طريق الهجرتين وباب السعادتينصفحات 279-318
أهل الأثرالأرشيف العلمي

الثاني: حمد النعم والآلاء

صفحات 279-318

، وهذا مشهود للخليقة: برها وفاجرها، مؤمنها وكافرها؛ من جزيل مواهبه، وسعة عطاياه، وكريم أياديه، وجميل صنائعه، وحسن معاملته لعباده، وسعة رحمته بهم ٣، وبره ولطفه وحنانه، وإجابته لدعوات المضطرين، وكشف كربات المكروبين ٤، وإغاثة ٥ الملهوفين، ورحمة العالمين ٦، وابتدائه بالنعم قبل السؤال ومن غير استحقاق، بل ابتداء منه بمجرد فضله وكرمه

وإحسانه، ودفع المحن والبلايا بعد انعقاد أسبابها، وصرفها بعد وقوعها، ولطفه تعالى في ذلك بإيصاله ١ إلى من أراده بأحسن الألطاف، وتبليغه من ذلك إلى ما لا تبلغه الآمال، وهدايته خاصته وعباده ٢ إلى سبل السلام ٣، ومدافعته عنهم أحسن الدفاع، وحمايتهم عن مراتع الآثام.

وحبب إليهم الإيمان، وزينه في قلوبهم، وكره إليهم الكفر والفسوق والعصيان، وجعلهم من الراشدين.
وكتب في قلوبهم الإيمان، وأيدهم بروح منه، وسماهم المسلمين قبل أن يخلقهم، وذكرهم قبل أن يذكروه، وأعطاهم قبل أن يسألوه، وتحبب إليهم بنعمه، مع غناه عنهم ٤، وتبغضهم إليه بالمعاصي، وفقرهم إليه.

ومع هذا كله فاتخذ لهم دارا، وأعد لهم فيها من كل ما تشتهيه الأنفس وتلذه الأعين ٥، وملأها من جميع الخيرات، وأودعها من النعيم والحبرة والسرور والبهجة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.

ثم أرسل إليهم الرسل يدعونهم إليها، ثم يسر لهم الأسباب التي توصلهم إليها وأعانهم عليها، ورضي منهم باليسير في هذه المدة القصيرة جدا بالإضافة إلى بقاء دار النعيم، وضمن لهم إن أحسنوا أن

يثيبهم بالحسنة عشرا، وإن أساؤوا واستغفروه ١ أن يغفر لهم، ووعدهم أن يمحو ما جنوه من السيئات بما يفعلونه بعدها من الحسنات.

وذكرهم بآلائه، وتعرف إليهم بأسمائه، وأمرهم بما أمرهم به رحمة منه بهم واحسانا، لا حاجة منه إليهم، ونهاهم عما نهاهم عنه حماية وصيانة ٢ لهم، لا بخلا منه عليهم.
وخاطبهم بألطف الخطاب وأحلاه، ونصحهم بأحسن النصائح، ووصاهم بأكمل الوصايا، وأمرهم بأشرف الخصال، ونهاهم عن أقبح الأقوال والأعمال، وصرف لهم الآيات، وضرب لهم الأمثال، ووسع لهم طرق العلم به ومعرفته، وفتح لهم أبواب الهداية، وعرفهم الأسباب التي تدنيهم من رضاه وتبعدهم من غضبه ٣.

ويخاطبهم بألطف الخطاب، ويسميهم ٤ بأحسن أسمائهم كقوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا﴾، ﴿وتوبوا إلى الله جميعا أيه المؤمنون﴾ [النور/ ٣١]، ﴿ياعبادي الذين أسرفوا على أنفسهم﴾ [الزمر/ ٥٣]، ﴿قل لعبادي﴾ [إبراهيم/ ٣١]، ﴿وإذا سألك عبادي عني﴾ [البقرة/ ١٨٦].

فيخاطبهم بخطاب الوداد والمحبة والتلطف ٥ كقوله:

﴿ياأيها الناس اعبدوا ربكم الذي خلقكم والذين من قبلكم لعلكم تتقون (٢١) الذي جعل لكم الأرض فراشا والسماء بناء وأنزل من السماء ماء فأخرج به من

الثمرات رزقا لكم فلا تجعلوا لله أندادا وأنتم تعلمون (٢٢)﴾ [البقرة/ ٢٢].

﴿ياأيها الناس اذكروا نعمت الله عليكم هل من خالق غير الله يرزقكم من السماء والأرض لا إله إلا هو فأنى تؤفكون (٣)﴾ [فاطر/ ٣].

﴿ياأيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور (٥)﴾ [فاطر/ ٥].

﴿ياأيها الإنسان ما غرك بربك الكريم (٦) الذي خلقك فسواك فعدلك (٧)﴾ [الانفطار/ ٦ - ٧].

﴿ياأيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون (١٠٢) واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمت الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون (١٠٣﴾ [آل عمران/ ١٠٢ - ١٠٣].

﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ماعنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون (١١٨)﴾ [آل عمران/ ١١٨].

﴿ياأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة وقد كفروا بما جاءكم من الحق يخرجون الرسول وإياكم أن تؤمنوا بالله ربكم إن كنتم خرجتم جهادا في سبيلي وابتغاء مرضاتي تسرون إليهم بالمودة وأنا أعلم بما أخفيتم وما أعلنتم ومن يفعله منكم فقد ضل سواء السبيل (١)﴾ [الممتحنة/ ١].

﴿ياأيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون (٢٤) واتقوا فتنة لا

تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب (٢٥) واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات لعلكم تشكرون (٢٦)﴾ [الأنفال/ ٢٥ - ٢٦].

﴿ياأيها الناس ضرب مثل فاستمعوا له إن الذين تدعون من دون الله لن يخلقوا ذبابا ولو اجتمعوا له وإن يسلبهم الذباب شيئا لا يستنقذوه منه ضعف الطالب والمطلوب (٧٣) ما قدروا الله حق قدره إن الله لقوي عزيز (٧٤)﴾ [الحج/ ٧٣ - ٧٤].

﴿وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو بئس للظالمين بدلا (٥٠)﴾ [الكهف/ ٥٠].

فتحت هذا الخطاب: إني عاديت إبليس، وطردته من سمائي، وباعدته من قربي، إذ لم يسجد لأبيكم آدم، ثم أنتم يابنيه توالونه وذريته من دوني، وهم أعداء لكم ١! فليتأمل اللبيب مواقع هذا الخطاب، وشدة لصوقه بالقلوب، والتباسه بالأرواح.
وأكثر القرآن جاء على هذا النمط من خطابه لعباده بالتودد والتحنن واللطف والنصيحة البالغة.

وأعلم عباده -سبحانه- أنه لا يرضى لهم إلا أكرم الوسائل، وأفضل المنازل، وأجل العلوم والمعارف.
قال تعالى: ﴿إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضى لعباده الكفر وإن تشكروا يرضه لكم﴾ [الزمر/ ٧].

وقال تعالى: ﴿اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا﴾ [المائدة/ ٣].

وقال: ﴿يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر﴾ [البقرة/ ١٨٥] ١.

﴿يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم (٢٦) والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما (٢٧) يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا (٢٨)﴾ [النساء / ٢٦ - ٢٨] ٢.

