طريق الهجرتين وباب السعادتينصفحات 753-760
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الفصل الأول في حقيقته

صفحات 753-760

واستعانتهم بنعمه على محابه.
قال تعالى: ﴿اعملوا آل داوود شكرا﴾ [سبأ/ ١٣].
وقال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- لما قيل له: أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: "أفلا أكون عبدا شكورا؟ " ١.
فسمى الأعمال شكرا، وأخبر أن شكره قيامه بها ومحافظته عليها.
فحقيقة الشكر هو الثناء على المنعم، ومحبته، والعمل بطاعته، كما قال:

أفادتكم النعماء عندي ثلاثة ... يدي ولساني والضمير المحجبا ٢

فاليد للطاعة، واللسان للثناء، والضمير ٣ للحب والتعظيم.
وأما السرور به وإن كان من أجل المقامات، فإن العبد إنما يسر بمن هو أحب الأشياء إليه؛ وعلى قدر حبه له يكون سروره به ٤.
فهذا ٥ السرور ثمرة الشكر، لا أنه نفس الشكر.
وكذلك ٦ الاستبشار والفرح بلقائه إنما هو ثمرة الشكر وموجبه.
وهو كالرضا من التوكل، وكالشوق من المحبة، وكالأنس من الذكر، وكالخشية من العلم، وكالطمأنينة من اليقين؛ فإنها ثمرات لها وآثار وموجبات.
فعلى قدر شكره لله بالأعمال الظاهرة والباطنة وتصحيح العبودية، يكون سروره به ٧ واستبشاره بلقائه.

وأما قوله تعالى: ﴿فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به﴾ [التوبة/ ١١١] فهذا إنما قاله للشاكرين الذين يقاتلون في سبيله فيقتلون ويقتلون.
ثم وصفهم بعد ذلك بقيامهم بأعمال الشكر فقال: ﴿التائبون العابدون الحامدون السائحون الراكعون الساجدون الآمرون بالمعروف والناهون عن المنكر والحافظون لحدود الله وبشر المؤمنين (١١٢)﴾ [التوبة/ ١١٢] فهؤلاء هم ١ المستبشرون ببيعهم.
جعلنا الله منهم بمنه وكرمه.

فصل [محبتهم]

قال: "ومحبتهم فناؤهم في محبة الحق، ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾؟ " ٢.

وقد تقدم الكلام على هذا بما فيه كفاية ٣.
وبينا أن البقاء في المحبة أفضل وأكمل من الفناء فيها من وجوه متعددة، وأن الفناء إنما هو لضعف المحب عما حمل.
وأما الأقوياء فهم -مع شدة محبتهم- في مقام البقاء والتمييز.

وأما استدلاله بقوله تعالى: ﴿فماذا بعد الحق إلا الضلال﴾ [يونس/ ٣٢]، فالآية إنما سيقت في الإنكار ٤ على من يعبد غير الله ويشرك به.
قال تعالى: ﴿قل من يرزقكم من السماء والأرض أمن يملك السمع والأبصار ومن يخرج

الحي من الميت ويخرج الميت من الحي ومن يدبر الأمر فسيقولون الله فقل أفلا تتقون (٣١) فذلكم الله ربكم الحق فماذا بعد الحق إلا الضلال فأنى تصرفون (٣٢)﴾ [يونس/ ٣١ - ٣٢] فمن ١ عبد غير الله فما عبد إلا الضلال المحض والباطل البحت.
وأما من عبد الله بأمره، وكان في مقام التمييز بين محابه ومساخطه، مفرقا بينهما، يحب هذا ويبغض هذا، ناظرا بقلبه إلى ربه، عاكفا بهمته عليه، منفذا لأوامره = فهو مع الحق المحض ٢.

فصل [شوقهم]

قال: "وشوقهم: هربهم ٣ من رسمهم وسماتهم استعجالا للوصول الى غاية المنى.
﴿وعجلت إليك رب لترضى (٨٤)﴾ [طه/ ٨٤] " ٤.

وقد تقدم الكلام في الشوق مستوفى ٥، وليس الهرب من الغير والضد هو الشوق، بل هنا مهروب منه ومهروب إليه.
فالشوق هو سفر القلب نحو المحبوب، وهذا لا يتم إلا بالهرب من ضده، فليس الشوق هو نفس الهرب من الرسوم والسمات.

فصل

قال: "فالإرادة ١ والزهد والتوكل والصبر والحزن والخوف والرجاء والشكر والمحبة والشوق من منازل أهل الشرع السائرين إلى عين الحقيقة، فإذا شاهدوا عين الحقيقة اضمحلت فيها أحوال المشاهدين ٢ حتى يفنى ما لم يكن، ويبقى ما لم يزل" ٣.

قلت: الحقائق التي يشار ٤ إليها على لسان أهل السلوك ثلاثة ٥:

حقيقة إيمانية نبوية: وهي حقيقة العبودية التي هي كمال الحب وكمال الذل.
وسير أهل الاستقامة إنما هو إلى هذه الحقيقة، ومنازل السير التي ينزلون فيها هي منازل الإيمان الموصلة إليها.
والمنحرفون لا يرضون بهذه الحقيقة، ولا يقفون معها، ويرونها منزلة من منازل العامة!

الحقيقة الثانية: حقيقة كونية قدرية.
يشاهدون فيها انفراد ٦ الرب سبحانه بالتكوين والإيجاد وحده، وأن العالم كالموات ٧ يقلبه ويصرفه كيف شاء ٨.
وهم يعظمون هذا المشهد ويرون الفناء فيه غاية ما بعدها

شيء.
وهذا من أغلاطهم في المعرفة والسلوك، فإن هذا المشهد لا يدخل صاحبه في الإيمان فضلا عن أن يكون أفضل مشاهد أولياء الله المقربين، فإن عباد الأصنام شهدوا هذا المشهد، ولم ينفعهم وحده.

قال تعالى: ﴿قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون (٨٤) سيقولون لله قل أفلا تذكرون (٨٥) قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم (٨٦) سيقولون لله قل أفلا تتقون (٨٧) قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون (٨٨) سيقولون لله قل فأنى تسحرون (٨٩)﴾ ١ [المؤمنون/ ٨٤ - ٨٩].

وقال تعالى ٢: ﴿ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله﴾ [الزخرف/ ٨٧].
﴿وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم﴾ [الزخرف/ ٢٠].
﴿سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا﴾ ٣ [الأنعام/ ١٤٨].

وهذا كثير من القرآن.

فالفناء في هذا المشهد لا يدخل العبد في دائرة الإسلام، فكيف يجعل ٤ هو الحقيقة التي ينتهي إليها سير السالكين، وتجعل حقيقة الإيمان ودعوة الرسل منزلا ٥ من منازل العامة! وهل هذا إلا غاية الانحراف والبعد ٦ عن الصراط المستقيم، وقلب للحقائق؟ وكم قد

هلك في هذه الحقيقة من أمم لا يحصيهم إلا الله! وكم عطل ١ الواقفون معها من الشرائع، وخربوا من المنازل! وما نجا من معاطبها إلا من شملته العناية الربانية، ونفذ ببصره من هذه الحقيقة إلى الحقيقة الإيمانية النبوية: حقيقة رسل الله وأنبيائه وأتباعهم.
وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.

والحقيقة الثالثة: حقيقة اتحادية، بل وحدية ٢.
لا يفرق فيها بين الرب والعبد، ولا بين القديم والمحدث، ولا بين صانع ومصنوع، بل الأمر كله واحد، والأمر المخلوق هو عين الأمر الخالق.
وهذه الحقيقة التي يشير إلى عينها طائفة الاتحادية، ويعدون من لم يكن من أهلها محجوبا! وهذه حقيقة كفرية إلحادية ٣، وهي مع ذلك خيال فاسد، وعقل منكوس، وذوق من عين منتنة.
وكفر أهلها أعظم من كفر كل أمة، فإنهم جحدوا الصانع حقا، وإن أثبتوه جعلوا وجوده وجود كل موجود، والذين أثبتوا الصانع سبحانه، وعدلوا به غيره، وسووا بينه وبين غيره في العبادة = مقالتهم خير من مقالة هؤلاء الذين جعلوه وجود كل موجود.
وعين كل شيء ٤.
تعالى الله عما يقول الكاذبون المفترون علوا كبيرا.

فعليك بالفرق بين السائرين إلى عين ١ هذه الحقيقة، والسائرين إلى عين الحقيقة الكونية الحكمية، والسائرين إلى عين الحقيقة المحمدية الإبراهيمية الحنيفية التي هي حقيقة جميع الأنبياء والمرسلين.
وفيها تفاوتت مراتب السالكين ومنازلهم من القرب من رب العالمين.
قال شيخ هذه الحقيقة ٢ لما تحقق فناء تلك ٣ الرسوم وأفولها ٤ ﴿إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا وما أنا من المشركين (٧٩)﴾ [الأنعام/ ٧٩].
وهذا التوجه يتضمن محبته دون غيره، وعبادته وطاعته دون غيره.
فهذه هي الحقيقة حقا، وما سواها باطل حقيقة.

قال ٥ تعالى لأكرم خلقه عليه: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين (١٢٣)﴾ [النحل/ ١٢٣] فأمره تعالى أن يقتدي بأبيه إبراهيم في هذه الحقيقة.
وكان -صلى الله عليه وآله وسلم- يعلم أصحابه إذا أصبحوا وإذا أمسوا أن يقولوا: "أصبحنا على فطرة الإسلام، وكلمة الإخلاص، ودين نبينا محمد، وملة أبينا إبراهيم حنيفا مسلما وما كان من المشركين" ٦.

فنسأل الله العظيم أن يهب لنا هذه الحقيقة، ويثبتنا عليها، ويعيذنا مما سواها، إنه قريب مجيب ١.

فصول الكتاب · 53 فصل · 956 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين · 956 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]
فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى
العز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح
الثاني: حمد النعم والآلاء
قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريف
المقدمة
الرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]
فصل [حدود أخرى للمحبة]
الفصل الأول في حقيقته
فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة
ثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل