طريق الهجرتين وباب السعادتينصفحات 905-931
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة

صفحات 905-931

أي ومنهم من دمعه.

وقوله: ﴿كنا طرائق قددا (١١)﴾ [الجن/ ١١] بيان لقولهم: ﴿منا الصالحون ومنا دون ذلك﴾ أي: كنا ذوي طرائق.
وهي المذاهب، واحدها طريقة، وهي المذهب.
والقدد جمع قذة، كقطعة وقطع وزنا ومعنى.
وهي من القد، وهو القطع.

وقيل: المعنى ١ كنا في اختلاف أحوالنا مثل الطرائق المختلفة في اختلافها، وعلى هذا فالمعنى: كنا كطرائق ٢ قددا.
وليس بشيء.

وأضعف منه قول من قال: إن "طرائق" منصوب على الظرف، أي: كنا في طرائق ٣ مختلفة كقوله:

كما عسل الطريق الثعلب ٤

وهذا مما لا يحمل عليه أفصح الكلام.

وقيل: المعنى كانت طرائقنا طرائق قددا فحذف المضاف، وأقام المضاف إليه مقامه ٥.

وقال تعالى إخبارا عنهم: ﴿وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون﴾ [الجن/ ١٤].
فالمسلمون: الذين آمنوا بالله ورسوله منهم.
والقاسطون: الجائرون العادلون عن الحق.
قال ابن عباس: هم الذين جعلوا لله أندادا ١.
يقال: "أقسط الرجل" إذا عدل، فهو مقسط.
ومنه: ﴿وأقسطوا إن الله يحب المقسطين (٩)﴾ [الحجرات/ ٩].
"قسط" إذا جار فهو قاسط ﴿وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (١٥)﴾ [الجن/ ١٥].

وقد ٢ تضمنت هذه الآيات انقسامهم إلى ثلاث طبقات: صالحين، ودون الصالحين، وكفار.
وهذه الطبقات بإزاء طبقات بني آدم، فإنها ثلاثة: أبرار، ومقتصدون وكفار.
فالصالحون بإزاء الأبرار، ومن دونهم بإزاء المقتصدين، والقاسطون بإزاء الكفار.

وهذا كما قسم سبحانه بني إسرائيل إلى هذه الأقسام الثلاثة في قوله: ﴿وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك﴾ [الأعراف/ ١٦٨]. فهؤلاء الناجون منهم.
ثم ذكر الظالمين، وهم خلف السوء الذين خلفوا بعدهم.

ولما كان الإنس أكمل من الجن وأتم عقولا ازدادوا عليهم بثلاثة أصناف أخر ليس شيء منها للجن، وهم: الرسل، والأنبياء، والمقربون.
فليس في الجن صنف من هؤلاء، بل غايتهم ٣ الصلاح.

وذهب شذوذ ٤ من الناس إلى أن فيهم الرسل والأنبياء

محتجا ١ على ذلك بقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم﴾ [الأنعام/ ١٣٠]، وبقوله تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (٢٩)﴾ ٢ [الأحقاف/ ٢٩].
وقد قال تعالى: ﴿رسلا مبشرين ومنذرين﴾ [النساء/ ١٦٥]. وهذا قول شاذ لا يلتفت إليه ولا يعرف به سلف من الصحابة والتابعين وأئمة الإسلام.

وقوله سبحانه: ﴿ألم يأتكم رسل منكم﴾ [الأنعام/ ١٣٠]، لا يدل على أن الرسل من كل واحدة من الطائفتين، بل إذا كانت الرسل من الإنس وقد أمرت الجن باتباعهم صح أن يقال للإنس والجن: ألم يأتكم رسل منكم؟ ونظير هذا أن يقال للعرب والعجم: ألم يجئكم رسل منكم يا معشر العرب والعجم؟ فهذا لا يقتضي أن يكون من هؤلاء رسل ٣، ومن هؤلاء.
وقال تعالى: ﴿وجعل القمر فيهن نورا﴾ [نوح/ ١٦]، وليس في كل سماء سماء ٤.

وأما ٥ قوله تعالى: ﴿ولوا إلى قومهم منذرين (٢٩)﴾ [الأحقاف/ ٢٩] فالإنذار أعم من الرسالة، والأعم لا يستلزم الأخص.
قال تعالى: ﴿وما كان المؤمنون لينفروا كافة فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم﴾ [التوبة/ ١٢٢] فهؤلاء نذر، وليسوا

برسل.
قال غير واحد من السلف: الرسل من الإنس، وأما ١ الجن ففيهم النذر ٢.

قال تعالى: ﴿وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا نوحي إليهم من أهل القرى﴾ ٣ [يوسف/ ١٠٩] فهذا يدل على أنه لم يرسل جنيا ولا امرأة ولا بدويا.
وأما تسميته تعالى الجن رجالا في قوله: ﴿وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن﴾ [الجن/ ٦] فلم يطلق عليهم الرجال، بل هي تسمية مقيدة بقوله: ﴿من الجن﴾، فهم رجال من الجن، ولا يستلزم ٤ ذلك دخولهم في الرجال عند الإطلاق، كما تقول: رجال من حجارة، ورجال من خشب، ونحوه.

