طريق الهجرتين وباب السعادتينفصل [في المحبة]
أهل الأثرالأرشيف العلمي

والمقصود الكلام على علل المقامات وبيان ما فيها من خطأ وصواب؛ ولما كان أبو العباس بن العريف رحمه الله قد تعرض لذلك في كتابه "محاسن المجالس"، ذكرنا كلامه فيه، وما له وما عليه.
ثم ذكر بعد هذا فصلا في المحبة، وفصلا في الشوق، فنذكر كلامه في ذلك وما يفتح الله به، تتميما للفائدة، ورجاء للمنفعة، وأن يمن الله العزيز الوهاب بفضله ورحمته، فيرقي عبده ١ من العلم إلى الحال، ومن الوصف إلى الاتصاف.
إنه قريب مجيب.

قال أبو العباس: "وأما المحبة فقد كثرت إشارة ٢ أهل التحقيق في العبارة عنها، وكل ٣ نطق بحسب ذوقه، وانفسح بمقدار شوقه" ٤.

قلت: الشيء إذا كان من ٥ الأمور الوجدانية الذوقية التي إنما تعلم بآثارها وعلاماتها، وكان مما يقع فيه التفاوت بالشدة والضعف، وكان له لوازم وآثار وعلامات متعددة = اختلفت العبارات عنه بحسب اختلاف هذه الأشياء.
وهذا شأن المحبة، فإنها ليست بحقيقة معاينة ٦ ترى

بالأبصار، فيشترك الواصفون لها في الصفة.
وهي في نفسها متفاوتة أعظم تفاوت، ما ١ بين العلاقة التي هي تعلق القلب بالمحبوب، والخلة التي هي أعلى مراتب الحب؛ وبينهما درجات متفاوتة تفاوتا لا ينحصر.
ولها آثار توجبها، وعلامات تدل عليها، فكل أدرك بعض آثارها أو ٢ بعض علاماتها، فعبر بحسب ما أدركه.
وهي وراء ذلك كله: ليس اسمها كمسماها، ولا لفظها مبين لمعناها.

وكذلك اسم المصيبة والبلية والشدة والألم إنما تدل أسماؤها عليها نوع دلالة لا تكشف حقيقتها، ولا تعلم حقيقتها إلا بذوقها ووجودها.
وفرق بين الذوق والوجود، وبين التصور والعلم.
فالحدود والرسوم التي قيلت في المحبة صحيحة غير وافية بحقيقتها، بل هي إشارات وعلامات وتنبيهات.

فصل [حد للمحبة والكلام عليه]

قال: "وهي -على الإجمال قبل أن ننتهي إلى التفصيل- وجود تعظيم في القلب يمنع الانقياد لغير محبوبه" ٣.

فيقال: التعظيم ٤ المانع من الانقياد لغير المحبوب هو أثر من آثار

المحبة وموجب من موجباتها، لا أنه نفس المحبة، فإن المحبة إذا كانت صادقة أوجبت للمحب تعظيما لمحبوبه يمنعه من انقياده إلى غيره.
وليس مجرد التعظيم هو المانع له من الانقياد إلى غيره، بل التعظيم المقارن للحب هو الذي يمنع من الانقياد إلى غير المحبوب.
فإن التعظيم إذا كان مجردا عن الحب لم يمنع انقياد القلب إلى غير المعظم.
وكذلك إذا كان الحب خاليا عن التعظيم لم يمنع المحب أن ينقاد إلى غير محبوبه.
فإذا اقترن الحب بالتعظيم، وامتلأ القلب بهما، امتنع انقياده إلى غير المحبوب.

و

المحبة المشتركة ثلاثة أنواع:

أحدها: محبة طبيعية مشتركة، كمحبة الجائع للطعام، والظمآن للماء، وغير ذلك.
وهذه لا تستلزم التعظيم.

والنوع الثاني: محبة رحمة وإشفاق، كمحبة الوالد لولده الطفل، ونحوها.
وهذه أيضا لا تستلزم التعظيم.

والنوع الثالث: محبة أنس وإلف، وهي محبة المشتركين في صناعة أو علم أو مرافقة أو تجارة أو سفر لبعضهم ١ بعضا، وكمحبة الإخوة بعضهم بعضا.

فهذه الأنواع الثلاثة هي المحبة التي تصلح للخلق بعضهم من بعض، ووجودها فيهم لا يكون شركا في محبة الله.
ولهذا كان رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-

يحب الحلواء والعسل ١، وكان أحب الشراب إليه الحلو البارد ٢، وكان أحب اللحم إليه الذراع ٣.
وكان يحب نساءه، وكانت عائشة رضي الله عنها أحبهن إليه ٤.
وكان يحب أصحابه، وأحبهم إليه الصديق ٥ رضي الله عنه.

