تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامةصفحات 273-312
أهل الأثرالأرشيف العلمي

كتاب الإجارة

صفحات 273-312
عن هذه الطبعة
عَلَم
ابن عثيمين
الكتاب
تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة (إلى أول كتاب الوقف وهو آخر ما شرح الشيخ رحمه الله)
المؤلف
محمد بن صالح بن محمد العثيمين (المتوفى: 1421هـ)
عدد الأجزاء
5 [الكتاب مرقم آليا]

القارئ: وإن مات أحد الراميين أو ذهبت يده بطل العقد لأن المعقود عليه تلف فأشبه موت الفرس في السباق وإن مرض أو رمد لم تبطل لأنه يمكن الاستيفاء بعد زوال العذر وله الفسخ لأن فيه تأخير المعقود عليه فملك الفسخ كالإجارة وإن عرض مطر أو ريح أو ظلمة أخر إلى زوال العارض وإن أراد أحدهما التأخير لغير عذر فله ذلك إن قلنا هي جعالة لأنها جائزة وليس له ذلك إن قلنا هي إجارة ويكره للأمين مدح أحدهما أو زجره لأن فيه كسر قلبه أو قلب صاحبه.
الشيخ: قوله (ويكره للأمين مدح أحدهما أو زجره) هذا صحيح فكونه يمدح أحد الحزبين أو يزجر الثاني لا شك أنه ليس من العدل ولهذا جاء في الحديث (لا جَلَبَ ولا جنب).
السائل: قول المؤلف (الأمين) ماذا يقصد به؟ الشيخ: الأمين هو الذي يراقب المتسابقين ويشبه الحكم عندنا في وقتنا الحاضر.

باب

اللقطة

القارئ: وهي المال الضائع عن ربه وهي ضربان ضال وغيره فأما غير الضال فيجوز التقاطه بالإجماع وهو نوعان يسير يباح التصرف فيه بغير تعريف لما روى جابر قال (رخص لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم في العصا والسوط والحبل وأشباهه يلتقطه الرجل ينتفع به) رواه أبو داود ولا تحديد في اليسير إلا أنه ينبغي أن يعفى عما رخص فيه النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث وشبهه وقال أحمد رضي الله عنه ما كان مثل التمرة والكسرة والخرقة ومالا خطر له فلا بأس ويحتمل أن لا يجب تعريف مالا يقطع فيه السارق لأنه تافه قالت عائشة رضي الله عنها (كانوا لا يقطعون في الشيء التافه).

الشيخ: الذي يُقْطَعُ في السرقة هو ربع دينار أو ثلاثة دراهم إذا كانت تقابل ربع الدينار وقيل مطلقاً يعني هل النصاب الذي يتم به قطع يد السارق هل هو ثلاثة دراهم أو ربع دينار؟ الصواب أنه ربع دينار وأن ثلاثة دراهم في عهد النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تقابل ربع الدينار، والذي ذكره المؤلف وهو النوع الأول فإنه يملكه الإنسان بمجرد التقاطه إلا إذا كان يعرف صاحبه فإنه لا يحل له أن يتصرف فيه بل يرده إلى صاحبه أو يعلمه به مثل أن تجد في السوق شيئاً ساقطاً ولكن تعرف أنه لفلان فإنه يجب عليك أن ترده له إما بإخباره فيأتي هو لأخذه وإما بإيصاله إليه وكيف تعرف أنه لفلان الجواب إما أن أراه سقط منه وإما أن يكون قد كَتَبَ عليه وإما أن أكون قد رأيته في يديه يكتب به مثلاً فالمهم أنه مقيد بما إذا لم يعلم صاحبه فإن علم صاحبه وجب عليه أن يُبَلِّغهُ له.
السائل: الفلوس التي قد توجد ضائعة من أصحابها ما هو الضابط في قليلها وما يلتقط منها؟ الشيخ: الظاهر أن هذا يختلف فقد كانوا في السابق الريال له قيمة عندهم ولا يملك فقد كانوا في الأول يشترون بالريال شاة وما يطبخ معها فالشاة الواحدة ربع ريال والجريش وما أشبه ذلك بثلاثة أرباع الريال أو بالعكس، أما الآن فالريال ليس بشيء، ثم أيضاً لما كانت الفلوس كثيرة كانت الخمسين ريال لا تهم أما الآن فيما أظن أنها تهم.
السائل: إذا كان الشيء زهيداً ولكن يغلب على ظن الإنسان أنه لو أعطاه صاحبه قد يحتقره مثلاً كقطعة كيك أو قطعة حلوى فهل يجب إعطاه له؟ الشيخ: نحن قلنا ما دمت أنك تعرفه فإنه يجب عليك أن تُبَلِّغَهُ.
السائل: الشيء اليسير الذي لا تتبعه همة أوساط الناس قلنا إنه يملك بمجرد أخذه فإذا أخذه وانتفع به ثم جاء بعد ذلك صاحب هذا الشيء فهل يجب أن يرده عليه؟ الشيخ: لا يجب لأن الشارع ملكه إياه وهذا إذا كان لم يعلمه من قبل أي من قبل أن يتصرف فيه، فلا يجب رده.

القارئ: والنوع الثاني الكثير فظاهر كلام أحمد رضي الله عنه أن ترك التقاطه أفضل لأنه أسلم من خطر التفريط وتضييع الواجب من التعريف فأشبه ولاية اليتيم واختار أبو الخطاب أن أخذه أفضل إذا وجده بمضيعة وأمن نفسه عليه لما فيه من حفظ مال المسلم فكان أولى كتخليصه من الغرق ولا يجب أخذه لأنه أمانة فلم يجب كالوديعة ومن لم يأمن نفسه عليه ويقوى على أداء الواجب فيه لم يجز له أخذه لأنه تضييع لمال غيره فحرم كإتلافه.
الشيخ: التفصيل الصحيح في هذا أن يقال إذا كان لا يأمن نفسه من التفريط وعدم التعريف فالتقاطه حرام لأنه يعرض نفسه لأكل مال بالباطل، وإذا كان يخشى أن يضيع على صاحبه مثل أن يكون حوله قطاع طريق أو ما أشبه ذلك فَأَخْذُهُ واجب عليه، وإن لم يكن هذا ولا هذا فترك أخذه أفضل وهذا إنما هو في غير مكة أما مكة شرفها الله فإنه لا يجوز أن يلتقطه إلا إذا كان يُعرِّفُهُ، ولكن يُعرِّفُهُ إلى متى؟ الجواب إلى الأبد حتى إذا جاءه الموت فإنه يكتب وصية بأني قد التقطت من مكة كذا وكذا فَعَرِّفُوا عليه، ولهذا جعلت الحكومة وفقها الله أناساً في مكة يتلقون الأموال الضائعة حتى لا يتعب الناس في تعريفها.

فصل القارئ: إذا أخذها عرف عفاصها وهو وعاؤها ووكاءها وهو الذي تشد به وجنسها وقدرها لما روى زيد بن خالد الجهني رضي الله عنه قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن لقطة الذهب والورق فقال (اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة فإن لم تعرف فاستنفقها ولتكن وديعة عندك فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فادفعها إليه) متفق عليه نص على الوكاء والعفاص وقسنا عليهما القدر والجنس.

الشيخ: قوله (وقسنا عليه القدر والجنس) هذا القياس فيه نظر لأن العفاص والوكاء يكفي إذ أنها مشدودة، وكانوا في الأول يجعلون النقود في كيس صغير ويشدونه فإذا وجد الإنسان هذا الكيس فإنه لا يلزمه أن يَحُلَّهُ وينظر ما فيه من النقود جنساً وقدراً بل يبقيه كما هو مشدوداً على ما هو عليه ثم يُعرِّفه وإذا جاء صاحبه فإنه يستفصل منه.
القارئ: ولأنه إذا عرف هذه الأشياء لم تختلط بغيرها وعرف بذلك صدق مدعيها أو كذبه وإن أخر معرفة صفتها إلى مجيء مدعيها أو تصرفه فيها جاز لأن المقصود يحصل وقد جاء ذلك في حديث أُبَيٍّ ولا يحل له التصرف فيها إلا بعد معرفة صفتها لأن عينها تذهب فلا يعلم صدق مدعيها إلا من حفظ صفتها.
الشيخ: إذا جاء إنسان يقول هذه النقود لي فلا بد أن يُسْأَل فيقال له ما هي وما هو جنسها وما هو قدرها، لكن هل يلزم بأن يذكر رقمها؟ الجواب لا يلزم بذلك لأن الناس الآن لا يهتمون بالرقم إنما يهتمون بالنوع والجنس لكن ربما يلزم بأن يقول هل هي جديدة أو مستعلمة كثيراً أو مستعملة قليلاً لأن الأوراق تختلف بالاستعمال القليل والكثير.
القارئ: ويستحب أن يشهد عليها نص عليه لما روى عياض بن حمار رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي عدل ولا يكتم ولا يغيب) رواه أبو داود ولأن فيه حفظها من ورثته إن مات وغرمائه إن أفلس وصيانته من الطمع فيها ولا يجب ذلك لتركه في حديث زيد ولأنها أمانة فلا يجب الإشهاد عليها كالوديعة.
الشيخ: قوله (لتركه في حديث زيد) يعني ترك ذكر الإشهاد ففي حديث زيد بن خالد الجهني لم يقل الرسول صلى الله عليه وسلم أشهد عليه.
القارئ: قال أحمد رضي الله عنه ولا يبين في الإشهاد كم هي لكن يقول أصبت لقطة.

الشيخ: ما ذكره المؤلف هنا صحيح وينبغي أيضاً أن لا يُشْهِدَ إلا من هو ثقة لأنه لو أشهد غير الثقة لأمكن أن يُعلمَ غيره ويقول له ادَّعِى أنها لك وأنا أكون شاهداً بأن الرجل أشهدني على وجود هذه اللقطة.

فصل القارئ: ويجب تعريفها لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به ولأنه طريق وصولها إلى صاحبها فوجب كحفظها ويجب التعريف حولاً من حين التقاطها متوالياً لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به عند وجدانها والأمر يقتضي الفور ولأن الغرض وصول الخبر وظهور أمرها وإنما يحصل بذلك لأن صاحبها إنما يطلبها عقيب ضياعها ويكون التعريف في مجامع الناس كالأسواق وأبواب المساجد وأوقات الصلوات لأن المقصود إشاعة أمرها وهذا طريقه ويكثر منه في موضع وجدانها وفي الوقت الذي يلي التقاطها ولا يعرفها في المسجد لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل لا ردها الله تعالى عليك فإن المساجد لم تبن لهذا) رواه مسلم.
الشيخ: لا يجوز أن ينشد الضالة في المسجد بل هو حرام وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر من سمعه أن يَدْعُوَ عليه فيقول (لا ردها الله عليك) ولكن هل يقول (فإن المساجد لم تبن لهذا) أو نقول إن هذا تعليل للحكم الشرعي أي كأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول فليدعوا عليه بعدم وجودها لأن المساجد لم تبن لهذا إنما بنيت للصلاة؟ الجواب نقول يحتمل هذا وهذا، لكن الأفضل أن يقولها حتى وإن كانت تعليلاً للحكم الشرعي فالأفضل أن يقولها من أجل أن يطيب قلب المنشد لأن الغالب أنه لا ينشد أحد في المساجد إلا وهو جاهل والجاهل لو تقول له لا ردها الله عليك بدون أن تقول له إن المساجد لم تبن لهذا سيكون في قلبه شيء، وإذا رأيت أنه شوش حتى بعد أن قلت له إن المساجد لم تبن لهذا فقل له يا أخي هكذا أمرنا النبي صلى الله عليه وسلم.

القارئ: ويقول من ضاع منه كذا يذكر جنسها أو يقول شيء ولا يزيد في صفتها لئلا يفوت طريق معرفة صاحبها.
الشيخ: هذا معلوم فلا يقول مثلاً من ضاع له الساعة الفلانية التي فيها توقيتين أو فيها تاريخين ورباطها أو سيرها من جلد أو من حديد أو ما أشبه ذلك، لأنه إذا وصفها بذلك فالكل سيقول هي لي، بل يقول من أضاع ساعةً أو قلماً فيذكر شيئاً عاماً.
القارئ: وأجرة المعرف على الملتقط لأن التعريف عليه ولأنه سبب تملكها فكان على متملكها قال أبو الخطاب إن التقطها للحفظ لصحابها لا غير فالأجرة على مالكها يرجع بها عليه وقاله ابن عقيل فيما لا يملك بالتعريف.
الشيخ: مثل الإبل لا تملك بالتعريف والصواب أن أجرة الإنشاد على صاحبها فإن لم يوجد فهي دخلت في ملك الملتقط ولا يحتاج أن نعطيه شيئاً، لكن إذا وجد صاحبها فيكون على مالكها لأن هذا الإنشاد لمصلحة المالك فكيف يعمل هذا الرجل لمصلحته وجزاه الله خيراً أنه لم يكتمها ثم مع ذلك نقول له إن الأجرة عليك، هذا لا يستقيم، فالأجرة إذاً على المالك وهل للملتقط أن يحبسها على أجرتها فيقول لمالكها لا أعطيك إياها حتى تسلمني الأجرة؟ الجواب: نعم لأن هذه الأجرة لمصلحة العين فله أن يحبسها على أجرتها كما يحبس المبيع على القول الراجح على ثمنه والله أعلم.

فصل القارئ: فإذا جاء مدعيها فوصفها بصفاتها المذكورة لزم دفعها إليه لأمر النبي صلى الله عليه وسلم به ولأنها لو لم تدفع بالصفة لتعذر وصول صاحبها إليها لتعذر إقامة البينة فإن وصفها اثنان أقرع بينهما فمن قرع صاحبه حلف وسلمت إليه كما لو ادعى الوديعة اثنان وقال أبو الخطاب تقسم بينهما.

الشيخ: القول الأول أصح لأن هذه اللقطة لواحد منهما بلا شك إذ أنها واحدة وكل واحد منهما يقول هي لي ولا طريق إلى الوصول إلى الحق إلا بالقرعة فإن قال قائل ألا يمكن أن تكون هذه العين مشتركة بينهما؟ فالجواب بلى يمكن، لكن هذا لم يثبت لأن كل واحد يدعي أنها ملكه وحده وعلى هذا فلا طريق إلا القرعة بينهما.
مسألة: اللقطة إذا وصفها مدعيها وطابق وصفه وصفها وجب دفعها إليه وإذا لم يصفها فإنه لا يقبل قوله إلا ببينة.
القارئ: وإن وصفها أحدهما وللآخر بينة قدم ذو البينة لأنها أقوى من الوصف فإن كان الواصف سبق فأخذها نزعت منه وإن تلفت في يده فلصاحبها تضمين من شاء منهما لأن الواصف أخذ مال غيره بغير إذنه والملتقط دفعه إليه بغير إذن مالكه ويستقر الضمان على الواصف لأن التلف حصل في يده فإن ضمن لم يرجع على أحد.
الشيخ: الصحيح أنه لا ضمان على الواجد لأن الواجد تصرف بمقتضى الشريعة الإسلامية فكيف نضمنه!! فيقال لمن له بينة خاصم الرجل الذي وصفها وأخذها أما أن نضمن من وجدها وقام بما يجب عليه فهذا قول ضعيف والصواب أنه إذا تَحَرَّى وفعل ما جاءت به السنة فلا ضمان عليه.
القارئ: وإن ضمن الملتقط رجع عليه إلا أن يكون الملتقط دفعها إليه بحكم حاكم فلا يضمن لأنها تؤخذ منه قهرا وإن أتلفها الملتقط فغرمه الواصف عوضها ثم جاء صاحب البينة لم يرجع إلا على الملتقط لأن الواصف إنما أخذ مال الملتقط ولم يأخذ اللقطة ثم يرجع الملتقط على الواصف.
الشيخ: قوله (يرجع الملتقط على الواصف) أي بما أخذ منه وهي القيمة التي عوض بها عن اللقطة فإنه يأخذها.

فصل

القارئ: فإن لم تعرف دخلت في ملك الملتقط عند الحول حكما كالميراث لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث زيد (فإن لم تعرف فاستنفقها) وفي لفظ (وإلا فهي كسبيل مالك) ولأنه كسب مال بفعل فلم يعتبر فيه اختيار التملك كالصيد واختار أبو الخطاب أنه لا يملكها إلا باختياره لأنه تملك مال ببدل فاعتبر فيه اختيار التملك كالبيع.
الشيخ: الظاهر أن قول أبي الخطاب أصح وهو أنها لا تدخل في ملكه إلا بالاختيار، لأن الحديث ليس بواضح في وجوب دخولها بغير اختياره فقوله (استنفقها) يعني لك أن تستنفقها وكذلك قوله (وإلا فهي كسبيل مالك) يعني في جواز الانتفاع بها، فالظاهر أن قول أبي الخطاب أصح، ولكن إذا قال الملتقط أنا لا أريدها فماذا يصنع بها؟ الجواب يدفعها إلى بيت المال وبذلك تبرأ ذمته فإن لم يكن بيت المال منتظماً فإنه يتصدق بها كالمال المجهول مالكه فيتصدق بها بالنية عن من هي له.
القارئ: والغني والفقير سواء في هذا لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يفرق ولأنه تملك مال بعوض أشبه البيع.

فصل

القارئ: وما جاز التقاطه ووجب تعريفه ملك به نص عليه أحمد رضي الله عنه في الصياد يقع في شبكته الكيس والنحاس يعرفه سنة فإن جاء صحابه وإلا فهو كسائر ماله وهذا ظاهر كلام الخرقي وقال أكثر أصحابنا لا يملك غير الأثمان لأن الخبر ورد فيها ومثلها لا يقوم مقامها من كل وجه لعدم تعلق الغرض بعينها فلا يقاس عليها غيرها وقال أبو بكر ويعرفها أبدا وقال القاضي هو مخير بين ذلك وبين دفعها إلى الحاكم وقال الخلال كل من روى عن أبي عبد الله أنه يعرفه سنة ثم يتصدق به والذي نقل عنه أنه يعرفها أبداً قول قديم رجع عنه والأول أولى لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله كيف ترى في متاع يوجد في الطريق الميتاء أو في قرية مسكونة قال (عرفه سنة فإن جاء صاحبه وإلا فشأنك به) رواه الأثرم وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه في عيبة (عرفها سنة فإن عرفت وإلا فهي لك أمرنا بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم).
الشيخ: العيبة تشبه الشنطة من جلد توضع فيها الثياب وكذلك أيضاً تطلق على الوعاء الذي يجعل فيه التمر والطعام.
القارئ: ولأنه مال يجوز التقاطه ويجب تعريفه فملك به كالأثمان وقد دل الخبر على جواز أخذ الغنم مع تعلق الغرض بعينها فيقاس عليها غيرها.
الشيخ: هذا هو الصواب بلا شك وهو أن اللقطة سواء من الأثمان أو من الأعيان تُعَرَّفُ سنة فإن جاء صاحبها وإلا فهي للواجد، وعليه فنقول اللقطة تنقسم إلى أقسام: فالقسم الأول ما يملك بمجرد الالتقاط وضابطه أن لا تتبعه همة أوساط الناس.
والقسم الثاني ما يحتاج إلى تعريف سنة وبعده يملك.
والقسم الثالث الذي لا يملك بالتعريف ولا يجوز التقاطه وهو الإبل والضوال التي تمتنع من صغر السباع، ثم ما بين ذلك فإنه يجوز التقاطه.

فصل

القارئ: ولقطة الحرم تملك بالتعريف في ظاهر كلامه لظاهر الخبر ولأنه أحد الحرمين أشبه المدينة وعنه لا تملك بحال ويجب تعريفها أبدا أو يدفعها إلى الحاكم لقول النبي صلى الله عليه وسلم في مكة (لا تحل ساقطتها إلا لمنشد) متفق عليه.
الشيخ: قوله (وعنه لا تملك بحال ويجب تعريفها أبداً) نقول هذا أصح فإن لقطة مكة لا تملك بأي حال من الأحوال ويجب تعريفها أبداً وقياسها على المدينة قياس مع الفارق لأن حرم مكة أَوْكَدُ من حرم المدينة فالصواب أنها لا تملك بحال، ولكن ماذا يصنع الإنسان إذا وجدها؟ نقول إذا كان لا يخشى عليها فإنه يتركها حتى يجدها ربها لأن ربها إذا فقدها ذهب على إثرها يتحسسها، أما إذا كان يخشى أن يلتقطها من لا يُعَرِّفُهَا فهنا يجب أن يأخذها ويسلمها إلى من وكلهم الإمام أو نائبه في حفظها.
السائل: إذا أخذ شخص ما اللقطة ثم أراد أن يرجعها إلى مكانه الذي أخذه منها فهل له ذلك؟ الشيخ: إذا أخذها فإنه لا يمكن أن يردها فإن ردها فهو ضامن على كل حال سواء في مكة أو في غير مكة.
السائل: إذا التقط شخص ما لقطة من الحرم وهو قد جاء للعمرة ثم أخذها معه إلى بلده، ثم علم في بلده بحكمها فماذا يفعل بها؟ الشيخ: يرسلها إلى الجهة المسؤولة في مكة وتبرأ بهذا ذمته.
السائل: هل لهذا الشخص أن يتصدق بها؟ الشيخ: لا يمكن ذلك، إلا إذا كانت المدة طويلة بحيث أنه يويئس من وجود صحابها فهنا يتصدق بها في مكة لا في بلده لأن الصدقة في مكة أفضل من الصدقة في بلده وهو قد وجدها في مكة فليكن ثواب الصدقة في مكة.
السائل: قال المؤلف عن اللقطة ولا يعرفها في المسجد واستدل بحديث (من سمع رجلاً ينشد في المسجد ... الخ) فالحديث في نشدان الضالة والمؤلف استدل به في التعريف فكيف ذلك؟ الشيخ: التعريف في المسجد قاسه العلماء على إنشاد الضالة في الحديث.

فصل

القارئ: واللقطة مع الملتقط قبل تملكها أمانة عليه حفظها بما يحفظ به الوديعة وإن ردها إلى موضعها ضمنها لأنه ضعيها وإن تلفت بغير تفريط لم يضمنها لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ولتكن وديعة عندك) ولأنه يحفظها لصاحبها بإذن الشرع أشبه الوديعة وإن جاء صاحبها أخذها بزيادتها المتصلة والمنفصلة لأنها ملكه وإن جاء بعد تملكها أخذها أيضا لقول النبي صلى الله عليه وسلم (فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدها إليه) ويأخذها بزيادتها المتصلة لأنها تتبع في الفسوخ وزيادتها المنفصلة بعد تملكها لملتقطتها لأنها حدثت على ملكه فأشبه نماء المبيع في يد المشتري.
الشيخ: الزيادة المنفصلة إن كانت بعد تمام السنة فهي للمتلقط لأنها دخلت في ملكه والزيادة المتصلة قبل تمام الحول فإنها لصاحبها وكذلك المنفصلة، لكن هذا الملتقط قد يقول أنا تعبت على هذه البهيمة وخسرت عليها وأنا حافظها لمالكها، فهل له شيء؟ الجواب نقول كلام الفقهاء ظاهره أنه لا شيء له ولكن الصحيح أنه يعطى أجرة المثل أو سهم المثل، وكذلك الزيادة المتصلة بعد تمام الحول ظاهر كلام المؤلف أنها لصحابها ولا يأخذ الملتقط شيئاً والصواب أنه يأخذ وأن الزيادة المتصلة والمنفصلة بعد تمام الحول تكون للملتقط وإذا ردها إلى صاحبها فإنه يُعَوَّضُ عنها.
السائل: إذا أنفق على الشاة وهي لقطة بما يزيد على ثمنها فهل يرجع بما أنفق عليها على صاحبها؟ الشيخ: هذا أصلاً لا يجوز فإذا التقط شاةً وظن أن الإنفاق عليها سيكون أكثر من قيمتها فإنه يجب أن يبيعها بعد أن يَعْرِفَ أوصافها ويحفظ الثمن فإن لم يفعل فهو ضامن ولا يرجع بشيء.
السائل: لكن لو قال مثلاً قد يأتي صاحبها اليوم أو غداً طالت عليه المدة فهل يختلف الحكم؟ الشيخ: هو مفرط لأنه مادام يعرف أن هذه الشاة لا تساوي إلا مائتين ويعرف أنها إذا بقيت إلى سنة ستأكل ما يساوي خمسة آلاف فإنه يجب عليه أن يبيعها في الحال.

القارئ: فإن تلفت بعد تملكها ضمنها لأنها تلفت من ماله وإن نقصت بعد التملك فعليه أرش نقصها.
الشيخ: هذه المسألة يُلغز بها فيقال إذا تلفت بعد تَمَلُّكِهِ إياها أي بعد تمام الحول ضمنها على كل حال وإن تلفت قبل لم يضمنها إلا إذا تعدى أو فرط والفرق بينهما أنها قبل تمام الحول على ملك صاحبها وهو أمين لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط وأما بعد الملك فهو ملكها فعليه نقصها كما أن له غنمها فعليه غرمها فيضمن بكل حال، لكن على قول أبي الخطاب الذي صححناه لا يضمن إن بقيت فهي أمانة عنده إذا لم يختر التملك ثم نقول كذلك إن اختار التملك أو قلنا بأنه يملكها قهراً ففي تضمينه إياها إذا لم يتعد أو يفرط نظر لأن تملكه إياها إذا قلنا بأنه يملكها حكماً بغير اختياره وإذا قلنا يملكها باختياره فقد استند إلى سبب شرعي للتملك فكيف يضمن!! فالمسألة تحتاج إلى تحرير فيما إذا تلفت بلا تعدي ولا تفريط بعد تمام الحول، لكن لو ذبحها بعد تمام الحول وجاء صاحبها يطلبها فهل يضمن أو لا؟ الجواب يضمن لأنه أتلفها هو بنفسه القارئ: وإن باعها أو وهبها بعد تملكها صح لأنه تصرف صادف ملكه فإن جاء صاحبها في مدة الخيار وجب فسخ البيع وردها إليه لأنه يستحق العين وقد أمكن ردها إليه وإن جاء بعد لزوم البيع فهو كتلفها لأنه تعذر ردها.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف رحمه الله أنه يضمنها بقيمتها ولكن الصواب أنه لا يضمنها بقيمتها بل يضمنها بما باعها به لأنه باعها بيعاً شرعياً فهو إنما باعها بعد التملك.
السائل: إذا وجد مالاً بلغ النصاب وحال عليه الحول هل يزكيه لصاحبها؟ الشيخ: إن لم يجد صحابها فالزكاة على الواجد وإن وجد صاحبها فعلى صاحبها.
السائل: هل لهذا الواجد إذا أخرج الزكاة أن يتصرف فيها؟ الشيخ: يتصرف فيها لأن الزكاة واجبة بكل حال.
فصل

القارئ: الضرب الثاني الضوال وهي الحيوانات الضائعة وهي نوعان أحدهما ما يمتنع من صغار السباع إما بقوته كالإبل والخيل أو بجناحه كالطير أو بسرعته كالظباء أو بنابه كالفهد فلا يجوز التقاطه لما روى زيد بن خالد رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن ضالة الإبل فقال (ما لك ولها دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتأكل الشجر حتى يجدها ربها) متفق عليه.

الشيخ: ما كان يمتنع من صغار السباع لا يجوز التقاطه، وقوله (من صغار السباع) احترازاً من كبارها لأن كبار السباع قد لا يمتنع منه أي حيوان لكن صغار السباع يمكن كالذئب والضبع وما أشبهها فهذا يترك وهنا سؤال وهو ما الدليل على تحديد صغار السباع؟ الجواب نقول الدليل ليس فيه ضابط من السنة أي أنه لم يقل النبي صلى الله عليه وسلم (ما يمتنع من صغار السباع فدعوه) لكن السنة جاءت بترك الإبل فاستنبط العلماء رحمهم الله من ذلك أي من هذا المثال أن الإبل تمتنع من صغار السباع كالذئب ونحوه والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال (مالك ولها) والاستفهام هنا للإنكار فأنكر عليه الصلاة والسلام أن يتعرض لها وقوله (دعها) الأمر هنا للوجوب يعني اتركها قوله (فإن معها حذاءها وسقاءها) (حذاءها) الخف (وسقاءها) البطن لأن الإبل تمشي ولا يهمها شدة الحر في الرمضاء ولا شدة الحر في الظمأ لأنها إذا وردت الماء ملأت بطنها وبقيت أياماً حتى في شدة الحر وقوله (ترد الماء) هذا كالبيان والتعليل لقوله (سقاءها) وقوله (تأكل الشجر) بيان لقوله (حذائها) فهي لوجود الخف وسعة البطن لا تتأثر وقوله (حتى يجدها ربها) وذلك لأن الإبل تأوي إلى مأواها ولذلك أحياناً يبيع الرجل البعير التي بقيت عنده مدة فإذا بها قد رجعت إليه وقوله عليه الصلاة والسلام (حتى يجدها ربها) يستفاد منه أنه إذا كانت الإبل في مسبعة أو في قطع طريق فإنها تؤخذ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إنما منع من أخذها لترجع إلى ربها فإذا كنا نعلم أو يغلب على ظننا أنها لن تعود إلى ربها لوجود قطاع الطريق أو لكون الأرض مسبعة سباعها كثيرة فحينئذ نلتقطها بنية حفظها لصاحبها.

القارئ: وللإمام أخذها ليحفظها لأربابها لأن للإمام ولاية في حفظ أموال المسلمين ولهذا كان لعمر حظيرة يحفظ فيها الضوال فإذا أخذها وكان له حمى ترعى فيه تركها وأشهد عليها ووسمها بسمة الضوال وإن لم يكن له حمى خلاها وحفظ صفاتها ثم باعها وحفظ ثمنها لصاحبها لأنها تحتاج إلى عَلْف.
الشيخ: (عَلْفُ) العَلف يعني التعليف.
القارئ: فربما استغرق ثمنها وإن أخذها غير الإمام أو نائبه ضمنها ولم يملكها وإن عرفها فإن دفعها إلى الإمام برئ من ضمانها لأنه دفعها إلى من له الولاية عليها أشبه دفعها إلى صاحبها وإن ردها إلى موضعها لم يبرأ لأن ما لزمه ضمانه لا يبرأ منه إلا برده إلى صاحبه أو نائبه كالمسروق.
الشيخ: الإبل لا يجوز التقاطها فإذا التقطها فهو غاصب وإن ردها إلى الإمام أو نائبه برئ منها.
السائل: أشكل علينا قول المؤلف في بيان اللقطة قال (أحدهما ما يمتنع من صغار السباع _ ثم قال _ أو بنابه كالفهد) مع أن الفهد من السباع فكيف ذلك؟ الشيخ: الفهد يملك فهو ليس كالكلب بل يملك ويباع ويشترى فإذا عرفنا أن هذا الفهد أليف فإننا لا نتعرض له.
السائل: في هذا العصر لا توجد آبار لأن الناس يعتمدون على السيارات في جلب الماء فهل لو وجدت إبلاً ضالة آخذها لأنها لن تجد ما تشربه أم لا؟ الشيخ: الاحتياط أن لا تأخذها في هذه الحال لأنه ربما ينزل الله المطر فتشرب أو يأتي أحد ويسقيها احتساباً.
قصة ذكرها الشيخ حول بيان بموارد المياه.

الشيخ: الإبل حاسة الشم فيها قوية جداً فقد ذكروا أن قوماً سافروا إلى أطراف الجزيرة مارين بمكان يسمى الدهناء مقطعة فعطشوا وضلوا الطريق وكانوا ثلاثة عشر نفراً وصاروا يتساقطون من ظهور الإبل ويموتون إلا واحد لم يأت أجله فربط نفسه ربطاً قوياً على ناقته وتركها وهو يقول في نفسه هي سوف ترد الماء وأنا الآن لن أتحرك وليس بي حراك فربط نفسه ثم إن الإبل وردت الماء فعلاً وهذا الرجل سبحان الله أبقاه الله عز وجل حتى أنقذه الله على أيدي الذين يسقون فأنزلوه من البعير فمرصوا له تمراً بالماء واسقوه قليلاً قليلاً لأنهم لو اسقوه حتى يروى فإنه قد يموت من فوره بل اسقوه قليلاً أي يعطونه جرعة ويبقى قليلاً ثم جرعة أخرى وهكذا حتى صحا فقالوا له ما العلم فقال العلم أنه كان معي ثلاثة عشر كلهم هذه إبلهم والظاهر أنهم سقطوا وماتوا اتبعوا الأثر فتبعوا الأثر.
فوجدوهم سبحان الله كل واحد ساقط ميت.
والقصد من إيراد هذه القصة أن نعرف أن الإبل سبحان الله لها شم قوي تعرف به موارد الماء ولذلك هذه الإبل في القصة ما وقفت إلا على المورد.
السائل: ما الضابط في السباع التي يجوز بيعها؟ الشيخ: كل ما ينتفع به يجوز بيعه إلا الكلب.