فصل

وقد اتفق المسلمون على أن كفار الجن في النار.
وقد دل على ذلك القرآن في غير موضع كقوله تعالى: ﴿ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين (١٣)﴾ [السجدة/ ١٣]، وقوله: ﴿لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين (٨٥)﴾ [ص/ ٨٥] فملؤها به منه وبكفار ذريته.
وقال تعالى: ﴿ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار﴾ [الأعراف/ ٣٨].
وقال تعالى في حكاية عن مؤمنيهم ٥:

﴿وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (١٤) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (١٥)﴾ ١ [الجن/ ١٤ - ١٥]. وقال تعالى: ﴿ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس﴾ [الأعراف/ ١٧٩]. وقال تعالى: ﴿فكبكبوا فيها هم والغاوون (٩٤) وجنود إبليس أجمعون (٩٥)﴾ الشعراء/ ٩٤ - ٩٥]. وجنوده إن لم تختص ٢ بالشياطين فهم داخلون في عمومه.

وبالجملة فهذا أمر معلوم بالاضطرار من دين الإسلام، وهو يستلزم تكليف الجن بشرائع الأنبياء ووجوب اتباعهم لهم.
فأما شريعتنا فأجمع المسلمون على أن محمدا -صلى الله عليه وآله وسلم- بعث إلى الجن والإنس، وأنه يجب على الجن طاعته، كما تجب ٣ على الإنس.
وأما قبل نبينا -صلى الله عليه وآله وسلم- فقوله تعالى: ﴿ادخلوا في أمم قد خلت من قبلكم من الجن والإنس في النار﴾ [الأعراف/ ٣٨] يدل على أن الأمم الخالية من كفار الجن في النار، وذلك إنما يكون بعد إقامة الحجة عليهم بالرسالة.

وقد دلت سورة الرحمن على تكليفهم بالشرائع كما كلف الإنس، ولهذا يقول سبحانه في إثر كل آية: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان (١٣)﴾، فدل ذلك على أن السورة خطاب للثقلين معا.
ولهذا قرأها رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- على الجن قراءة تبليغ، وأخبر أصحابه أنهم كانوا أحسن ردا منهم، فإنهم جعلوا يقولون كلما قرأ عليهم ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان (١٣)﴾: لا نكذب بشيء من آلائك ربنا فلك الحمد ٤.

ولما كان أبوهم هو أول من دعا إلى معصية الله، وعلى يده حصل كل كفر وفسوق وعصيان فهو الداعي إلى النار؛ كان ١ أول من يكسى حلة من النار يوم القيامة، يسحبها وينادي: "واثبوراه! ". وأتباعه ٢ من أولاده وغيرهم خلفه ينادون: "واثبورهم" ٣، حتى قيل: إن كل عذاب يقسم على أهل النار يبدأ به فيه، ثم يصير إليهم.

فصل

وأما حكم مؤمنيهم في الدار الآخرة، فجمهور السلف والخلف على أنهم في الجنة.
وترجم على ذلك البخاري رحمه الله في صحيحه ٤ فقال: "باب ثواب الجن وعقابهم لقوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي﴾ [الأنعام/ ١٣٠] بخسا: نقصانا ٥.
قال مجاهد: ﴿وجعلوا بينه وبين الجنة نسبا﴾ [الصافات/ ١٥٨]. قال

كفار قريش: الملائكة بنات الله، وأمهاتهم بنات سروات الجن.
قال الله: ﴿ولقد علمت الجنة إنهم لمحضرون (١٥٨)﴾ [الصافات/ ١٥٨] ستحضر ١ للحساب".

ثم ذكر حديث أبي سعيد ٢: "إذا كنت في غنمك وباديتك ٣، فأذنت بالصلاة، فارفع صوتك بالنداء ٤؛ فإنه لا يسمع مدى صوت المؤذن جن ولا إنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة" سمعته من رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم-.
هذا ما ذكره في الباب.

وقد ذهب جمهور الناس إلى أن مؤمنيهم في الجنة.
وحكي عن أبي حنيفة وغيره أن ثوابهم نجاتهم من النار.
واحتج لهذا القول ٥ بقوله تعالى حكاية عنهم: ﴿ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (٣١)﴾ ٦ [الأحقاف/ ٣١] فجعل غاية ثوابهم إجارتهم من العذاب الأليم.
وأما الجمهور فقالوا: مؤمنهم في الجنة، كما أن كافرهم في النار ٧.
ثم اختلفوا فأطلق أكثر الناس دخول الجنة ولم يقيدوه.
وقال سهل بن عبد الله: يكونون في ربض الجنة،

يراهم المؤمنون من حيث لا يرونهم ١.

فهذه مذاهب الناس في أحكامهم في الآخرة.