وأما المحبة الخاصة التي لا تصلح إلا لله وحده، ومتى أحب العبد بها غيره كان شركا لا يغفره الله، فهي محبة العبودية المستلزمة للذل والخضوع، والتعظيم، وكمال الطاعة، وإيثاره على غيره.
فهذه المحبة لا يجوز تعلقها بغير الله أصلا، وهي التي سوى المشركون بين آلهتهم وبين الله فيها، كما قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة/ ١٦٥]. وأصح القولين أن المعنى: يحبونهم كما يحبون الله، فيسوون ٦ بين الله وبين أندادهم

في الحب.
ثم نفى ذلك عن المؤمنين فقال: ﴿والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة/ ١٦٥]، فإن الذين آمنوا أخلصوا حبهم لله لم يشركوا به معه غيره، وأما المشركون فلم يخلصوه لله.

والمقصود من الخلق والأمر إنما هو هذه المحبة، وهي أول دعوة الرسل.
وآخر كلام العبد المؤمن الذي إذا مات عليه دخل الجنة اعترافه وإقراره بهذه المحبة، وإفراد الرب تعالى بها.
فهو أول ما يدخل به في الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا ١ إلى الله.
وجميع الأعمال كالأدوات والآلات لها، وجميع المقامات وسائل إليها، وأسباب لتحصيلها وتكميلها وتحصينها ٢ من الشوائب والعلل.
فهي قطب رحى السعادة، وروح الإيمان، وساق شجرة الإسلام.
ولأجلها أنزل الله الكتاب والحديد: فالكتاب هاد إليها، ودال عليها، ومفصل لها.
والحديد لمن خرج عنها، وأشرك فيها مع الله غيره.
ولأجلها خلقت الجنة والنار: فالجنة دار أهلها الذين أخلصوها لله وحده، فأخلصهم لها؛ والنار دار من أشرك فيها مع الله غيره، وسوى بينه وبين الله فيها، كما أخبر تعالى عن أهلها أنهم يقولون في النار لآلهتهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين (٩٧) إذ نسويكم برب العالمين (٩٨)﴾ [الشعراء/ ٩٧ - ٩٨].

وهذه التسوية لم تكن منهم في الأفعال والصفات بحيث اعتقدوا أنها مساوية لله في أفعاله وصفاته، وإنما كانت تسوية منهم بين الله وبينها في المحبة والعبودية فقط ٣، مع إقرارهم بالفرق بين الله وبينها، فتصحيح

هذه المسألة ١ هو تصحيح شهادة أن لا إله إلا الله.

فحقيق بمن ٢ نصح نفسه وأحب سعادتها ونجاتها أن يتيقظ لهذه المسألة علما وعملا وحالا، وتكون أهم الأشياء عنده، وأجل علومه وأعماله؛ فإن الشأن كله فيها، والمدار عليها، والسؤال يوم القيامة عنها.
قال تعالى: ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين (٩٢) عما كانوا يعملون (٩٣)﴾ [الحجر/ ٩٢ - ٩٣]. قال غير واحد من السلف: هو عن قول: "لا إله إلا الله" ٣.
وهذا حق، فإن السؤال كله عنها وعن أحكامها وحقوقها وواجباتها ولوازمها، فلا يسأل أحد قط إلا عنها وعن واجباتها ولوازمها وحقوقها.

قال أبو العالية: كلمتان يسأل عنهما الأولون والآخرون: ماذا كنتم تعبدون؟ وماذا أجبتم المرسلين؟ ٤ فالسؤال عماذا كانوا يعبدون هو السؤال عنها نفسها، والسؤال عماذا أجابوا المرسلين سؤال عن الوسيلة والطريق المؤدية إليها: هل سلكوها وأجابوا الرسل لما دعوهم إليها؟ فعاد الأمر كله إليها.

وأمر هذا شأنه حقيق بأن تثنى ٥ عليه الخناصر، ويعض عليه بالنواجذ، ويقبض فيه على الجمر.
ولا يؤخذ بأطراف الأنامل،

ولا يطلب على فضلة؛ بل يجعل هو المطلب الأعظم، وما سواه إنما يطلب على الفضلة.
والله الموفق لا إله غيره، ولا رب سواه.

فصول الكتاب · 53 فصل · 956 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين · 956 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]
فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى
العز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح
الثاني: حمد النعم والآلاء
قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريف
المقدمة
الرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]
فصل [حدود أخرى للمحبة]
الفصل الأول في حقيقته
فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة
ثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل