طريق الهجرتين وباب السعادتينالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاته

الذين تأمن ٥ بهم السبل، ويستقيم بهم العالم، ويستنصر بهم الضعيف، ويذل بهم الظالم، ويأمن بهم الخائف، وتقام بهم الحدود، ويدفع بهم الفساد، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقام بهم حكم الكتاب والسنة، وتطفأ بهم نيران البدع والضلالة.

وهؤلاء هم ٦ الذين تنصب لهم المنابر من النور عن يمين الرحمن عز وجل يوم القيامة فيكونون عليها.
والولاة الظلمة قد صهرهم حر الشمس، وقد بلغ منهم العرق مبلغه، وهم يحملون أثقال مظالمهم

العظيمة على ظهورهم الضعيفة في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة، ثم يرى ١ سبيل أحدهم إما إلى الجنة وإما إلى النار.

قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم-: "المقسطون عند الله ٢ على منابر من نور يوم القيامة عن يمين الرحمن تبارك وتعالى، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهلهم وما ولوا" ٣.

وعنه -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إن أحب الخلق إلى الله وأقربهم منزلة منه ٤ يوم القيامة إمام عادل، وإن أبغض الخلق إلى الله وأبعدهم منه منزلة يوم القيامة إمام جائر" ٥ أو كما قال.

وهم أحد السبعة الأصناف الذين يظلهم الله في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله.
وكما كان الناس في ظل عدلهم في الدنيا، كانوا هم ٦ في ظل عرش الرحمن يوم القيامة ظلا بظل جزاء وفاقا.

ولو لم يكن من فضلهم وشرفهم إلا أن أهل السماوات والأرض والطير في الهواء يصلون عليهم ويستغفرون لهم ويدعون لهم، وولاة

الظلم يلعنهم من بين السماء ١ والأرض حتى الدواب ٢ والطير.
كما أن معلم الناس الخير يصلي عليه الله وملائكته، وكاتم العلم والهدى الذي أنزله الله وحامل أهله على كتمانه يلعنه الله وملائكته ويلعنه اللاعنون.

فيا لها من منقبة ومرتبة ما أجلها وأشرفها: أن يكون الوالي والإمام على فراشه، وغيره ٣ يعمل بالخير، وتكتب الحسنات في صحائفه! فهي متزايدة ما دام يعمل بعدله، ولساعة واحدة منه خير من عبادة أعوام من غيره! فأين هذا من صفة ٤ الغاش لرعيته، الظالم لهم، الذي ٥ قد حرم الله عليه الجنة وأوجب له النار!

ويكفي في فضله وشرفه أنه يكف عن الله دعوة المظلوم، كما في الآثار: "أيها الملك المسلط المغرور، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لتكف عني دعوة المظلوم، فإني لا أحجبها ولو كانت من كافر" ٦.
فأين من هو نائم، وأعين العباد ساهرة تدعو الله له؛ وآخر أعينهم ساهرة تدعو عليه؟

الطبقة السادسة: المجاهدون في سبيل الله، وهم جند الله الذين يقيم بهم دينه ١، ويدفع بهم بأس أعدائه، ويحفظ بهم بيضة الإسلام، ويحمي بهم حوزة الدين.
وهم الذين يقاتلون أعداء الله ليكون الدين كله لله، وتكون كلمة الله هي العليا، قد بذلوا أنفسهم في محبة الله ونصر دينه وإعلاء كلمته ودفع أعدائه.
وهم شركاء لكل من يحمونه بسيوفهم، في أعمالهم التي يعلمونها، وإن تناءت ديارهم ٢، ولهم مثل أجور من عبد الله ٣ بسبب جهادهم وفتوحهم، فإنهم كانوا هم السبب فيه.
والشارع قد نزل المتسبب منزلة الفاعل التام في الأجر والوزر، ولهذا كان الداعي إلى الهدى والداعي إلى الضلال لكل منهما بتسببه مثل أجر من اتبعه ٤.

وقد تظافرت ٥ آيات الكتاب وتواترت نصوص السنة على الترغيب في الجهاد، والحض عليه، ومدح أهله، والإخبار عما لهم عند ربهم من أنواع الكرامات والعطايا الجزيلات.
ويكفي في ذلك قوله تعالى: ﴿ياأيها الذين آمنوا هل أدلكم علي تجارة تنجيكم من عذاب أليم (١٠)﴾ [الصف/ ١٠] فتشوفت ٦ النفوس إلى هذه التجارة الرابحة التي الدال عليها رب العالمين العليم الحكيم، فقال: ﴿تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم﴾.
فكأن النفوس ضنت بحياتها وبقائها، فقال: ﴿ذلكم خير لكم إن كنتم

تعلمون (١١)﴾ يعني أن الجهاد خير لكم من قعودكم طلبا ١ للحياة والسلامة.
فكأنها ٢ قالت: فما لنا في هذا ٣ الجهاد من الحظ؟ فقال: ﴿يغفر لكم ذنوبكم﴾ مع المغفرة ﴿ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم﴾.
فكأنها ٤ قالت: هذا في الآخرة فماذا لنا ٥ في الدنيا؟ فقال: ﴿وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب وبشر المؤمنين﴾.