وأما أحكامهم في الدنيا فاختلف الناس: هل هم مكلفون بالأمر والنهي، أم مضطرون إلى أفعالهم؟ ٢ على قولين حكاهما أبو الحسن الأشعري في كتاب "المقالات" له فقال: واختلف الناس في الجن، هل هم مكلفون، أم مضطرون؟ فقال ٣ قائلون من المعتزلة وغيرهم: هم مأمورون منهيون، وقد أمروا ونهوا، وهم مختارون.
وزعم زاعمون أنهم مضطرون ٤.

قلت: الصواب الذي عليه جمهور أهل الإسلام أنهم مأمورون منهيون مكلفون بالشريعة الإسلامية.
وأدلة القرآن والسنة على ذلك أكثر من أن تحصر.
فإضافة هذا القول إلى المعتزلة بمنزلة أن يقال: ذهبت المعتزلة إلى القول بمعاد الأبدان ونحو ذلك مما هو من أقوال سائر أهل الإسلام.

وقال تعالى: ﴿أولئك الذين حق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من

الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (١٨)١ [الأحقاف/ ١٨] فأخبر أن منهم من حق عليه القول، أي: وجب عليه العذاب، وأنه خاسر، ولا يكون ذلك إلا في أهل التكليف المستوجبين للعقاب ٢ بأعمالهم.
ثم قال بعد ذلك ﴿ولكل درجات مما عملوا﴾ [الأحقاف/ ١٩] أي: في الخير والشر يوفونها ولا يظلمون شيئا من أعمالهم.
وهذا ظاهر جدا في ثوابهم وعقابهم، وأن مسيئهم كما يستحق العذاب بإساءته، فمحسنهم يستحق الدرجات بإحسانه، فلكل ٣ درجات مما عملوا.
فدل ذلك لا محالة أنهم كانوا مأمورين بالشرائع، متعبدين بها في الدنيا، ولذلك استحقوا الدرجات بأعمالهم في الآخرة في الخير والشر.

وقال تعالى: ﴿وقيضنا لهم قرناء فزينوا لهم ما بين أيديهم وما خلفهم وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (٢٥)﴾ ٤ [فصلت/٢٥].

ومعنى الآية: أن الله قيض للمشركين -أي: سبب لهم- قرناء من الشياطين يزينون لهم ما بين أيديهم من اللذات في الدنيا ٥، وما خلفهم من التكذيب بالآخرة وما فيها من الثواب والعقاب.

وقيل عكس هذا، وأن ما بين أيديهم هو التكذيب بالآخرة، وما

خلفهم ١ هو رغبتهم ٢ في الدنيا وحرصهم عليها ٣.
وقال الحسن: ما بين أيديهم هو حب ما كان عليه آباؤهم من الشرك وتكذيب الرسل، وما خلفهم تكذيبهم بالبعث وما بعده.

وفي الآية قول رابع، وهو أن التزيين كله راجع إلى أعمالهم، فزينوا لهم ما بين أيديهم: أعمالهم التي عملوها، وما خلفهم: الأعمال التي هم عازمون عليها ولما يعملوها بعد، وكأن لفظ التزيين بهذا القول أليق.

ومن جعل ما خلفهم هو الآخرة لم يستقم قوله إلا بإضمار، أي: زينوا لهم التكذيب بالآخرة.
ومع هذا فهو قول مستقيم ظاهر، فإنهم زينوا لهم ترك العمل لها والاستعداد للقائها.

ولهذا كان عليه جمهور أهل التفسير حتى لم يذكر البغوي غيره ٤.
وحكاه عن الزجاج فقال: وقال الزجاج: سببنا لهم قرناء نظراء من الشياطين حتى أضلوهم، فزينوا لهم ما بين أيديهم من أمر الدنيا حتى آثروه على الآخرة وما خلفهم من أمر الآخرة، فدعوهم إلى التكذيب به وإنكار البعث ٥.

والمقصود أن قوله تعالى: ﴿وحق عليهم القول في أمم قد خلت من قبلهم من الجن والإنس إنهم كانوا خاسرين (٢٥)﴾ [فصلت/ ٢٥] أي: وجب عليهم العذاب مع أمم قد مضت من قبلهم من الجن والإنس.
ففي هذا أبين دليل على تكليف الثقلين وتعلق الأمر والنهي بهم، ولذلك ١ تعلق بهم الثواب والعقاب.

وقال تعالى: ﴿ويوم يحشرهم جميعا يامعشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله﴾ ٢ [الأنعام/ ١٢٨].

وهذا صريح في تكليفهم، فإن هذا القول يقال للجن في القيامة، فيذكر الإنس استمتاع بعضهم ببعض في الدنيا، وذلك الاستمتاع هو ما بين الجن والإنس من طاعتهم إياهم في معصية الله، وعبادتهم لهم دون الله، ليستعينوا بهم على شهواتهم وأغراضهم.
فإنهم كانوا يستوحونهم، ويعوذون بهم ٣، ويذبحون لهم وبأسمائهم، ويوالونهم من دون الله، كما هو شأن أكثر المشركين من أولياء الشيطان ٤.
فهذا استمتاع بعضهم ببعض.

ولهذا يقول تعالى للملائكة يوم القيامة -وقد جمع العابدين والمعبودين ٥ -: ﴿أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون (٤٠) قالوا سبحانك أنت ولينا

من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون (٤١)﴾ [سبأ/ ٤٠ - ٤١] فهؤلاء عباد الجن وأولياء الشيطان ١.

وأكثرهم يعلم ذلك ويرضى به لما ينال به من المتعة بمعبوده.
وكثير منهم ملبوس عليه، فهو يعبد الشيطان ولا يشعر.
وقد أشار زيد بن عمرو ابن نفيل في شعره إلى هذا الشرك بالجن فقال:

حنانيك إن الجن كانت رجاءهم ... وأنت إلهي ربنا ورجائيا ٢

ولهذا يقولون في القيامة: ﴿ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجلت لنا﴾ [الأنعام/ ١٢٨] قال الله تعالى: ﴿النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله﴾ [الأنعام/ ١٢٨] فهذا خطاب للصنفين، وهو صريح في اشتراكهم في التكليف، كما هو صريح في اشتراكهم في العذاب.
وهذا كثير ٣ في القرآن.

ومما يدل على تكليفهم أيضا قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا شهدنا على أنفسنا وغرتهم الحياة الدنيا وشهدوا على أنفسهم أنهم كانوا كافرين﴾ ٤ [الأنعام/ ١٣٠]. فلما اعترفوا بأنهم كانوا كافرين، وشهدوا على أنفسهم بالكفر، دل ذلك على تكليفهم وتوجه الخطاب إليهم.

وقال تعالى: ﴿وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين (٢٩) قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم (٣٠) ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ويجركم من عذاب أليم (٣١) ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء أولئك في ضلال مبين (٣٢)﴾ ١ [الأحقاف/ ٢٩ - ٣٢].

فهذا يدل على تكليفهم من وجوه متعددة:

أحدها: أن الله سبحانه صرفهم إلى رسوله يستمعون القرآن، ليؤمنوا به، ويأتمروا بأوامره، وينتهوا عن نواهيه.

الثاني: أنهم ولوا إلى قومهم منذرين.
والإنذار هو الإعلام بالمخوف ٢ بعد انعقاد أسبابه، فعلم أنهم منذرون لهم بالنار إن عصوا الرسول.

الثالث: أنهم أخبروا أنهم سمعوا القرآن، وعقلوه وفهموه، وأنه يهدي إلى الحق.
وهذا القول منهم يدل على أنهم عالمون بموسى وبالكتاب المنزل ٣ عليه، وأن القرآن مصدق له، وأنه هاد إلى صراط مستقيم.
وهذا يدل على تمكنهم من العلم الذي تقوم به الحجة، وهم قادرون على امتثال ما فيه.
والتكليف إنما يستلزم العلم والقدرة.

الرابع: أنهم قالوا لقومهم: ﴿ياقومنا أجيبوا داعي الله وآمنوا به﴾.

وهذا صريح في أنهم مكلفون مأمورون بإجابة الرسول، وهي تصديقه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر.

الخامس: أنهم قالوا: ﴿يغفر لكم من ذنوبكم﴾.
والمغفرة لا تكون إلا عن ذنب، وهو مخالفة الأمر.

السادس: أنهم قالوا: ﴿من ذنوبكم﴾.
والذنب: مخالفة الأمر.

السابع: أنهم قالوا: ﴿ويجركم من عذاب أليم (٣١)﴾.
وهذا يدل على أن من لم يستجب منهم لداعي الله لم يجره من العذاب الأليم.
وهذا صريح في تعلق الشريعة الإسلامية بهم.

الثامن: أنهم قالوا: ﴿ومن لا يجب داعي الله فليس بمعجز في الأرض وليس له من دونه أولياء﴾.
وهذا تهديد شديد لمن تخلف عن إجابة داعي الله منهم.
وقد استدل بهذا ١ أنهم كانوا متعبدين بشريعة موسى، كما هم متعبدون بشريعة محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-.
وهذا ممكن، والآية لا تستلزمه، ولكن قوله تعالى: ﴿يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم يقصون﴾ الآية [الأنعام/ ١٣٠] يدل على أن الجن كانوا متعبدين بشرائع الرسل قبل محمد -صلى الله عليه وآله وسلم-، والآيات المتقدمة تدل على ذلك أيضا.
وعلى هذا فيكون اختصاص النبي -صلى الله عليه وآله وسلم- بالبعثة إلى الثقلين هو اختصاصه بالبعثة إلى جميعهم لا إلى بعضهم، ومن قبله كان يبعث إلى طائفة مخصوصة.

وأيضا فقد قال تعالى عن نبيه سليمان: ﴿ومن الجن من يعمل بين يديه بإذن ربه ومن يزغ منهم عن أمرنا نذقه من عذاب السعير﴾ [سبأ/ ١٢].
وهذا

محض التكليف.

وقد تقدم قوله تعالى حكاية عنهم: ﴿وأنا منا المسلمون ومنا القاسطون فمن أسلم فأولئك تحروا رشدا (١٤) وأما القاسطون فكانوا لجهنم حطبا (١٥)﴾ ١ [الجن/ ١٤ - ١٥].

وقد صح أن رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- قرأ عليهم القرآن، وأنهم سألوه الزاد لهم ولدوابهم، فجعل لهم كل عظم ذكر اسم الله عليه، وكل بعرة علف لدوابهم.
ونهانا عن الاستنجاء بهما ٢.

ولو لم يكن في هذا إلا قوله تعالى: ﴿وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا (١٥)﴾ [الإسراء/ ١٥] -وقد أخبر أنه يعذب كفرة الجن- لكفى به حجة على أنهم مكلفون باتباع الرسل.

ومما يدل على أنهم مأمورون منهيون بشريعة الإسلام ما تضمنته سورة الرحمن.
فإنه سبحانه ذكر خلق النوعين في قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من صلصال كالفخار (١٤) وخلق الجان من مارج من نار (١٥)﴾.
ثم خاطب النوعين بالخطاب المتضمن لاستدعاء الإيمان منهم، وإنكار تكذيبهم بالآية، وترغيبهم في وعده، وتخويفهم من وعيده، وتهديدهم بقوله: ﴿سنفرغ لكم أيه الثقلان (٣١)﴾، وتخويفهم من عواقب ذنوبهم، وأنه لعلمه بها لا يحتاج أن يسألهم عنها سؤال استعلام، بل يعرف

المجرمون منهم بسيماهم فيؤخذ بنواصيهم وأقدامهم ١.
ثم ذكر عقاب الصنفين وثوابهم.
وهذا كله صريح في أنهم هم المكلفون المأمورون المنهيون المثابون المعاقبون.

وفي الترمذي من حديث محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: خرج رسول الله -صلى الله عليه وآله وسلم- على أصحابه، فقرأ عليهم سورة الرحمن من أولها إلى آخرها، فسكتوا، فقال: "لقد قرأتها على الجن ليلة الجن فكانوا ٢ أحسن مردودا منكم، كنت كلما أتيت على قوله ٣ ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان (٣٢)﴾ قالوا: لا شيء من نعمك ربنا نكذب، فلك الحمد" ٤.
وهذا يدل على ذكائهم وفطنتهم ومعرفتهم بمواقع ٥ الخطاب، وعلمهم أنهم مقصودون به.

وقوله في هذه السورة: ﴿سنفرغ لكم أيه الثقلان (٣١)﴾ وعيد للصنفين المكلفين بالشرائع.
قال قتادة: معناه فراغ الدنيا وانقضاؤها، ومجيء الآخرة والجزاء فيها، والله تعالى لا يشغله شيء عن شيء ٦.
والفراغ في اللغة يكون ٧ على وجهين: فراغ من الشغل، وفراغ بمعنى القصد ٨.
وهو في هذا الموضع بالمعنى الثاني، وهو

قصده ١ لمجازاتهم بأعمالهم ٢ يوم الجزاء.

وقوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا لا تنفذون إلا بسلطان (٣٣)﴾.
فيها قولان:

أحدهما: إن استطعتم أن تنفذوا ما في السماوات والأرض علما -أي: أن تعلموا ما فيهما- فاعلموه، ولن تعلموه إلا بسلطان، أي ٣: ببينة من الله.
وعلى هذا فالنفوذ ههنا نفوذ علم الثقلين في السماوات والأرض.

والثاني ٤: إن استطعتم أن تخرجوا ٥ عن قهر الله ومحل سلطانه ومملكته بنفوذكم من أقطار السماوات والأرض وخروجكم عن محل ملك الله ٦ وسلطانه، فافعلوا.
ومعلوم أن هذا من الممتنع عليكم، فإنكم تحت سلطاني وفي محل ملكي وقدرتي أين كنتم.

وقال الضحاك: معنى الآية إن استطعتم أن تهربوا عند الموت فاهربوا، فإنه مدرككم ٧.

وهذه الأقوال على تقدير ٨ أن يكون الخطاب لهم بهذا القول في الدنيا.

وفي الآية تقدير ١ آخر، وهو أن يكون هذا الخطاب في الآخرة إذا أحاطت الملائكة بأقطار الأرض، وأحاط سرادق النار بالآفاق، فهرب الخلائق، فلا يجدون مهربا ولا منفذا، كما قال تعالى: ﴿وياقوم إني أخاف عليكم يوم التناد (٣٢) يوم تولون مدبرين﴾ [غافر/ ٣٢ - ٣٣]. قال مجاهد: فارين غير معجزين ٢.
وقال الضحاك: إذا سمعوا زفير النار ندوا هرابا ٣، فلا يأتون قطرا من الأقطار إلا وجدوا الملائكة صفوفا، فيرجعون إلى المكان الذي كانوا فيه.
فذلك ٤ قوله: ﴿والملك على أرجائها﴾ [الحاقة/ ١٧]، وقوله: ﴿يامعشر الجن والإنس إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا﴾ ٥ [الرحمن/ ٣٣].

وهذا القول أظهر، والله أعلم.
فإذا ند ٦ الخلائق وولوا مدبرين يقال لهم: ﴿إن استطعتم أن تنفذوا من أقطار السماوات والأرض فانفذوا﴾ أي: إن قدرتم أن تتجاوزوا أقطار السماوات والأرض، فتعجزوا ربكم حتى لا يقدر على عذابكم، فافعلوا.

وكأن ما قبل هذه الآية وما بعدها يدل ٧ على هذا القول، فإن قبلها ﴿سنفرغ لكم أيه الثقلان (٣١)﴾ ٨ وهذا في الآخرة.
وما

بعدها ١ ﴿فإذا انشقت السماء فكانت وردة كالدهان (٣٧)﴾، وهذا في الآخرة.

وأيضا فإن هذا خطاب لجميع الإنس والجن، فإنه أتى فيه بصيغة العموم، وهي قوله: ﴿يامعشر الجن والإنس﴾.
فلا بد أن يشترك الكل في سماع هذا الخطاب ومضمونه.
وهذا إنما يكون إذا جمعهم الله في صعيد واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر.

وقال تعالى: ﴿إن استطعتم﴾ ولم يقل: "إن استطعتما"، لإرادة الجماعة، كما قال ٢ في آية أخرى: ﴿يامعشر الجن والإنس ألم يأتكم﴾ [الأنعام/ ١٣٠].

وقال: ﴿يرسل عليكما﴾ ولم يقل: "عليكم" على إرادة ٣ الصنفين.
أي: لا يختص به صنف عن صنف، بل يرسل ذلك على الصنفين معا.
وهذا وإن كان مرادا بقوله: ﴿إن استطعتم﴾، فخطاب الجماعة في ذلك بلفظ الجمع أحسن، أي: من استطاع منكم.
وحسن الخطاب بالتثنية في قوله: ﴿عليكما﴾ أمر آخر، وهو موافقة رؤوس الآي، فاتصلت التثنية بالتثنية.
وفيه التسوية بين الصنفين في العذاب بالتنصيص عليهما، فلا يحتمل اللفظ إرادة أحدهما.
والله أعلم.
قال ابن عباس: "الشواظ": اللهب الذي لا دخان فيه.
و"النحاس": الدخان الذي

لا لهب فيه ١.

وقوله: ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه إنس ولا جان (٣٩)﴾، فأضاف الذنوب إلى الثقلين، وهذا دليل على أنهما سواء ٢ في التكليف.
واختلف في هذا السؤال المنفي، فقيل: هو وقت البعث والمصير إلى الموقف، لا يسألون حينئذ.
ويسألون بعد إطالة الوقوف واستشفاعهم إلى الله أن يحاسبهم ويريحهم من مقامهم ذلك.
وقيل: المنفي سؤال الاستعلام والاستخبار، لا سؤال المحاسبة والمجازاة.
أي: قد علم الله ذنوبهم، فلا يسألهم عنها سؤال من يريد علمها، وإنما يحاسبهم عليها.

فصل

فإذا علم تكليفهم بشرائع الأنبياء ومطالبتهم بها، وحشرهم يوم القيامة للثواب والعقاب، علم أن محسنهم في الجنة كما أن مسيئهم في النار.

وقد دل على ذلك قوله تعالى حكاية عن مؤمنيهم ٣: ﴿وأنا لما سمعنا الهدى آمنا به فمن يؤمن بربه فلا يخاف بخسا ولا رهقا﴾ ٤ [الجن/ ١٣]، وبهذه الحجة احتج البخاري ٥.
ووجه الاحتجاج بها أن البخس المنفي هو: نقصان الثواب، والرهق: الزيادة في العقوبة على ما

عمل، فلا ينقص من ثواب حسناته ولا يزاد ١ في سيئاته.
ونظير هذا قوله تعالى: ﴿ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (١١٢)﴾ [طه/ ١١٢] أي: لا يخاف زيادة في سيئاته ولا نقصا في حسناته ٢.

وأيضا فقد قال تعالى في سورة الرحمن: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان (٤٦) فبأي آلاء ربكما تكذبان (٤٧)﴾ وذكر ما في الجنتين إلى قوله: ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (٥٦)﴾.
وهذا يدل على أن ثواب محسنهم الجنة من وجوه:

أحدها: أن "من" من صيغ العموم، فتتناول كل خائف.

الثاني: أنه رتب الجزاء المذكور على خوف مقامه، فدل على استحقاقه به.