ويتنضل سبحانه إلى عباده من مواضع الظنة والتهمة التي ينسبها ٣ إليه من لم يعرفه حق معرفته ولا قدره حق قدره، من تكليف عباده ما لا يقدرون عليه ولا طاقة لهم بفعله البتة، وتعذيبهم إن شكروه وآمنوا به، وخلق السماوات والأرض وما بينهما لا لحكمة ولا لغاية؛ وأنه ٤ لم يخلق خلقه لحاجة منه إليهم، ولا ليتكثر بهم من قلة، ولا ليتعزز بهم من ذلة، ولا ليستعين بهم ٥، كما قال تعالى: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون (٥٦) ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون (٥٧)﴾ [الذاريات/ ٥٦ - ٥٧].

فأخبر أنه لم يخلق الجن والإنس لحاجة منه إليهم، ولا ليربح عليهم، لكن خلقهم جودا وإحسانا ليعبدوه فيربحوا هم عليه كل الأرباح كقوله: ﴿أن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم﴾ [الإسراء/ ٧]، ﴿ومن عمل صالحا فلأنفسهم يمهدون (٤٤)﴾ [الروم/ ٤٤].

ولما أمرهم بالوضوء والغسل ١ من الجنابة الذي يحط عنهم أوزارهم، ويدخلون به عليه، ويرفع به درجاتهم، قال: ﴿ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون (٦)﴾ [المائدة/ ٦].

وقال في الأضاحي والهدايا: ﴿لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم﴾ [الحج/ ٣٧].

وقال عقيب أمرهم بالصدقة ونهيهم عن إخراج الرديء من المال: ﴿ولا تيمموا الخبيث منه تنفقون ولستم بآخذيه إلا أن تغمضوا فيه واعلموا أن الله غني حميد (٢٦٧)﴾ [البقرة/ ٢٦٧]. يقول سبحانه: إني غني عما تنفقون أن ينالني منه شيء، حميد مستحق للمحامد ٢ كلها.
فإنفاقكم لا يسد منه حاجة، ولا يوجب له حمدا، بل هو الغني بنفسه، الحميد بنفسه وأسمائه وصفاته، وإنفاقكم إنما نفعه لكم وعائدته عليكم.

ومن المتعين على من لم يباشر قلبه حلاوة هذا الخطاب، وجلالته، ولطف موقعه، وجذبه للقلوب والأرواح، ومخالطته لها = أن يعالج قلبه بالتقوى، وأن يستفرغ منه المواد الفاسدة التي حالت بينه وبين حظه من

ذلك، ويتعرض إلى الأسباب التي يناله بها، من صدق الرغبة، واللجأ إلى الله أن يحيى قلبه، ويزكيه، ويجعل فيه الإيمان والحكمة.
فالقلب المثت لا يذوق طعم الإيمان، ولا يجد حلاوته، ولا يتمتع بالحياة الطيبة لا في الدنيا ولا في الآخرة.

ومن أراد مطالعة أصول النعم فليسم سرح الفكر ١ في رياض القرآن، وليتأمل ما عدد الله فيه من نعمه، وتعرف بها إلى عباده من أول القرآن إلى اخره، حتى خلق النار ٢، وابتلاءهم بإبليس وحزبه، وتسليط أعدائهم عليهم، وامتحانهم بالشهوات والإرادات والهوى، لتعظم النعمة عليهم بمخالفتها ومحاربة أعدائه ٣.
فلله على أوليائه وعباده أتم نعمة وأكملها في كل ما خلقه من محبوب ومكروه، ونعمة ومحنة، وفي كل ما أحدثه في الأرض من وقائعه ٤ بأعدائه وإكرامه لأوليائه، وفي كل ما قضاه وقدره.
وتفصيل ذلك لا تفي به أقلام الدنيا وأوراقها، ولا قوى العباد، وإنما هو التنبيه والإشارة.

ومن استقرى الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناء تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها.
ومع ذلك فلله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها

الخواطر، ولا هجست في الضمائر، ولا لاحت لمتوسم، ولا سنحت في فكر.
ففي دعاء أعرف الخلق بربه تعالى وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده: "أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ١ ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي وغمي" ٢.

وفي الصحيح عنه -صلى الله عليه وآله وسلم- في حديث الشفاعة لما يسجد ٣ بين يدى ربه، قال: "فيفتح علي من محامده بشيء لا أحسنه الآن" ٤.

وكان يقول في سجوده: "أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء عليك، أنت كما أثنيت

على نفسك" ١.

فلا يحصي أحد من خلقه ثناء عليه البتة، وله أسماء وأوصاف وحمد وثناء ٢ لا يعلمه ملك مقرب، ولا نبي مرسل.
ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر.

فإن قيل: فكيف تصنعون بما يشاهد من أنواع الابتلاء والامتحان والآلام للأطفال والحيوانات ومن هو خارج عن التكليف ومن لا ثواب ولا عقاب عليه؟ وما تقولون في الأسماء الدالة على ذلك من المنتقم والقابض والخافض ونحوها؟

قيل: قد تقدم من الكلام في ذلك ما يكفي بعضه لذي الفطرة السليمة والعقل المستقيم.
وأما من فسدت فطرته، وانتكس قلبه، وضعفت بصيرة عقله، فلو ضرب له من الأمثال ما ضرب فإنه لا يزيده إلا عمى وتحيرا.
ونحن نزيد ما تقدم إيضاحا وبيانا، إذ بسط هذا المقام ٣ أولى من اختصاره، فنقول:

قد علمت أن جميع أسماء الرب جل جلاله حسنى، وصفاته كمال، وأفعاله حكمة ومصلحة؛ وله كل ثناء وكل حمد ومدحة ٤، وكل خير فمنه وله وبيده ٥، والشر ليس إليه بوجه من الوجوه: لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، ولا في أسمائه.
وإن كان في مفعولاته

فهو خير بإضافته إليه، وشر بإضافته إلى من صدر عنه ووقع به.
فتمسك بهذا الأصل ولا تفارقه في كل دقيق وجليل، وحكمه على كل ١ ما يرد عليك، وحاكم إليه واجعله آخيتك التي ترجع إليها وتعتمد عليها.

واعلم أن لله خصائص في خلقه، ورحمة وفضلا يختص به من يشاء، وذلك موجب ربوبيته وإلهيته وحمده وحكمته، فإياك ثم إياك أن تصغي إلى وسوسة شياطين الإنس والجن والنفس الجاهلة الظالمة أنه هلا سوى بين عباده في تلك الخصائص، وقسمها بينهم على السواء؟ فإن هذا عين الجهل والسفه من المعترض به.
وقد بينا فيما تقدم أن حكمته تأبى ذلك وتمنع منه ٢.

ولكن اعلم أن الأمر قسمة بين فضله وعدله، فيختص برحمته من يشاء، ويقصد بعذابه من يشاء، وهو المحمود على هذا وهذا ٣.
فالطيبون من خلقه مخصوصون بفضله ورحمته، والخبيثون مقصودون بعذابه، ولكل واحد قسطه من الحكمة والابتلاء والامتحان، وكل مستعمل فيما هو له مهيأ وله مخلوق.

وكل ذلك خير ونفع ورحمة للمؤمنين، فإنه تعالى خلقهم للخيرات فهم لها عاملون، واستعملهم فيها فلم يدركوا ذلك إلا به، ولا استحقوه إلا بما سبق لهم من مشيئته وقسمه ٤، فلذلك ٥ لا تضرهم الأدواء

ولا السموم، بل متى وسوس لهم العدو، أو اغتالهم ١ بشيء من كيده، أو مسهم بشيء من طيفه ﴿تذكروا فإذا هم مبصرون (٢٠١) وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يقصرون (٢٠٢)﴾ [الأعراف/ ٢٠١ - ٢٠٢].

وإذا واقعوا معصية صغيرة أو كبيرة عاد ٢ ذلك عليهم رحمة، وانقلب في حقهم دواء، وبدل حسنة بالتوبة النصوح والحسنات الماحية؛ لأنه سبحانه عرفهم بنفسه وبفضله، وبأن قلوبهم بيده وعصمتهم إليه، حيث نقض عزماتهم، وقد عزموا أن لا يعصوه، وأراهم عزته في قضائه، وبره وإحسانه في عفوه ومغفرته، وأشهدهم نفوسهم وما فيها من النقص والظلم والجهل، وأشهدهم حاجتهم إليه وافتقارهم وذلهم، وأنه إن لم يعف عنهم ويغفر لهم فليس لهم سبيل إلى النجاة أبدا.

فإنهم لما أعطوه ٣ من أنفسهم العزم أن لا يعصوه، وعقدوا عليه قلوبهم، ثم عصوه بمشيئته وقدرته، عرفوا بذلك عظيم اقتداره، وجميل ستره إياهم، وكريم حلمه عنهم، وسعة مغفرته لهم، وبرد عفوه ٤ وحنانه وعطفه ورأفته، وأنه حليم ذو أناة لا يعجل، ورحيم سبقت رحمته غضبه، وأنهم متى رجعوا بالتوبة إليه ٥ وجدوه غفورا ٦ رحيما

حليما كريما، يغفر لهم السيئات، ويقيلهم العثرات، ويودهم بعد التوبة ويحبهم.

فتضرعوا إليه حينئذ بالدعاء، وتوسلوا إليه بذل العبيد ١ وعز الربوبية.
فتعرف سبحانه إليهم بحسن إجابته وجميل عطفه وحسن امتنانه في أن ألهمهم دعاءه، ويسرهم للتوبة والإنابة، وأقبل بقلوبهم إليه بعد إعراضها عنه.
ولم تمنعه معاصيهم وجناياتهم من عطفه عليهم وبره لهم وإحسانه إليهم، فتاب قبل أن يتوبوا إليه، وأعطاهم قبل أن يسألوه.

فلما تابوا إليه واستغفروه وأنابوا إليه تعرف إليهم تعرفا آخر: فعرفهم رحمته، وحسن عائدته، وسعة مغفرته، وكريم عفوه، وجميل صفحه، وبره وامتنانه وكرمه، وسرعة مبادرته ٢ قبولهم بعد أن كان منهم ما كان من طول الشرود ٣، وشدة النفور، والإيضاع في طرق معاصيه ٤.

وأشهدهم مع ذلك حمده العظيم، وبره العميم، وكرمه في أن خلى بينهم وبين المعصية، فنالوها بنعمته واعانته، ثم لم يخل بينهم وبين ما توجبه من الهلاك والفساد الذي لا يرجى معه صلاح ٥، بل تداركهم بالدواء الشافي ٦، فاستخرج منهم داء لو استمر معه لأفضى ٧ إلى الهلاك.

ثم تداركهم بروح الرجاء، فقدفه في قلوبهم، وأخبر أنه عند ظنونهم به.
ولو أشهدهم عظيم الجناية ١، وقبح المعصية، وغضبه ومقته على من عصاه فقط، لأورثهم ذلك المرض ٢ القاتل والداء العضال من الياس من روحه والقنوط من رحمته، وكان ذلك عين هلاكهم.
ولكن رحمهم قبل البلاء، وفي حشو البلاء، وبعد البلاء ٣.
وجعل تلك الآثار التي توجبها معصيته ٤ من المحن والبلاء والشدائد رحمة لهم وسببا إلى علو درجاتهم ونيل الزلفى والكرامة عنده.
فأشهدهم بالجناية ٥ عزة الربوبية وذل العبيد ٦، ورقاهم بآثارها إلى منازل قربه ونيل كرامته؛ فهم على كل حال يربحون عليه، ويتقلبون في كرمه وإحسانه، فكل ٧ قضاء يقضيه للمؤمن فهو خير له، يسوقه به ٨ إلى كرامته وثوابه.

وكذلك عطاياه الدنيوية نعم منه عليهم، فإذا استرجعها أيضا منهم وسلبهم إياها انقلبت من عطايا الآخرة، كما قيل: إن الله ينعم على عباده بالعطايا الفاخرة، فإذا استرجعها كانت من ٩ عطايا الآخرة.

والرب سبحانه قد تجلى لقلوب المؤمنين العارفين، وظهر لها بقدرته وجلاله وكبريائه، ومضاء ١ مشيئته، وعظيم سلطانه، وعلي شأنه ٢، وكرمه وبره وإحسانه، وسعة مغفرته ورحمته، وما ألقاه في قلوبهم من الإيمان بأسمائه وصفاته إلى حيث احتملته القوى البشرية من ذلك ٣، ووراءه -مما لم تحتمله قواهم، ولا يخطر ببال، ولا يدخل في خلد- ما ٤ لا نسبة لما عرفوه إليه.
فاعلم أن الذين كان قسمهم أنواع المعاصي والفجور، وفنون الكفر ٥ والشرك، والتقلب في غضبه وسخطه = قلوبهم ٦ وأرواحهم شاهدة عليهم بالمعاصي والكفر، مقرة بأن له الحجة عليهم وأن حقه قبلهم.
ولا يدخل ٧ النار منهم أحد ٨ إلا وهو شاهد بذلك، مقر به، معترف اعتراف طائع مختار ٩ لا مكره مضطهد.
فهذه شهادتهم على أنفسهم وشهادة أوليائه عليهم.

والمؤمنون يشهدون له ١٠ فيهم بشهادة أخرى لا يشهد بها أعداؤه، ولو شهدوا بها وباؤوا بها لكانت رحمته أقرب إليهم من عقوبته.

فيشهدون بأنهم ١ عبيده وملكه، وأنه أوجدهم ليظهر بهم مجده، وينفذ فيهم حكمه، ويمضي فيهم عدله، ويحق عليهم كلمته، ويصدق فيهم وعيده، ويبين ٢ فيهم سابق علمه، ويعمر بها ٣ ديارهم ومساكنهم التي هي محل عدله وحكمته.

وشهد ٤ أولياؤه عظيم ملكه، وعز سلطانه، وصدق رسله، وكمال حكمته، وتمام نعمته عليهم، وقدر ما اختصهم به، ومن أي شيء حماهم وصانهم، وأي شيء صرف عنهم؛ وأنه لم يكن لهم إليه وسيلة قبل وجودهم يتوسلون بها إليه أن لا يجعلهم من أصحاب الشمال وأن يجعلهم من أصحاب اليمين.

وشهدوا له سبحانه بأن ما كان منه إليهم وفيهم -مما يقتضيه إتمام كلماته ٥ الصدق والعدل ٦، وصدق قوله، وتحقيق ٧ مقتضى أسمائه- فهو محض حقه.
وكل ذلك منه حسن جميل، له عليه أتم حمد وأكمله وأفضله.
وهو حكم عدل، وقضاء فصل.
وأنه المحمود على ذلك كله فلا يلحقه منه ظلم ولا جور ولا عبث، بل ذلك عين الحكمة، ومحض الحمد، وكمال أظهره في حقه، وعز أبداه، وملك أعلنه، ومراد له أنفذه؛ كما فعل بالبدن وضروب الأنعام: أتم بها مناسك أوليائه

وقرابين عباده، وإن كان ذلك بالنسبة إلى الأنعام إهلاكا ١ وإتلافا.
فأعداؤه الكفار المشركون به الجاحدون به ٢ أولى أن تكون دماؤهم قرابين أوليائه وضحايا المجاهدين في سبيله، كما قال حسان بن ثابت ٣:

يتطهرون، يرونه قربانهم ... بدماء من علقوا من الكفار ٤

وكذلك لما ضحى خالد بن عبد الله القسري ٥ بشيخ المعطلة الفرعونية الجعد بن درهم، فإنه خطبهم في يوم أضحى، فلما أكمل خطبته قال: "أيها الناس ضحوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضح بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يكلم موسى تكليما، ولم يتخذ إبراهيم خليلا، تعالى عما يقول الجعد علوا كبيرا.
ثم نزل، فذبحه، وكان ٦ ضحيته.
ذكر ذلك البخاري في كتاب خلق الأفعال ٧.

فهذا شهود أوليائه من شان أعدائه، ولكن أعداؤه في غفلة عن هذا لا يشهدونه ولا يقرون به، ولو شهدوه وأقروا به لأدركهم حنانه

ورحمته، ولكن لما حجبوا عن معرفته، ومحبته، وتوحيده، وإثبات أسمائه الحسنى وصفاته العلى ١، ووصفه بما يليق به، وتنزيهه عما يليق به = صاروا أسوأ حالا من الأنعام، وضربوا بالحجاب، وأبعدوا عنه بأقصى البعد، وأخرجوا من نوره إلى الظلمات، وغيبت قلوبهم من ٢ الجهل به وبكماله وجلاله وعظمته في غيابات ٣، ليتم عليهم أمره ٤، وينفذ فيهم حكمه، والله عليم حكيم ٥.

فصل

والله سبحانه مع كونه خالق كل شيء، فهو موصوف بالرضا والغضب، والعطاء والمنع، والخفض والرفع، والرحمة والانتقام.
فاقتضت حكمته تعالى أن خلق دارا لطالبي رضاه العاملين بطاعته، المؤثرين لأمره، القائمين بمحابه، وهي الجنة.
وجعل فيها كل شيء مرضي، وملأها من كل محبوب ومرغوب ومشتهى ولذيذ، وجعل الخير بحذافيره فيها، وجعلها محل كل طيب من الذوات والصفات والأقوال.

وخلق دارا أخرى لطالبي أسباب غضبه وسخطه، المؤثرين لأغراضهم ٦ وحظوظهم على مرضاته، العاملين بأنواع مخالفته، القائمين بما يكره من الأعمال والأقوال، الواصفين له بما لا يليق به،

الجاحدين لما أخبرت به رسله من صفات كماله ونعوت جلاله، وهي جهنم.
وأودعها كل شيء مكروه، وشحنها ١ من كل مؤذ ٢ ومؤلم، وجعل الشر بحذافيره فيها، وجعلها محل كل خبيث من الذوات والصفات والأقوال والأعمال.

فهاتان الداران هما دار القرار ٣.

وخلق دارا ثالثة هي كالميناء لهاتين الدارين، ومنها يتزود المسافرون إليهما، وهي دار الدنيا.
ثم أخرج إليها من آثار ٤ الدارين بعض ما اقتضته أعمال أربابهما وما يستدل به عليهما، حتى كأنهما رأي عين، ليصير للإيمان ٥ بالدارين -وإن كان غيبا- وجه ٦ شهادة تستأنس ٧ به النفوس، وتستدل به.
فأخرج سبحانه إلى هذه الدار من آثار رحمته من الثمار والفواكه، والطيبات، والملابس الفاخرة، والصور الجميلة، وسائر ملاذ النفوس ومشتهاها ما هو نفحة من نفحات الدار التي جعل ذلك كله فيها على وجه الكمال.
فإذا رآه المؤمنون ذكرهم بما هناك من الحبرة ٨ والسرور والعيش الرخي، كما قيل:

فإذا رآك المسلمون تيقنوا ... حور الجنان لدى النعيم الخالد ١

فشمروا إليه وقالوا: "اللهم لا عيش إلا عيش الآخرة" ٢.
وأحدثت لهم رؤيته عزمات وهمما وجدا وتشميرا، لأن النعيم يذكر بالنعيم، والشيء يذكر بجنسه؛ فإذا رأى أحدهم ما يعجبه ويروقه ولا سبيل له إليه قال: "موعدك الجنة، وإنما هي عشية أوضحاها".
فوجود تلك المشتهيات والملذوذات في هذه الدار رحمة من الله، يشوق ٣ بها عباده المؤمنين إلى تلك ٤ التي هي أكمل منها، وزاد ٥ لهم من هذه الدار إليها.
فهي زاد، وعبرة، ودليل، وأثر من آثار ٦ رحمته التي أودعها تلك الدار.
فالمؤمن يهتز برؤيتها إلى ما أمامه، ويثير ساكن عزماته إلى تلك، فنفسه ذواقة تواقة، إذا ذاقت شيئا منها تاقت إلى ما هو أكمل منه حتى تتوق إلى النعيم المقيم في جوار الرب الكريم.

وأخرج سبحانه إلى هذه الدار أيضا من آثار غضبه ونقمته من العقوبات والآلام والمحن والمكروهات من الأعيان والصفات ما يستدل بجنسه على ما في دار الشقاء من ذلك، مع أن ذلك من آثار النفسين الشتائي والصيفي ٧ اللذين أذن الله سبحانه بحكمته لجهنم أن تتنفس

بهما، فاقتضت [بذنيك] النفسين ١ آثارا ظهرت في هذه الدار كانت دليلا وعبرة عليها ٢.
وقد أشار تعالى إلى هذ المعنى، ونبه ٣ عليه بقوله فى نار الدنيا: ﴿نحن جعلناها تذكرة ومتاعا للمقوين (٧٣)﴾ [الواقعة/ ٧٣] تذكرة تذكر بنار الآخرة ٤، ومنفعة للنازلين بالقواء، وهم المسافرون.
يقال: أقوى الرجل، إذا نزل بالقي والقواء، وهي الأرض الخالية.
وخص المقوين بالذكر ٥، وإن كانت منفعتها عامة للمسافرين والمقيمين، تنبيها لعباده -والله أعلم بمراده من كلامه- على أنهم كلهم مسافرون، وأنهم في هذه الدار على جناح سفر ليسوا ٦ مقيمين ولا مستوطنين، وأنهم عابرو سبيل وأبناء سفر.

والمقصود: أنه سبحانه أشهدهم ٧ في هذه ٨ ما أعد لأوليائه وأعدائه في دار القرار، وأخرج إلى هذه الدار من آثار رحمته وعقوبته ما هو عبرة ودلالة على ما هناك من خير وشر.
وجعل هذه العقوبات والآلام والمحن والبلايا سياطا ٩ يسوق بها عباده المؤمنين، فإذا رأوها حذروا

كل الحذر، واستدلوا بما رأوه منها وشاهدوه على ما في تلك الدار من المكروهات والعقوبات.
وكان وجودها في هذه الدار وإشهادهم إياها، وامتحانهم باليسير منها رحمة منه بهم، وإحسانا إليهم، وتذكرة وتنبيها.

ولما كانت هذه الدار ممزوجا خيرها بشرها، وأذاها براحتها، ونعيمها بعذابها اقتضت حكمة أحكم الحاكمين أن خلص خيرها من شرها، وخصه بدار أخرى هي دار الخيرات المحضة ودار الشرور ١ المحضة.
فكتب على هذه الدار حكم الامتزاج والاختلاط، وخلط فيها بين ٢ الفريقين، وابتلى بعضهم ببعض، وجعل بعضهم لبعض فتنة؛ حكمة بالغة بهرت العقول وعزة قاهرة.
فقام بهذا الاختلاط سوق العبودية كما يحبه ويرضاه، ولم تكن تقوم ٣ عبوديته التي يحبها ويرضاها إلا على هذا الوجه، بل العبد الواحد جمع فيه بين أسباب الخير والشر، وسلط بعضه على بعض ليستخرج منه ما يحبه من العبودية التي لا تحصل إلا بذلك.

فلما حصلت الحكمة المطلوبة من هذا الامتزاج والاختلاط أعقبه بالتمييز والتخليص، فميز بينهما بدارين ومحلين، وجعل لكل دار ما يناسبها، وأسكن فيها من يناسبها وخلق المؤمنين المتقين المخلصين لرحمته، وأعداءه الكافرين لنقمته، والمخلطين للأمرين معا ٤: فهؤلاء أهل الرحمة، وهؤلاء أهل النقمة، وهؤلاء أهل الرحمة

والنقمة ١، وقسم آخر لا يستحقون ثوابا ولا عقابا.
ورتب على كل قسم من هذه الأقسام ٢ حكمه اللائق به، وأظهر ٣ فيه حكمته الباهرة ٤، ليعلم العباد كمال قدرته وحكمته، وأنه يخلق ما يشاء، ويختار من خلقه من يصلح للاختيار، وأنه يضع ثوابه موضعه، وعقابه موضعه، ويجمع بينهما في المحل المقتضي لذلك، ولا يظلم ٥ أحدا، ولا يبخسه شيئا من حقه، ولا يعاقبه بغير جنايته.

هذا مع ما في ضمن هذا الابتلاء والامتحان من الحكم الراجعة إلى العبيد أنفسهم: من استخراج صبرهم وشكرهم وتوكلهم وجهادهم، واستخراج ٦ كمالاتهم ٧ الكامنة في نفوسهم ٨ من القوة إلى الفعل، ودفع الأسباب بعضها ببعض، وكسر كل شيء بمقابله ٩ ومصادمته بضده، ليظهر عليه آثار القهر وسمات الضعف والعجز، ويستيقن ١٠ العبد أن القهار لا يكون إلا واحدا، وأنه يستحيل أن يكون له شريك؛ بل القهر والوحدة متلازمان.

فالملك والقدرة والقوة والعزة كلها لله الواحد القهار، ومن سواه مربوب مقهور، له ضد ومناو ١ ومشارك.
فخلق الرياح، وسلط بعضها على بعض تصادمها، وتكسر سورتها، وتذهب بها.
وخلق الماء، وسلط عليه الرياح تصرفه وتكسره.
وخلق النار، وسلط عليها الماء يكسرها ويطفئها.
وخلق الحديد، وسلط عليه النار تذيبه وتكسر قوته.
وخلق الحجارة، وسلط عليه الحديد يكسرها ويفتتها.
وخلق آدم وذريته، وسلط عليهم إبليس وذريته.
وخلق إبليس وذريته، وسلط عليهم ٢ الملائكة يشردونهم كل مشرد ويطردونهم كل مطرد.
وخلق الحر والبرد والشتاء والصيف، وسلط كلا منها على الآخر يذهبه ويقهره.
وخلق الليل والنهار، وقهر كلا منهما بالآخر.
وكذلك الحيوان على اختلاف ضروبه من حيوان البر والبحر، لكل منه مضاد ومغالب.

فاستبان للعقول والفطر أن القاهر الغالب لذلك كله واحد، وأنه ٣ من تمام ملكه إيجاد العالم على هذا الوجه، وربط بعضه ببعض ٤، وإحواج بعضه إلى بعض، وقهر بعضه ببعض، وابتلاء بعضه ببعض ٥، وامتحان ٦ خيره بشره وجعل شره لغيره الفداء.
ولهذا يدفع إلى كل مؤمن يوم القيامة كافر فيقال له: "هذا فداؤك من النار" ٧.
وهكذا

المؤمن ١ في الدنيا يسلط عليه من الابتلاء والامتحان والمصائب ما يكون فداءه من عذاب الله، وقد تكون تلك الأسباب فداء له من شرور أكبر ٢ منها في العالم أيضا.
فليعط اللبيب هذا الموضع حقه من التدبر يتبين له حكمة اللطيف الخبير.

فصل

وقد تقرر أن الله سبحانه كامل الصفات، له الأسماء الحسنى، ولا يكون عن الكامل في ذاته وصفاته إلا الفعل المحكم.
وهو سبحانه خلق عباده على الفطرة، وكل مولود فإنما يولد على الفطرة التي فطر الخلائق عليها، ولكن الآباء والكافلين للمولودين يخرجونهم عن الفطرة ٣، ويعدلون بهم عنها، ولو تركوهم لما اختاروا عليها غيرها، ولكن أخرجوهم عن سنن الحنيفية وأفسدوا فطرهم وقلوبهم.
وهكذا بالأضداد والأغيار يخرج بعض المخلوقات عن سنن الإتقان والحكمة، ولولا تلك الأضداد والأغيار لكانت في مرتبتها كالمولود في فطرته، ولذلك أمثلة:

المثال الأول: أن الماء خلقه الله في الأصل ٤ طاهرا مطهرا، فلو ترك على حالته التي خلق عليها ولم يخالطه ما يزيل طهارته لم يكن إلا

طاهرا، ولكن بمخالطته ١ أضداده من الأنجاس والأقذار تغيرت أوصافه، وخرج عن الخلقة التي خلق عليها.
فكانت تلك النجاسات والقاذورات بمنزلة ٢ أبوي الطفل وكافليه الذين يهودونه وينصرونه ويمجسونه ويشركونه ٣.
وكما أن الماء إذا فسد بمخالطته ٤ الأنجاس والقاذورات لم يصلح للطهارة، فكذلك القلوب إذا فسدت فطرها بالأغيار لم تصلح لحظيرة القدس.

المثال الثاني: الشراب المعتصر من العنب، فإنه طيب يصلح للدواء ولإصلاح الغذاء وللمنافع ٥ التي يصلح لها.
ولو ٦ خلي على حاله لم يكن إلا طاهرا طيبا، ولكن أفسد بتهيئته للسكر واتخاذه مسكرا، فخرج بذلك عن خلقته التي خلق عليها من الطهارة والطيب، فصار أخبث شيء وأنجسه.
فلو انقلب خلا، أو زال تغير الماء، كان بمنزلة رجوع الكافر إلى فطرته الأولى، فإن الحكم إذا ثبت لعلة زال بزوالها ٧.

المثال الثالث: الأغذية الطيبة النافعة إذا خالطت باطن الحيوان واستقرت هناك خرجت عن حالتها التي خلقت عليها، واكتسبت بهذه المخالطة والمجاورة خبثا وفسادا لم يكن فيها، لسلوكها في غير

طرقها ١ التي بها كمالها.

ولما أنزل الله سبحانه الماء طاهرا نافعا، فمازج الأرض، وسالت به أوديتها، أوجد -جل جلاله- بينهما بسبب هذه ٢ المخالطة والممازجة أنواع الثمار والفواكه ٣ والزروع والنخيل والزيتون وسائر الأغذية والأقوات، وأوجد ٤ مع ذلك المر والشوك والحنظل وغير ذلك.
واللقاح واحد، ولكن الأم مختلفة.
قال تعالى: ﴿وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون (٤)﴾ [الرعد/ ٤].