فلله ما أحلى هذه الألفاظ وما ألصقها بالقلوب وما أعظمها جذبا لها وتسييرا إلى ربها، وما ألطف موقعها من قلب كل محب! وما أعظم غنى القلب وأطيب عيشه ٦ حين تباشره معانيها! فنسأل الله من فضله إنه جواد كريم.

ومن هذا قوله تعالى: ﴿أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله والله لا يهدي القوم الظالمين (١٩) الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون (٢٠) يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم (٢١) خالدين فيها أبدا إن الله عنده أجر عظيم (٢٢)﴾ [التوبة/ ١٩ - ٢٢]. فأخبر سبحانه أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام -وهم عماره بالاعتكاف والطواف والصلاة، هذه هي عمارة مساجده المذكورة في القرآن- وأهل سقاية الحاج، لا يستوون

هم وأهل الجهاد في سبيله ١.
وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات.
فنفي التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام بأنواع العبادة ٢، مع ثنائه على عماره بقوله: ﴿إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين (١٨)﴾ [التوبة/ ١٨].
فهؤلاء هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم.

وقال تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة وكلا وعد الله الحسنى وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (٩٥) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما (٩٦)﴾ [النساء/ ٩٥ - ٩٦]. فنفى سبحانه التسوية بين المؤمنين القاعدين عن الجهاد وبين المجاهدين، ثم أخبر عن تفضيل المجاهدين على القاعدين درجة، ثم أخبر عن تفضيلهم عليهم درجات.

وقد أشكل فهم هذه الآية على طائفة من الناس، من جهة أن القاعدين الذين فضل عليهم المجاهدون بدرجة إن كانوا هم أولي الضرر، والقاعدون الذين فضل عليهم المجاهدون ٣ بدرجات هم غير أولي الضرر؛ فيكون ٤ المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا، وعلى

هذا فما وجه استثناء أولي الضرر من القاعدين، وهم لا يستوون هم ١ والمجاهدون أصلا؟ فيكون حكم المستثنى والمستثنى منه واحدا.
فهذا وجه الإشكال، ونحن نذكر ما قاله هؤلاء في الآية، ثم نذكر ٢ ما يزيل الإشكال بحمد الله.

فاختلف القراء في إعراب "غير"، فقرئ رفعا ونصبا، وهما في السبعة ٣.
وقرئ بالجر في غير السبعة، وهي قراءة أبي حيوة ٤.

فأما قراءة النصب فعلى الاستثناء؛ لأن "غيرا" تعرب في الاستثناء إعراب الاسم الواقع بعد إلا، وهو النصب هنا ٥، هذا هو الصحيح.
وقالت طائفة: إعرابها نصب على الحال، أي: لا يستوي القاعدون غير مضرورين، أي: لا يستوون في حال صحتهم هم والمجاهدون ٦.

والاستثناء أصح، فإن "غيرا" ١ لا تكاد تقع حالا في كلامهم إلا مضافة إلى نكرة، كقوله تعالى: ﴿فمن اضطر غير باغ﴾ [البقرة/ ١٧٣]، الأنعام/ ١٤٥، النحل/ ١١٥]، وقوله: ﴿أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد﴾ [المائدة/ ١]، وقوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "مرحبا بالوفد غير خزايا ولا ندامى" ٢.
فإن أضيفت إلى معرفة كانت تابعة لما قبلها، كقوله تعالى: ﴿صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم﴾ [الفاتحة/ ٧].
ولو قلت: "مرحبا بالوفد غير الخزايا ولا الندامى".
لجررت "غيرا" ٣.
هذا هو المعروف من كلامهم.
والكلام في عدم تعرف "غير" بالإضافة وحسن وقوعها إذ ذاك حالا، له مقام آخر.