وقد اختلف في إضافة المقام إلى الرب: هل هي من إضافة المصدر إلى فاعله، أو إلى مفعوله؟ على قولين ٣: أحدهما: أن المعنى: ولمن خاف مقامه بين يدي ربه.
فعلى هذا هو من إضافة المصدر إلى المفعول.
والثاني: أن المعنى: ولمن خاف مقام ربه عليه واطلاعه عليه.
فهو من باب إضافة المصدر إلى فاعله.
وكذلك القولان في قوله تعالى: ﴿وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى (٤٠)﴾ [النازعات/ ٤٠].
ونظيره قوله: ﴿ذلك لمن خاف مقامي وخاف وعيد (١٤)﴾ [إبراهيم/ ١٤] فهذه ثلاثة مواضع.

وقد يقال: الراجح هو الأول، وأن المعنى: خاف مقامه بين يدي ربه، لوجوه:

أحدها: أن طريقة القرآن في التخويف أن يخوفهم بالله وباليوم الآخر، فإذا خوفهم به علق الخوف به، لا بقيامه عليهم، كقوله تعالى: ﴿فلا تخافوهم وخافون﴾ [آل عمران/ ١٧٥] وقوله: ﴿ذلك لمن خشي ربه﴾ [البينة/ ٨] وقوله: ﴿يخافون ربهم من فوقهم﴾ [النحل/ ٥٠] وقوله: ﴿إن الذين يخشون ربهم بالغيب لهم مغفرة وأجر كبير (١٢)﴾ [الملك/ ١٢].
ففي هذا كله لم يذكر خشية مقامه عليهم، وإنما مدحهم بخوفه وخشيته.
وقد يذكر الخوف متعلقا بعذابه، كقوله تعالى: ﴿ويرجون رحمته ويخافون عذابه﴾ [الإسراء/ ٥٧].
وأما خوف مقامه عليهم، فهو وإن كان كذلك، فليس طريقة القرآن.

الثاني: أن هذا نظير قوله تعالى: ﴿وأنذر به الذين يخافون أن يحشروا إلى ربهم﴾ [الأنعام/ ٥١].
فخوفهم أن يحشروا إليه هو خوفهم من مقامهم بين يديه، والقرآن يفسر بعضه بعضا.

الثالث: أن خوف مقام العبد بين يدي ربه تعالى في الآخرة لا يكون إلا ممن يؤمن بلقائه وباليوم الآخر والبعث ١ بعد الموت.
وهذا هو الذي يستحق الجنتين المذكورتين، فإنه لا يؤمن بذلك حق الإيمان إلا من آمن بالرسل، وهو من الإيمان بالغيب الذي جاءت به الرسل.
وأما مقام الله على عبده في الدنيا واطلاعه عليه وقدرته عليه، فهذا يقر به المؤمن والكافر والبر والفاجر.
وأكثر الكفار يخافون جزاء الله

لهم في الدنيا، لما عاينوه من مجازاة الظالم بظلمه، والمحسن بإحسانه.
وأما مقام العبد بين يدي ربه في الآخرة، فلا يؤمن به إلا المؤمن بالرسل.

فإن قيل: إذا كان المعنى أنه خاف مقام ربه عليه في الآخرة بالجزاء فقد استوى التقديران، فمن أين رجحتم أحدهما؟

قيل: التخويف بمقام العبد بين يدي ربه أبلغ من التخويف بمقام الله ١ على العبد.
ولهذا خوفنا سبحانه به ٢ في قوله: ﴿يوم يقوم الناس لرب العالمين (٦)﴾ [المطففين/ ٦]، ولأنه مقام مخصوص مضاف إلى الله تعالى، وذلك في يوم القيامة، بخلاف مقام الله على العبد فإنه كل وقت.

وأيضا فإنه لا يقال لقدرة الله على العبد واطلاعه عليه وعلمه به: مقام الله، ولا هذا من المألوف إطلاقه على الرب تعالى.

وأيضا فإن المقام في القرآن والسنة إنما يطلق على المكان، كقوله: ﴿عسى أن يبعثك ربك مقاما محمودا (٧٩)﴾ [الإسراء/ ٧٩]، وقوله تعالى: ﴿كم تركوا من جنات وعيون (٢٥) وزروع ومقام كريم (٢٦)﴾ ٣ [الدخان/ ٢٥ - ٢٦]، ﴿خير مقاما وأحسن نديا (٧٣)﴾ [مريم/ ٧٣].

والمقصود أن قوله: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان (٤٦)﴾ [الرحمن/ ٤٦] يتناول الصنفين، من وجوه تقدم منها وجهان.

الثالث: قوله عقيب هذا الوعد: ﴿فبأي آلاء ربكما تكذبان﴾ [الرحمن/ ٤٧].

الرابع: أنه ذكر في وصف نسائهم أنهن ﴿لم يطمثهن إنس قبلهم ولا جان (٥٦)﴾ [الرحمن/ ٥٦].
وهذا -والله أعلم- معناه أنه لم يطمث نساء الإنس إنس قبلهم، ولا نساء الجن جن قبلهم.

ومما يدل على أن ثوابهم الجنة قوله تعالى: ﴿إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات إنا لا نضيع أجر من أحسن عملا (٣٠) أولئك لهم جنات عدن تجري من تحتهم الأنهار﴾ [الكهف/ ٣٠ - ٣١] وأمثال هذه من العمومات.
وقد ثبت أن منهم المؤمنين ١، فيدخلون ٢ في العموم، كما أن كافرهم يدخل في الكافرين المستحقين للوعيد، ولا فرق.
بل ٣ دخول مؤمنهم في آيات الوعد أولى من دخول كافرهم في آيات الوعيد، فإن الوعد فضله، والوعيد عدله، وفضله من رحمته وهي تغلب غضبه.

وأيضا فإن دخول عاصيهم النار إنما كان لمخالفته أمر الله، فإذا أطاع الله أدخله ٤ الجنة.

وأيضا فإنه لا دار للمكلفين سوى الجنة والنار، فكل ٥ من لم يدخل

النار من المكلفين فالجنة مثواه.

وأيضا فقد ثبت ١ أنهم إذا أجابوا داعي الله غفر لهم وأجارهم من عذابه، وكل من غفر الله ٢ له دخل الجنة ولا بد، وليس فائدة المغفرة إلا الفوز بالجنة والنجاة من النار.

وأيضا فإنه إذا ثبت ٣ أن الرسول مبعوث إليهم وأنهم مكلفون باتباعه كان ٤ مطيعهم لله ورسوله مع الذين أنعم الله عليهم، لقوله تعالى: ﴿ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم﴾ الآية ٥ [النساء/ ٦٩].

وأيضا فقد أخبر ٦ سبحانه عن ملائكته حملة العرش ومن حولهم أنهم يستغفرون للذين آمنوا وأنهم يقولون: ﴿فاغفر للذين تابوا واتبعوا سبيلك وقهم عذاب الجحيم (٧) ربنا وأدخلهم جنات عدن التي وعدتهم﴾ [غافر/ ٧ - ٨]، فدل على أن كل مؤمن غفر الله له ووقاه عذاب الجحيم فقد وعده الجنة.
وقد ثبت في حق مؤمنهم الإيمان ومغفرة الذنب ووقاية النار -كما تقدم- فتعين دخولهم الجنة، والله أعلم.

وإذا ثبت تكليفهم وانقسامهم ٧ إلى المسلمين والكفار والصالحين

ودون ذلك، فهم في الموازنة على نحو طبقات الإنس المتقدمة، إلا أنهم ليس فيهم رسول.
وأفضل درجاتهم درجة الصالحين، ولو كان لهم درجة أفضل منها لذكروها.
فقد دل القرآن على انقسامهم إلى ثلاثة أقسام: صالحين، ودونهم، وكفار.
وزاد عليهم الإنس بدرجة الرسالة والنبوة ودرجة المقربين.
والله تعالى أعلم.

فهذا ما وصل إليه الإحصاء من طبقات المكلفين في الدار الآخرة، وهي ثمان عشرة طبقة، وكل طبقة منها لها أعلى وأدنى ووسط، وهم درجات عند الله.
والله تعالى يحشر الشكل مع شكله والنظير مع نظيره، ويقرن ١ بينهما في الدرجة.

قال تعالى: ﴿احشروا الذين ظلموا وأزواجهم وما كانوا يعبدون (٢٢) من دون الله﴾ [الصافات/ ٢٢ - ٢٣]. قال الإمام أحمد وقبله عمر بن الخطاب: "أزواجهم": أشباههم ونظراؤهم ٢.

وقال تعالى: ﴿وإذا النفوس زوجت (٧)﴾ [التكوير/ ٧].
روى النعمان بن بشير عن عمر بن الخطاب أنه سئل عن هذه الآية فقال: يقرن بين الرجل الصالح مع الرجل الصالح في الجنة، ويقرن بين الرجل السوء مع الرجل السوء في النار ٣.
وقال الحسن وقتادة: يلحق كل امرئ بشيعته، اليهودي باليهودي، والنصراني بالنصراني ٤.
وقال الربيع بن خثيم:

يحشر الرجل مع صاحب عمله ١.
وفي الآية ثلاثة أقوال أخر أحدها: أن تزويج النفوس اقترانها بأجسادها وردها إليها.
الثاني: أن ٢ تزويجها اقترانها بأعمالها.
الثالث: أن ٣ تزويج المؤمنين بالحور ٤ العين، وتزويج الكفار بالشياطين.

والقول الأول أظهر الأقوال.
والله أعلم.

والحمد لله رب العالمين.
وصلى الله على محمد وآله ٥.

فصول الكتاب · 53 فصل · 956 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين · 956 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]
فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى
العز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح
الثاني: حمد النعم والآلاء
قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريف
المقدمة
الرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]
فصل [حدود أخرى للمحبة]
الفصل الأول في حقيقته
فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة
ثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل