فصل المثال الثالث (^١): التوكل
.
قال أبو العباس: "هو للعوام أيضا؛ لأنه كلتك أمرك ٢ إلى مولاك، والتجاؤك إلى علمه ومعرفته ٣ لتدبير أمرك وكفاية همك.
وهذا في طريق الخواص عمى عن الكفاية ٤، ورجوع إلى الأسباب؛ لأنك رفضت الأسباب، ووقفت مع التوكل، فصار بدلا عن تلك الأسباب؛ فكأنك ٥ معلق بما رفضته من حيث معتقدك الانفصال.
وحقيقة التوكل عند القوم: التوكل في تخليص القلب من علة التوكل، وهو أن يعلم أن الله تعالى لم يترك أمرا مهملا، بل فرغ من الأشياء وقدرها.
وإن اختلف
منها شيء في المعقول ١، أو تشوش في المحسوس، أو اضطرب في المعهود، فهو المدبر له، وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت.
والمتوكل من أراح نفسه من كد ٢ النظر في مطالعة السبب، سكونا إلى ما سبق من القسمة، مع استواء الحالين عنده، وهو أن يعلم أن الطلب لا يجمع، والتوكل لا يمنع.
ومتى طالع بتوكله عرضا ٣ كان توكله مدخولا، وقصده معلولا.
فإذا خلص من رق هذه الأسباب، ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق الله، كفاه الله تعالى كل مهم".
ثم ذكر حكاية عن موسى -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه في رعايته نام عن غنمه، فاستيقظ، فوجد الذئب واضعا عصاه على عاتقه يرعاها، فعجب من ذلك، فأوحى الله إليه: "يا موسى، كن لي كما أريد، أكن لك كما تريد" ٤.
فيقال: الكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن جعله التوكل من منازل العوام باطل كما تقدم، بل الخاصة أحوج إليه من العامة، وتوكل الخواص أعظم من توكل العوام.
والتوكل مصاحب للصادق من أول قدم يضعه في الطريق إلى نهايته، وكلما ازداد قربه وقوي سيره ازداد توكله.
فالتوكل مركب السائر الذي لا يتأتى له السير إلا به، ومتى نزل عنه انقطع لوقته.
وهو من لوازم الايمان ومقتضياته.
قال الله تعالى: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (٢٣)﴾ [المائدة/ ١٢٣]. فجعل التوكل شرطا في الإيمان، فدل على انتفاء الإيمان عند انتفاء التوكل.
وفي الآية الأخرى: ﴿وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (٨٤)﴾ [يونس/ ٨٤] فجعل دليل صحة الإسلام التوكل.
وقال تعالى: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون﴾ [آل عمران/ ١٢٢] فذكر اسم الإيمان هاهنا دون سائر أسمائهم دليل على استدعاء الإيمان للتوكل، وأن قوة التوكل وضعفه بحسب قوة الإيمان وضعفه.
فكلما ١ قوي إيمان العبد كان توكله أقوى، وإذا ضعف الإيمان ضعف التوكل، وإذا كان التوكل ضعيفا فهو دليل على ضعف الإيمان ولا بد.
والله تعالى يجمع بين التوكل والعبادة، وبين التوكل والإيمان، وبين التوكل والتقوى ٢، وبين التوكل والإسلام، وبين التوكل والهداية.
فأما التوكل والعبادة، فقد جمع سبحانه بينهما في سبعة مواضع من كتابه:
أحدها: في سورة أم القرآن فقال: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين (٥)﴾ [الفاتحة/ ٥].
الثاني: قوله حكاية عن نبيه ١ شعيب أنه قال: ﴿وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب (٨٨)﴾ [هود/ ٨٨].
الثالث: قوله حكاية عن أوليائه وعباده المؤمنين أنهم قالوا: ﴿ربنا عليك توكلنا وإليك أنبنا وإليك المصير (٤)﴾ [الممتحنة/ ٤].
الرابع: قوله تعالى لنبيه محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-: ﴿واذكر اسم ربك وتبتل إليه تبتيلا (٨) رب المشرق والمغرب لا إله إلا هو فاتخذه وكيلا (٩)﴾ [المزمل/ ٨ - ٩].
الخامس: قوله تعالى: ﴿ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله فاعبده وتوكل عليه وما ربك بغافل عما تعملون (١٢٣)﴾ ٢ [هود/ ١٢٣].
السادس: ﴿فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة واعتصموا بالله هو مولاكم فنعم المولى ونعم النصير (٧٨)﴾ [الحج/ ٧٨].
السابع: قوله: ﴿قل هو ربي لا إله إلا هو عليه توكلت وإليه متاب (٣٠)﴾ [الرعد/ ٣٠].
فهذه السبع مواضع ٣ جمعت الأصلين: التوكل وهو الوسيلة،
والإنابة وهي الغاية، فإن العبد لا بد له من غاية مطلوبة، ووسيلة ١ موصلة إلى تلك الغاية.
فأشرف غاياته التي لا غاية له أجل منها عبادة ربه والإنابة إليه، وأعظم وسائله التي لا وسيلة له غيرها البتة التوكل على الله والاستعانة به، ولا سبيل له إلى هذه الغاية إلا بهذه الوسيلة.
فهذه أشرف الغايات، وتلك أشرف الوسائل.
وأما الجمع بين الإيمان والتوكل، ففي مثل قوله: ﴿قل هو الرحمن آمنا به وعليه توكلنا﴾ [الملك/ ٢٩].
ونظيره قوله: ﴿وعلى الله فتوكلوا إن كنتم مؤمنين (٢٣)﴾ [المائدة/ ٢٣] وقوله: ﴿وعلى الله فليتوكل المؤمنون (١٢٢)﴾ [آل عمران/ ١٢٢].
وأما الجمع بين التوكل والإسلام، ففي قوله: ﴿وقال موسى ياقوم إن كنتم آمنتم بالله فعليه توكلوا إن كنتم مسلمين (٨٤)﴾ [يونس/ ٨٤].
وأما الجمع بين التقوى والتوكل، ففي مثل قوله تعالى: ﴿ياأيها النبي اتق الله ولا تطع الكافرين﴾ إلى قوله: ﴿وتوكل على الله وكفى بالله وكيلا (٣)﴾ [الأحزاب/ ١ - ٣]، وقوله تعالى: ﴿ومن يتق الله يجعل له مخرجا (٢) ويرزقه من حيث لا يحتسب ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق/ ٢ - ٣].
وأما الجمع بين التوكل والهداية، ففي قول ٢ الرسل صلوات الله وسلامه عليهم لقومهم: ﴿وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا
سبلنا﴾ [إبراهيم/ ١٢].
وقال عز وجل لنبيه -صلى الله عليه وآله وسلم-: ﴿فتوكل على الله إنك على الحق المبين (٧٩)﴾ [النمل/ ٧٩]، فأمر سبحانه رسوله ١ بالتوكل عليه، وعقب هذا الأمر بما هو موجب للتوكل، مصحح له، مستدع لثبوته وتحققه، وهو قوله: ﴿إنك على الحق المبين (٧٩)﴾.
فإن كون العبد على الحق يقتضي تحقيق مقام التوكل على الله، والاكتفاء به، والإيواء ٢ إلى ركنه الشديد.
فإن الله هو الحق، وهو ولي الحق وناصره ومؤيده، وكافي من قام به؛ فما لصاحب الحق أن لا يتوكل عليه؟ وكيف ٣ يخاف وهو على الحق؛ كما قالت الرسل لقومهم: ﴿وما لنا ألا نتوكل على الله وقد هدانا سبلنا﴾ [إبراهيم/ ١٢]، فعجبوا من تركهم التوكل على الله وقد هداهم، وأخبروا أن ذلك لا يكون أبدا.
وهذا دليل على أن الهداية والتوكل متلازمان.
فصاحب الحق -لعلمه بالحق ولثقته بأن الله ولي الحق وناصره- مضطر إلى توكله على الله، لا يجد بدا من توكله.
فإن التوكل يجمع أصلين: علم القلب وعمله.
أما علمه، فيقينه بكفاية وكيله، وكمال قيامه بما وكله إليه، وأن غيره لا يقوم مقامه في ذلك.
وأما عمله، فسكونه إلى وكيله، وطمأنينته إليه، وتفويضه وتسليمه أمره إليه، ورضاه بتصرفه له فوق رضاه بتصرفه هو لنفسه.