وأما الرفع فعلى النعت للقاعدين، هذا هو الصحيح.
وقال أبو إسحاق وغيره: هو خبر مبتدأ محذوف، تقديره: الذين هم غير أولي الضرر ٤.
والذي حمله على هذا ظنه أن غيرا لا تقبل التعريف بالإضافة، فلا تجري صفة للمعرفة.
وليس مع من ادعى ذلك حجة يعتمد عليها سوى قولهم ٥: إن غيرا توغلت في الإبهام فلا تتعرف بما تضاف إليه.
وجواب هذا: أنها إذا دخلت بين متقابلين لم يكن فيها إبهام

لتعيينها ما تضاف إليه ١.

وأما قراءة الجر ففيها وجهان أيضا، أحدهما -وهو الصحيح- أنه نعت للمؤمنين.
والثاني -وهو قول المبرد- أنه بدل منه، بناء على أنه نكرة فلا تنعت به المعرفة ٢.

وعلى الأقوال كلها فهو مفهم ٣ معني الاستثناء، وأن نفي التسوية غير مسلط على ما أضيف إليه "غير" ٤.
وقوله: ﴿فضل الله المجاهدين بأموالهم وأنفسهم على القاعدين درجة﴾ ٥ هو مبين لمعني نفي المساواة.
قالوا: والمعنى فضل الله المجاهدين على القاعدين ٦ من أولي الضرر درجة واحدة لامتيازه عنه ٧ بالجهاد بنفسه وماله.
ثم أخبر سبحانه أن الفريقين كليهما موعود بالحسنى فقال: ﴿وكلا وعد الله الحسنى﴾ أي: المجاهد والقاعد المضرور، لاشتراكهم ٨ في الإيمان.

قالوا: وفي هذا دليل على تفضيل الغني المنفق على الفقير، لأن الله سبحانه أخبر أن المجاهد بماله ونفسه أفضل من القاعد، وقدم الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس.
وأما الفقير فنفى عنه الحرج بقوله: ﴿ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم قلت لا أجد ما أحملكم عليه﴾ [التوبة/ ٩٢] فأين مقام من حكم له بالتفضيل إلى مقام من نفى عنه الحرج!

قالوا: فهذا حكم القاعد من أولي الضرر والمجاهد.
وأما القاعد من غير أولي الضرر فقال تعالى: ﴿وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجرا عظيما (٩٥) درجات منه ومغفرة ورحمة وكان الله غفورا رحيما﴾ [النساء/ ٩٥ - ٩٦].

وقوله ﴿درجات﴾ قيل: هو نصب على البدل من قوله ﴿أجرا عظيما﴾ ١ وقيل: تأكيد له وإن كان بغير لفظه؛ لأنه هو في المعنى ٢.
قال قتادة: كان يقال: الإسلام درجة، والهجرة في الإسلام درجة، والجهاد في الهجرة درجة، والقتل في الجهاد درجة ٣.

وقال ابن زيد: الدرجات التي فضل بها المجاهد على القاعد سبع، وهي التي ذكرها الله تعالى في براءة إذ يقول سبحانه: ﴿ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطئون موطئا يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلا إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين﴾ فهذه خمس.
ثم قال ﴿ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون واديا إلا كتب لهم﴾ [التوبة/ ١٢٠ - ١٢١]،

فهاتان اثنتان ١.

وقيل: الدرجات سبعون درجة، ما بين الدرجتين حضر الفرس الجواد المضمر سبعين سنة ٢.

والصحيح أن الدرجات هي المذكورة في حديث أبي هريرة الذي رواه البخاري ٣ في صحيحه عنه ٤ عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "من آمن بالله ورسوله وأقام الصلاة وصام رمضان فإن حقا على الله أن يدخله الجنة، هاجر في سبيل الله أو جلس في أرضه التي ولد فيها" قالوا: يا رسول الله، أفلا نخبر الناس بذلك؟ قال: "إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيله، كل درجتين كما بين السماء والأرض.
فإذا سألتم الله فاسألوه الفردوس فإنه أوسط الجنة وأعلى الجنة، وفوقه عرش الرحمن، ومنه تفجر أنهار الجنة".

قالوا: وجعل سبحانه التفضيل الأول بدرجة فقط، وجعله ههنا بدرجات ومغفرة ورحمة، وهذا يدل على أنه تفضيل ٥ على غير أولي الضرر.
فهذا تقرير هذا القول وإيضاحه.

ولكن يبقى ٦ أن يقال: إذا كان المجاهدون أفضل من القاعدين مطلقا لزم أن لا يستوي مجاهد وقاعد مطلقا، فلا يبقى في تقييد

القاعدين بكونهم من غير أولي الضرر فائدة، فإنه لا يستوي المجاهدون والقاعدن من أولي الضرر أيضا.