ثم إنه سبحانه يصرف ما أخرجه من هذا الماء، ويقلبه، ويحيل بعضه إلى بعض، وينقل بعضه بالمخالطة والمجاورة عن طبيعته إلى طبيعة أخرى.
وهذا كما خلق كل دابة من ماء، ثم خالف بين صورها وقواها ومنافعها وأوصافها وما تصلح له ٥، وأمشى بعضها ٦ على بطنه، وبعضها على رجلين، وبعضها على أربع؛ حكمة بالغة، وقدرة باهرة.

وكذلك سبحانه يقلب الليل والتهار، ويقلب ما يوجد فيهما، ويقلب أحوال العالم كما يشاء، ويسلك بذلك كله ٧ مسلك الحكمة البالغة التي

بها يتم مراده، ويظهر ملكه: ﴿ألا له الخلق والأمر تبارك الله رب العالمين﴾ [الأعراف/ ٥٤].

وهذا القرآن المجيد عمدته ومقصوده الإخبار عن صفات الرب جل جلاله وأسمائه وأفعاله وأنواع حمده والثناء عليه، والإنباء عن عظمته وعلائه ١ وحكمته وإبداع ٢ صنعه، والتقدم إلى عباده بأمره ونهيه على ألسنة رسله، وتصديقهم ٣ بما أقامه من الشواهد والدلالات ٤ على صدقهم وبراهين ذلك ودلائله، وتبيين مراده من ذلك كله.
وكان من تمام ذلك الإخبار عن الكافرين والمكذبين، وذكر ما أجابوا به رسلهم وقابلوا به رسلات ربهم، ووصف كفرهم وعنادهم وكيف كذبوا على الله، وكذبوا رسله، وردوا أمره ونصائحه ٥.
وكان ٦ في اجتلاب ٧ ذلك من العلوم والمعارف والبيان وضوح شواهد الحق، وقيام أدلته، وتنوعها.

وكان موقع هذا من خلقه موقع تسبيحه تعالى وتنزيهه من الثناء عليه، فإن ٨ أسماءه تعالى الحسنى وصفاته العلى ٩ هي موضع الحمد، ومن

تمام حمده تسبيحه وتنزيهه عما وصفه به أعداؤه والجاهلون به مما لا يليق به.
وكان في تنوع تنزيهه عن ذلك من العلوم والمعارف وتقرير صفات الكمال وتكميل أنواع الحمد ما ١ في بيان محاسن الشيء وكماله عند معرفة ما يضاده ويخالفه.
ولهذا كان تسبيحه تعالى من تمام حمده، وحمده من تمام تسبيحه؛ ولهذا كان التسبيح والتحميد قرينين ٢.
فكان ٣ ما نسبه إليه أعداؤه والمعطلون ٤ لصفات كماله -من علوه على خلقه وإنزاله كلامه الذي تكلم به على رسله وغير ذلك من صفات كلامه- موجبا لتنزيه رسله له وتسبيحهم عن ذلك ٥ مما نزه عنه نفسه وسبح به نفسه.
وكان في ذلك ظهور حمده لخلقه ٦، وتنوع أسبابه، وكثرة شواهده، وسعة طرق الثناء عليه به، وتقرير عظمته ومعرفته في قلوب عباده.
فلولا معرفة الأسباب التي يسبح وينزه ويتعالى عنها، وخلق من يضيفها إليه ويصفه بها، لما قامت حقيقة التسبيح، ولا ظهر لقلوب أهل الإيمان عن أي شيء يسبحونه وعما ذا ينزهونه.
فلما رأوا في خلقه من قد نسبه إلى ما لا يليق به، وجحد من كماله ما هو أولى به، سبحوه حينئذ تسبيح مجل له، معظم له، منزه له ٧ عن أمر قد

نسبه إليه أعداؤه والمعطلون لصفاته.

ونظير هذا اشتمال ١ كلمة الإسلام -وهي شهادة أن لا إله إلا الله- على النفي والإثبات.
فكان في الإتيان بالنفي في صدر هذه الكلمة من تقرير الإثبات، وتحقيق معنى الإلهية، وتجريد التوحيد الذي يقصد بنفي الإلهية عن كل من ٢ ادعيت فيه سوى الإله الحق تبارك وتعالى.
فتجريد هذا التوحيد من العقد واللسان بتصور إثبات الإلهية لغير الله -كما قاله أعداؤه المشركون- ونفيه وإبطاله من القلب واللسان من تمام التوحيد وكماله، وتقريره ٣، وظهور أعلامه، ووضوح شواهده، وصدق براهينه.

ونظير ذلك أيضا أن تكذيب أعداء الرسل لهم ٤ وردهم ما جاؤوهم به كان من الأسباب الموجبة ظهور براهين صدق الرسل، ودفع ما احتج به أعداؤهم عليهم من الشبه ٥ الداحضة، ودحض حججهم الباطلة، وتقرير طرق الرسالة، وإيضاح أدلتها.
فإن الباطل كلما ظهر فساده وبطلانه أسفر وجه الحق، واستنارت معالمه، ووضحت سبله، وتقررت براهينه.
فكسر الباطل ودحض حججه وإقامة الدليل على بطلانه من أدلة الحق وبراهينه.

فتأمل كيف اقتضى الحق وجود الباطل، وكيف تم ظهور الحق

بوجود الباطل، وكيف كان كفر أعداء الرسل بهم ١ وتكذيبهم لهم ودفعهم ماجاؤوا به هو ٢ من تمام صدق الرسل، وثبوت رسالات الله، وقيام حججه على العباد.

ولنضرب لذلك مثالا يتبين به، وهو: ملك له عبد قد توحد في العالم بالشجاعة والبسالة، والناس بين مصدق ومكذب.
فمن قائل: هو كذلك، ومن قائل: هو بخلاف ما يظن به، فإنه لم يقابل الشجعان، ولا واجه الأقران.
ولو نازل ٣ الأقران، وقابل الشجعان، لظهر أمره، وانكشف حاله.
فسمع به شجعان العالم وأبطالهم، فقصدوه من كل أوب، وأموه ٤ من كل قطر، فأراد الملك أن يظهر لرعيته ما هو عليه من الشجاعة، فمكن تلك ٥ الشجعان والأبطال ٦ من منازلته ومقاومته، وقال: دونكم وإياه، وشأنكم به.
فهل تسليط الملك لأولئك على عبده ومملوكه إلا لإعلاء شأنه، وإظهار شجاعته في العالم، وتخويف أعدائه به، وقضاء الملك أوطاره به؟

وكما ٧ يترتب على هذا ٨ إظهار شجاعة عبده وقوته، وحصول مقصوده بذلك؛ فكذلك يترتب عليه ظهور كذب من ادعى مقاومته،

وظهور عجزهم، وفضيحتهم وخزيهم، وأنهم ليسوا ممن يصلح لمهمات الملك وحوائجه.
فإذا عدل بهم عن مهماته وولاياته ١ وعدل بها عنهم كان ذلك مقتضى حكمة الملك وحسن تصرفه في ملكه، وأنه لو استعملهم في تلك المهمات لتشوش أمر المملكة، وحصل الخلل والفساد.
فالله أعلم حيث يجعل رسالاته ٢، وهو أعلم بالشاكرين ٣.

والمقصود أن خلق الأسباب المضادة للحق وإظهارها في مقابلة الحق من أبين دلالاته وشواهده، فكان في خلقها من الحكمة ما لو فاتت لفاتت بها ٤ تلك الحكمة، وهي أحب إلى الله تعالى من تفويتها بتقدير تفويت هذه الأسباب.
والله أعلم.

فصل

وللناس في دخول الشر في القضاء الإلهي طرق، فنذكرها ونذكر أصولهم التي تفرعت عليها هذه الطرق قبل ذلك.
فنقول:

الناس قائلان ٥: أحدهما قول أهل الإسلام وأتباع المرسلين كلهم إن الله سبحانه فعال لما يريد، يفعل باختياره وقدرته ومشيئته، فما شاء كان وما لم يشأ لم يكن.
وهو الذي يعبر عنه متأخرو المتكلمين بكونه "فاعلا بالاختيار".

والفريق ١ الثاني قول من نفى ذلك وقال: صدور العالم ٢ عنه تعالى صدورا ذاتيا كصدور النور عن الشمس، والحرارة عن النار، والتبريد عن الماء، ويسمي المتكلمون هذا "الإيجاب الذاتي"، ومصدره "موجبا بالذات ٣ "، وهذا قول الفلاسفة المشائين.
وهو الذي يذكره ابن الخطيب ٤ وغيره عن الفلاسفة، ولا يحكي عنهم غيره، وإنما هو قول المشائين.
وقربه متأخرهم وفاضلهم ابن سينا إلى الإسلام بعض التقريب، مع مباينته لما جاءت به الرسل ولما دل عليه صريح العقل والفطرة.

والفريقان متفقون على أن مصدر ٥ الكائنات بأسرها خير محض من جميع الوجوه وكمال صرف.
ووجود الشر في العالم مشهود، والخير لا يصدر عنه إلا خير، فلا جرم اختلفت طرقهم في كيفية دخول الشر في القضاء الإلهي، وتنوعت إلى أربعة طرق ٦.

الطريق الأولى ٧: طريق نفاة التعليل والحكمة والأسباب، فإنهم سدوا على أنفسهم هذا الباب، وأثبتوا مشيئة محضة لا غاية لها ولا سبب ولا حكمة يفعل ٨ لأجلها، ولا يتوقف فعل المختار بها على مصلحة

ولا حكمة، ولا غاية لها يفعل ١، بل كل مقدور يحسن منه فعله، ولا حقيقة عندهم للقبيح إلا ٢ المستحيل لذاته الذي لا يوصف بالقدرة عليه.
وهؤلاء نفوا مسمى الرحمة والحكمة، وإن أقروا بلفظ لا حقيقة له.
وكان شيخهم الجهم بن صفوان يقف بأصحابه على المجذمين ٣، وهم يتقلبون في بلائهم، فيقول لهم ٤: أرحم الراحمين يفعل مثل هذا! يعني أنه ليس في الحقيقة رحمة، وإنما هو محض مشيئة وصرف إرادة مجردة عن الحكمة والرحمة.

وهؤلاء قابلوا أصحاب الطريق الثاني، وهم الذين أثبتوا له حكمة وغاية، وقالوا: لا يفعل شيئا إلا لحكمة وغاية مطلوبة ٥، ولكن حجروا عليه سبحانه في ذلك، وشرعوا له شريعة وضعوها بعقولهم، وظنوا أن ما يحسن من خلقه تعالى يحسن منه، وما يقبح منهم يقبح منه، فجعلوا ما أثبتوه له من الحكمة والرحمة من جنس ما هو للخلق.
ولهذا كانوا "مشبهة الأفعال"، كما أن من شبهه بخلقه في صفاته فهو "مشبه الصفات"، فاقتسموا التشبيه ٦ نصفين: هؤلاء في أفعاله، وإخوانهم في صفاته.

وقالوا: إنه تعالى لو خص بعض عبيده عن بعض بإعطائه توفيقا

وقدرة وإرادة، ولم يعطها الآخر، لكان ظلما للذي منعه.

وقالوا: لو شاء من عباده أفعال المعاصي لكان سفها ١ ينزه عنه، كما في الشاهد ٢؛ ولو شاء منهم الكفر والفسوق والعصيان ثم عذبهم عليه لكان ظلما، كما ٣ في الشاهد أيضا.
فإن السيد إذا أراد من عبده شيئا، ففعل العبد ما أراد سيده، فإنه إذا عذبه عده الناس ظالما له.

وجعلوا العدل في حقه من جنس العدل في حق عباده، والظلم الذي تنزه ٤ عنه كالظلم الذي يتنزهون ٥ عنه.
وجعلوا ما يحسن منه من جنس ما يحسن منهم، وما يقبح منه من جنس ما يقبح منهم.
وقالوا: لو أراد الشر لكان شريرا كما في الشاهد، فإن مريد الشر شرير ٦.

وقالوا: لو ختم على قلوب أعدائه وأسماعهم، وحال بينهم وبين قلوبهم، وأضلهم عن الإيمان، وجعل على أبصارهم غشاوة، وجعل من بين أيديهم سدا ومن خلفهم سدا، ثم عذبهم، لكان ذلك ظالما لهم؛ لأن أحدنا لو فعل ذلك بعبده، ثم عذبه، لكان ظالما له.

فهؤلاء هم ٧ المشبهة حقا في الأفعال، فعدلهم تشبيه، وتوحيدهم تعطيل، فجمعوا بين التشبيه والتعطيل.

وهؤلاء قسموا الشر الواقع في العالم إلى قسمين:

أحدهما: شرور هي أفعال العباد وما تولد منها، فهذه لا تدخل عندهم في القضاء الإلهي تنزيها للرب تعالى عن نسبتها إليه، ولا تدخل عندهم تحت قدرته ولا مشيئته ١ ولا تكوينه.

والثاني: الشرور التي لا تتعلق بأفعال العباد، كالسموم والأمراض وأنواع الآلام، وكإبليس وجنوده، وغير ذلك من شرور المخلوقات، كإيلام الأطفال وذبح الحيوان.
فهذا النوع هو الذي كدر على القدرية أصولهم، وشوش عليهم قواعدهم، وقالوا: ذلك كله حسن لما فيه من اللطف والمصلحة العاجلة والآجلة.

قالوا: أما الآلام والأمراض فمفعولة لغرض صحيح، وهو ما ضمن الرب سبحانه لمن أصابه بها من العوض الوافي.
قالوا: وذلك يجري مجرى استئجار أجير في فعل شاق، فإنه بغرض ٢ الاستئجار أخرج الاستئجار عن كونه عبثا، وبالأجرة أخرجه ٣ عن كونه ظلما، فكان حسنا.

قالوا: فإن قيل: إذا كان الله قادرا على التفضل بالعوض وبأضعافه بدون توسط الألم، فأي حاجة إلى توسطه؛ وأيضا فإذا حسن الألم لأجل العوض، فهل يحسن منا أن نؤلم ٤ أحدنا بغير إذنه لعوض يصل إليه؟.

فالجواب أن الله سبحانه لا يمرض ولا يؤلم ١ إلا من يعلم من حاله أنه لو أطلعه على الأعواض التي تصل إليه لرضي بالألم، ولرغب فيه، لوفور الأعواض وعظمها، وليس كذلك في الشاهد استئجار الأجير من غير اختياره.

قالوا: وليس كذلك إيلام أحدنا لغيره لأجل التعويض، فإن من قطع يد غيره أو رجله ليعوضه عنها لم يحسن ذلك منه؛ لأن العوض يصل إليه وهو مقطوع اليد والرجل، وليس من العقلاء من يختار ملك الدنيا مع ذلك؛ والله يوصل الأعواض في الآخرة إلى الأحياء، وهم أكمل شيء خلقا وأتمه أعضاء، فلذلك افترق الشاهد والغائب في هذا.

قالوا: فإن فرضتموه في ضرب وجلد مع سلامة الأعضاء قبح لأنه عبث ٢، فإن فرض فيه مصلحة، ورضي المضروب بذلك، وعظمت الأعواض عنه، فهو حسن في العقل لا محالة.
قالوا: وسر الأمر أن بالعوض يخرج الألم عن كونه ظلما لأنه نفع عظيم ٣ موف ٤ على مضرة الألم؛ وباعتبار كونه لطفا في الدين يخرج عن كونه عبثا.

قالوا: وقد رأينا في الشاهد حسن الألم للنفع، فإنه يحسن في الشاهد إيلام أنفسنا وإتعابها في طلب العلوم والأرباح التي لا يعبر ٥ إليها إلا على جسر ٦ من التعب والمشقة.

قالوا: وهذا الوجه هو الذي ١ حسن لأجله إيلام الأطفال والبهائم فإنه إيلام للنفع، فإن أبدان الأطفال لا تستقيم إلا على الأسباب الجالبة للآلام، وكذلك نفوسهم إنما تكمل بذلك، وإيلام الحيوان لنفع الآدمي به غير قبيح.

قالوا: وأما الألم المستحق للعقوبة، فإنه حسن في الشاهد ولكنه غير متحقق في الغائب بالنسبة إلى الأطفال والبهائم لعدم تكليفها، ولكن لا بد في إيلامها من مصلحة ترجع إليها، وهي ما يحصل لهم من العوض في الآخرة.
قالوا: ويجب إعادتها لاستيفاء ذلك الحق الذي لها، وهو العوض على الآلام التي حصلت لها.

قالوا: وبقاؤها بعد الإعادة موقوف على مقدار معلوم.
. . لانقطاعه ٢، ونعيم الأطفال والمجانين دائم.
واختلفوا في البهائم فقال

بعضهم: يدوم عوضهم، وقال آخرون بانقطاعه وإنهم ١ يصيرون ترابا.
قالوا: فإن لم يكن للبهائم عوض يجب لأجله أن تعاد لم تجب إعادتها عقلا، وتحسن إعادتها، وما يحسن قد يفعله الله وقد لا يفعله.

وهل تجوز الآلام للتعويض المجرد؟ فيه قولان لهم ٢ مبنيان على أصل اختلفوا فيه، وهو أنه هل يحسن منه تعالى التفضل بمثل العوض ابتداء؟ فصار بعضهم إلى امتناعه، كما يمتنع التفضل بمثل الثواب ابتداء عندهم، وهم مجمعون على امتناعه لئلا يسوى بين العامل وغيره.
وصار من ينتمي إلى التحصيل منهم إلى أن التفضل بمقدار الأعواض ممكن غير ممتنع.
فمن قال بامتناع التفضل بمقدار العوض جوز وقوع الآلام للتعويض المجرد.
ومن جوز التفضل بأمثال الأعواض لم تحسن عنده الآلام ٣ لمجرد ٤ التعويض، بل قالوا: إنما تحسن لوجهين لا بد من اقترانهما: أحدهما التزام التعويض، والثاني اعتبار غير المؤلم بتلك الآلام، وكونها ألطافا في زجر غاو عن غوايته إذا شاهدها في غيره.

وذهب عماد الضيمري ٥ ... منهم إلى أن الآلام تحسن

لمجرد ١ الاعتبار من غير تعويض لمن أصابته، ورد عليه جماهير القدرية ذلك.
قالوا: والآلام التي يفعلها سبحانه إما أن تكون مستحقة كعقوبات الدنيا وعذاب الآخرة، وإما للتعويض، وإما للمصلحة الراجحة، قالوا: وما يفعله في الآخرة منها فكله للاستحقاق ٢، وما يفعله في الدنيا فللعوض والمصلحة، وقد يفعله عقوبة، وأما ما شرعه من أسباب الألم فعقوبات محضة.

وأما مشايخ القوم فقالوا: إنما يحسن منه تبارك وتعالى الإيلام لأنه المنعم ٣ بالصحة والحياة، ولأنه في حكم من أعار تلك المنفعة لمن لا يملكها، فله قطعها إذا شاء، ولأنه قادر على التعويض عالم بقدره، وليس كذلك الواحد منا ٤.
قالوا: فإذا استرجع عارية الصحة والحياة خلفها الألم ٥، ولا بد.

وأطالوا الكلام في الآلام وأسبابها، وما يحسن منها وما يقبح، وعلى أي وجه يقع؛ وحصروا أنفسهم غاية الحصر، فاستطالت عليهم الجبرية بالأسولة والمضايقات، وألجأوهم إلى مضايق "تضايق عنها أن تولجها الأبر" ٦، وأضحكوا العقلاء منهم بإبداء تناقضهم، وألزموهم إلزامات

فصول الكتاب · 53 فصل · 956 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول طريق الهجرتين وباب السعادتين · 956 صفحة
مقدمة الكتابالمقدمةمقدمة التحقيقتوثيق نسبة الكتابعنوان الكتابتاريخ تأليف الكتابمقصد الكتابترتيب الكتاب وبعض مباحثه المهمةأهمية الكتابموارد الكتابطبع الكتاب وتحقيقه واختصاره وترجمتهمخطوطات الكتابمنهج التحقيقنماذج مصورة من النسخ الخطية المعتمدةفصل [في أن الله هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]الصواب في مسألة علة احتياج العالم إلى الرب[تعريف الفقر ودرجاته عند الهرويفصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]الفقر والتجريد والفناء من واد واحدفصل [في الغنى وانقسامه إلى عال وسافل]
فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى
العز يقتضي كمال القدرةمعنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهماالحمد أوسع الصفات وأعم المدائح
الثاني: حمد النعم والآلاء
قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوبقاعدة [في الإنابة ودرجاتها]قاعدة في ذكر طريق قريب موصل (^١) إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال. وهي شيئان:قاعدة شريفة [الطريق إلى الله واحد]قاعدة (^١) [السير إلى الله لا يتم إلا بقوتين: علمية وعملية]قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]متاجر الأقسام الثلاثةالرجوع إلى المقصود وهو بيان كيفية قطع الأقسام المذكورة مراحل سيرهمالأبرار المقتصدونالسابقون المقربونإذا وضع أحدهم جنبه على مضجعهأمثلة من الغلط في ذلك ونقد كلام أبن العريف
المقدمة
الرجوع إلى المقصود وإتمام الكلام في نقد كلام ابن العريف على علة مقام الزهدفصل المثال الثالث (^١): التوكلفصل المثال الرابع (^١): الصبرفصل المثال الخامس: الحزنفصل [في المحبة]فصل [حد آخر للمحبة]فصل [حد آخر للمحبة]
فصل [حدود أخرى للمحبة]
الفصل الأول في حقيقته
فصل في مراتب المكلفين في الدار الآخرة وطبقاتهم فيها. وهم ثمان عشرة طبقةالطبقة الثانية: من عداهم من الرسلالطبقة الخامسة: أئمة العدل وولاتهالطبقة السابعة: أهل الإيثار والصدقة والإحسان
الطبقة التاسعة: طبقة أهل النجاة
ثبت المصادر والمراجع
جارٍ التحميل