فبهذين الأصلين يتحقق التوكل، وهما جماعه، وإن كان التوكل أدخل ٤ في عمل القلب من
علمه، كما قال الإمام أحمد: "التوكل عمل القلب" ١؛ ولكن لا بد ف يه من العلم، وهو إما شرط فيه، وإما جزء من ماهيته.
والمقصود أن القلب متى كان على الحق كان أعظم لطمأنينته، ووثوقه بأن الله وليه وناصره، وسكونه إليه، فما له أن لا يتوكل على ربه؟ وإذا كان على الباطل علما وعملا أو أحدهما لم يكن مطمئنا واثقا بربه، فإنه لا ضمان له عليه، ولا عهد له عنده؛ فإن الله سبحانه لا يتولى الباطل ولا ينصره، ولا ينسب إليه بوجه، فهو منقطع النسبة ٢ إليه بالكلية.
فإنه سبحانه هو الحق ٣، وقوله الحق، ودينه الحق، ووعده حق، ولقاؤه حق، وفعله كله حق.
ليس في أفعاله شيء باطل، بل أفعاله بريئة من الباطل، كما أقواله سبحانه كذلك ٤.
فلما كان الباطل لا يتعلق به سبحانه، بل هو مقطوع عنه ٥ البتة، كان صاحبه كذلك.
ومن لم يكن له تعلق بالله ٦، وكان منقطعا عن ربه، لم يكن الله وليه ولا ناصره ولا وكيله.
فتدبر هذا السر العظيم في اقتران التوكل والكفاية بالحق والهدى،
وارتباط أحدهما بالآخر، ولو لم يكن في هذه الرسالة إلا هذه الفائدة السرية ١ لكانت حقيقة أن تودع في خزانة القلب؛ لشدة الحاجة إليها.
والله المستعان وعليه التكلان.
فظهر أن التوكل أصل لجميع مقامات الإيمان والإحسان، ولجميع أعمال الإسلام، وأن منزلته منها منزلة الجسد من الرأس.
فكما لا يقوم الرأس إلا على البدن، فكذلك لا يقوم الإيمان ومقاماته وأعماله إلا على ساق التوكل.
والله أعلم.
الوجه الثاني: أن قوله في التوكل: "إنه في طريق الخواص عمى عن الكفاية، ورجوع إلى الأسباب.. " إلى آخر كلامه، مضمونه أن التوكل لا يتم إلا برفض الأسباب، والإعراض عنها جملة؛ والتوكل من أقوى الأسباب وأعظمها في حصول المطلوب، فكأنه قد رفض سببا، وتعلق بسبب، وقد ناقض في أمره.
ولهذا قال: "فصار بدلا عن تلك الأسباب، فكأنك ٢ تعلقت بما رفضته".
فهذه هي النكتة التي لأجلها صار التوكل عنده من منازل العوام.
وهذه هي عين ٣ مسألة الجمع بين التوكل والسبب، بل هذه مسألة تعليل نفس التوكل.
فيقال: قولك: "إنه عمى عن الكفاية" ليس كذلك، بل هو نظر إلى نفس الكفاية وملاحظة لها.
ولا ريب أن الكفاية من الله لا تنال إلا بأسبابها من عبوديته، وسببها المقتضي لها هو التوكل، كما قال الله
تعالي: ﴿ومن يتوكل على الله فهو حسبه﴾ [الطلاق/ ٣].
أي: كافيه.
فجعل التوكل سببا للكفاية، فربط الكفاية بالتوكل كربط سائر الأسباب بمسبباتها، فكيف يقال: "إن التوكل عمى عن الكفاية"؟ وهل التوكل إلا محض العبودية التي جزاؤها الكفاية، وهي لا تحصل بدونه؟ بلى ١، العلة هاهنا شهود حصولها بفعلك وتوكلك، غير ناظر إلى مسبب الأسباب الذي أجرى عليك هذا السبب ليوصلك به إلى الكفاية.
فأول الأمر وآخره منه، فهو المنعم بالسبب والمسبب جميعا؛ ولكن لا يوجب نظر العبد إلى المسبب المنعم بالسبب ٢ قطع نظره عن السبب والقيام به، بل الواجب القيام بالأمرين معا.
الوجه الثالث:
أن قوله: "إنه رجوع إلى الأسباب" إن أراد به ٣ أنه رجوع إلى سبب ينقص العبودية ويضعف التوكل، فليس كذلك؛ وظاهر أن الأمر ليس كذلك.
وإن أراد به أنه رجوع إلى سبب نصبه الله مقتضيا للكفاية منه، ورتب عليه جزاء لا يحصل بدونه، فهذا حق؛ ولكن القيام بهذا السبب محض الكمال، ونفس العبودية.
وهو كجعل الإسلام والإيمان والإحسان أسبابا مقتضية للفلاح والسعادة، بل كجعل سائر أعمال القلوب والجوارح أسبابا مقتضية لما رتب عليها من الجزاء، وهل الكمال إلا القيام بهذه الأسباب؟ فالأسباب التي تكون مباشرتها نقصا هي الأسباب التي تضعف التوكل، وأما أن يكون التوكل نفسه ناقصا لكون التحقق به تحققا بالسبب، فقلب للحقائق!
الوجه الرابع: أن قوله: "لأنك رفضت الأسباب ووقفت مع التوكل" إن أراد به رفض الأسباب جملة، فهذا كما أنه ممتنع عقلا وحسا، فهو محرم شرعا ودينا، فإن رفض الأسباب بالكلية انسلاخ من العقل والدين.
وإن أراد به.
رفض الوقوف معها والوثوق بها، وأنه يقوم بها قيام ناظر إلى مسببها ١، فهذا حق؛ ولكن النقص لا يكون في السبب ولا في القيام به، وإنما يكون في الإعراض عن المسبب تعالى، كما تقدم.
فمنع الأسباب أن تكون أسبابا قدح في العقل والشرع.
وإثباتها والوقوف معها وقطع النظر عن مسببها قدح في التوحيد والتوكل.
والقيام بها، وتنزيلها منازلها، والنظر إلى مسببها، وتعلق القيام به = جمع بين الأمر والتوحيد، وبين الشرع والقدر؛ وهو الكمال، والله أعلم.
الوجه الخامس:
قوله: "فصار التوكل بدلا عن تلك الأسباب".
هذا حق، فإن التوكل من أعظم الأسباب، ولكنه بدل عنها؛ كما تكون الطاعة بدلا عن المعصية، والتوحيد بدلا عن الشرك.
فهو بدل واجب، مأمور به، مطلوب من العبد.
والمذموم أن يجعل العبد الأسباب بدلا عن التوكل، لا أن يجعل التوكل بدلا عن الأسباب.
الوجه السادس:
قوله: "فكأنك تعلقت ٢ بما رفضته من حيث معتقدك الانفصال" ليس كذلك، فإن المرفوض هو التعلق بغير الله والالتفات إلى سواه ٣، فهذا هو الذي رفضه.
وأما الذي تعلق به فهو
التوكل على الله، واللجأ إليه، والتفويض إليه، والاستعانة به.
فقد رفض المخلوق، وتعلق بالخالق، فكيف يقال: إنه تعلق بما رفضه؟
الوجه السابع:
أن قوله: "من حيث معتقدك الانفصال" يشير به إلى أن التوكل نوع تفرقة وانفصال يشهد فيه مع الله غيره، وهذا مناف للفناء في التوحيد، وأن لا يشهد مع الله غيره أصلا.
وهذا قطب رحى السير الذي يشير إليه القوم، والعلم الذي يشمرون إليه، ولأجله يجعلون كل ما دونه من المقامات معلولا.
ولا بد من فصل القول فيه بعون الله وتأييده، فإنه نهاية إقدامهم وغاية مرماهم.
فنقول وبالله التوفيق:
[أقسام الفناء عند السالكين]
الفناء الذي يشار إليه على ألسنة السالكين ثلاثة أقسام: فناء عن وجود السوى، وفناء عن شهود السوى، وفناء عن عبادة السوى وإرادته؛ وليس هنا قسم رابع ١.
فأما القسم الأول: فهو فناء القائلين بوحدة الوجود.
وهو ٢ فناء باطل في نفسه، مستلزم جحد الصانع وإنكار ربوبيته وخلقه وشرعه، وهو غاية الإلحاد والزندقة.
وهذا هو الذي يشير ٣ إليه علماء الاتحادية، ويسمونه "التحقيق".
وغاية أحدهم فيه أن لا يشهد ربا وعبدا، وخالقا ومخلوقا، وآمرا ومأمورا، وطاعة ومعصية؛ بل الأمر كله واحد! فيكون السالك عندهم في بدايته يشهد طاعة ومعصية، ثم يرتفع
عن هذا الفرق الكثيف ١ عندهم ٢ إلى أن يشهد الأفعال كلها طاعة لله لا معصية فيها، وهو شهود الحكم والقدر، فيشهدها طاعة لموافقتها الحكم والمشيئة.
وهذا ناقص عندهم أيضا إذ هو متضمن للفرق.
ثم يرتفع عندهم عن هذا الشهود إلى أن لا يشهد لا طاعة ولا معصية، إذ الطاعة والمعصية إنما تكون من غير لغير، وما ثم غير.
فإذا تحقق بشهود ذلك، وفني فيه، فقد فني عن وجود السوى.
فهذا هو غاية التحقيق عندهم، ومن لم يصل إليه فهو محجوب ٣! ومن أشعارهم في هذا قول قائلهم:
وما أنت غير الكون، بل أنت عينه... ويفهم هذا السر من هو ذائق ٤
وقول الآخر:
ما الأمر إلا نسق واحد... ما فيه من مدح ولا ذم
وإنما العادة قد خصصت... والطبع والشارع بالحكم ٥
وقول الآخر:
وما الموج إلا البحر لا شيء غيره... وإن فرقته كثرة المتعدد ١
والقسم الثاني من أقسام الفناء هو الذي يشير إليه المتأخرون من أرباب السلوك، وهو الفناء عن شهود السوى، مع تفريقهم بين الرب والعبد وبين الطاعة والمعصية، وجعلهم وجود الخالق غير وجود المخلوق.
ثم هم مختلفون في هذا الفناء على قولين: أحدهما: أنه الغاية المطلوبة من السلوك، وما دونه بالنسبة إليه ناقص، ومن هنا يجعلون المقامات والمنازل معلولة.
والقول الثاني: أنه من لوازم الطريق لا بد منه للسالك، ولكن البقاء أكمل منه.
وهؤلاء يجعلونه ناقصا ولكن لا بد منه، وهذه طريقة كثير من المتقدمين.
وهؤلاء يقولون: إن الكمال شهود العبودية مع شهود المعبود، فلا يغيب بعبادته عن معبوده، ولا بمعبوده عن عبادته؛ ولكن لقوة الوارد وضعف المحل وغلبة استيلاء الوارد على القلب حتى يملكه من جميع جهاته، يقع الفناء.
والتحقيق أن هذا الفناء ليس بغاية، ولا هو من لوازم الطريق، بل هو عارض من عوارض الطريق يعرض لبعض السالكين دون جميعهم.
وسببه أمور ثلاثة:
أحدها: قصده وإرادته والعمل عليه، فإنه إذا علم أنه ٢ الغاية المطلوبة شمر سائرا إليه عاملا عليه، فإذا أشرف عليه وقف معه، ونزل بواديه، وطلب مساكنته، فهؤلاء إنما يحصل لهم الفناء لأن سيرهم كان
على ١ طلب حظهم ومرادهم من الله، وهو الفناء؛ لم يكن سيرهم على تحصيل مراد الله منهم، وهو القيام بعبوديته والتحقق بها.
والسائر على طلب تحصيل مراد الله منه لا يكاد الفناء يحل بساحته ولا يعتريه.
والسبب الثاني: قوة الوارد، بحيث يغمره، ويستولي عليه، فلا يبقى فيه متسع لغيره أصلا.
السبب الثالث: ضعف المحل عن احتمال ما يرد عليه.
فمن هذه الأسباب الثلاثة يعرض الفناء.
ولما رأى الصادق ٢ في طريقه السالك إلى ربه أن أكثر أصحاب الفرق محجوبون عن هذا المقام، مشتتون في أودية الفرق؛ وشهدوا نقصهم، ورأوا ما هم فيه من الفناء أكمل = ظنوا أنه لا كمال وراء ذلك، وأنه الغاية المطلوبة؛ فمن هنا جعلوه غاية.
ولكن أكمل من ذلك وأعلى وأجل هو القسم الثالث، وهو الفناء عن عبادة السوى، وإرادته، ومحبته ٣، وخشيته، ورجائه، والتوكل عليه، والسكون إليه.
فيفنى بعبادة ربه ومحبته وخشيته ورجائه، وبالتوكل ٤ عليه.
وبالسكون إليه، عن عبادة غيره وعن محبته ورجائه والتوكل عليه، مع شهود الغير ومعاينته.
فهذا أكمل من فنائه عن عبودية الغير ومحبته، مع عدم شهوده له وغيبته عنه.
فإنه إذا ٥ شهد الغير في مرتبته
أوجب شهوده له زيادة في محبة معبوده وتعظيما له وهروبا إليه وضنا ١ به، فإن نظر المحب إلى مناوئ محبوبه ومضاده ٢ يوجب زيادة حبه له.
وفي هذا المعنى قال القائل:
وإذا نظرت إلى أميري زادني... حبا له نظري إلى الأمراء ٣
وكان النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- يقول في دعائه: "اللهم لك أسلمت وبك آمنت، وعليك توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، وإليك حاكمت" ٤.
وفي سجوده: "اللهم لك سجدت، وبك آمنت" ٥ وكذلك في ركوعه: "اللهم لك ركعت، وبك آمنت" ٦.
فهذا دعاء من قد جمع بين شهود عبوديته وشهود معبوده، ولم يغب بأحدهما عن الآخر.
وهل هذا إلا كمال العبودية: أن يشهد ما يأتي به من العبودية موجها لها إلى المعبود الحق، محضرا لها بين يديه، متقربا بها إليه.
فأما الغيبة عنها بالكلية، بحيث تبقى الحركات كأنها طبيعية غير واقعة بالإرادة، فهذا وإن كان أكمل من حال الغائب بشهود عبوديته عن معبوده، فحال الجامع بين شهود العبودية والمعبود أكمل منهما.
وإذا عرفت هذه القاعدة ظهر أن تعليله التوكل بما ذكر تعليل باطل.
الوجه الثامن: أن التوكل على الله نوعان: أحدهما: توكل عليه في تحصيل حظ العبد من الرزق والعافية وغيرها ١.
والثاني: توكل عليه في حصول ٢ مرضاته سبحانه.
فأما النوع الأول فغايته المطلوبة وإن لم تكن عبادة -لأنها محض حظ العبد ٣ - فالتوكل على الله في حصوله عبادة، فهو منشأ لمصلحة دينه ودنياه.
والنوع ٤ الثاني فغايته عبادة، وهو في نفسه عبادة؛ فلا علة فيه بوجه، فإنه استعانة بالله على ما يرضيه.
فصاحبه متحقق بـ ﴿إياك نعبد وإياك نستعين (٥)﴾، فتركه ترك لشطر الإيمان، والعلة إنما هي في ضعف هذا التوكل.
فهب أن التوكل في حصول الحظ معلول، أفيلزم ٥ من هذا أن يكون التوكل في حصول مراد الرب تعالى ومرضاته معلولا؟
الوجه التاسع:
قوله: "وحقيقة التوكل عند القوم: التوكل في تخليص القلب ٦ من علة التوكل".
فيقال: إذا كان هذا التوكل عندك ليس بمعلول، ولا هو عمى عن الكفاية، ولا رجوع إلى الأسباب بعد رفضها؛ بطل تعليلك التوكل ٧ بما عللته به.
وإن كانت هذه العلة بعينها موجودة في هذا التوكل بطل أن يكون علة، فلزم بطلان ٨ كونه معلولا
على التقديرين.
وظهر أن العلة في التوكل لا تخرج عن أحد شيئين: إما أن يكون متعلقه حظا من حظوظك، وإما وقوفك معه وركونك إليه فقط.
فإذا خلص التوكل من هذا وهذا فلا علة تلحقه، ولا نقيصة تدركه.
الوجه العاشر:
أن علة التوكل عنده هي ترك التوكل كما فسره، فكيف يتوكل في ترك التوكل؟ وهل هذا إلا جمع بين متضادين؟
الوجه الحادي عشر: قوله: "وهو أن تعلم ١ أن الله تبارك وتعالى لم يترك أمرا مهملا، بل فرغ من الأشياء وقدرها.
وإن اختلف منها شيء في المعقول ٢، أو تشوش في المحسوس، أو اضطرب في المعهود؛ فهو المدبر له، وشأنه سوق المقادير إلى المواقيت.
والمتوكل من أراح نفسه من كد النظر في مطالعة السبب، سكونا إلى ما سبق من القسمة، مع استواء الحالين عنده" إلى آخر كلامه.
فيقال: هو سبحانه فرغ من الأشياء وقدرها بأسبابها المفضية إليها ٣، فكما أن المسببات من قدره الذي فرغ منه، فأسبابها أيضا من قدره الذي فرغ منه؛ فتقديره المقادير بأسبابها لا ينافي القيام بتلك الأسباب، بل يتوقف حصولها عليها.
وقد سئل النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- فقيل له: أرأيت أدوية نتداوى بها، ورقى نسترقي بها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ فقال: "هي من قدر الله" ٤.
وسئل -صلى الله عليه وآله وسلم-: أعلم أهل الجنة والنار؟ فقال:
"نعم".
قالوا: ففيم العمل؟ قال: "اعملوا فكل ميسر لما خلق له" ١.
فأمرهم بالأعمال، وأخبرهم أن الله يسر كل عبد لما خلق له، فجعل عمله سببا لنيل ما خلق له من الثواب والعقاب؛ فلا بد من إثبات السبب والمسبب جميعا.
الوجه الحادي عشر
قوله: "المتوكل من أراح نفسه من كد النظر في مطالعة السبب، سكونا إلى ما سبق من القسمة، مع استواء الحالين عنده".
فهذا الكلام إن أخذ على إطلاقه فهو باطل قطعا، فإن السكون إلى ما سبق من القسمة وترك السبب في أعمال البر عين العجز وتعطيل للأمر ٢ والشرع؛ ولا يجوز شرعا ولا عقلا التسوية بين الحالين.
وأما السكون إلى ما سبق من القسمة في أسباب المعيشة فهو حق، ولكن الكمال أن يكون ساكنا إلى ما سبق مع قيامه بالسبب ٣، وهذه حال الكمل ٤ من الصحابة ومن بعدهم.
فالكمال هو تنزيل الأسباب منازلها علما وعملا، لا الإعراض عنها ومحوها، ولا الانتهاء إليها والوقوف عندها.
الوجه الثالث عشر: قوله: "مع استواء الحالين عنده، وهو أن يعلم أن الطلب لا يجمع، والتوكل لا يمنع" يشير به إلى استواء الحالين في مباشرة السبب وتركه نظرا إلى ما سبق.
وهذا ليس بمأمور ولا مقدور ١، فإنه لا تستوي الحالتان شرعا ولا قدرا، وكيف يستوي ما لم يسوه الله شرعا ولا قدرا؟ ٢
الوجه الرابع عشر:
قوله: "الطلب لا يجمع، والتوكل لا يمنع".
فقد تبين ٣ أن التوكل لا ينافي الطلب، بل حقيقة التوكل وكماله: مقارنته للطلب ومصاحبته للسبب.
وأما توكل مجرد عن الطلب والسبب، فعجز وأماني! فتوكل الحراث إنما هو بعد شق الأرض وبذرها، وحينئذ يصح منه التوكل في طلوع الزرع.
وأما توكله من غير حرث ولا بذر، فعجز وبطالة.
الوجه الخامس عشر:
قوله: "ومتى طالع بتوكله عرضا كان توكله مدخولا وقصده معلولا.
فإذا خلص من رق هذه الأسباب، ولم يلاحظ في توكله سوى خالص حق الله، كفاه الله كل مهم" ٤.
فيقال: التوكل يكون في أحد شيئين: إما في حصول حظ العبد ورزقه ونصره وعافيته، وإما في حصول مراد ربه منه، وكلاهما عبادة مأمور بها، والثاني أكمل من الأول بحسب المتوكل فيه.
ولكن توكله في الأول لا يكون معلولا من حيث هو توكل، وإنما تكون علته أنه صرف توكله إلى ما
غيره ١ أولى بالتوكل منه.
وهذا إنما يكون نقصا إذا أضعف توكله في الأمر ومراد الله منه.
وأما إن لم يضعفه بل أعطى كل مقام حقه من التوكل، فهذا محض العبودية.
والله أعلم.