الجزء: 2
بطاقة الكتاب وفهرس الموضوعات
الكتاب: طريق الهجرتين وباب السعادتين
المؤلف: الإمام أبي عبد الله محمد بن أبي بكر بن أيوب ابن قيم الجوزية (٦٩١ - ٧٥١)
حققه: محمد أجمل الإصلاحي
خرج أحاديثه: زائد بن أحمد النشيري
راجعه: سعود بن عبد العزيز العريفي - علي بن محمد العمران
الناشر: دار عطاءات العلم (الرياض) - دار ابن حزم (بيروت)
الطبعة: الرابعة , ١٤٤٠ هـ - ٢٠١٩ م (الأولى لدار ابن حزم)
عدد الأجزاء: ٢ (متسلسلة الترقيم)
قدمه للشاملة: مؤسسة «عطاءات العلم» , جزاهم الله خيرا
[ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]
صفحة المؤلف: []
المجلد الثاني
. قال أبو العباس رحمه الله ١: "هو للعوام أيضا؛ لأنه حبس النفس عن الملذوذات، وإمساكها عن فضول الشهوات، ومخالفة دواعي الهوى، وترك ما لا يعني ٢ من الأشياء.
وهذا نقص في طريق الخاصة، لأنه تعظيم للدنيا، واحتباس عن انتقادها، وتعذيب للظاهر بتركها مع تعلق الباطن بها.
والمبالاة بالدنيا عين الرجوع إلى ذاتك، وتضييع الوقت في منازعة نفسك وشهود حسك ٣ وبقائك معك.
ألا ترى إلى من أعطاه الله الدنيا بحذافيرها كيف قال ٤: ﴿هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب (٣٩)﴾ [ص/ ٣٩]؟ وذلك حيث عافى ٥ باطنه من شهودها، وظاهره من التعلق بها، فالزهد صرف الرغبة إليه، وتعلق الهمة به، والاشتغال به عن كل شيء يشغل عنه، ليتولى هو حسم ٦ هذه الأسباب عنك.
كما قيل: إن بعض المريدين سأل بعض
المشايخ فقال: أيها الشيخ بأي شيء تدفع إبليس إذا قصدك بالوسوسة؟ فقال الشيخ: إني لا أعرف إبليس فأحتاج إلى دفعه، نحن قوم صرفنا هممنا إليه، فكفانا ما دونه.
وكما قيل ١:
تسترت عن دهري بظل جناحه ... فعيني ترى دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمي ما درت ... وأين مكاني ما عرفن مكاني" ٢
فيقال: الكلام على هذا من وجوه:
أحدها: أن جعل الزهد للعوام لما ٣ ذكره إنما يتم إذا كان الزهد ملزوما لمنازعة النفس ومجاذبتها لدواعي الشهوة والهوى، وحينئذ فيكون قلبه مشغولا بتلك الدواير والجواذب، ونفسه تطالبه بها، وزهده يأمره باجتنابها.
ولا ريب أن فوق هذا مقاما ٤ أعلى منه، وهو طمأنينة نفسه وسكونها إلى محبوبها، وانجذاب دواعيها إلى محابه ومرضاته؛ وهذا للخواص من المؤمنين، ولكن هذه المنازعة غير لازمة للزهد، وإن كان لا بد منها في حكم الطبيعة لتحقق الابتلاء والامتحان، وليتحقق ٥ ترك العبد حظه وهواه لربه إيثارا له على هواه ونفسه.
الثاني: أنه ولو كانت هذه المنازعة وحبس النفس عن الملذوذات من
لوازم الزهد لم يكن فيها نقص ولا علة، فإنها من لوازم الطبيعة وأحكام الجبلة، وهي كالجوع والعطش والألم والتعب.
فحبس النفس عن إجابة دواعيها إيثارا لله ومرضاته عليها ١ لا يكون نقصا ولا مستلزما لنقص.
[مسألة شريفة] ٢
وقد اختلف أرباب السلوك وأهل الطريق ٣ هنا في هذه المسألة، وهي أيهما أفضل: من له داعية وشهوة، وهو يحبسها ٤ لله، ولا يطيعها حبا له وحياء منه وخوفا.
أو من لا داعية له تنازعه، بل نفسه خالية من تلك الدواعي والشهوة، قد اطمأنت إلى ربها واشتغلت به عن غيره، وامتلأت بحبه وإرادته، فليس فيها موضع لإرادة غيره ولا حبه؟
فرجحت طائفة الأول، وقالت: هذا يدل على قوة تعلقه وشدة محبته، فهو يعاصي دواعي الطبع والشهوة، ويقهرها سلطان ٥ محبته وإرادته وخوفه من الله.
وهذا يدل على تمكنه من نفسه، وتمكن حاله مع الله ٦، وغلبة داعي الحق عنده على داعي الطبع والنفس.
قالوا: وأيضا فله مزيد في حاله وإيمانه بهذا الإيثار والترك مع حضور داعي الفعل عنده، ومزيد مجاهدة عدوه الباطن ونفسه وهواه، كما يكون له مزيد مجاهدة عدوه الظاهر.
قالوا: والذوق والوجد يشهد ١ بمزيده ٢ من الحب والأنس والسرور والفرح بربه عند إيثاره علي دواعي الهوى والنفس، والمطمئن الذي ليس فيه هذا الداعي ٣ ليس له مزيد من هذه الجهة.
وإن كان مزيده من جهة أخرى، فهي مشتركة بينهما، ويختص هذا بمزيده من الإيثار والمجاهدة.
قالوا: وأيضا فهذا مبتلى بهذه الدواعي والإرادات، وذلك معافى منها.
وقد جرت سنة الله في المؤمنين من عباده أن يبتليهم على حسب إيمانهم، فمن ازداد إيمانه زيد في بلائه، كما ثبت عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "يبتلى المرء على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة شدد عليه البلاء، وإن كان في دينه رقة خفف عنه البلاء" ٤ والمراد بالدين هنا: الإيمان الذي يثبت عند نوازل البلاء، فإن المؤمن يبتلى على قدر ما يحمله إيمانه من وارد البلاء.
قالوا: فالبلاء بمخالفة دواعي النفس والطبع من أشد البلاء، فإنه لا يصبر عليه إلا الصديقون.
وأما البلاء الذي يجري على العبد بغير اختياره كالمرض والجوع والعطش ونحوها، فالصبر عليه لا يتوقف على الإيمان، بل يصبر عليه البر والفاجر، ولا سيما إذا علم أنه لا معول له
إلا الصبر، فإنه إن لم يصبر اختيارا صبر اضطرارا.
ولهذا كان بين ابتلاء يوسف الصديق -صلى الله عليه وآله وسلم- لما ١ فعل به إخوته من الأذى، والإلقاء في الجب، وبيعه بيع العبيد، والتفريق بينه وبين أبيه؛ وابتلائه بمراودة المرأة له ٢ وهو شاب عزب غريب بمنزلة العبد لها، وهي الداعية له ٣ إلى ذلك = فرق عظيم لا يعرفه إلا من عرف مراتب ٤ البلاء ٥.
فإن الشباب داع إلى الشهوة، والشاب قد يستحيي بين ٦ أهله ومعارفه من قضاء وطره، فإذا صار في دار الغربة زال ذلك الاستحياء والاحتشام، وإذا كان عزبا كان أشد لشهوته، وإذا كانت المرأة هي الطالبة كان أشد، وإذا كانت جميلة كان أعظم، فإن كانت ذات منصب كان أقوى في الشهوة، فإن كان ذلك في دارها وتحت حكمها بحيث لا يخاف الفضيحة ولا الشهرة كان أبلغ، فإن استوثقت بتغليق الأبواب والاحتفاظ ٧ من الداخل كان أقوى أيضا للطلب، فإن كان الرجل مملوكها وهي الحاكمة ٨ عليه الآمرة الناهية له ٩ كان أبلغ في الداعي،
فإذا ١ كانت المرأة شديدة العشق والمحبة للرجل قد امتلأ قلبها من حبه = فهذا الابتلاء الذي لا يصبر معه إلا مثل ٢ الكريم ابن الكريم ابن الكريم ٣ صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
ولا ريب أن هذا الابتلاء أعظم من الابتلاء الأول، بل هو من جنس ابتلاء الخليل -صلى الله عليه وآله وسلم- بذبح ولده، إذ كلاهما ابتلاء بمخالفة الطبع ودواعي النفس والشهوة، ومفارقة حكم الطبع جملة ٤.
وهذا بخلاف البلوى التي أصابت ذا النون صلوات الله وسلامه عليه، والتي أصابت أيوب صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
قالوا: وأيضا فإن هذه هي النكتة التي من أجلها كان صالحو البشر أفضل من الملائكة؛ لأن الملائكة عبادتهم بريئة عن شوائب دواعي النفس ٥ والشهوات البشرية، فهي صادرة عن غير معارضة ولا مانع ولا عائق، وهي كالنفس للحي.
وأما عبادات البشر، فمع منازعات النفوس، وقمع الشهوات، ومخالفة دواعي الطبع؛ فكانت أكمل.
ولهذا كان أكثر الناس على تفضيلهم على الملائكة لهذا المعنى ولغيره، فمن لم يخلق له تلك الدواعي والشهوات فهو بمنزلة الملائكة، ومن خلقت له وأعانه الله على دفعها وقهرها وعصيانها كان أكمل وأفضل.
قالوا: وأيضا فإن حقيقة المحبة إيثار المحبوب ومرضاته على ما سواه.
قالوا: وكيف ١ يصح الإيثار ممن لا تنازعه نفسه وطبعه إلى غير المحبوب؟
قالوا: وليس العجب من قلب خال عن الشهوات والإرادات، قد ماتت دواعي طبعه وشهوته، إذا عكف على محبوبه ومعبوده، واطمأن إليه، واجتمعت همته عليه ٢.
وإنما العجب من قلب قد ابتلي بما ابتلي ٣ به من الهوى والشهوة ودواعي الطبيعة، مع قوة سلطانها وغلبتها، وضعفه، وكثرة الجيوش التي تغير على قلبه كل وقت، إذا آثر ربه ومرضاته على هواه وشهوته ودواعي طبعه.
فهو هارب إلى ربه من بين تلك الجيوش، وعاكف عليه في تلك الزعازع والأهوية التي تغشى على الأسماع والأبصار والأفئدة، يتحمل منها لأجل محبوبه ما لا تتحمله ٤ الجبال الراسيات!
قالوا: وأيضا فنهي النفس عن الهوى عبودية خاصة لها تأثير خاص، وإنما يحصل إذا كان ثم ما ينهى عنه النفس.
قالوا: وأيضا فالهوى عدو الإنسان، فإذا قهر عدوه وصارت تحت قبضته وسلطانه كان أقوى وأكمل ممن لا عدو له يقهره.
قالوا: ولهذا كان حال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في قهره قرينه حتى انقاد وأسلم له ٥
فلم يكن يأمره إلا بخير أكمل من حال عمر حيث كان الشيطان إذا رآه يفر ١ منه، وكان إذا سلك فجا سلك فجا ٢ غير فجه ٣.
وبهذا خرج الجواب عن السؤال المشهور وهو: كيف لا يقف الشيطان لعمر بل يفر منه، ومع هذا قد تفلت على النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- وتعرض له وهو في الصلاة، وأراد أن يقطع عليه صلاته ٤، ومعلوم أن حال الرسول أكمل وأقوى؟ والجواب ما ذكرناه أن شيطان عمر كان يفر ٥ منه، فلا يقدر أحدهما على قهر صاحبه.
وأما الشيطان الذي تعرض للنبي -صلى الله عليه وآله وسلم-، فقد أخذه وأسره وجعله في قبضته كالأسير.
وأين من يهرب منه عدوه فلا يظفر به إلى من يظفر بعدوه، فيجعله في أسره وتحت قبضته ٦؟
فهذا ونحوه مما احتج به أرباب هذا القول.
وأحتج أرباب القول الثاني -وهم الذين رجحوا من لا منازعة في
طباعه، ولا هوى له يغالبه- بأن قالوا: كيف تستوي النفس المطمئنة إلى ربها، العاكفة على حبه، التي لا منازعة فيها أصلا ولا داعية تدعوها إلى الإعراض عنه؛ والنفس المشغولة بمحاربة هواها ودواعيها وجواذبها؟
قالوا: وأيضا ففي الزمن الذي يشتغل هذا بنفسه ومحاربة هواه وطبعه يكون صاحب النفس المطمئنة قد قطع مراحل من سيره، وفاز بقرب فات صاحب المحاربة والمنازعة ١.
قالوا: وهذا كما لو كان رجلان مسافرين في طريق، فطلع على أحدهما قاطع اشتغل بدفعه عن نفسه ومحاربته ليتمكن من سيره؛ والآخر سائر لم يعرض له قاطع، بل هو على جادة سيره، فإن هذا يقطع من المسافة أكثر مما ٢ يقطع الأول، ويقرب إلى الغاية أكثر من قربه.
قالوا: وأيضا فإن للقلب قوة يسير بها، فإذا صرف تلك القوة في دفع العوارض والدواعي القاطعة له عن السير اشتغل قلبه بدفعها عن السير في زمن المدافعة.
قالوا: ولأن المقصود بالقصد الأول إنما هو السير إلى الله، والاشتغال بدفع العوارض مقصود لغيره، والاشتغال ٣ بالمقصود لنفسه أولى وأفضل من الاشتغال بالوسيلة.
قالوا: وأيضا فالعوارض المانعة للقلب من سيره هي من باب المرض، واجتماع القلب على الله وطمأنينته به وسكونه إليه بلا
منازع ولا جاذب ١ ولا معارض هو صحته وحياته ونعيمه.
فكيف يكون القلب الذي يعرض له مرض فهو ٢ مشغول بدوائه أفضل من القلب الذي لا داء به ولا علة؟
قالوا: وأيضا فهذه الدواعي والميول والإرادات التي في القلب تقتضي جذبه وتعويقه عن وجهة ٣ سيره، وما فيه من داعي ٤ المحبه والإيمان يقتضي جذبه عن طريقها، فتتعارض الجواذب، فإن لم توقفه عوقته ولا بد.
فأين السير بلا معوق من السير مع المعوق؟
قالوا: وأيضا فالذي يسير العبد بإذن ربه إنما هو همته، والهمة إذا علت وارتفعت لم تلحقها ٥ القواطع والآفات، كالطائر إذا علا وارتفع في الجو فات الرماة، ولم تلحقه الحصا ولا البنادق ولا السهام.
وإنما تدرك هذه الأشياء الطائر ٦ إذا لم يكن عاليا، فكذلك الهمة ٧ العالية قد فاتت الجوارح والكواسر، وإنما تلحق الآفات والدواعي والإرادات الهمة النازلة، فأما إذا علت فلا تلحقها الآفات.
قالوا: وأيضا فالحس والوجود شاهد بأن قلب المحب متى خلا من
غير المحبوب، واجتمعت ١ شؤونه كلها على محبوبه، ولم يبق فيه التفات إلى غيره، كان أكمل محبة من القلب الملتفت إلى الرقباء، المهتم بمحاربتهم ومدافعتهم والهرب منهم والتواري عنهم.
قالوا: فكم بين محب يجتاز على الرقباء فيطرقون من هيبته وخشيته ٢ ولا يرفع أحد منهم رأسه إليه، وبين محب إذا اجتاز بالرقباء هاشوا عليه ٣ كالزنابير أو كالكلاب، فاشتغل بدفعهم وحرابهم، أو جد في الهرب منهم؟ فكيف يسوى هذا بهذا، أم كيف يفضل عليه مع هذا التباين ٤؟
قالوا: وأيضا فالمحبة الخالصة الصادقة ٥ حقيقتها أنها نار تحرق من القلب ما سوى مراد المحبوب، وإذا احترق ما سوى مراده عدم وذهب أثره.
فإذا بقي في القلب شيء من سوى مراده لم تكن المحبة تامة ولا صادقة، بل هي محبة مشوبة بغيرها.
فالمحب الصادق ليس في قلبه سوى مراد محبوبه حتى ينازعه ويدافعه، والآخر في قلبه بقية لغير المحبوب فهو جاهد على إخراجها وإعدامها.
قالوا: وأيضا فالواردات الإلهية ترد على القلوب على قدر استعدادها وقبولها، فإذا صادفت القلب فارغا خاليا ٦ من العوارض والمنازعات ودواعي الطبع والهوى ملأته على قدر فراغه.
وإذا امتلأ منها لم يبق
لأضدادها وأعدائها ١ فيه مسلك ٢، وإذا صادفت فيه موضعا مشغولا بغير من الأغيار لم تساكن ٣ ذلك الموضع، فيدخل الضد والعدو من تلك الثلمة، كما قال القائل:
لا كان من لسواك فيه بقية ... يجد السبيل بها إليه العذل ٤
وقال ٥:
ومهما بقي للصحو فيه بقية ... يجد نحوك اللاحي سبيلا إلى العذل ٦
قالوا: وأيضا فدواعي الطبع وإرادات النفس وشهواتها مصدرها إما جهل وإما ضعف.
فإنها لا تصدر إلا من جهل العبد بآثارها وموجباتها، أو يكون عالما بذلك لكن فيه ضعف وعجز يمنعه عن محوها من قلبه بالكلية.
وما كان سببه جهلا أو عجزا لا يكون كمالا ولا مستلزما لكمال.
وأما القلب الخالي منها ومن الاشتغال بدفعها، فقلب شريف قوي علوي رفيع.
قالوا: وأيضا فهذه الإرادات والدواعي لا تسير العبد، بل إما أن تنكسه إن أجابها، وإما أن تعوقه وتوقفه إن اشتغل بمدافعتها.
وأما
إرادات القلب السليم منها والنفس المطمئنة بربها، فكل إرادة منها تسير به مراحل على مهله ١، فهو يسير رويدا، وقد سبق السعاة ٢، كما قيل:
من لي بمثل سيرك المدلل ... تمشي رويدا وتجي في الأول ٣
قالوا: وأيضا فإن هذه الدواعي والإرادات إنما تحمد عاقبتها إذا ردت صاحبها إلى حال السليم منها، فيكون كماله في تشبهه به وسيره معه؛ فكيف يكون أكمل ممن كماله إنما هو في تشبهه به؟
قالوا: وأيضا فالنفوس ثلاثة: أمارة، ولوامة، ومطمئنة.
والنفس الأمارة هي المطيعة لدواعي طباعها وشهواتها، فمبادئ كونها أمارة هي تلك الدواعي والإرادات، فتستحكم، فتصير عزمات، ثم توجب الأفعال؛ فمبدأ صفة الذم فيها تلك الدواعي.
وأما النفس المطمئنة فهي التي عدمت هذه المبادئ فعدمت غاياتها.
فكيف تكون مبادئ النفس الأمارة مما يوجب لها مزية على النفس المطمئنة؟
فهذا ونحوه مما احتجت به هذه الطائفة أيضا لقولها.
والحق أن كلا الطائفتين ١ على صواب من القول، لكن كل فرقة لحظت غير ملحظ الفرقة الأخرى، فكأنهما لم يتواردا على محل واحد.
بل الفرقة الأولى نظرت إلى نهاية خير ٢ المجاهدة لنفسه وإراداته ٣ وما ترتب له عليها من الأحوال والمقامات، فأوجب لها شهود نهايته رجحانه، فحكمت بترجيحه، وأسجلت ٤ بتفضيله.
والفرقة الثانية نظرت إلى بدايته في شأنه ذلك ونهاية النفس المطمئنة، فأوجب لها شهود الأمرين الحكم بترجيح القلب الخالي من تلك الدواعي ومجاهدتها.
وكل واحدة من الطائفتين فقد أدلت بحجج لا تمانع، وأتت ببينات لا ترد ولا تدافع.
[مسألة شريفة أخرى] ٥
وفصل الخطاب في هذه المسألة يظهر بمسألة ترتضع معها من
لبانها، وتخرج ١ من مشكاتها، وهي أن العبد إذا كان له حال أو مقام مع الله، ثم نزل عنه إلى ذنب ارتكبه، ثم تاب من ذنبه، هل يعود إلى مثل ماكان؟ أو لا يعود، بل إن رجع رجع إلى أنزل من مقامه وأنقص من رتبته؟ أو يعود خيرا مما كان؟
فقالت طائفة: يعود بالتوبة إلى مثل حاله الأول ٢، فإن "التائب من الذنب كمن لا ذنب له" ٣، وإذا محي أثر الذنب بالتوبة صار وجوده كعدمه، فكأنه لم يكن، فيعود إلى مثل حاله.
قالوا: ولأن التوبة هي الرجوع إلى الله بعد الإباق منه، فإن المعصية إباق العبد من ربه، فإذا تاب إلى الله فقد رجع إليه.
وإذا كان مسمى التوبة هو الرجوع، فلو لم يعد إلى حالته الأولى مع الله لم تكن توبته تامة، والكلام إنما هو في التوبة النصوح.
قالوا: ولأن التوبة كما ترفع أثر الذنب في الحال بالإقلاع عنه في المستقبل بالعزم على أن لا يعود، فكذلك ترفع أثره في الماضي جملة.
ومن أثره في الماضي انحطاط منزلته عند الله ونقصانه عنده، فلا بد من ارتفاع هذا الأثر بالتوبة، وإذا ارتفع بها عاد إلى مثل حاله.
قالوا: ولأنه لو بقي نازلا من مرتبته منحطا عن منزلته بعد التوبة كما
كان قبلها، لم تكن التوبة قد محت أثر الذنب ولا أفادت في الماضي شيئا.
وإن عاد إلى دون منزلته ولم يبلغها، فبلوغه تلك الدرجة إنما كان بالتوبة، فلو ضعف تأثير التوبة عن إعادته إلى منزلته الأولى لضعف عن تبليغه تلك المنزلة التي وصل إليها.
وإن لم تكن التوبة ضعيفة التأثير عن تبليغه تلك المنزلة لم تكن ضعيفة التأثير عن إعادته إلى المنزلة الأولى.
قالوا: وأيضا فالله ١ سبحانه ربط ٢ الجزاء بالأعمال ربط الأسباب بمسبباتها، فالجزاء من جنس العمل.
فكما رجع التائب إلى الله بقلبه رجوعا تاما، رجع الله عليه بمنزلته وحاله.
بل ما رجع العبد إلى الله تعالى حتى رجع الله بقلبه إليه أولا، فرجع الله إليه وتاب عليه ثانيا.
فتوبة العبد محفوفة بتوبتين من الله: توبة منه إذنا وتمكينا، فتاب بها العبد، وتاب الله عليه قبولا ورضى.
فتوبة العبد بين توبتين من الله، وهذا يدل على عنايته سبحانه وبره ولطفه بعبده التائب.
فكيف يقال: إنه لا يعيده مع هذا اللطف والبر ٣ إلى حاله؟
قالوا: وأيضا فإن التوبة من أجل الطاعات، وأوجبها على المؤمنين، وأعظمها غناء عنهم، وهم إليها أحوج من كل شيء.
وهي من أحب الطاعات إلى الله سبحانه، فأنه يحب التوابين، ويفرح بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم فرح وأكمله.
وإذا كانت بهذه المثابة فالآتي بها آت بما هو من أفضل القربات وأجل الطاعات.
فإذا كان قد حصل له بالمعصية انحطاط ونزول مرتبة، فبالتوبة يحصل له مزيد تقدم وعلو درجة، فإن لم تكن
درجته بعد التوبة أعلى فإنها لا تكون أنزل.
قالوا: وأيضا فإنا إذا قابلنا بين جناية المعصية والتقرب بالتوبة وجدنا الأثر ١ الحاصل من التوبة أرجح من الأثر الحاصل من المعصية، والكلام إنما هو في التوبة النصوح الكاملة؛ وجانب الفضل أرجح من جانب العدل، ولهذا كان جانب ٢ العدل آحادا بآحاد، وجانب الفضل آحادا بعشرات إلى سبعمائة إلى أضعاف كثيرة، وهذا يدل على رجحان جانب الفضل وغلبته.
وكذلك مصدرهما من الغضب والرحمة، فإن رحمة الرب تعالى تغلب غضبه.
قالوا: وأيضا فالذنب بمنزلة المرض، والتوبة بمنزلة العافية.
والعبد إذا مرض ثم عوفي وتكاملت عافيته رجعت صحته إلى ما كانت، بل ربما ترجع ٣ أقوى وأكمل مما كانت عليه، لأنه ربما كان معه في حال العافية آلام وأسقام كامنة، فإذا اعتل ظهرت تلك الأسقام، ثم زالت بالعافية جملة، فتعود قوته خيرا مما كانت وأكمل.
وفي مثل هذا قال الشاعر:
لعل عتبك محمود عواقبه ... وربما صحت الأجسام بالعلل ٤
وهذا الوجه هو أحد ما احتج به من قال: إنه يعود ٥ خيرا مما كان قبل التوبة.
واحتجوا لقولهم أيضا بأن التوبة تثمر للعبد محبة من الله خاصة لا تحصل بدون التوبة، بل التوبة شرط في حصولها.
وإن حصل له محبة أخرى بغيرها من الطاعات فالمحبة الحاصلة له بالتوبة لا تنال بغيرها، فإن الله يحب التوابين، ومن محبته لهم فرحه بتوبة أحدهم أعظم فرح وأكمله.
فإذا أثمرت له التوبة هذه المحبة، ورجع بها إلى طاعاته التي كان عليها أولا، انضم أثرها إلى أثر تلك الطاعات، فقوي الأثران، فحصل له المزيد من القرب والوسيلة.
وهذا بخلاف ما يظنه من نقصت معرفته بربه من أنه سبحانه إذا غفر لعبده ذنبه فإنه لا يعود ١ الود الذي كان له منه قبل الجناية.
واحتجوا في ذلك بأثر إسرائيلي مكذوب أن الله سبحانه قال لداود: "يا داود أما الذنب فقد غفرناه، وأما الود فلا يعود" ٢.
وهذا كذب قطعا، فإن الود يعود بعد التوبة النصوح أعظم مما كان، فإنه سبحانه يحب التوابين، ولو لم يعد الود لما حصلت له محبته.
وأيضا فإنه يفرح بتوبة التائب، ومحال أن يفرح بها أعظم فرح وأكمله وهو لا يحبه.
وتأمل سر اقتران هذين الاسمين في قوله تعالى: ﴿إنه هو يبدئ ويعيد (١٣) وهو الغفور الودود (١٤)﴾ [البروج/ ١٣ - ١٤] تجد فيه من الرد ٣ والإنكار على من قال: لا يعود الود والمحبة منه لعبده أبدا، ما هو من كنوز القرآن ولطائف فهمه.
وفي ذلك ما يهيج القلب السليم، ويأخذ
بمجامعه، ويجعله عاكفا على ربه -الذي لا إله له غيره ١، ولا رب له سواه- عكوف المحب الصادق على محبوبه، الذي لا غنى له عنه، ولا بد له منه، ولا تندفع ضرورته بغيره أبدا.
واحتجوا أيضا بأن العبد قد يكون بعد التوبة خيرا منه قبل الخطيئة، لأن الذنب يحدث له من الخوف والخشية، والانكسار والتذلل لله، والتضرع بين يديه، والبكاء على خطيئته، والندم عليها، والأسف والإشفاق ٢، ما هو من أفضل أحوال العبد وأنفعها له في دنياه وآخرته.
ولم تكن هذه الأمور لتحصل بدون أسبابها، إذ حصول الملزوم بدون لازمه محال.
والله تعالى يحب من عبده كسرته، وتضرعه، وذله بين يديه، واستعطافه، وسؤاله أن يعفو عنه، ويغفر له، ويتجاوز عن جرمه وخطيئته.
فإذا قضى عليه بالذنب فترتبت عليه هذه الآثار المحبوبة له كان ذلك القضاء خيرا له، وليس ذلك إلا للمؤمن.
ولهذا قال بعض السلف: "لو لم تكن التوبة أحب الأشياء إليه لما ابتلى ٣ بالذنب أكرم الخلق عليه" ٤.
وقيل: إن في بعض الآثار يقول الله تعالى لداود: "يا داود كنت تدخل علي دخول الملوك على الملوك، واليوم تدخل علي دخول العبيد على الملوك" ٥.
قالوا: وقد قال غير واحد من السلف: كان داود بعد التوبة
خيرا منه قبل الخطيئة ١.
قالوا: ولهذا قال سبحانه: ﴿فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب (٢٥)﴾ [ص/ ٢٥]، فزاده على المغفرة أمرين ٢: "الزلفى"، وهي درجة القرب منه.
وقد قال فيها سلف الأمة وأئمتها ما لا تحتمله عقول الجهمية وفراخهم.
ومن أراد معرفتها فعليه بتفاسير السلف.
والثاني: "حسن المآب"، وهو حسن المنقلب وطيب المأوى عند الله.
قالوا: ومن تأمل زيادة القرب التي أعطيها داود بعد المغفرة علم صحة ما قلنا، وأن العبد بعد التوبة يعود خيرا مما كان.
قالوا: وأيضا فإن للعبودية لوازم وأحكاما وأسرارا وكمالات لا تحصل إلا بها.
ومن جملتها تكميل مقام الذل للعزيز الرحيم، فإن الله سبحانه يحب من ٣ عبده أن يكمل مقام الذل له، وهذا هو ٤ حقيقة العبودية.
واشتقاقها ٥ يدل على ذلك، فإن العرب تقول: "طريق معبد" أي: مذلل بوطء الأقدام.
والذل أنواع: أكملها ٦ ذل المحب لمحبوبه.
الثاني: ذل المملوك لمالكه.
الثالث: ذل ٧ الجاني بين يدي المنعم عليه، المحسن إليه،
المالك له.
الرابع: ذل العاجز عن جميع مصالحه وحاجاته بين يدي القادر عليها، التي هي في يده وبأمره.
وتحت هذا قسمان: أحدهما: ذله ١ في أن يجلب له ما ينفعه.
والثاني: ذله ٢ في أن يدفع عنه ما يضره على الدوام.
ويدخل في هذا ذل المصائب كالفقر والمرض وأنواع البلاء والمحن.
فهذه خمسة أنواع من الذل إذا وفاها العبد حقها، وشهدها كما ينبغي، وعرف ما يراد به منه، وقام بين يدي ربه مستصحبا لها شاهدا لذله من كل وجه ولعز ٣ ربه وعظمته وجلاله، كانت قليل أعماله قائمة ٤ مقام الكثير من أعمال غيره.
قالوا: وهذه أسرار لا تدرك بمجرد الكلام، فمن لا نصيب له منها فلا يضره أن يخلي المطي وحاديها، ويعطي القوس باريها.
فللكثافة أقوام لها خلقوا ... وللمحبة أكباد وأجفان
قالوا: وأيضا فقد ثبت عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم أضل راحلته" ٥.
قالوا: وهذا أعظم ما يكون من الفرح وأكمله، فإن صاحب هذه الراحلة كان عليها مادة حياته من الطعام والشراب، وهي مركبه الذي يقطع به مسافة سفره، فلو عدمه لانقطع في طريقه، فكيف إذا عدم مع
مركبه طعامه وشرابه! ثم إنه عدمها في أرض دوية لا أنيس بها ولا معين، ولا من يأوي له ويرحمه ويحمله، ثم إنها مهلكة لا ماء بها ولا طعام.
فلما أيس من الحياة بفقدها، وجلس ينتظر الموت، إذا هو براحلته قد أشرفت عليه، ودنت منه، فأي فرحة تعدل فرحة هذا؟ ولو كان في الوجود فرح أعظم من هذا لمثل به النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-.
ومع هذا ففرح الله بتوبة عبده إذا تاب إليه أعظم من فرح هذا براحلته.
[قاعدة نافعة في إثبات الصفات]
١
وتحت هذا سر عظيم يختص الله بفهمه من يشاء، فإن كنت ممن غلظ حجابه، وكثفت نفسه وطباعه، فعليك بوادي الحمقى ٢، وهو وادي المحرفين الكلم ٣ عن مواضعه، الواضعين له على غير المراد منه.
فهو واد قد سلكه خلق، وتفرقوا في شعابه وطرقه ومتاهاته، ولم تستقر لهم فيه قدم، ولا لجؤوا منه إلى ركن وثيق، بل هم فيه ٤ كحاطب الليل وحاطم السيل ٥.
وإن نجاك الله من هذا الوادي، فتأمل هذه الألفاظ النبوية المعصومة التي مقصود المتكلم بها غاية البيان، مع مصدرها عن كمال العلم بالله
وكمال النصيحة للأمة.
ومع هذه المقامات الثلاث -أعني كمال بيان المتكلم وفصاحته وحسن تعبيره عن المعاني، وكمال معرفته وعلمه بما يعبر عنه، وكمال نصحه وإرادته لهداية الخلائق- يستحيل عليه أن يخاطبهم بشيء، وهو لا يريد منهم ما يدل عليه خطابه، بل يريد منه ١ أمرا بعيدا عن ذلك الخطاب، إنما يدل عليه كدلالة الألغاز والأحاجي مع قدرته على التعبير عن ذلك المعنى باحسن ٢ عبارة وأوجزها.
فكيف يليق به أن يعدل عن مقتضى البيان الرافع للإشكال المزيل للإجمال، ويوقع الأمة في أودية التأويلات وشعاب الاحتمالات ٣ والتجويزات؟ سبحانك هذا بهتان عظيم! وهل قدر الرسول حق قدره أو مرسله حق قدره من نسب كلامه سبحانه أو كلام رسوله إلى مثل ذلك؟ ففصاحة الرسول وبيانه، وعلمه ومعرفته، ونصحه وشفقته = يحيل عليه ٤ أن يكون مراده من كلامه ما يحمله عليه المحرفون للكلم عن مواضعه المتأولون له على ٥ غير تأويله، وأن يكون كلامه من جنس الألغاز والأحاجي.
والحمد لله رب العالمين.
فإن قلت: فهل من مسلك غير هذا الوادي الذي ذممته فيسلك ٦ فيه، أو من طريق يستقيم عليه السالك؟ قلت: نعم، بحمد الله.
الطريق واضحة المنار، بينة الأعلام، مضيئة للسالكين.
وأولها أن تحذف
خصائص المخلوقين عن إضافتها إلى صفات رب العالمين.
فإن هذه العقدة هي أصل بلاء الناس، فمن حلها فما بعدها أيسر منها، ومن هلك بها فما بعدها أشد منها.
وهل نفى أحد ما نفى من صفات الرب ونعوت جلاله إلا لسبق نظره الضعيف إليها واحتجابه ١ بها عن أصل الصفة وتجردها عن خصائص المحدث؟ فإن الصفة يلزمها لوازم باختلاف محلها، فيظن القاصر ٢ إذا رأى ذلك اللازم ٣ في المحل المحدث أنه لازم لتلك الصفة مطلقا، فهو يفر من إثباتها للخالق سبحانه، حيث لم يتجرد في ظنه عن ذلك اللازم.
وهذا كما فعل من نفى عنه سبحانه الفرح والمحبة والرضى والغضب والكراهة والمقت والبغض، وردها كلها إلى الإرادة.
فإنه فهم فرحا مستلزما لخصائص المخلوق من انبساط دم القلب وحصول ما ينفعه، وكذلك فهم غضبا هو غليان دم القلب طلبا للانتقام، وكذلك فهم محبة ورضى وكراهة ورحمة مقرونة بخصائص المخلوقين؛ فإن ذلك هو السابق إلى فهمه، وهو المشهود في علمه الذي لم تصل معرفته إلى سواه ولم يحط علمه بغيره.
ولما كان ذلك ٤ هو السابق إلى فهمه لم يجد بدا من نفيه عن الخالق تعالى، والصفة لم تتجرد في عقله عن هذا اللازم، فلم يجد ٥ بدا من نفيها.
ثم لأصحاب هذه الطريق مسلكان:
أحدهما: مسلك التناقض البين.
وهو إثبات كثير من الصفات، ولا يلتفت فيها إلى هذا الخيال، بل يثبتها مجردة عن خصائص المخلوق، كالعلم والقدرة والإرادة والسمع والبصر وغيرها.
فإن كان إثبات تلك الصفات التي نفاها يستلزم المحذور الذي فر منه، فكيف لم يستلزمه إثبات ما أثبته؟ وإن كان إثبات ما أثبته لا يستلزم محذورا فكيف يستلزمه إثبات ما نفاه؟ وهل في التناقض أعجب من هذا؟
والمسلك الثاني: مسلك النفي العام والتعطيل المحض، هربا من التناقض، والتزاما لأعظم الباطل وأمحل المحال ١.
فإذن الحق المحض في الإثبات المحض الذي أثبته الله تعالى لنفسه في كلامه وعلى لسان رسوله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تبديل.
ومنشأ غلط المحرفين إنما هو ظنهم أن ما يلزم الصفة في المحل المعين يلزمها لذاتها، فينفون ذلك اللازم عن الله تعالى، فيضطرون في نفيه إلى نفي الصفة!
ولا ريب أن الأمور ثلاثة: أمر يلزم الصفة لذاتها من حيث هي، فهذا لا يجب بل لا يجوز نفيه، كما يلزم العلم والسمع والبصر من تعلقها بمعلوم ومسموع ومبصر، فلا يجوز نفي هذه التعلقات عن هذه
الصفات، إذ لا تحقق لها بدونها.
وكذلك الإرادة مثلا تستلزم العلم لذاتها، فلا يجوز نفي لازمها عنها.
وكذلك السمع والبصر والعلم يستلزم الحياة فلا يجوز نفي لوازمها ١.
وكذلك كون المرئي مرئيا حقيقة له لوازم لا ينفك عنها، ولا سبيل إلى نفي تلك اللوازم إلا بنفي الرؤية.
وكذلك الفعل الاختياري له لوازم لا بد فيه منها، فمن نفى لوازمه لزمه ٢ نفي الفعل ٣ ولا بد.
ومن هنا كان أهل الكلام أكثر الناس تناقضا واضطرابا، فإنهم ينفون الشيء ويثبتون ملزومه، ويثبتون الشيء وينفون لازمه.
فتتناقض أقوالهم وأدلتهم، ويقع السالك خلفهم في الحيرة والشك.
ولهذا يكون نهاية أمر أكثرهم الشك والحيرة، حاشا من هو في خفارة بلادته منهم، أو من قد خرق تلك الخيالات، وقطع تلك الشبهات، وحكم الفطرة والشرعة والعقل المؤيد بنور الوحي عليها، فنقدها نقد الصيارف، فنفى زغلها، وعلم أن الصحيح منها إما أن يكون قد تولت ٤ النصوص بيانه، وإما أن يكون فيها غنية عنه بما هو خير منه وأقرب طريقا وأسهل تناولا.
ولا يستفيد ٥ المؤمن البصير بما جاء به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم-، العارف ٦ به؛ من المتكلمين سوى مناقضة بعضهم بعضا ومعارضته، وإبداء
بعضهم عوار بعض، ومحاربة بعضهم بعضا؛ فيتولى ١ بعضهم محاربة بعض، ويسلم ما جاء به الرسول.
فإذا رأى المؤمن العالم الناصح لله ولرسوله أحدهم قد تعدى إلى ما جاء به الرسول يناقضه ويعارضه ويضاده ٢، فليعلم أنهم لا طريق لهم إلى ذلك أبدا، ولا يقع ردهم إلا على آراء أمثالهم وأشباههم.
وأما ما جاء به الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- فمحفوظ محروس مصون من تطرق المعارضة والمناقضة إليه.
فإن وجدت شيئا من ذلك في كلامهم فبدار بدار إلى إبداء فضائحهم، وكشف تلبيسهم ومحالهم وتناقضهم، وتبيين كذبهم على العقل والوحي، فإنهم لا يردون شيئا مما جاء به الرسول إلا بزخرف من القول يغتر به ضعيف العقل والإيمان، فاكشفه، ولا تهبه ٣، تجده ﴿كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماء حتى إذا جاءه لم يجده شيئا ووجد الله عنده فوفاه حسابه والله سريع الحساب (٣٩)﴾ [النور/ ٣٩].
ولولا أن كل مسائل القوم وشبههم التي خالفوا فيها النصوص بهذه المثابة لذكرنا من أمثلة ذلك ما تقر به عيون أهل الإيمان السائرين إلى الله على طريق الرسول -صلى الله عليه وآله وسلم- وأصحابه.
وإن وفق الله سبحانه جردنا لذلك كتابا مفردا ٤.
وقد كفانا شيخ الإسلام ابن تيمية -قدس الله روحه، ونور ضريحه- ٥ هذا المقصد ٦ في عامة كتبه، لا سيما كتابه الذي وسمه
بـ "بيان موافقة العقل الصريح للنقل الصحيح" ١، فمزق فيه شملهم كل ممزق، وكشف فيه ٢ أسرارهم، وهتك أستارهم، فجزاه الله عن الإسلام وأهله أفضل الجزاء ٣.
واعلم ٤ أنه لا ترد شبهة صحيحة قط ٥ على ما جاء به الرسول، بل الشبهة التي يوردها أهل البدع والضلال على أهل السنة لا تخلو من أحد ٦ قسمين:
إما أن يكون القول الذي أوردت عليه ليس من أقوال الرسول بل تكون نسبته إليه غلطا، وهذا لا يكون متفقا عليه بين أهل السنة أبدا، بل يكون قد قاله بعضهم وغلط فيه، فإن العصمة إنما هي لمجموع الأمة لا لطائفة معينة منها.
وإما أن يكون القول الذي أوردت عليه قولا صحيخا لكن لا ترد تلك الشبهة عليه، وحينئذ فلا بد لها ٧ من أحد أمرين: إما أن تكون لازمة، وإما ألا تكون لازمة.
فإن كانت لازمة لما جاء به ٨ الرسول فهي حق لا شبهة، إذ لازم
الحق حق، ولا ينبغي الفرار منها كما يفعل الضعفاء من المنتسبين إلى السنة، بل كل ما لزم من الحق فهو حق يتعين القول به، كائنا ما كان، وهل تسلط أهل البدع والضلال على المنتسبين للسنة ١ إلا بهذه الطريق؟ ألزموهم بلوازم تلزم الحق فلم يلتزموها، ودفعوها، وأثبتوا ملزوماتها، فتسلطوا عليهم بما أنكروه لا بما أثبتوه.
فلو أثبتوا لوازم الحق، ولم يفروا منها، لم يجد أعداؤهم إليهم سبيلا.
وإن لم تكن لازمة لهم فإلزامهم إياها باطل.
وعلى التقديرين ٢ فلا طريق لهم إلى رد أقوالهم.
وحينئذ فلهم جوابان: مركب مجمل، ومفرد مفصل.
أما الأول فيقولون ٣ لهم: هذه اللوازم التي تلزمونا ٤ بها إما أن تكون لازمة في نفس الأمر، وإما أن لا تكون لازمة.
فإن كانت لازمة فهي حق ٥، إذ قد ثبت أن ما جاء به الرسول هو ٦ الحق الصريح، ولازم الحق حق.
وإن لم تكن لازمة فهي مندفعة، ولا يجوز إلزامها ولا التزامها ٧.
وأما الجواب المفصل فيفردون كل إلزام بجواب، ولا يردونه مطلقا، ولا يقبلونه مطلقا ٨، بل ينظرون إلى ألفاظ ذلك الإلزام
ومعانيه، فإن كان لفظها موافقا لما جاء به الرسول، يتضمن إثبات ما أثبته أو نفي ١ ما نفاه، فلا يكون المعنى إلا حقا، فيقبلون ذلك الإلزام، وإن كان مخالفا لما جاء به الرسول، متضمنا لنفى ما أثبته أو إثبات ما نفاه، كان باطلا لفظا ومعنى، فيقابلونه بالرد.
وإن كان لفظا مجملا محتملا لحق وباطل لم يقبلوه مطلقا، ولم يردوه مطلقا ٢،.
حتى يستفسروا قائله ماذا أراد به.
فإن أراد معنى صحيحا مطابقا لما جاء به الرسول قبلوه ولم يطلقوا اللفظ المحتمل ٣ إطلاقا.
وإن أراد معنى باطلا ردوه ولم يطلقوا نفي اللفظ المحتمل أيضا.
فهذه قاعدتهم التي بها يعتصمون وعليها يعولون.
وبسط هذه الكلمات يستدعي أسفارا لا سفرا واحدا، ومن لا ضياء له لا ينتفع بها ولا بغيرها.
فلنقتصر عليها، ولنعد إلى المقصود، فنقول وبالله التوفيق:
فرح الرب تعالى هذا الفرح العظيم بتوبة عبده إذا تاب إليه هو من ملزومات محئته ولوازمها، أعني كونه محبا لعبادته المؤمنين، محبوبا لهم.
وإنما خلق خلقه لعبادته المتضمنة لكمال محبته والخضوع له، ولهذا خلق الجنة والنار، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب.
وهذا هو الحق الذي خلق به السماوات والأرض، وأنزل به الكتاب.
قال تعالى: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما إلا بالحق﴾
[الحجر/ ٨٥].
وقال تعالى: ﴿إن ربكم الله الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يدبر الأمر ما من شفيع إلا من بعد إذنه ذلكم الله ربكم فاعبدوه أفلا تذكرون (٣)﴾ ١ إلى قوله: ﴿هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا وقدره منازل لتعلموا عدد السنين والحساب ما خلق الله ذلك إلا بالحق يفصل الآيات لقوم يعلمون (٥)﴾ [يونس/ ٥] وقوله: ﴿الم (١) الله لا إله إلا هو الحي القيوم (٢) نزل عليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه وأنزل التوراة والإنجيل (٣)﴾ [آل عمران/ ١ - ٣].
فهذا أمره وتنزيله مصدره الحق، والأول خلقه وتكوينه مصدره الحق أيضا.
فبالحق كان الخلق والأمر، وعنه صدر الخلق والأمر.
وقال سبحانه: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦)﴾ [الذاريات/ ٥٦]، فأخبر سبحانه أن الغاية المطلوبة من خلقه هي عبادته التي أصلها كمال محبته.
وهو سبحانه كما أنه يحب أن يعبد، يحب أن يحمد، ويثنى عليه، ويذكر بأوصافه العلى وأسمائه الحسنى، كما قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في الحديث الصحيح: "لا أحد أحب إليه المدح من الله، ومن أجل ذلك أثنى على نفسه" ٢.
وفي المسند من حديث الأسود بن سريع أنه قال: يا رسول الله، إني حمدت ربي بمحامد.
فقال: "إن ربك يحب الحمد" ٣.
فهو
يحب نفسه، ومن أجل ذلك يثني على نفسه، ويحمد نفسه، ويقدس نفسه، ويحب من يحبه ويحمده ويثني عليه.
بل كلما كانت محبة عبده له أقوى كانت محبة الله له أكمل وأتم.
فلا أحد أحب إليه ممن يحبه، ويحمده، ويثني عليه.
ومن أجل ذلك كان الشرك أبغض الأشياء إليه لأنه ينقص هذه المحبة، ويجعلها بينه وبين من أشرك به.
ولهذا لا يغفر الله أن يشرك به؛ لأن الشرك يتضمن نقصان هذه المحبة، والتسوية فيها بينه وبين غيره.
ولا ريب أن هذا من أعظم ذنوب المحب عند محبوبه التي ينقص ١ بها من عينه، وتنحط ٢ بها مرتبته عنده إذا كان من المخلوقين، فكيف يحتمل رب العالمين أن يشرك بينه وبين غيره في المحبة، والمخلوق لا يحتمل ذلك، ولا يرضى به، ولا يغفر هذا الذنب لمحبه أبدا.
وعساه أن يتجاوز لمحبه عن غيره من الهفوات ٣ والزلات في حقه، ومتى علم بأنه يحب غيره كما يحبه لم يغتفر ٤ له هذا الذنب ولم يقربه إليه.
هذا مقتضى الطبيعة والفطرة.
أفلا يستحيي العبد أن يسوي بين إلهه ومعبوده وبين غيره في هذه العبودية والمحبة؟
قال تعالى: ﴿ومن الناس من يتخذ من دون الله أندادا يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حبا لله﴾ [البقرة/ ١٦٥]. فأخبر سبحانه أن من أحب شيئا دون الله كما يحب الله، فقد اتخذه ندا.
وهذا معنى قول المشركين
في النار ١ لمعبوديهم: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين (٩٧) إذ نسويكم برب العالمين (٩٨)﴾ [الشعراء/ ٩٧ - ٩٨]. فهذه تسوية في المحبة والتأله ٢، لا في الذات والأفعال والصفات.
والمقصود أنه سبحانه يحب نفسه أعظم محبة، ويحب من يحبه.
وخلق خلقه لذلك، وشرع شرائعه وأنزل كتبه لأجل ذلك، وأعد الثواب والعقاب لأجل ذلك.
وهذا هو محض الحق الذي به قامت السماوات والأرض، وكان الخلق والأمر.
فإذا قام به العبد فقد جاء منه الأمر ٣ الذي خلق له، فرضي عنه صانعه وبارئه وأحبه، إذ كان كما يحب ويرضى.
فإذا صدف عن ذلك، وأعرض عنه، وأبق عن مالكه وسيده؛ أبغضه ومقته، لأنه خرج عما خلق له، وصار إلى ضد الحال التي هيئ لها ٤، فاستوجب منه غضبه بدلا من رضاه، وعقوبته بدلا من رحمته.
فكأنه استدعى من ربه ٥ أن يعامله من نفسه بخلاف ما يحب، فإنه سبحانه عفو يحب العفو، محسن يحب الإحسان، جواد يحب الجود، سبقت رحمته غضبه.
فإذا أبق منه العبد، وخامر عليه ٦ ذاهبا إلى عدوه، فقد
استدعى منه أن يجعل غضبه غالبا على رحمته، وعقوبته على إحسانه؛ وهو سبحانه يحب من نفسه الإحسان والبر والإنعام، فقد استدعى من ربه فعل ما غيره أحب إليه منه.
وهو بمنزلة عبد السوء ١ الذي يحمل أستاذه من المخلوقين المحسن إليه، الذي طبيعته الإحسان والكرم، على خلاف مقتضى طبيعته وسجيته.
فأستاذه يحب بطبعه ٢ الإحسان، وهو بإساءته ولؤمه يكلفه ضد طباعه، ويحمله على خلاف سجيته.
فإذا راجع هذا العبد ما يحب سيده، ورجع إليه، وأقبل عليه، وأعرض ٣ عن عدوه، فقد صار إلى الحال التي تقتضي محبة سيده له وإنعامه عليه وإحسانه إليه، فيفرح به -ولا بد- أعظم فرح، وهذا الفرح هو دليل على ٤ غاية الكمال والغنى والمجد.
فليتدبر اللبيب وجود هذا الفرح ولوازمه وملزوماته يجد في طيه من المعارف الإلهية ما لا تتسع له إلا القلوب المهيأة لهذا الشأن المخلوقة له.
وهذا فرح محسن بر لطيف جواد غني حميد، لا فرح محتاج إلى حصول ما يفرح به ٥، مستكمل ٦ به، مستفيد ٧ له من غيره.
فهو عين
الكمال، لازم للكمال، ملزوم له.
وألطف من هذا الوجه أن الله سبحانه خلق عباده المؤمنين، وخلق كل شيء لأجلهم، كما قال تعالى ١ لصالحيهم وصفوتهم: ﴿إن الله اصطفى آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين (٣٣)﴾ [آل عمران/ ٣٣]، وقال تعالى لموسى: ﴿واصطنعتك لنفسي (٤١)﴾ [طه/ ٤١].
واتخذ منهم الخليلين، والخلة أعلى درجات المحبة، وقد جاء في بعض الآثار: يقول تعالى ٢: "ابن آدم خلقتك لنفسي، وخلقت كل شيء لك، فبحقي عليك لا تشتغل بما خلقته لك عما خلقتك له" ٣.
وفي أثر آخر يقول تعالى: "ابن آدم، خلقتك لنفسي، فلا تلعب، وتكفلت برزقك، فلا تتعب.
ابن آدم اطلبني تجدني، فإن وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء، وأنا أحب إليك من كل شيء" ٤.
فالله سبحانه خلق عباده له، ولهذا اشترى منهم أنفسهم، وهذا عقد لم يعقده مع خلق غيرهم -فيما أخبر به على لسان رسوله -صلى الله عليه وآله وسلم- ليسلموا إليه النفوس التي خلقها له.
وهذا الشرى دليل على أنها محبوبة له
مصطفاة عنده، مرضية لديه.
وقدر السلعة يعرف بجلالة قدر مشتريها وبمقدار ثمنها.
هذا إذا جهل قدرها في نفسها، فإذا عرف قدر السلعة، وعرف مشتريها، وعرف الثمن المبذول فيها، علم شأنها ومرتبتها في الوجود.
فالسلعة أنت، والله المشتري، والثمن جنته والنظر إلى وجهه وسماع كلامه في دار الأمن والسلام.
والله سبحانه لا يصطفي لنفسه إلا أعز الأشياء وأشرفها وأعظمها قيمة.
وإذا كان قد اختار العبد لنفسه، وارتضاه لمعرفته ومحبته، وبنى له دارا في جواره وقربه، وجعل ملائكته خدمه يسعون في مصالحه في يقظته ومنامه وحياته وموته؛ ثم إن العبد أبق عن سيده ومالكه ذاهبا عنه ١، معرضا عن رضاه؛ ثم لم يكفه ذلك حتى خامر عليه ٢، وصالح عدوه، ووالاه من دونه، وصار من جنده، مؤثرا لمرضاته على مرضاة وليه ومالكه = فقد باع نفسه -التي اشتراها منه إلهه ومالكه، وجعل ثمنها جنته والنظر إلى وجهه- من عدوه وأبغض خلقه إليه، واستبدل غضبه برضاه، ولعنته برحمته ومحبته.
فأي مقت خلى هذا المخدوع عن نفسه لم يتعرض له من ربه؟
قال تعالى: ﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (٥٠)﴾ [الكهف/ ٥٠].
فتأمل ما تحت هذه المعاتبة وما في طي هذا الخطاب من سوء حال ٣ هذا العبد، وما تعرض له من المقت والخزي والهوان؛ ومن
استعطاف ربه واستعتابه ودعائه إياه إلى العود إلى وليه ومولاه الحق الذي هو أولى به.
فإذا عاد إليه وتاب إليه فهو بمثابة من أسر له العدو محبوبا له ١، واستولوا عليه، وحالوا بينه وبينه، فهرب منهم ذلك المحبوب، وجاء إلى محبه اختيارا وطوعا حتى توسد عتبة بابه، فخرج المحب من بيته، فوجد محبوبه متوسدا عتبة بابه واضعا خده وذقنه عليها، فكيف يكون فرحه به؟ ولله المثل الأعلى.
ويكفي في هذا المثل الذي ضربه رسوله لمن ٢ فتح الله عين قلبه، فأبصر ما في طيه وما في ضمنه، وعلم أنه ليس كلام مجازفة ٣ ولا مبالغة ولا تخييل، بل كلام معصوم في منطقه وعلمه وقصده وعمله.
كل كلمة منه في موضعها ومنزلتها ومقزها، لا يتعدى بها عنه، ولا يقصر بها.
والذي يزيد هذا المعنى تقريرا أن محبة الرب لعبده سبقت محبة العبد له سبحانه، فإنه لولا محبة الله له لما جعل محبته في قلبه.
فلما أحبه ألهمه ٤ حبه، وآثره به؛ فلما أحبه العبد جازاه على تلك المحبة محبة أعظم منها.
فإنه من تقرب إليه شبرا تقرب إليه ذراعا، ومن تقرب إليه ذراعا تقرب إليه باعا، ومن أتاه مشيا أتاه هرولة ٥.
وهذا دليل على أن محبة الله لعبده الذي يحبه فوق محبة العبد له.
فإذا ٦ تعرض هذا
المحبوب لمساخط حبيبه فهو بمنزلة المحبوب الذي فر من محبه وآثر غيره عليه.
فإذا عاوده، وأقبل إليه، وتخلى عن غيره، فكيف لا يفرح به محبه أعظم فرح وأكمله؟ والشاهد أقوى شاهد بهذا والفطرة ١ والعقل، فلو لم يخبر الصادق المصدوق بما أخبر به من هذا الأمر العظيم لكان في الفطرة والعقل ما يشهد به، فإذا انضافت الشرعة المنزلة إلى الفطرة المكفلة ٢ إلى العقل الصحيح ٣ المنور، فذلك الذي لا غاية ٤ بعده.
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم.
فصل
ومتى أراد العبد شاهد هذا من نفسه فلينظر إلى الفرحة التي يجدها بعد التوبة النصوح، والسرور واللذة التي تحصل له؛ والجزاء من جنس العمل.
فلما تاب إلى الله، ففرح الله بتوبته، أعقبه فرحا عظيما.
وههنا دقيقة قل من يتفطن لها إلا فقيه في هذا الشأن.
وهي أن كل تائب لا بد له في أول توبته من عصرة وضغطة في قلبه، من هم أو غم أو ضيق أو حزن، ولو لم يكن إلا تألم ٥ بفراق ٦ محبوبه، فينضغط لذلك وينعصر قلبه، ويضيق صدره؛ فأكثر الخلق رجعوا من التوبة ونكسوا
على رؤوسهم لأجل هذه المحنة ١.
والعارف الموفق يعلم أن الفرحة والسرور واللذة الحاصلة ٢ عقيب التوبة تكون على قدر هذه العصرة، فكلما كانت ٣ أقوى وأشد كانت الفرحة واللذة أكمل وأتم.
ولذلك أسباب عديدة:
منها: أن هذه العصرة والقبض دليل على حياة قلبه، وقوة استعداده، ولو كان قلبه ميتا واستعداده ضعيفا لم يحصل له ذلك.
وأيضا: فإن الشيطان لص الإيمان، واللص إنما يقصد المكان المعمور، وأما المكان الخراب الذي لا يرجو أن يظفر منه بشيء فلا يقصده.
فإذا قويت المعارضات الشيطانية والعصرة دل على أن في قلبه من الخير ما يشتد حرص الشيطان على نزعه منه.
وأيضا: فإن قوة المعارض والمضاذ تدل على قوة معارضه وضده ٤، ومثل هذا إما أن يكون رأسا في الخير أو رأسا في الشر.
فإن النفوس الأبية القوية إن كانت خيرة رأست في الخير ٥، وإن كانت شريرة رأست في الشر.
وأيضا: فإن بحسب مدافعته ٦ لهذا العارض وصبره عليه يثمر له ذلك من اليقين والثبات والعزم ما يوجب زيادة انشراحه وطمأنينته.
وأيضا: فإنه كلما عظم المطلوب كثرت العوارض والموانع دونه.
هذه سنة الله في الخلق.
فانظر إلى الجنة وعظمها، وإلى الموانع والقواطع التي حالت دونها حتى أوجبت أن ذهب من كل ألف رجل واحد إليها.
وانظر إلى محبة الله، والانقطاع إليه، والإنابة إليه ١، والتبتل إليه وحده، والأنس به، واتخاذه وليا ووكيلا وكافيا وحسيبا؛ هل يكتسب العبد شيئا أشرف منه؟ وانظر إلى القواطع والموانع الحائلة دونه، حتى قد تعلق كل قوم بما تعلقوا ٢ به دونه.
والطالبون له منهم الواقف مع عمله ٣، والواقف مع علمه، والواقف مع حاله، والواقف مع ذوقه وجمعيته وحظه من ربه؛ والمطلوب منهم وراء ذلك كله.
والمقصود أن هذا الأمر الحاصل بالتوبة لما كان من أجل الأمور وأعظمها نصبت عليه المعارضات والمحن، ليتميز الصادق من الكاذب، وتقع الفتنة، ويحصل الابتلاء، ويتميز من يصلح ممن لا يصلح ٤.
قال تعالى: ﴿الم (١) أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون (٢) ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين (٣)﴾ [العنكبوت/ ١ - ٣] وقال تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾ [الملك/ ٢].
ولكن إذا صبر على هذه العصرة قليلا أفضت به إلى رياض الأنس وجنات الانشراح؛ وإن لم يصبر لها انقلب على وجهه.
والله الموفق، لا إله غيره، ولا رب سواه.