وأيضا فإن القاعدين المذكورين في الآية الذين وقع التفضيل عليهم هم غير أولي الضرر، لا القاعدون الذين هم أولو الضرر.
فإنهم لم يذكر حكمهم في الآية، بل استثناهم، وبين أن التفضيل على غيرهم.
فاللام في "القاعدين" للعهد، والمعهود هم غير أولي الضرر لا المضرورون.

وأيضا فالقاعد من المجاهدين لضرورة تمنعه من الجهاد له مثل أجر المجاهد، كما ثبت ١ عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "إذا مرض العبد أو سافر كتب له من العمل ما كان يعمل صحيحا مقيما" ٢، وقال: "إن بالمدينة أقواما ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا وهم معكم" قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: "وهم بالمدينة، حبسهم العذر" ٣.

وعلى هذا فالصواب أن يقال: الآية دلت على أن القاعدين من غير أولي الضرر عن الجهاد ٤ لا يستوون هم والمجاهدون، وسكتت عن القاعدين من أولي الضرر، فلم تدل على ٥ حكمهم بطريق منطوقها.
ولا يدل مفهومها على مساواتهم للمجاهدين، بل هذا النوع منقسم إلى

معذور من أهل الجهاد غلبه عذره وأقعده عنه، ونيته جازمة لم يتخلف عنها مقدورها، وإنما أقعده العجز، فهذا الذي تقتضيه أدلة الشرع أن له مثل أجر المجاهد.
وهذا القسم لا يتناوله الحكم بنفي التسوية، وهذا لأن قاعدة الشريعة: أن العزم التام إذا اقترن به ما يمكن من القول ١ أو مقدمات الفعل نزل صاحبه في الثواب والعقاب منزلة الفاعل التام، كما دل عليه قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار" قالوا: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: "إنه كان حريصا على قتل صاحبه" ٢.

وفي الترمذي ومسند الإمام أحمد من حديث أبي كبشة الأنماري عن النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- أنه قال: "إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي في ماله ربه، ويصل به رحمه، ويعلم لله فيه حقا؛ فهذا بأحسن المنازل عند الله ٣.
وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان؛ فهو بنيته، وهما في الأجر سواء، وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، فهو لا يتقي في ماله ربه، ولا يصل به رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا؛ فهذا بأسوأ المنازل عند الله.
وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، وهما في الوزر سواء" ٤.
فأخبر - صلي الله عليه وسلم - أن وزر الفاعل والناوي

الذي ليس مقدوره إلا بقوله دون فعله سواء؛ لأنه أتي بالنية ومقدوره التام.
وكذلك أجر الفاعل والناوي الذي اقترن قوله بنيته ١.
وكذلك المقتول الذي سل السيف، وإرادته ٢ قتل أخيه المسلم، فقتل، نزل منزلة القاتل لنيته التامة التي اقترن بها مقدورها من السعي والحركة.

ومثل هذا قوله -صلى الله عليه وآله وسلم-: "من دل على خير فله مثل أجر فاعله" ٣ فإنه بدلالته ونيته نزل منزلة الفاعل.
ومثله من دعا إلى هدى فله مثل أجور من اتبعه، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الوزر مثل آثام من اتبعه ٤؛ لأجل نيته واقتران مقدورها بها من الدعوة.

ومثله إذا جاء المصلي إلى المسجد ليصلي جماعة، فأدركهم وقد صلوا، فصلى وحده، كتب له مثل أجر صلاة الجماعة بنيته وسعيه، كما قد جاء مصرحا به في حديث مروي ٥.

ومثل هذا من كان له ورد يصليه من الليل فنام، ومن نيته أن يقوم إليه فغلبه عنه ٦ نوم، كتب له أجر ورده، وكان نومه عليه صدقة ٧.

ومثله المريض والمسافر إذا كان له عمل يعمله، فشغل عنه بالمرض والسفر، كتب له مثل يمله وهو صحيح مقيم ١.
ومثله: "من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء، ولو مات على فراشه" ٢.
ونظائر ذلك كثيرة.

والقسم الثاني معذور ليس من نيته الجهاد، ولا هو عازم عليه عزما تاما.
فهذا لا يستوي هو والمجاهد في سبيل الله، بل قد فضل الله المجاهد ٣ عليه وإن كان معذورا، لأنه ٤ لا نية له تلحقه بالفاعل التام، كنية أصحاب القسم الأول.
وقد قال النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- في حديث عثمان بن مظعون ٥: "إن الله قد أوقع أجره على قدر نيته" ٦.