فصل القارئ: النوع الثاني ما لا ينحفظ عن صغار السباع كالشاة وصغار الإبل والبقر ونحوها.
الشيخ: قوله (ما لا ينحفظ) كان مقتضى التحرير أن يقول (ما لا يمتنع) لأنه قال في بداية الفصل (أحدهما ما لا يمتنع) وهذا هو المراد بقوله (ما لا ينحفظ) يعني مالا يمتنع.

القارئ: فعن أحمد رضي الله عنه لا يجوز التقاطها لأنه روي عن النبي صلى الله عليه وسلم (لا يؤوي الضالة إلا ضال) رواه أبو داود ولأنه حيوان أشبه الإبل والمذهب جواز التقاطها لما روى زيد بن خالد أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الشاة فقال (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب) متفق عليه وهذا يخص عموم الحديث الآخر ولأنه يخشى عليها التلف أشبه غير الضالة.

الشيخ: الصواب في الاستدلال أن يقال (لا يؤوي الضالة إلا ضال) يعني الضالة التي نُهي عن التقاطها وهي الإبل أو يكون معنى (لا يؤوي) أي لا يجعلها في مكان ولا يُنْشِدُهَا وكلاهما ظالم من يأخذ الإبل ومن يسكت عن الغنم وشِبهها وحينئذ لا نقول يخص عموم الحديث الآخر بل نقول عام أريد به الخصوص والعام الذي أريد به الخصوص لم يقصد شموله لعموم الأفراد من الأصل وحينئذ فنقول ليس هناك تخصيص لأن هذه الصورة لم تدخل أصلاً في الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم (خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب وقوله (لك) وهذا يكون إذا أخذتها ولم يأت صاحبها وقوله (أو لأخيك) أي صاحبها أو غيره لأنه قد يأتي آخر ويلتقطها فأخيك هنا أعم من كونه صاحبها وقوله (أو للذئب) وذلك إذا لم يأخذها أحد وقوله للذئب هذا مثال يعني الذئب أو شبهه من الكلاب الضارية.
وأيهما أفضل؟ الجواب الأفضل أنه إذا رأى أن بقاءها سبب لهلاكها فهنا يأخذها وإلا فالأفضل تركها.
القارئ: وسوءا وجدها في المصر أو في مهلكة لأن الحديث عام فيهما ولأنه مال يجوز التقاطه فاستويا فيه كالأثمان والعبد الصغير كالشاة في جواز التقاطه لأنه لا ينحفظ بنفسه.
الشيخ: العبد الصغير كوننا نقتصر على جواز التقاطه فيه نظر لأن العبد الصغير إذا كان مميزاً أو مراهقاً فإنه ربما يعطيك خبراً عن سيده وتعرف سيده بخلاف الشاة وشٍبهها وأيضاً نقول الخطر من الفتنة على العبد الصغير أشد من الخطر على الشاة لا سيما إذا كان هذا الغلام جميلاً فإنه فتنة عظيمة فلذلك لا ينبغي أن يقال إنه مثل الشاة بل هو أشد حرمة واحترماً.
القارئ: فأما الحمر فألحقها أصحابنا بالنوع الأول لأن لها قوة فأشبهت البقر وظاهر حديث زيد إلحاقها بالغنم لأنه علل أخذ الشاة بخشية الذئب عليها والحمر مثلها في ذلك وعلل المنع من الإبل بقوتها على ورود الماء وصبرها بقوله (معها سقاءها) والحمر بخلافها.

الشيخ: المؤلف يقول رحمه الله إن أصحابنا ألحقوها بالنوع الأول ولكن هو يميل إلى أنها تلحق بالشاة وهو الأقرب.
السائل: إذا وجد البهيمة في المصر، فكيف يلتقطها لأنه ربما تكون تسرح في المصر بعلم صاحبها؟ الشيخ: هذا إذا علمنا أنها لقطة أما إذا علمنا أنها سارحة حتى لو كانت في البر القريب من المصر تسرح إليه الغنم وتمشي وإذا كان آخر النهار رجعت إلى أهلها فهي ليست لقطة لكن المقصود إذا علمنا أنها ضالة.
السائل: الحمر الوحشية هل هي كالحمر الأهلية؟ الشيخ: لا، لأن الحمر الوحشية تمتنع من السباع فهي صيد.
القارئ: ومتى التقط هذا النوع خُيِّرَ بين أكله في الحال وحفظه لصاحبه وبيعه وحفظ ثمنه لقول النبي صلى الله عليه وسلم (هي لك أو لأخيك) ولم يأمره بحفظها ولأن إبقاءها يحتاج إلى غرامة ونفقة دائمة فيستغرق قيمتها فإن اختار إبقاءها وحفظها لصحابها فهو الأولى وينفق عليها لأن به بقاءها فإن لم يفعل ضمنها لأنه فرط فيها وإن أنفق عليها متبرعاً لم يرجع على صاحبها وإن نوى الرجوع على صاحبها وأشهد على ذلك ففي الرجوع به روايتان بناءً على الوديعة وإن اختار أكلها أو بيعها لزمه حفظ صفتها ثم يعرفها عاما فإذا جاء صاحبها دفع إليه ثمنها أو غرمه له إن أكلها ولا يلزمه عزل ثمنها إذا أكلها لأنه لا يخرج من ذمته بعزله فلم يلزمه كسائر ما يلزمه ضمانه وإن أراد بيعها فله أن يتولى ذلك بنفسه لأن ما ملك أكله فبيعه أولى.

الشيخ: كثير من العوام يقول إن هذا النوع من اللقطة إذا وجده الإنسان فله أن يأكله مجاناً لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال (هي لك أو لأخيك أو للذئب) وهذا غلط لأن مُلْكَ صاحبها باقٍ عليها فإذا أكلها ضمنها لصاحبها، أما الذئب فهذا يعني إذا تركها لأنه إذا تركها أكلها الذئب وقوله (أو لأخيك) أعم من صاحبها والمعنى لأخيك الذي يجدها من بعدك أو أخيك الذي هو صحابها وعلى كل حال فكما قال الموفق رحمه الله هو مخير بين هذه الأشياء الثلاثة إبقاءها أو بيعها أو أكلها، فإذا باعها حفظ الثمن وإذا أكلها ضمنها بالقيمة والثالث الإبقاء والإبقاء أولى إلا إذا كان في ذلك ضرراً على صاحبها فمثلاً إذا كان الناس في خصبة والربيع متوفر ومؤونتها سهلة فهنا إبقاءها أولى لأنها قد تسمن وإذا كانت أنثى فقد تلد وأما إذا كان الأمر بالعكس المؤونة شديدة والوقت جدب فهنا لا نقول بيعها أولى بل نقول بيعها متعين أو أكلها ويضمن القيمة لأن إبقاءها مع الجدب سيجعل في الإنفاق عليها ضرر على صاحبها.
القارئ: فإذا عرفها حولاً ولم تعرف ملكها إن كانت باقية أو ثمنها إن باعها لأن حديث زيد يدل على ملكه لها لأنه أضافها إليه بلام التمليك ولأنه مال يجوز التقاطه فيملك بالتعريف كالأثمان وعنه لا يملكها والمذهب الأول.
الشيخ: الصواب أنه يملكها إذا تم الحول، ولكن كيف يُعَرِّفها، هل كل يوم يعرفها؟ وأين يعرفها؟ فالسؤال الآن عن الزمان وعن المكان؟ نقول أما الزمان فيعرفها بما جرت به العادة في أول التقاطها يعرفها كل يوم وإذا طال الزمن يعرفها بعد عشرة أيام أو بعد نصف شهر وكلما بعد الزمن خف التكرار أما في المكان فيعرفها في أقرب بلد إليه أو إذا كان بدو نازلون في البر فيعرفها في أقرب أماكن البدو.
السائل: إذا أنفق على اللقطة فهل يرجع على صاحبها بما أنفقه عليها؟

الشيخ: إذا أنفق عليها بنية الرجوع فإنه يرجع أما إذا كان بنية التبرع فلا يرجع، لكن إذا كان لم ينو تبرعاً ولا رجوعاً إنما نوى حفظ هذه الشاة فإنه يرجع على صاحبها لأنه إنما انفق عليها لحفظ مال صاحبها.
السائل: هل يشترط الإشهاد على ذلك؟ الشيخ: الإشهاد ليس بشرط.
السائل: هل يسقط التعريف إذا كان هناك أناس ظلمة يأخذون الضوال بغير وجه حق؟ الشيخ: لا بد أن يعرفها فإذا عرفها وأتى هؤلاء الظلمة وأخذوها فهو في حِلٍّ إلا إذا كان يقدر على مدافعتهم وهو لم يفعل.

فصل القارئ: فإن التقط مالا يبقى عاما كالبطيخ والطبيخ لم يجز تركه ليتلف فإن فعل ضمنه لأنه فرط في حفظه.
الشيخ: البطيخ معروف والطبيخ هو الطعام المطبوخ.
القارئ: فإن كان مما لا يبقى بالتجفيف كالبطيخ خير بين بيعه وأكله وإن كان يبقى بالتجفيف كالعنب والرطب فعل ما فيه الحظ لصحابه من بيعه وأكله وتجفيفه فإن احتاج في التجفيف إلى غرامة باع بعضه فيها وإن أنفقها من عنده رجع بها لأن النفقة هاهنا لا تتكرر بخلاف نفقة الحيوان فإنها تتكرر فربما استغرقت قيمته فلا يكون لصحابها حظ في إمساكها إلا بإسقاط النفقة عنه وإن أراد بيعها فله البيع بنفسه لما ذكرنا في بيع الضوال وعنه له بيع اليسير وأما الكثير فإنه يرفعه إلى السلطان والقول في تعريفه وسائر أحكامه كالقول في الشاة.

فصل القارئ: قال أحمد رضي الله عنه من اشترى سمكة فوجد في بطنها درة فهي للصياد وإن وجد دراهم فهي لقطة لأنها لا تبتلع الدراهم إلا بعد ثبوت اليد عليها وقد تبتلع درة من البحر مباحة فيملكها الصياد بما فيها فإن باعها ولم يعلم بالدرة لم يزل ملكه عنها كما لو باع داراً له فيها مال لم يعلم به.

فصل

القارئ: فإن وجد اللقطة اثنان فهي بينهما لأنهما اشتركا في السبب فاشتركا في الحكم وإن ضاعت من واجدها فوجدها آخر ردها على الأول لأنه قد ثبت له الحق فيها فوجب ردها إليه كالملك وإن رآها اثنان فرفعها أحدهما فهي له لقول النبي صلى الله عليه وسلم (من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو له) وإن رآها أحدهما فقال للآخر ارفعها ففعل فهي لرافعها لأنه مما لا يصح التوكيل فيه.
الشيخ: قوله (وإن رآها أحدهما فقال للآخر ارفعها ففعل فهي لرافعها) نقول ينبغي أن يقيد هذا بما إذا لم يكن للآمر السلطة في توجيه الأمر إلى الآخر كالسيد يقول لعبده خذها وكإنسان يقول لخادمه خذها، لأن هذا إنما أخذها خدمة لسيده ولم يأخذها لنفسه فينبغي أن يقيد كلام المؤلف رحمه الله بهذا أما إذا كان اثنين متصاحبين ومرَّا بلقطة وقال أحدهما للآخر خذها وليس له سلطة عليه فهنا لا شك أنها تكون للآخذ.

فصل القارئ: فإن التقطها صبي أو مجنون أو سفيه صح التقاطه لأنه كسب بفعل فصح منه كالصيد فإن تلفت في يده بغير تفريط لم يضمنها لأنه أخذ ماله أخذه وإن تلفت بتفريط ضمنها ومتى علم وليه بها لزمه نزعها منه وتعريفها لأنها أمانة والمحجور عليه ليس من أهلها فإذا تم تعريفها دخلت في ملك واجدها حكما كالميراث.

السائل: قول المؤلف (فإن التقطها صبي أو مجنون أو سفيه صح التقاطه) ثم قال (كالصيد) مع أن صيد المجنون لا يصح لأنه لا قصد له؟ الشيخ: إذا أخذ المجنون الصيد بيده حياً صح فعله.
السائل: قول أحمد رحمه الله (من اشترى سمكة فوجد في بطنها درة فهي للصياد) كيف تكون للصياد مع أن الصياد صاد السمكة ولم يصد الدرة؟ الشيخ: لكن الصياد هو الذي أخذ السمكة بما فيها اللقطة وهو لو علم أن فيها درة فهل سيبيعها بخمسة ريالات؟ الجواب لا.

فصل

القارئ: ويصح التقاط العبد بغير إذن سيده لعموم الخبر ولما ذكرنا في الصبي ويصح تعريفه لها لأن له قولاً صحيح فصح تعريفه كالحر فإذا تم تعريفها ملكها سيده لأنها كسب عبده ولسيده انتزاعها منه قبل تعريفها لأن كسب عبده له ويتولى تعريفها أو اتمامه وله اقرارها في يده عبده الأمين ويكون مستعيناً به في حفظها وتعريفها ولا يجوز إقرارها في يد من ليس بأمين لأنها أمانة فإن فعل فعليه الضمان وإن علم العبد أن سيده غير مأمون عليها لزمه سترها عنه وتسليمها إلى الحاكم ليعرفها ثم يدفعها إلى سيده بشرط الضمان وإن أتلفها العبد فحكم ذلك حكم جنايته وإن عتق العبد بعد الالتقاط فلسيده أخذها لأنها كسبه.

السائل: البقرة إذا جاءت ضالة ودخلت في البهائم فهل الأولى أن يطردها أو يتركها؟ الشيخ: إذا دخلت الشاة أو البقرة أو البعير في غنمه أو بقره أو إبله فله أن يطردها لأنها لو بقيت مشكلة إذ أنها بقيت عنده لمدة أسبوع أو نحو ذلك ألفت المكان ولم تذهب إلى صاحبها، لكن يبادر هو بطردها فإن تركها فالجناية عليه.
السائل: إذا أشهد شاهدين وتركها مع بهائمه فهل له ذلك؟ الشيخ: إذا كان مما لا يجوز التقاطه كالإبل والبقر فإنه حرام عليه كما في الحديث (لا يؤوي الضالة إلا ضال).
السائل: إذا طردها لكنها عادت وعجز عن فصلها عن بهائمه فماذا يصنع؟ الشيخ: إذا حاول طردها وعجز فلابد أن يبحث عن صحابها وينشدها وتكون ضالة.

فصل القارئ: والمكاتب كالحر لأن كسبه لنفسه والمدبر وأم الولد كالقن.
الشيخ: قوله (كالقن) القن هو العبد الخالص.
القارئ: ومن نصفه حر فلقطته بينه وبين سيده ككسبه فإن كانت بينهما مهايأة لم تدخل في المهايأة في أحد الوجهين لأنها من الأكساب النادرة فأشبهت الميراث والآخر تدخل لأنها من كسبه فهي كصيده وفي الهدية والوصية وسائر الأكساب النادرة وجهان كاللقطة.

فصل

القارئ: والذمي كالمسلم للخبر ولأنه كسب يصح من الصبي فصح من الذمي كالصيد والفاسق كالعدل لذلك لكن إن علم الحاكم بهما ضم إليه أميناً يحفظها ويتولى تعريفها لأنها أمانة فلا يؤمن خيانته فيها فإذا عرفها ملكها ملتقطها.

فصل القارئ: ومن التقط لقطة لغير التعريف ضمنها ولم يملكها وإن عرفها لأنه أخذها على وجه يحرم عليه فلم يملكها كالغاصب ومن ترك التعريف في الحول الأول لم يملكها وإن عرفها بعد لأن السبب الذي يملكها به قد فات ولم يبرأ منها إلا بتسليمها إلى الحاكم.
الشيخ: ظاهر كلام المؤلف أنه لو عَرَّفها في آخر الحول برئت ذمته ولكن الراجح أنها لا تبرأ وأنه إذا أخرها عن أول وجودها فإنه ضامن لأن صحابها إنما يطلبها في أول ضياعها منه فيكون مفرطاً ومعتدياً أيضاً.

فصل القارئ: ومن ترك دابة بمهلكة فأخذها إنسان فخلصها ملكها لما روى الشعبي قال حدثني غير واحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (ومن وجد دابة قد عجز عنها أهلها فسيبوها فأخذها فأحياها فهي له) ولأن فيه إنقاذاً للحيوان من الهلاك مع نبذ صاحبه له فأشبه السنبل الساقط فإن كان مكانها عبداً لم يملكه لأنه في العادة يمكنه التخلص وإن كان متاعاً لم يملكه لأنه لا حرمة له في نفسه.

الشيخ: الصواب في هذه المسألة أن من ترك دابة ثم وجدها إنسان فإما أن يتركها عجزاً عنها أي نعلم أنه تركها عجزًا لأن مثلها لا يترك زهداً فهذا لا يملكه آخذه ولكن لآخذها أجرة المثل وأما إذا تركه لكونه ليس له به رغبة كما فعل جابر رضي الله عنه حين أراد أن يسيب جمله فهذا لا بأس أن يملكه آخذه وكذلك يقال في المتاع إذا علمنا أن صاحبه تركه رغبة عنه فهو لمن وجده، وإذا علمنا أنه تركه عجزاً عن حمله وأن الغالب أنه يرجع ويحمله فهو لصحابه ومن ذلك ما يوجد الآن في السيارات التي أصيبت بحوادث هل يجوز للإنسان أن يأخذ منها ما يصلح من العدة لأن صاحبها تركها أو يقال في هذا تفصيل؟ الجواب يقال في هذا تفصيل إذا علمنا أن هذه التي أصابها الحادث حادثها يسير وأن صاحبها سيرجع فلا يجوز لأحد أن يأخذها أو يأخذ منها شيئاً أما إذا علمنا أنها دامرة وأن صاحبها تركها ولا يريد الرجوع إليها فله أن يأخذ منها ما يراه صالحاً.

باب

اللقيط

القارئ: وهو الطفل المنبوذ والتقاطه فرض على الكفاية لأنه إنجاء آدمي من الهلاك فوجب كتخليص الغريق.
الشيخ: اللقيط هو الطفل المنبوذ أو الطفل الذي ضل عن أهله وهذا الثاني يقع كثيراً لا سيما في مواسم الحج والعمرة لكن الذي يوجد في مواسم الحج والعمرة لا يعتبر لقيطاً لأن هناك جهات معروفة مختصة تتلقى هؤلاء الأطفال، لكن لو علمنا أنه قد سيبه أهله فحينئذ يكون لقيطاً وأما الطفل الذي لا يستطيع أن يمشي فهذا لا شك أنه لقيط لأن الغالب أن أهله هم الذين نبذوه وإن كان قد يقع أن يكون أهله فروا وعجزوا أن يحملوه فتركوه عجزاً أو وضعوه في مكان ونسوا، والمهم أن التقاطه فرض كفاية لأنه إنجاء معصوم من هلكه وقول المؤلف (إنجاء آدمي) فيه تساهل فالصواب والتعليل المحرر أن يقول إنقاذ معصوم، لأن الآدمي غير المعصوم هذا لا يجب إنقاذه بل يجب إهلاكه.

القارئ: وهو محكوم بحريته لما روى سنين أبو جميلة قال (وجدت ملقوطا فأتيت به عمر رضي الله عنه فقال اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته) رواه سعيد في سننه ولأن الأصل في الآدميين الحرية.
الشيخ: قوله رضي الله عنه (ولك ولاؤه) فيه دليل على القول الراجح أن أسباب الإرث لا تنحصر في الثلاثة المعروفة وهي النكاح والولاء والنسب، فالولاء يكون ولاء العتق أو ولاء الالتقاط أو ولاء المحالفة وما أشبه ذلك مما يعتبر مولاة إذا فقدت الثلاثة.
القارئ: ويحكم بإسلامه في دار الإسلام إذا كان فيها مسلم لأنه اجتمع الدار وإسلام من فيها وإن وجد في بلد فيه كفار ولا مسلم فيه فهو كافر لأن الظاهر أنه ولد كافرين وإن وجد في بلد الكفار وفيه مسلمون ففيه وجهان أحدهما هو كافر لأنه في دارهم والثاني هو مسلم تغليباً لإسلام المسلم الذي فيه.
الشيخ: ما قاله المؤلف صحيح ولكن ما هي دار الإسلام ودار الكفر فهل إذا كانت هذه البلدة شعائر الإسلام فيها ظاهرة من آذان وصلاة جماعة وجمعة وصيام وأعياد وكل شعائر الإسلام فيها ظاهرة لكن حكامها يحكمون بالقانون عمداً وقصداً فهل نقول هذه بلاد إسلام أو بلاد كفر؟ نقول هي بلاد إسلام لأن المظهر فيها مظهر إسلام وإذا قصَّر الحكام أو اعتدوا فإن ذلك لا ينقلها إلى دار الكفر وأما ما هيمن عليه الكفرة فهي دار كفر وإن كان يوجد فيها من يحكم بالإسلام، فهذا هو تعريف دار الإسلام فدار الإسلام ما ظهرت فيها شعائر الإسلام وكان أهلها مسلمين بقطع النظر عن الحكام والحكام لهم شأنهم وبه نعرف خطاء من يقولون في بلاد المسلمين التي يحكم فيها حكامها بالقانون إنها بلاد كفر فهذه مسألة خطيرة.

بقي أن يقال إذا كان طفلاً وقلنا أنه كافر لأنه في بلاد أهلها كفار فماذا يترتب لو قلنا إنه مسلم؟ الجواب يترتب عليه أننا إذا قلنا إنه مسلم فمات هذا الطفل وجب أن يغسل ويكفن ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين إن كان هناك مقابر مسلمين أو ينقل إلى بلد آخر فيدفن في مقابر المسلمين وإذا قلنا إنه كافر انعكست الأحكام وهذا بالنسبة لأحكام الدنيا أما بالنسبة لأحكام الآخرة فكما قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لعائشة (الله أعلم بما كانوا عاملين) فيمتحنون يوم القيامة والله أعلم بما كانوا عاملين.

فصل القارئ: وما يوجد عليه من ثياب أو حلي أو تحته من فراش أو سرير أو غيره أو في يده من نفقة أو عنان دابة أو مشدوداً في ثيابه أو ببعض جسده أو مجعولاً فيه كدار وخيمة فهو له لأنه آدمي حر فما في يده له كالبالغ.
الشيخ: قوله (مجعولاً فيه كدار وخيمة) فيه نظر كبير لأن غالب اللقطاء يوضعون في الدور الخربة وما أشبه ذلك أو قد يزضعون في المساجد فكيف نقول إنها له!! حتى الذي حوله إذا كان مدفوناً طرياً فهو له وإن كان مدفوناً قديماً فليس له ففي كلام المؤلف نظر ظاهر.
القارئ: وإن كان مطروحاً بعيداً منه أو قريباً مربوطاً بغيره لم يكن له لأنه لا يد له عليه وكذلك المدفون تحته لأن البالغ لو جلس على دفين لم يكن له وقال ابن عقيل إن كان الحفر طرياً فهو له لأن الظاهر أنه حفر النابذ له.
الشيخ: الصواب كلام ابن عقيل أن ما تحته إن كان الحفر طريا فلا شك أنه له وكأن الذي نبذه جعل الحفر تحته لئلا يشعر به أحد إذا مر حوله لأنه لو كان الحفر قريباً منه شعر به من راءه فإذا كان تحته اختفى الحفر بالطفل ولم يعلم به أحد.
القارئ: وإن وجد بقربه مال موضوع ففيه وجهان أحدهما هو له إن لم يكن هناك غيره لأن الإنسان يترك ماله بقربه والثاني ليس هو له لأنه لا يد له عليه.

الشيخ: الصحيح أنه ليس له إلا إذا دلت القرينة على أنه له مثل أن يكون الذي حوله رضَّاعة طفل أوعلبة حليب وما أشبه ذلك مما يدل على أنه له.
السائل: الذين يسمون البلدان التي يحكم بها الحكام بغير الشريعة بلاد كفر ما مدى الولاء والبراء الذي يكون للإنسان معهم لأن كثير من هؤلاء لو نوقش تجده ليس عنده علم ولو زدت في الكلام معه ربما تحصل فرقة ويحصل نفرة في القلوب فمثل هذه المواقف هل علينا تركها وعدم النقاش فيها معهم أم ماذا؟ الشيخ: أنا أرى أنه يبين الحق لأنه يترتب عليه إذا كانت بلاد كفر أن نغزوها ونستحل نساءها وأهلها أو نوجب على أهلها أن أن يهاجروا منها وسبحان الله!! بلد يؤذن فيه وتقام الجمعة والجماعة ويصام رمضان وكل شعائر الإسلام فيها ظاهرة وأهلها مسلمون ثم نقول هي بلاد كفر بناءً على أن ولاتها يحكمون بالقانون!! كيف ننسى العبادات الخمس التي ليست هي حكم وكلها موجودة في هذا البلد وثابتة، ثم الحكم أيضاً ليس جميع القوانين كلها مخالفة للشرع بل بعضها موافق للشرع.
السائل: هل نناقش هؤلاء في هذه المسائل؟ الشيخ: لابد أن نبين لهم ونقول لهم يا جماعة بيننا وبينكم كتاب الله فهل تستحلون أن تغزوا هذه البلدة؟! لا يستطيعوا أن يقولوا ذلك، ثم نقول هل لو مات أحد من هذه البلدة ترثونه من أقاربكم؟ إذاً هناك أشياء كثيرة لأنه يَلْزَمُ من القول بأنها بلاد كفر، أن نُكفِّر من فيها إلا إذا حاربوا السلطان الذي حكم بالقوانين.
السائل: إذا غلب على ظن المخاطب والداعي أن هؤلاء ليسوا أهل نقاش لأنهم إما جهلة أو متعصبون لن يستجيبوا له ماذا يعمل؟ الشيخ: إن غلب على ظنه فإنه يقرر هو بنفسه ولا يجادلهم ويقرر الصواب للحاضرين إن كان هناك حاضرين فيقرر لهم أن هذه ليست بلاد كفر.
السائل: بعض الذين يأتون بأطفال من الزنا يلقونهم بالثياب ويضعونهم في المساجد فهل يقال عن هؤلاء أنهم ارتكبوا كبيرة؟

الشيخ: أصل الزنا كبيرة ولا يحل له أن ينبذ هذا الطفل لأنه ربما لا يؤويه أحد فمثل هذا إذا كان في بلد يوجد فيه حضانة ورعاية للأطفال فإنه يذهب إلى شخص أمين إذا كان لا يريد أن يتبين أمره ويقول له خذ هذا وسلمه للحكومة.

فصل القارئ: وينفق عليه من ماله لأنه حر فينفق عليه من ماله كالبالغ ويجوز للولي الإنفاق عليه من غير إذن الحاكم لأنه ولي فملك ذلك كولي اليتيم ويستحب استئذانه لأنه أنفى للتهمة.
الشيخ: قوله (ويستحب استئذانه) أي استئذان الحاكم.
القارئ: فإن بلغ واختلفا في النفقة فالقول قول المنفق.
الشيخ: القول قول المنفق إذا أمكن أما إذا لم يمكن فإن القول قول الصبي أو يلغى قول هذا وهذا، ويُرجع إلى ما يقتضيه العرف فإذا اختلف اللقيط بعد أن بلغ ومن التقطه في مقدار النفقة فالمؤلف يرى أن القول قول المنفق لأنه مؤتمن وأمين وكل أمين فالقول قوله في مثل هذا الأمر، لكننا نقول ما لم تكذبه العادة فإن كذبته العادة فلا قول له، فإذا قلنا إنه لا قول له فهل يكون القول قول اللقيط أو نلغي قول اللقيط وقول المنفق ونرجع إلى ما يقتضيه العرف؟ الجواب هذا الأخير لأنه أقرب إلى العدل فنلغي قول الطفل الذي بلغ وقول المنفق ونرجع إلى ما يقتضيه العرف.
القارئ: وإن لم يكن له مال فنفقته في بيت المال لقول عمر رضي الله عنه (وعلينا نفقته) ولأنه آدمي حر له حرمة فوجب على السلطان القيام به عند حاجته كالفقير وليس على الملتقط نفقته لحديث عمر ولأنه لا نسب بينهما ولا ملك فأشبه الأجنبي.

الشيخ: قوله (وليس على الملتقط نفقته لحديث عمر ولأنه لا نسب بينهما) هذا ما لم نقل إن له ولاية إرث فإن قلنا إن له ولاية إرث وتعذر بيت المال فإنه ينفق عليه واجده لأنه في النهاية إذا مات هذا اللقيط فإنه يرثه واجده، فنقول كما أن لك غنمه فعليك غرمه، أما إذا قلنا بالقول المشهور عند العلماء أنه لا توارث بين اللقيط ولاقطه فحينئذ لا تجب عليه النفقة إلا على سبيل فرض الكفاية بحيث لم يقم به أحد إلا هذا اللاَّقط.
القارئ: وإن تعذر الإنفاق عليه من بيت المال فعلى من علم حاله الإنفاق عليه فرض كفاية لأن به بقاءه فوجب كإنقاذ الغريق فإن اقترض الحاكم ما أنفق عليه ثم بان رقيقاً أو له أب موسر رجع عليه لأنه أدى الواجب عنه وإن لم يظهر له أحد وُفِّيَ من بيت المال.

فصل القارئ: فإن كان الملتقط أميناً حراً مسلما أقر في يده لحديث عمر رضي الله عنه ولأنه لابد له من كافل والملتقط أحق للسبق وفي الإشهاد عليه وجهان أحدهما لا يجب كما لا يجب في اللقطة والثاني يجب لأن القصد به حفظ النسب والحرية فوجب كالإشهاد في النكاح.
الشيخ: لا شك أن الإشهاد أولى من عدمه لئلا يُظَنَّ في المستقبل أنه ولده لا سيما إذا كان يدخل على البيت ويخرج فالقول بالوجوب قولٌ قوي وهو أن يُشهد بأنه التقط هذا الطفل وأنه ليس من أولاده لئلا يظن في المستقبل أنه من أولاده، وأما القياس الذي ذكره المؤلف ففيه نظر بل يقال إنه يجب لئلا يُتهم أنه من أولاده وهو ليس منهم وقوله (لأن القصد به حفظ النسب والحرمة فوجب) المؤلف لو قال (فوجب) وسكت لكان الكلام صحيحاً لا غبار عليه لكنه قال (كالإشهاد في النكاح) فَذِكْره النكاح قياس مع الفارق.

القارئ: وإن التقطه فاسق نزع منه لأنه ليس في حفظه إلا الولاية ولا ولاية لفاسق قال القاضي هذا المذهب وظاهر قول الخرقي أنه يقر في يده لقوله إن لم يكن من وجد اللقيط أميناً منع من السفر به فعلى هذا يضم إليه أمين يشارفه ويشهد عليه ويشيع أمره لينحفظ بذلك.
الشيخ: يؤخذ من هذا التقرير أن الأب إذا فارق أم الولد يعني له أولاد من امرأته ففارقها وكان فاسقاً لا يصلي ويشرب الخمر ويحلق اللحية ويسبل الثوب فإنه لا حضانة له ولا يمكن أن يقر المحمول بيد مثل هذا، وقد نص على هذا الفقهاء رحمهم الله بأنه لا حضانة لفاسق فالحكم بأن الأب له الحضانة مطلقاً فيه نظر، وهذا يقع كثيراً في بعض القضايا والواجب أن الإنسان يتريث فمثلاً إذا اتمت البنت سبع سنوات قال بعض أهل العلم إنها تنقل إلى أبيها مباشرةً ولكن نقول إذا كان الأب فاسقاً ولا يبالي وعنده زوجة هي ضرة أمها ولا يخفى ما يحصل بين الضرات فيأتي بها عند زوجته ففي هذه الحال لا شك أنه ضرر على البنت أنها تفقد حنان الأم وتأتي إلى شقاء زوجة الأب وإذا كان لزوجة الأب أولاد فسوف تؤثرهم على هذه البنت فتبقى مكسورة الخاطر دائماً وهذه مسائل يجب على القضاة والحكام أن لا يكونوا ظاهريين فقط فيقولوا مثلاً بنت السبع سنين تنقل إلى أبيها مطلقاً، لا فهذا غلط لأن المقصود من الحضانة هو حفظ الصبي وصيانته وتربيته وليس المقصود إهلاكه ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن البنت تبقى عند أمها إلى أن تبلغ وبعضهم قال إلى أن تتزوج، لأنه لا شك أنه لا أحد أشد حناناً من الأم على ابنتها لكن إذا علمنا أن الأم ليست أهلاً للحضانة حينئذ تُنْزَع منها.
القارئ: وليس لكافر التقاط محكوم بإسلامه لأنه لا ولاية لكافر على مسلم فإن التقطه نزع منه وله التقاط المحكوم بكفره ويقر في يده لثبوت ولايته عليه.

الشيخ: قول المؤلف بجواز إقرار اللقيط المحكوم بكفره في يد الكافر فيه نظرٌ ظاهرٌ لقول النبي صلى الله عليه وسلم (كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه) فهذا الطفل مولود على الفطرة وإذا جعلناه عند هذا الرجل الكافر يُكَفِّرَه مثله فالصواب أن الكافر مهما كان سواء كان كتابياً أو نصرانياً أو مشركاً فإنه لا يقر بيده اللقيط بل ينزع منه.
القارئ: وليس للعبد الالتقاط إلا أن يأذن له سيده فتكون الولاية للسيد والعبد نائب عنه

فصل القارئ: فإن أراد الملتقط السفر به وهو ممن لم تختبر أمانته في الباطن نزع منه لأنه لا يؤمن أن يدعي رقه وإن علمت أمانته باطناً فأراد نقله من الحضر إلى البدو منع منه لأنه ينقله إلى العيش في الشقاء ومواضع الجفاء وإن أراد النقلة إلى بلد آخر يقيم فيه ففيه وجهان أحدهما يقر في يده لأنهما سواء فيما ذكرنا والثاني يمنع منه لأن بقاءه في بلده أرجى لظهور نسبه.
الشيخ: ولا سيما إذا كان يريد أن ينقله إلى المدن من القرى لأن الغالب أن القرى أشد محافظة من المدن أما إذا تساوى الأمران فله أن ينقله لأنه قد يكون أحسن لهذا اللقيط أن يتولاه من التقطه فيحسن إليه.
السائل: كيف تعرف أمانة الشخص (أي أمانته في الباطن)؟ الشيخ: تعرف بمعاملاته ومصاحبته.
السائل: إذا كانت المصلحة في بقاء البنت مع أمها فهل تبقى معها حتى لو تزوجت الأم؟ الشيخ: نعم ولو تزوجت فإذا رضي الزوج أي زوج الأم بأن تبقى حضانتها على بنتها فلا مانع.
السائل: ذكر المؤلف أنه لا يجوز نقل اللقيط إلى البادية لأن فيه العيش في الشقاء ومواضع الجفاء، لكن البادية فيها فوائد أخرى لأن بعض الناس يرسلون أولادهم إلى البادية للنجابة.
الشيخ: الغالب على البادية الجفاء وشظف العيش والشقاء.
السائل: لكن لو قيل إن في ذلك فائدة في نشأة الطفل ونجابته؟ الشيخ: لا، مراعاة ما ذكر المؤلف أولى.

القارئ: وإن كان اللقيط في بدو فله نقله إلى الحضر لأنه أرفق به وله الإقامة به في البدو وفي حلة لا تنتقل عن مكانها لأن الحلة كالقرية وإن كان متنقلاً ففيه وجهان أحدهما يقر في يده لأنه أرجى لكشف نسبه والثاني ينزع منه لأنه يشقى بالتنقل.
الشيخ: الأولى أن يُرجع في هذا إلى كل قضية بعينها فهذا هو الأولى والتعليلات العامة التي ذكرها المؤلف قد يعارضها حوادث خاصة وعليه فيقال إذا كان هذا الرجل الذي يتنقل مشفقاً على اللقيط حريصاً عليه لا يفوته مصلحة فليكن معه ولو تنقل به، وإذا كان بالعكس وهو أنه إذا تنقل به أضاعه فإنه ينزع منه.

فصل القارئ: فإن التقطه موسر ومعسر قدم الموسر لأنه أحظ للطفل فإن تساويا وتشاحا أقرع بينهما لقول الله تعالى (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) ولأنهما تساويا في الحق فأقرع بينهما كالعبدين بالعتق وإن ترك أحدهما نصيبه كفله الآخر والرجل والمرأة في هذا سواء لأن المرأة أجنبية والرجل يحضنه بأجنبية فهما سواء.

فصل القارئ: فإن اختلفا في الملتقط وهو في يد أحدهما فالقول قوله وهل يستحلف فيه وجهان وإن كان في يديهما قدم أحدهما بالقرعة وهل يستحلف على وجهين وإن لم يكن في يد واحد منهما سلمه السلطان إلى من يرى منهما أو من غيرهما لأنه لا يد لأحدهما وإن كان لأحدهما بينة قضي بها لأنها أقوى فإن كانت لكل واحد منهما بينة قدم أسبقهما تاريخا لأنه يثبت بها السبق إلى الالتقاط وإن تساويا وهو في يد أحدهما انبنى على بينة الداخل والخارج وإن تساويا في اليد أو عدمها سقطتا وأقرع بينهما فقدم بها أحدهما.

السائل: إذا وجد مع اللقيط مال كثير فإن بعض الناس قد يدعيه لأجل أخذ هذا المال؟ الشيخ: إذا ادعاه ونحن نعلم أن بقاءه في يده ضرر على اللقيط نزعناه منه.
السائل: ما معنى قول المؤلف (بينة الداخل والخارج)؟

الشيخ: هذه تأتينا إن شاء الله في باب الدعاوي والبينات ولكن لنضرب لك مثلاً بها فإذا كان بيدك قلم وادعى إنسان أن هذا القلم قلمه وأتى ببينة تشهد أنه قلمه وأنت أتيت ببينة تشهد أنه قلمك فهنا الداخل أنت والخارج هو المدعي فمن يُقدم منكما أنت أو المدعي؟ قيل يُقدم الذي في يده العين وهذا أحد القولين في المسألة وقيل يُقدم الخارج لأن النبي صلى الله عليه وسلم جعل البينة على المدعي وهذا أتى ببينة والذي في يده العين ليست في جهته بينة بل في جهته اليمين فقط، لكن الصواب أن الذي بيده العين هو المقدم لأنه عنده بينة ويد.
مسألة: إذا وطأ إنسان امرأة بشبهة وأتت بولد فهو ولده لكن في المسائل الخفية وما يشابهها يرجع فيها إلى القضاة.

فصل القارئ: وإن ادعى نسبه رجل لحقه لأنه أقر له بحق لا ضرر فيه على أحد فقبل كما لو أقر له بمال ويأخذه من الملتقط إن كان من أهل الكفالة لأن الوالد أحق بكفالة ولده وإن كان كافراً لم يتبعه في الدين لأنه محكوم بإسلامه بالدار فلا يزول ذلك بدعوى كافر ولا يدفع إليه لأنه لا ولاية لكفار على مسلم ويثبت نسبه منه لأن الكافر كالمسلم في ثبوت النسب منه ولا ضرر على أحد في انتسابه إليه.
الشيخ: إذا ادعى إنسان أن هذا اللقيط ولده فإنه يُتبع إياه.
القارئ: وإن كانت له بينة بولادته على فراشه ألحق به نسباً ودينا لأنه ثبت أنه ابنه ببينة ذكره بعض أصحابنا وقياس المذهب أنه لا يلحقه في الدين إلا أن تقوم البينة أنه ولد كافرين حيين لأن الطفل يحكم بإسلامه بإسلام أحد أبويه أو موته وإن ادعت امرأة نسبه ففيها ثلاث روايات: إحداهن يقبل قولها لأنها أحد الأبوين فثبت النسب بدعواها كالأب ويلحق بها دون زوجها.
الثانية إن كان لها زوج لم تقبل دعواها لأنه يؤدي إلى أن تلحق بزوجها نسب لم يقر به أو ينتسب إليه ما يتعير به وإن لم يكن قبل لعدم ذلك.

والثالثة إن كان لها إخوة ونسب معروف لم تقبل دعواها لأن ولادتها لا تخفى عليهم وإن لم يكن قبلت والأمة كالحرة إلا أننا إذا ألحقنا النسب بها لم يثبت رق ولدها لأنه محكوم بحريته فلا يثبت رقه بمجرد الدعوى كما لم يثبت كفره.

فصل القارئ: فإن ادعى نسبه رجلان ولأحدهما بينة فهو ولده لأن له حجة فإن كان لهما بينتان أو لا بينة لهما عرض على القافة معهما أو مع عصبتهما عند فقدهما فإن ألحقته بأحدهما لحق به لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل مسروراً تبرق أسارير وجهه فقال (ألم تري أن مجززاً المدلجي نظر آنفاً إلى زيد وأسامة وقد غطيا رؤوسهما وبدت أقدامهما فقال إن هذه الأقدام بعضها من بعض) متفق عليه فلولا أن ذلك حق لما سر به النبي صلى الله عليه وسلم وإن ألحقته بهما لحقهما لما روى سليمان بن يسار عن عمر رضي الله عنه في امرأة وطئها رجلان في طهر فقال القائف قد اشتركا فيه فجعله عمر بينهما رواه سعيد وعن علي مثله قال أحمد ويرثهما ويرثانه ونسبه من الأول قائم لا يزيله شيء قال ويلحق بثلاثة وينبغي أن يلحق بمن ألحقته منهم وإن كثروا لأن المعنى في الاثنين موجود فيما زاد فيقاس عليه وقال القاضي لا يلحق بأكثر من ثلاثة وقال ابن حامد لا يلحق بأكثر من اثنين لأننا صرنا إلى ذلك للأثر فيجب أن يقتصر عليه.

الشيخ: في حديث أسامة بن زيد وأبيه رضي الله عنهما كان المشركون والمنافقون يشيعون أن أسامة ليس ولداً لزيد لاختلاف ألوانهما وأهم شيء عندهم هو الطعن برسول الله صلى الله عليه وسلم وإلا فهذا ليس بغريب والرجل الذي ولدت امرأته غلاماً أسود وهو وزوجته أبيضان قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم له (لعله نزعه عرق) لكن المشركون والمنافقون يريدون إيذاء الرسول عليه الصلاة والسلام ولهذا سُرَّ النبي صلى الله عليه وسلم بشهادة مجزز المدلجي لأن بني مدلج أهل قافة يعرفون القافة فَسُرَّ بذلك كأنه حصل بينة فوق بينة وكلما كثرت البيانات كان الثبوت أقوى، وفي هذا الحديث دليل على أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم كغيره من البشر يُسَرُّ ويحزن فجميع العوارض البشرية تلحق الرسول عليه الصلاة والسلام ولو لم يكفيك إلا هذه الآية وهي قوله تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) لو لم يكن معك إلا هذه الآية لكانت كافية (أنا بشر مثلكم) وإنما امتاز النبي صلى الله عليه وسلم بالوحي فهذا الذي يمتاز به صلى الله عليه وسلم عن غيره أما بقية الطبائع البشرية فهو كغيره، وفيه أيضاً دليل على العمل بالقافة وهي في الأنساب واضحة جاءت بها السنة وقضاء الخلفاء الراشدين، لكن هل يعمل بها في الأموال في هذا خلاف بين أهل العلم فقال بعضهم لا يعمل بها في الأموال وإنما عُمل بها في الأنساب لتشوف الشارع إلى إثبات النسب بخلاف الأموال ولكن القول الراجح بلا شك أنها أي القافة ثابتة في الأموال كما هي ثابتة في الأنساب والأنساب يتفرع عليها أموال لأنه إذا حكمنا بأنه ابنه مثلاً توارثا وحَرُمَ التناكح بين هذا الرجل وبنات الرجل الآخر وما أشبه ذلك، فالصواب أن القافة معتبرة لكن لابد أن يكون القائف مسلماً عدلاً مُجرَّباً بالإصابة فيها فإن لم يكن مسلماً فقد ذكر الأصحاب رحمهم الله أنه لا يقبل،

وإن لم يكن عدلاً ذكروا أيضاً أنه لا يقبل لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) ولكن في هذه المسألة نظر لأننا إذا حصلت لنا الثقة من تقرير الكافر والفاسق فإننا نقبل ذلك بشرط أن يكون مُجرَّباً بالإصابة في القافة ويدل لهذا أن النبي صلى الله عليه وسلم اعتبر قول المشرك في أخطر الأشياء وذلك حين هاجر من مكة استعمل رجلاً يقال له عبد الله بن أريقط من بني الديل كان جيداً في معرفة الطرقات كما جاء في الحديث (هادياً خريتاً) استأجره النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ليدله إلى المدينة فهذا السفر خطير بل هو من أخطر الأسفار لأن قريشاً تنقب عن الرسول صلى الله عليه وسلم ومن معه في كل مكان حتى جعلوا لمن جاء بالرسول صلى الله عليه وسلم وأبي بكر مائتين من الإبل ولكن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وثق بهذا الرجل وهو مشرك في هذا الأمر الخطير لأن المدار على الثقة والآن يوجد من أطباء الكفار مثلاً من تثق به أكثر من بعض أطباء المسلمين لمهارته ولأمانته في مهنته فهو لا يرجو بذلك ثواب الآخرة لكن يرجو بذلك السمعة واستقامة المهنة، فالخلاصة أن الصواب اعتبار القيافة في الأموال كما هي معتبرة في الأنساب.

القارئ: فإن لم توجد قافة أو أشكل عليهم أو نفته عنهما أو تعارضت أقوالهم فقال أبو بكر يضيع نسبه لأنه لا دليل لأحدهما فأشبه من لم يدع نسبه أحد وقال ابن حامد يترك حتى يبلغ ويؤخذان بنفقته لأن كل واحد منهما مقر به فإذا بلغ أمرناه أن ينتسب إلى من يميل طبعه إليه لأن ذلك يروى عن عمر رضي الله عنه ولأن الطبع يميل إلى الوالد مالا يميل إلى غيره فإذا تعذرت القافة رجعنا إلي اختياره ولا يصح انتسابه قبل بلوغه لأنه قول يتعين به النسب وتلزم به الأحكام فلا يقبل من الصبي كقول القائف وسواء كان المدعيان مسلمين حرين أو كافرين رقيقين أو مسلم وكافر وحر وعبد لأن كل واحد منهم لو انفرد صحت دعواه فإن ادعاه امرأتان وقلنا بصحة دعوتيهما فهما كالرجلين إلا أنه لا يلحق بأكثر من واحدة لأنه يستحيل ولد من أنثيين وإن كانت إحداهما تسمع دعوتها دون الأخرى فهي كالمنفردة به وإن ألحقته القافة بكافر أو أمة لم يحكم برقه ولا كفره لأنه ثبت إسلامه وحريته بظاهر الدار فلا يزول ذلك بظن ولا شبهة كما لم يزل بمجرد الدعوة.

السائل: إذا ألحق اللقيط برجلين فكيف يكون الميراث؟ الشيخ: لو مات أحد الرجلين عنه فقط ورث جميع ماله ولو مات عن ذي فرض وهذا ورث جميع ماله وهما يرثانه ميراث أب فيقتسمان ميراث الأب ولو صار له ابن أخذا السدس.
السائل: من المعلوم أن الطفل إنما يخلق من مني واحد فكيف نلحقه برجلين؟ الشيخ: الفقهاء يرون أنه يمكن أن يُخلّق الجنين من الماءين.

فصل القارئ: فإن كان لامرأتين ابن وبنت فادعت كل واحدة أنها أم الابن احتمل أن يعرض معهما على القافة واحتمل أن يعرض لبنهما على أهل الخبرة فمن كان لبنها لبن ابن فهو ابنها وقد قيل إن لبن الابن ثقيل ولبن البنت خفيف فيعتبر ذلك.

الشيخ: لا أدري عن صحة هذا وهو أنها إذا جاءت ببنت صار لبنها خفيفاً وإن جاءت بابن صار لبنها ثقيلاً لا أدري عن صحة هذا لكن لو نظرنا إلى أن الابن بوله خفيف يرش أي ينضح بالماء فقط بدون غسل والجارية بالعكس لكان يقتضي ذلك أن يكون لبنها الذي يخلقه الله للإبن خفيفاً ولكن مع ذلك أنا لا أبني على هذا شيئاً فلا أرجح خلاف كلام المؤلف بل يرجع في هذا إلى الأطباء.

فصل القارئ: والقافة قوم من العرب عرفت منهم الإصابة في معرفة الأنساب وأشتهر ذلك في بني مدلج رهط مجزز وسراقة بن مالك بن جعشم ولا يقبل قول القائف إلا أن يكون ذكراً عدلاً مجرباً في الإصابة لأن ذلك يجري مجرى الحكم فاعتبر ذلك فيه قال القاضي يترك الغلام مع عشرة غير مدعيه ويرى القائف فإن ألحقه بأحدهم سقط قوله وإن نفاه عنهم جعلناه مع عشرين فيهم مدعيه فإن ألحقه بمدعيه علمت إصابته.
الشيخ: قول القاضي رحمه الله (سقط قوله) أي سقط قول المدعي وذلك بأن يوضع الغلام مع عشرة غير المدعي فإنه يبعد عنهم فإذا قال القائف هو ابن فلان فهنا يسقط قول المدعي لأن القائف الآن منعه عن المدعي، ويحتمل أن قوله (سقط قوله) أي قول القائف لأن هؤلاء العشرة لم يدعوه فيسقط قوله بمعنى أننا لا نعمل به لأن هؤلاء ما أدعوه وإن نفاه عنهم فقال كل هؤلاء ليسوا من آباءه فإننا نجعله مع عشرين وفيهم مدعيه فإن ألحقه بمدعيه عُلمت إصابته، وهذه كلها قرائن في الحقيقة وليست هي مُؤَكِّدات.
السائل: إذا قلنا إن المراد بقوله (سقط قوله) أي قول المدعي، وقد جعلنا الغلام مع عشرة غير مدعيه فكيف يسقط قول المدعي؟ الشيخ: لأن القائف ألحقه بهؤلاء فكيف يكون لواحد من هؤلاء وللمدعى أيضاً مع أن القائف لم يلحقه إلا بواحد من هؤلاء.
السائل: ألا يكون هناك اختبار للقائف فيبقى الغلام مع عشرة ثم يبقى مع عشرين؟ الشيخ: هو اختبار للقائف إذا نفاه عنهم فيؤتى بالمدعي معهم ويجعلون عشرين.

القارئ: وهل يكتفى بواحد فيه وجهان أحدهما يكتفى به لأن النبي صلى الله عليه وسلم سر بقول مجزز وحده لأنه بمنزلة الحاكم يجتهد ويحكم كما يجتهد الحاكم ويحكم والثاني لا يقبل إلا اثنان لأنه حكم بالشبه والخلقة فلا يقبل من واحد كالحكم بالمثل في جزاء الصيد.
الشيخ: الصحيح أنه يكتفى بالواحد لأن هذا حكم وليس بشهادة فهولا يقول أنا أشهد أن هذا وُلِدَ على فراش فلان لكنه بتجربته يحكم بأنه ولد فلان.

فصل القارئ: فإن ادعى رجل رقه لم يقبل لأن الأصل الحرية فإن شهدت له بينة بالملك قبلت وإن لم تذكر السبب كما لو شهدت له بملك مال وإن شهدت باليد للملتقط لم يحكم له بالملك لأن سبب يده قد علم وإن شهدت بها لغيره ثبتت والقول قوله في الملك مع يمينه كما لو كان في يده مال فحلف عليه.

فصل القارئ: ومن حكمنا بإسلام أحد أبويه أو موته أو إسلام سابيه فحكمه حكم سائر المسلمين في حياته وموته ووجوب القود على قاتله قبل البلوغ أو بعده وإن كفر بعد بلوغه فهو مرتد يستتاب ثلاثة فإن تاب وإلا قتل لأنه محكوم بإسلامه يقينا فأشبه غيره من المسلمين ومن حكمنا بإسلامه بالدار وهو اللقيط فكذلك لأنه محكوم بإسلامه ظاهرا فهو كالثابت يقينا وذكر القاضي وجهاً آخر أنه يقر على كفره لأنه لم يثبت إسلامه يقينا.

السائل: قول الفقهاء أنه يستتاب ثلاثاً، ما الراجح في مسألة الاستتابة؟ الشيخ: الصواب أن الاستتابة ترجع إلي رأي الإمام أو نائبه لأنه وردت آثار عن الصحابة بأنه يقتل فوراً وهذا في غير الحدود أما الحدود إذا بلغت السلطان وفيها قتلٌ فإنه يقتل ولا يستتاب، لكن في مسألة الكفر إن رأى الإمام أن يستتاب فعل ذلك.
السائل: على القول بأنه ينظر إلى رأي الإمام فهل الاستتابة تكون ثلاثة أيام أم أنه يزاد عليها؟ الشيخ: الثلاثة تكفي لأن الثلاثة معتبرة في الشرع في مسائل كثيرة.

فصل

القارئ: فإن بلغ اللقيط فقذفه إنسان أو جنى عليه أو ادعى رقه فكذبه اللقيط فالقول قول اللقيط لأنه حر في الحكم ويحتمل أن يقبل قول المدعي في درء حد القذف خاصة لأنه مما يدرأ بالشبهات بخلاف القصاص.
الشيخ: قوله (ويحتمل أن يقبل قول المدعي) الصحيح في هذه المسألة أن هذا الاحتمال غير صحيح بل هو مرجوح فيقال مادمنا حكمنا بحريته فإنه يترتب على هذا كل ما يترتب على الحر، ومسألة الدرء بالشبهات هي في ثبوت الجناية لا في محلها.

فصل

فصول الكتاب · 13 فصل · 500 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول تعليقات ابن عثيمين على الكافي لابن قدامة · 500 صفحة
المقدمة
كتاب الزكاة
كتاب الصيام
كتاب الاعتكاف
كتاب الحج
كتاب البيع
كتاب السلم
كتاب التفليس
كتاب الصلح
كتاب الضمان
كتاب الوكالة
كتاب الإجارة
كتاب الوقف
جارٍ التحميل