [ص/ ٢٨].
وقال تعالى: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون إنما يتذكر أولو الألباب (٩)﴾ [الزمر/ ٩].
بل الواحد من الخلق لا تستوي أعاليه وأسافله، فلا يستوي عقبه وعينه، ولا رأسه ورجلاه، ولا يصلح أحدهما لما يصلح له الآخر.
والله ١ عز وجل قد خلق الخبيث والطيب، والسهل والحزن، والضار والنافع.
وهذه أجزء الأرض: منها ما يصلح جلاء للعين، ومنها ما يصلح للأتون ٢ والنار.
وبهذا ونحوه يعرف كمال القدرة وكمال الحكمة.
فكمال القدرة
بخلق الأضداد، وكمال الحكمة بتنزيلها ١ منازلها ووضع كل منها في موضعه.
والعالم من لا يلقي الحرب بين قدرة الله وحكمته، فإن آمن بالقدرة قدح في الحكمة وعطلها، وإن آمن بالحكمة قدح في القدرة ونقضها ٢؛ بل يربط القدرة بالحكمة، ويعلم شمولهما لجميع ما خلقه الله ويخلقه، فكما أنه لا يكون إلا بقدرته ومشيئته، فكذلك لا يكون إلا بحكمته.
وإذا كان لا سبيل للعقول البشرية إلى الإحاطة بهذا تفصيلا، فيكفيها الإيمان بما تعلم وتشاهد منه، ثم تستدل على الغائب بالشاهد، وتعتبر ما علمت بما لم تعلم ٣.
وقد ضرب الله سبحانه الأمثال لعباده في كتابه، وبين لهم ما في لوازم ما خلقه لهم وأنزله عليهم من الغيث الذي به حياتهم وأقواتهم وحياة الأرض والدواب، وما خلقه لهم من النار ٤ التي بها صلاح أبدانهم وأقواتهم وصنائعهم، من الشر الجزئي ٥ المغمور بالإضافة إلى الخير الحاصل بذلك، فقال تعالى: ﴿أنزل من السماء ماء فسالت أودية بقدرها فاحتمل السيل زبدا رابيا ومما يوقدون عليه في النار ابتغاء حلية أو متاع زبد مثله كذلك يضرب الله الحق والباطل فأما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض كذلك يضرب الله الأمثال (١٧)﴾ [الرعد/ ١٧].
فأخبر سبحانه أن الماء بسبب مخالطته الأرض ٦ إذا سال فلا بد من
أن يحمل السيل من الغثاء والوسخ وغيره زبدا عاليا على وجه السيل.
فالذي لا يعرف ما تحت الزبد يقصر نظره عليه، ولا يرى إلا غثاء ووسخا ونحو ذلك، ولا يرى ما تحته من مادة الحياة.
وكذلك ما يستخرج من المعادن من الذهب والفضة والحديد والنحاس ١ وغيرها، إذا أوقد عليها في النار لتتهيأ للانتفاع ٢ بها خرج منها خبث ليس من جوهرها ولا ينتفع به.
وهذا لا بد منه في هذا وهذا ٣.
وقد ذم تعالى من ضعفت بصيرته من المنافقين، وعمي عما في القرآن مما به ينال كل سعادة وعلم وهدى وصلاح وخير في الدنيا والآخرة، ولم يجاوز ٤ بصره وسمعه رعود وعيده وبروقها وصواعقها، وما أعد الله لأعدائه من عذابه ونكاله وخزيه وعقابه، الذي هو -بالإضافة إلى ما فيه من حياة القلوب والأرواح، ومن ٥ المعارف الإلهية، وتبيين ٦ طريق العبودية التي هي غاية كمال العبد- يسير ٧، وهو مقصود لتكميل ذلك وتمامه.
قال تعالى: ﴿مثلهم كمثل الذي استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله ذهب الله بنورهم وتركهم في ظلمات لا يبصرون (١٧) صم بكم عمي فهم لا يرجعون (١٨) أو كصيب من السماء فيه ظلمات ورعد وبرق يجعلون أصابعهم في آذانهم من الصواعق
حذر الموت والله محيط بالكافرين (١٩) يكاد البرق يخطف أبصارهم كلما أضاء لهم مشوا فيه وإذا أظلم عليهم قاموا ولو شاء الله لذهب بسمعهم وأبصارهم إن الله على كل شيء قدير (٢٠)﴾ [البقرة/ ١٧ - ٢٠]. فهكذا حال كل من قصر نظره في بعض مخلوقات الرب تعالى على ما لابد منه من شر جزئي جدا بالإضافة إلى الخير الكثير.
ولو لم يكن ١ في هذه النشأة الإنسانية إلا خاصته وأولياؤه من رسله وأنبيائه وأتباعهم لكفى بها خيرا ومصلحة، ومن عداهم ٢ -وإن كانوا أضعاف أضعافهم- فهم كالقش والزبالة وغثاء السيل، لا يعبأ بكثرتهم، ولا يقدح في الحكمة الإلهية، بل وجود الواحد الكامل من هذا النوع يغتفر معه آلاف ٣ مؤلفة من النوع الآخر.
فإنه إذا وجد واحد يوازن البرية ويرجح عليها كان الخير الحاصل بوجوده والحكمة والمصلحة أضعاف الشر الحاصل من وجود أضداده، وأثبت وأنفع وأحب إلى الله من فواته ٤، بتفويت ذلك الشر المقابل له.
وهذا كالشمس، فإن الخير الحاصل بها أنفع للخلق وأكثر وأثبت وأصلح من تفويته بتفويت الشر المقابل له بها.
وأين نفع الشمس وصلاح النبات والحيوان بها من نفع الرسل وصلاح الوجود بهم؟ بل أين ذلك من نفع سيد ولد آدم، وصلاح القلوب و٥ الأبدان والدنيا والآخرة به؟
وقد ضرب للنفس الإنسانية وما فيها من الخير والشر مثل بدولاب أو
طاحون شديد الدوران، أي شيء خطفه ألقاه تحته وأفسده، وعنده قيمه الذي يديره ١، وقد أحكم أمره لينتفع به ولا يضر أحدا.
فربما جاء الغر الذي لا يعرف فيتقرب منه ٢، فيخرق ثوبه أو بدنه، أو يؤذيه.
فإذا قيل لصاحبه: لم لم تجعله ساكنا لا يؤذي من اقترب منه؟ قال: هذه صفته اللازمة التي كان بها دولابا وطاحونا، ولو جعل ٣ على غير هذه الصفة لم تحصل به الحكمة المطلوبة منه.
وكذلك إذا قدرنا ٤ نار الأتون التي تحرق ما وقع فيها، وعندها وقاد حاذق يحشها ٥، فإذا غفل عنها أفسدت.
وإذا أراد أحد أن يقرب منها نهاه وحذره، فإذا استغفله من قرب منها حتى أحرقته لم يقل لصاحب النار: هلا قللت حرها لئلا تفسد من يقرب ٦ منها وتحرقه؟ فإنه يقول: هذه صفتها التي لا يحصل المقصود منها إلا بها، ولو جعلتها دون ذلك لم تحرق أحجار الكلس ٧، ولم تطبخ الآجر، ولم تنضج الأطعمة الغليظة ونحو ذلك.
فما يحصل من الدولاب والطاحون ومن النار من نفعها هو من فضل الله ورحمته، وما يحصل بها من شر هو من طبيعتها التي خلقت عليها، التي ٨ لا تكون نارا إلا بها، فلو خرجت عن تلك الطبيعة لم تكن نارا،
وكذلك النفس، ما ١ يحصل لها من شر فهو منها ومن طبيعتها ولوازم نقصها وعدمها، وما حصل لها من خير فهو من فضل الله ورحمته.
والله خالقها وخالق كل شيء قام بها من قدرة وإرادة وعلم وعمل وغير ذلك.
فأما ٢ الأمور العدمية فهي باقية على ما كانت عليه من العدم، والإنسان جاهل ظالم بالضرورة، كما قال تعالى: ﴿وحملها الإنسان إنه كان ظلوما جهولا (٧٢)﴾ [الأحزاب/ ٧٢]، فإن الله أخرجه من بطن أمه لا يعلم شيئا.
والظلم هو النقص، كما قال تعالى: ﴿آتت أكلها ولم تظلم منه شيئا﴾ [الكهف/ ٣٣]، أي لم تنقص منه شيئا ٣، وهي ظالمة نفسها فهي الظالمة المظلومة، إذ كانت منقوصة من كمالها بعدم بعض الكمالات أو أكثرها منها ٤.
وتلك الكمالات التي عدمت كان وجودها سببا لكمالات أخر، فصار عدمها مستلزما لعدم تلك الكمالات، فعظم النقص، واشتد العيب بحسبه، وفقدت من لذاتها وسرورها ونعيمها ٥ وبهجتها وروحها بحسب ما فقدت من تلك الكمالات ٦ التي لا سعادة لها بدونها، فإن أحد الموجودين قد يكون مشروطا بالآخر فيستحيل وجوده بدونه، لأن عدم الشرط يستلزم عدم المشروط.
فإذا عدمت النفس هذا الكمال المستلزم لكمال آخر مثله أو أعلى منه، وهي موصوفة بالنقص الذي هو
الظلم والجهل ولوازمها من أصل الخلقة = صارت مستلزمة للشر، وقوة شرها وضعفه بحسب قوتها وضعفها في ذاتها.
وتأمل أول نقص دخل على أبي البشر وسرى إلى أولاده كيف كان من عدم العلم والعزم.
قال تعالى: ﴿ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي ولم نجد له عزما (١١٥)﴾ [طه/ ١١٥]. والنسيان سواء كان عدم العلم أو عدم الصبر كما فسر بهما ههنا فهو أمر عدمي، ولهذا قال آدم لما رأى ما دخل عليه من ذلك: ﴿ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (٢٣)﴾ [الأعراف/ ٢٣].
فإنه ١ اعترف بنقص حظ نفسه ٢ -بما حصل لها من عدم العلم والصبر- بالنسيان الذي أوجب فوات حظه من الجنة.
ثم قال: ﴿وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين (٢٣)﴾ [الأعراف/ ٢٣] فإنه سبحانه إن لم يغفر السيئات الوجودية، فيمنع أثرها وعقابها، ويقي ٣ العبد ذلك ٤ وإلا ضرته آثارها ولا بد، كآثار الطعام المسموم إن لم يتداركه المداوي بشرب الترياق ونحوه وإلا ٥ ضره ولا بد.
وإن لم يرحمه سبحانه بإيجاد ما به تصلح ٦ النفس وتصير عالمة بالحق عاملة به وإلا خسر، فالمغفرة ٧ تمنع الشر، والرحمة توجب الخير، والرب
سبحانه إن لم يغفره للإنسان فيقيه السيئات، ويرحمه فيؤتيه ١ الحسنات وإلا هلك ولا بد، إذ كان ظالما لنفسه ظلوما بنفسه.
فإن نفسه ليس عندها خير يحصل لها منها، وهي متحركة بالذات، فإن لم تتحرك إلى الخير تحركت إلى الشر فضرت صاحبها.
وكونها متحركة بالذات من لوازم كونها نفسا لأن ما ليس حساسا متحركا بالإرادة فليس نفسا.
وفي ٢ الصحيح عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "أصدق الأسماء حارث وهمام" ٣ فالحارث: الكاسب العامل، والهمام: الكثير الهم، والهم مبدأ الإرادة، فالنفس لا تكون إلا مريدة عاملة؛ فإن لم توفق للإرادة الصالحة وإلا وقعت في الإرادة الفاسدة والعمل الضار ٤.
وقد قال تعالى: ﴿إن الإنسان خلق هلوعا (١٩) إذا مسه الشر جزوعا (٢٠) وإذا مسه الخير منوعا (٢١) إلا المصلين (٢٢)﴾ [المعارج/ ١٩ - ٢٢] فأخبر تعالى أن الإنسان خلق على هذه الصفة، وإن من كان على غيرها فلأجل ما زكاه الله به من فضله وإحسانه.
وقال تعالى: ﴿وخلق الإنسان ضعيفا (٢٨)﴾ [النساء/ ٢٨] قال طاووس ومقاتل وغيرهما: لا يصبر عن النساء ٥.
وقال الحسن: هو خلقه من
ماء مهين ١.
وقال الزجاج: ضعف عزمه عن قهر الهوى ٢.
والصواب أن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أعظم من هذا وأكثر، فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر.
والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في الحدور ٣.
فبالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخفى عنه هذا المسعد ٤ المعين فالهلاك أقرب إليه من نفسه.
وخلقه على هذه الصفة هو من الأمور التي يحمد عليها الرب جل جلاله ويثنى عليه بها، وهو موجب حكمته وعزته.
فكل ما يحدث من هذه الخلقة وما ٥ يلزم عنها فهو بالنسبة إلى الخالق سبحانه خير وعدل وحكمة، إذ مصدر هذه الخلقة عن صفات كماله من غناه وعلمه وعزته وحكمته ورحمته.
وبالنسبة إلى العبد ينقسم ٦ إلى خير وشر وحسن
وقبيح، كما يكون ١ بالنسبة إليه طاعة ومعصية وبرا وفجورا، بل أخص من ذلك، مثل كونه ٢ صلاة وصياما وحجا وزنى وسرقة وأكلا وشربا، إذ ذلك موجب حاجته وظلمه وجهله وفقره وضعفه، وموجب أمر الله له ونهيه.
فلله ٣ سبحانه الحكمة البالغة والنعمة السابغة والحمد المطلق على جميع ما خلقه وأمر به، وعلى ما لم يخلقه مما لو شاء ٤ لخلقه، وعلى توفيقه الموجب لطاعته، وعلى خذلانه الموقع في معصيته.
وهو سبحانه سبقت رحمته غضبه، وكتب على نفسه الرحمة، وأحسن كل شيء خلقه، وأتقن كل ما صنع، وما يحصل للنفوس البشرية من الضرر والأذى فله سبحانه في ذلك أعظم حكمة مطلوبة، وتلك الحكمة إنما تحصل على الوجه الواقع المقدر بما خلق لها من الأسباب التي لا تنال غاياتها إلا بها، فوجود هذه الأسباب بالنسبة إلى الخالق الحكيم سبحانه هو من الحكمة.
ولهذا يقرن سبحانه في كتابه بين اسمه "الحكيم" واسمه "العليم" تارة، وبينه ٥ وبين اسمه "العزيز" تارة ٦، كقوله: ﴿والله عليم حكيم﴾ [النساء/ ٢٦، الأنفال/ ٧١]، ﴿والله عزيز حكيم﴾ [البقرة/ ٢٤٥، المائدة/ ٣٨]، وقوله: ﴿وكان الله عزيزا حكيما﴾ [النساء/ ١٥٨، ١٦٥، الفتح/ ٧، ١٩]، ﴿وكان الله عليما حكيما﴾ [الفتح/ ٤]، ﴿وإنك لتلقى القرآن
من لدن حكيم عليم (٦)﴾ [النمل/ ٦]، فإن العزة تتضمن القوة، ولله القوة جميعا.
يقال: عز يعز -بفتح العين- إذا اشتد وقوي، ومنه الأرض العزاز للصلبة ١ الشديدة؛ وعز يعز -بكسر العين- إذا امتنع ممن يرومه، وعز يعز -بضم العين- إذا غلب وقهر.
فأعطوا أقوى الحركات -وهي الضمة- لأقوى المعاني وهو الغلبة والقهر للغير، وأضعفها -وهي الفتحة- لأضعف هذه المعاني وهو كون الشيء في نفسه صلبا، ولا يلزم من ذلك أن يمتنع عمن يرومه؛ والحركة المتوسطة -وهي الكسرة- للمعنى المتوسط وهو القوي الممتنع عن غيره، ولا يلزم منه أن يقهر غيره ويغلبه.
فأعطوا الأقوى للأقوى، والأضعف للأضعف، والمتوسط للمتوسط ٢.
ولا ريب أن قهر المريد ٣ عما يريده من أقوى أوصاف القادر، فإن قهره عن إرادته وجعله غير مريد كان أقوى أنواع القهر، والعز ضد الذل، والذل أصله الضعف والعجز، ف