فلما كان القسم المعذور فيه هذا التفصيل لم يجز أن يساوي بالمجاهد مطلقا، ولا ينفي عنه المساواة مطلقا.
ودلالة المفهوم لا عموم لها، فإن العموم إنما هو من أحكام الصيغ العامة وعوارض

الألفاظ.
والدليل الموجب للقول بالمفهوم لا يدل على أن له عموما يجب اعتباره، فإن أدلة المفهوم ترجع إلى شيئين: أحدهما التخصيص، والآخر التعليل.

فأما التخصيص فهو أن تخصيص الحكم بالمذكور يقتضي نفي الحكم عما عداه وإلا بطلت فائدة التخصيص.
وهذا لا يقتضي العموم وسلب حكم المنطوق عن جميع صور المفهوم، لأن فائدة التخصيص قد تحصل بانقسام صور المفهوم إلى ما يسلب الحكم عن بعضها، ويثبته لبعضها، وبثبوت تفصيل ١ فيه فيثبت له حكم المنطوق على وجه دون وجه، إما بشرط لا تجب مراعاته في المنطوق، وإما في وقت دون وقت.
بخلاف حكم المنطوق فإنه ثابت أبدا؛ ونحو ذلك من فوائد التخصيص.
وإذا كانت فائدة التخصيص حاصلة بالتفصيل والانقسام، فدعوى لزوم العموم من التخصيص دعوى باطلة، فإثباته مجرد التحكم.

وأما التعليل فإنهم قالوا: ترتيب الحكم على هذا الوصف المناسب له يقتضي نفي الحكم عما عداه، وإلا لم يكن الوصف المذكور علة.
وهذا أيضا لا يستلزم عموم النفي عن كل ما عداه، وإنما غايته اقتضاؤه نفي الحكم المترتب ٢ على ذلك الوصف عن الصور المنتفي ٣ عنها الوصف.
وأما نفي الحكم جملة فلا، لجواز ٤ ثبوته بوصف آخر وعلة

أخرى، فإن الحكم الواحد بالنوع يجوز تعليله بعلل مختلفة.
وفي الواحد بالعين كلام ليس هذا موضعه.
ومثال هذا ما نحن فيه فإن ١ قوله تعالى: ﴿لا يستوي القاعدون من المؤمنين غير أولي الضرر والمجاهدون﴾ [النساء/ ٩٥] لا يدل على مساواة المضرورين للمجاهدين ٢ مطلقا من حيث الضرورة، بل إن ثبتت المساواة فإنها معللة بوصف آخر، وهي النية الجازمة والعزم التام؛ والضرر المانع من الجهاد في تلك ٣ الحال لا يكون مانعا من المساواة في الأجر، والله أعلم.

والمقصود الكلام على طبقات الناس في الآخرة.
وأما النصوص والأدلة الدالة على فضل الجهاد وأهله، فأكثر من أن تذكر هنا.
ولعلها ٤ أن تفرد في كتاب على هذا النمط إن شاء الله.

فهذه الدرجات الثلاث هي درجات السبق، أعني درجة العلم والعدل والجهاد.
وبها سبق الصحابة رضي الله عنهم، وأدركوا من قبلهم، وفاتوا من بعدهم، واستولوا على الأمد البعيد، وحازوا قصبات العلى.
وهم ٥ كانوا السبب في بلوغ ٦ الإسلام إلينا وفي تعليم كل خير وهدى وسبب تنال به السعادة والنجاة.
وهم أعدل الأمة فيما ولوه، وأعظمها جهادا في سبيل الله.
والأمة في آثار علمهم وعدلهم وجهادهم إلى يوم القيامة،

فلا ينال أحد منهم مسألة علم نافع إلا على أيديهم ومن طريقهم ينالها، ولا يسكن بقعة من الأرض آمنا إلا بسبب جهادهم وفتوحهم، ولا يحكم إمام ولا حاكم بعدل وهدى إلا كانوا هم السبب في وصوله ١ إليه.
فهم الذين فتحوا البلاد بالسيف، والقلوب بالإيمان، وعمروا البلاد بالعدل، والقلوب بالعلم والهدي؛ فلهم من الأجر بقدر أجور الأمة إلى يوم القيامة مضافا إلى أجر أعمالهم التي اختصوا بها، فسبحان من يختص بفضله ورحمته من يشاء.
وإنما نالوا هذا بالعلم، والجهاد، والحكم بالعدل؛ وهذه مراتب السبق التي يهبها الله لمن يشاء من عباده.

فصول الكتاب · 53 فصل · 956 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين · 956 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]
فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى
العز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح
الثاني: حمد النعم والآلاء
قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريف
المقدمة
الرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]
فصل [حدود أخرى للمحبة]
الفصل الأول في حقيقته
فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة
ثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل