تعليق الفرائد على تسهيل الفوائدصفحات 57-96

«فصل»: في الكلام على نون الوقاية.

«تلحق قبل ياء المتكلم» مفتوحة أو ساكنة أو محذوفة والكسر دليلها نحو: ﴿ربي أكرمن﴾ ﴿ربي أهانن﴾ يقرأ وصلًا فيهما بنون مكسورة.
«أن نصب بغير صفة» فشمل الفعل ماضيًا كان نحو: أكرمني, أو مضارعًا نحو: يكرمني, أو أمرًا نحو: أكرمني, متصرفًا كما مثلنا أو غير متصرف نحو: هبني وعساني, واسم الفعل نحو: عليكني ورويدني, وإن وأخواتها نحو: إنني وكأنني, واحترز من أن ينصب بصفة نحو: الضاربي عند من يراه منصوبًا, فإن نون الوقاية لا تلحقه.
«أو جر بـ (من) أو (عن)» نحو: مني وعني بإدغام النون الساكنة وفي نون الوقاية.
«أو قد» بمعنى حسب نحو: قدني.
«أو قط» بمعنى حسب أيضًا نحو: قطني, وهذا تصريح بأن الياء مجرورة فتكون مضافًا إليها, وهذا مذهب الخليل وسيبويه, وسيأتي في باب أسماء الأفعال.
«أو بجل» بمعنى حسب أيضًا والياء مجرورة, فتقول يجلني «أو لدن» نحو: ﴿[قد] بلغت من لدني عذرا﴾.
«نون» بالرفع فاعل تلحق.
«مكسورة للوقاية» عن الكسر في الفعل واسمه ومشبهه, وعن مطلق عموم الحركة في المبنى على السكون.
«وحذفها مع (لدن) وأخوات (ليت) جائز» أما لدن فكقوله تعالى: {قد

بلغت من لدني عذرا} قرئ بالتشديد وبه قرأ الأكثرون وبالتخفيف وبه قرأ نافع وأبو بكر.
قال المصنف: وزعم سيبويه أن عدم لحاقها لـ (لدن) من الضرورات وليس كذلك لقراءة نافع, ولا يجوز أن يكون الاسم في قراءته (لد) والنون للوقاية, لأن (لد) متحرك الآخر, والنون إنما أتي بها لتصون الآخر عن الحركة, وإنما يقال: - في (لد) مضافًا إلى الياء - لدي, نص عليه سيبويه.

وأما أخوات ليت فهي: إن وأن وكأن ولكن ولعل, فيجوز فيها حذف نون الوقاية وإثباتها, وكون المحذوف هو نون الوقاية من الأربعة الأول هو مذهب الكثيرين؛ لأنها طرف؛ ولتعينها في (لعلي), وقيل: المحذوف النون الأولى, وقيل: الوسطى.
«وهو مع (بجل) و (لعل) أعرف من الثبوت» في الصحاح وبجل بمعنى حسب, قال الأخفش: هي ساكنة أبدًا, يقال: بجلك, كما يقال: قطك, إلا أنهم لا يقولون: بجلني كما يقولون: قطني, ولكن يقولون: بجلي وبجلي أي حسبي.
قال لبيد: فمتى أهلك فلن أحفله... يجلي الآن من العيش بجل

هذا نصه.
وأما إثبات النون مع لعل فكقوله: فقلت أعيراني القدوم لعلني... أخط بها قبرًا لأبيض ماجد وحذفها أعرف نحو: ﴿لعلي أبلغ الأسباب﴾ «ومع ليس وليت ومن وعن وقط وقد بالعكس» أي الإثبات معهن أعرف.
قال المصنف - رحمه الله [تعالى]-: ولم يرد ليسي ولبتي إلا في نظم كقوله: ...................... إذ ذهب القوم الكرام ليسي

وقوله: كمنية جابر إذ قال ليتي... أصادفه وأفقد جل مالي ونص سيبويه على أن الحذف مع ليت ضرورة.
وقال الفراء: ليتي وليتني جائز.
وظاهره أنه يجوز في الاختيار.
والحذف مع من وعن نادر, ونص بعضهم على أنه لا يجوز إلا للضرورة كقوله: أيها السائل عنهم وعني... لست من قيس ولا قيس مني

وقطني وقدني أعرف من قطي وقدي, وظاهر كلام المصنف جواز الوجهين فيهما في الاختيار, وقد نص [قوم] على أن الحذف معهما ضرورة, وفي شرح الألفية لولد المصنف: قدي وقطي في كلامهم أكثر من قدني وقطني.
وهو خلاف ما تقدم, وقد جمع الشاعر بينهما في قوله:

قدني من نصر الخبيبين قدي......................

وفي الحديث: (قط قط بعزتك) يروى بسكون الطاء وكسرها مع ياء ودونها, ويروى: (قطني / قطني) و (قطٍ قطٍ) وهذا يدل على جواز الأمرين في غير الضرورة.
هذا كله كلام ابن قاسم.

«وقد تلحق» أي نون الوقاية «مع اسم الفاعل, وأفعل التفضيل» حملًا على الفعل بطريق التشبيه وإلا فلم تحفظهما من كسر لا يستحقانه [ولا حفظت عليهما سكونًا يستحقانه], ولحوقها مع اسم الفاعل تارة يكون مع كونه ناصبًا, وتارة مع كونه خافضًا.

فالأول كقوله:

وليس الموافيني ليرفد خائبًا....................... والثاني كقوله: .......................... أمسلمني إلى قومي شراحي وكان القياس في الأول: الموافي بتشديد الياء, وفي الثاني: أمسلمي بتخفيفها.
وقال هشام: - في أمسلمني - إنما هذا تنوين لا نون وقاية, وكسر لالتقاء الساكنين, وأجاز على ذلك زيد ضاربني, والياء عنده منصوبة لا مجرورة, ويرده:

وليس الموافيني....................................

إذ لا يجتمع التنوين مع (أل).
وأما لحاقها مع أفعل التفضيل فقد استدل عليه المصنف

-[رحمه الله]-

بقوله عليه الصلاة والسلام: (غير الدجال أخوفني عليكم).

وفيه ثلاثة أسئلة: أحدها: في (أخوف), فإنه يقتضي أن غير الدجال خائف, فإن أصل أفعل أن يكون من الثلاثي المبني للفاعل وإنما المعنى أن غير الدجال مخوف منه.
والثاني: في الياء, فإن أفعل إنما يضاف إلى بعضه والياء لا تقبل ذلك.

والثالث: في لحاق النون, وجواب هذا الأخير: أن أفعل هذا مشبه به في التعجب.

وجواب الأول أن فعله إما خاف أو خيف أو أخاف, والجميع ممكن, أما

خيف فموافق للمعنى, ولكن يكون من باب: أشغل من ذات النحيين.
ويكون الأصل أخوف مخوفاتي ثم حذف المضاف وبهذا التقرير اندفع السؤال الثاني.
وأما خاف: فعلى أن يكون من وصف المعاني بما توصف به الذوات مثل: شعر شاعر, وموت مائت, وعجب عاجب.
فالأصل: خاف خوفي, ثم قيل: خوفي [من] هذا الشيء أخوف من خوف غيره.
وأصل الحديث: خوف غير الدجال أخوف خوفي.
ثم حذف الخوفان وخلفهما غير والياء فصار غير الدجال أخوفني.
وأما أخاف فعلى أن الأصل غير الدجال أخوف مخيفاتي, ثم حذف المضاف.
وقد تضمن هذا الجواب الثاني الجواب عن السؤال الأول, وتبين على الأوجه الثلاثة أنه لابد من تقدير مضاف, وأما [في] الوجه الثاني فيحتاج إلى تقدير مضافين.
«وهي» أي نون الوقاية «الباقية في فليني» من قول الشاعر:

تراه كالثغام يعل مسكا... يسوء الفاليات إذا فليني «لا الأولى» عطف على (هي), والمراد بالأولى نون الإناث.
«وفاقًا لسيبويه» بناء على أنه إذا دار المحذوف بين كونه أولًا و [كونه] ثانيًا, فكونه ثانيُا أولى.
ورجح المصنف هذا بأنها الباقية في نحو: ﴿تأمروني﴾, والصحيح أن المحذوف هو نون الوقاية؛ لأن النون الأخرى فاعل, والفاعل

لا يجوز حذفه وفي البسيط: إن كون المحذوف نون الوقاية أمر مجمع عليه والمصنف نقل الخلاف كما رأيت.

«فصل»: يذكر فيه صيغ الضمائر المنفصلة.

«من الضمير منفصل في الرفع» لا في النصب وأما الجر فلا يكون فيه الضمير إلا متصلًا.
«منه» أي من المنفصل في الرفع «للمتكلم أنا محذوف الألف في وصل غير تميم» فالضمير هو الهمزة والنون, وأما الألف فزائدة بدليل حذفها في الوصل, وإنما ثبتت في الوقف لبيان الفتحة؛ لأنه لولا الألف لسقطت الفتحة للوقف, وكان يلتبس بـ (أن) الحرفية بسكون النون, ويكتب بالألف لأن الخط مبني على الوقف والابتداء, وقد تبين فتحتها بهاء السكت كقول حاتم: هكذا فزدي أنه.
هذا مذهب البصريين, وقال الكوفيون: الضمير هو مجموع الثلاثة, بدليل ثبوتها في الوصل في لغة تميم.
وبعضهم يقول: إن / الهاء في قول حاتم:... أنه.
بدل من الألف.
واختار المصنف المذهب الكوفي.
وأشار بقوله: في وصل غير تميم.
إلى أن تميمًا يثبتونها وصلًا ووقفًا وبها قرأ نافع وأن غير تميم يحذفونها في الوصل ويثبتونها في الوقف.
«وقد يقال»: - في أنا - «هنا» بإبدال همزتها هاء

«وآن» على وزن بان, قال الفراء: من العرب من يقول: آن.
يطيل الألف ويحذف الأخيرة.
وهي لغة قضاعة, وفهم بعضهم من قوله: يطيل.
أن الألف للإشباع ونقل عنه ابن إياز أنها مقلوبة من أنا وهو صريح في أن الألف ليست للإشباع.
فإن قلت: فيكون يصنع بقوله: يطيل الألف؟ قلت: ليس هذا صريحًا في كون الألف للإشباع وإنما ضبط اللفظ ليفهمه الناظر على الوجه؛ وذلك لأنه لو اقتصر على قوله: وبعض العرب يقول: آن.
ويحذف الأخيرة.
لم يدر هل أراد بقوله: آن همزة فنونًا فقط أو همزة فألفا فنونًا؟.
إذ صورة الخط واحدة فيهما, فزاد ما يرفع توهم غير المقصود بقوله: يطيل الألف.

قال المصنف: من قال آن, فإنه قلب (أنا) كما قال بعض العرب في رأى: راء, وليست الألف إشباعًا؛ لأنه لا يكون غالبًا إلا في ضرورة.
قلت: أما أن الألف ليست إشباعًا فظاهر لما قال, وأما ادعاء القلب فلا ثبت يقوم عليه لا سيما و (أنا) شبيه بالحروف فينافيه القلب, لأنه نوع من التصرف, والحروف وما يشبهها غير قابلة له.
«وأن) بهمزة فنون ساكنة وصلًا ووقفًا حكاها قطرب.
«ويتلوه» [أي] (أن) الساكن النون, وهو أقرب مذكور «تاء حرفية» للخطاب «كالاسمية لفظًا وتصرفًا» فتقول: أنت بفتح التاء للمذكر, وأنت بكسرها للمؤنث, وأنتما لاثنين مذكرين أو مؤنثين, وأنتم لجماعة المذكرين, وأنتن لجماعة الإناث, كما تقول في التاء الاسمية: ضربت [ضربت] ضربتما ضربتم ضربتن, فالضمير هو أن فقط, والتاء حرف خطاب, هذا مذهب البصريين, وعليه اقتصر المصنف في المتن, وفيه خلاف لا نطيل بذكره, «ولفاعل نفعل» وهو المتكلم المعظم نفسه أو المتكلم ومعه غيره «نحن» وتحريكه للساكنين, وضمه إما لكونه ضميرًا مرفوعًا, وإما لدلالته على المجموع الذي حقه الواو.
«واللغيبة هو» للواحد المذكر «وهي» للواحدة المؤنثة.
«وهما» للاثنين مذكرين كانا أو مؤنثين.
«وهم» لجماعة المذكرين.
«وهن» لجماعة الإناث, والواو والياء في هو وهي عند البصريين من أصل الكلمة, وعند الكوفيين للإشباع, والضمير هو الهاء [وحدها] بدليل التثنية

والجمع, فإنك تحذفهما فيهما, والأول هو الوجه؛ لأن حرف الإشباع لا يتحرك, وأيضًا حروف الإشباع لا تثبت إلا ضرورة, وإنما حركت الواو والياء لتصير الكلمة بالفتحة مستقلة, حتى يصح كونها ضميرًا منفصلًا, إذ لولا الحركة لكانتا كأنهما للإشباع, على ما ظن الكوفيون, ألا ترى أنك إذا أردت عدم استقلالها سكنت الواو والياء نحو: اّنهو وبهي.
وكان قياس المثنى والجمع: هو ما وهيما وهوم وهين, فخفف بحذف الواو والياء.
«ولميم الجمع في الانفصال ما لها في الاتصال» فيثبت لميم أنتم ما [ثبت] لميم (ضربتم) من تسكين وإشباع واختلاس, لكن لا يجري هنا خلاف يونس, إذ لا يتصل بها ضمير.
«وتسكين هاء (هو) و (هي) بعد الواو والفاء واللام وثم جائز» وقد وردت قراءات في السبع واستعمالات للفصحاء تشهد لذلك, والتثقيل لغة [أهل] الحجاز والتخفيف لغة نجد, وهو بعد الواو والفاء واللام أكثر من التثقيل.
«وقد / تسكن بعد همزة الاستفهام» كقوله:

فقمت للطيف مرتاعا فأرقني... فقلت أهي سرت أم عادني حلم «و» بعد «كاف الجر» كقوله:

وقد علموا ما هن كهى وكيف لي... سلو ولا انفك صبا متيما [قال المصنف] ولم يجئ الإسكان بعدهما إلا في الشعر.
ولم ينبه على ذلك في المتن.
«وتحذف الواو» كقوله: [فبينان يشري رحله قال قائل: لمن جمل رخو الملاط نجيب؟

«والياء» كقوله: ] سالمت من أجل سلمى قومها وهم... عدى ولولاة كانوا في الفلا رمما «اضطراراً» فلا يستعمل مثل ذلك في السعة.

«وتسكنهما قيس وأسد» نحو: هو قام - بواو ساكنة - وهي قامت بباء ساكنة.
«وتشددهما همدان» بميم ساكنة ودال مهملة كقوله: وإن لساني شهدة يشتفى بها... وهو على من صبه الله علقم وكقوله:

والنفس ان ادعيت بالعنف آبية... وهي ما أمرت باللطف تأتمر «ومن المضمرات: (إيا) خلافًا للزجاج», فإنه ذهب إلى أنه اسم ظاهر مضاف إلى المضمرات كأن (إياك) بمعنى نفسك, وزيف بوجوه منها: أنه لو كان ظاهرًا لجاز تأخيره عن عامله, بل رجح كغيره من الأسماء الظاهرة, ومنها أن (إيا) لا تقع في موضع رفع, وما لا يقع في موضع رفع فهو مضمر أو مصدر أو ظرف أو حال أو منادى, وصلاحية (إيا) لغير الضمير منفية, فتعين كونه مضمرًا.
«وهو» أي إيا.
«في النصب كـ (أنا) في الرفع» يريد أنه منفصل مثله.
«لكن يليه دليل ما يراد به من متكلم أو غيره اسمًا مضافًا إليه وفاقًا للخليل والأخفش والمازني» تقول: إياي وإياك وإياه فـ (إيا) في الصور كلها ضمير نصب منفصل مضاف إلى اسم هو ياء المتكلم أو كاف المخاطب أو هاء الغائب, واختار المصنف هذا المذهب مستندًا إلى

وجوه منها: أن الاسم المجرور بالإضافة خلفه فيما رواه الخليل: إذا بلغ الرجل الستين فإياه وإيا الشواب.
وهذا محمول عند البصريين على الشذوذ, فلا حجة فيه.
وأورد المصنف على نفسه أن هذا المذهب مقتض لإضافة الضمير وهي ممتنعة؛ لأن الإضافة إما للتخفيف, وإنما تكون في اسم عامل عمل الفعل و (إيا) ليس كذلك, وإما للتخصيص و (إيا) لكونها من الضمائر التي هي أعرف المعارف مستغنية عن ذلك؛ ولأن (إيا) لو كان مضافًا للزم إضافة الشيء إلى نفسه, وهي باطلة.

وأجاب: باختيار أن تكون الإضافة للتخصيص وليست منافية لكون

إيا ضميرًا؛ لأن التخصيص يصّير المضاف معرفة إن كان قبله نكرة وإلا ازداد وضوحًا كازدياده بالصفة كقوله: علا زيدنا يوم النقا رأس زيدكم... بأبيض ماضي الشفرتين يماني ولا حاجة إلى انتزاع تعريفه, وقد يضاف علم لا اشتراك فيه, على تقدير وقوع الاشتراك المحوج إلى زيادة الوضوح كقول ورقة: ولو حان الذي كرهت قريش... ولو عجت بمكتها عجيجا

وأما التزام إضافة الشيء إلى نفسه فنلتزمها معتذرين بما اعتذر به عنها في نحو: جاء زيد نفسه.
كذا قال.
قلت: الذي اعتذر به عن وقوع الإضافة في قولهم نفس الشيء وعينه, أن المضاف في مثلهما يدل على أعم مما يدل عليه المضاف إليه فإن المراد بعين ونفس حقيقة الذات فهو صالح لأن يكون المضاف إليه فإن المراد بعين ونفس حقيقة الذات فهو صالح لأن يكون المضاف إليه وغيره [لكونه أعم], وهذا في الحقيقة منع لأن تكون الإضافة في ذلك من / إضافة الشيء إلى نفسه, فكيف يلتزم المصنف - في إياك مثلًا - أنه من إضافة الشيء إلى نفسه, ويعتذر بهذا الاعتذار, مع اشتماله على منع الشيء بعد تسليمه؟ فتأمل! ! «لا حرفًا, خلافًا لسيبويه ومن وافقه» مستندين إلى أن الضمائر لا تضاف, ولا تثبت إضافتها بلفظ شاذ كما حكوه في (إيا الشواب)

فلم يبق إلا أن يقال إن (إيا) ضمير وما يتصل به حرف يدل على أحوال المقصود به من المتكلم والخطاب والغيبة لما كان (إيا) مشتركًا كما هو مذهب البصريين في التاء التي بعد (أن) في أنت وأنت وأنتما وأنتم وقد مضى.

«ويقال: أياك» بفتح الهمزة مع تشديد الياء.
«وإياك» بكسر الهمزة مع تخفيف الياء.
«وهياك» بإبدال الهمزة المكسورة هاء مع التشديد.
«وهياك» بإبدال الهمزة المفتوحة هاء مع التشديد.

«فصل»: يذكر فيه المواضع التي ينفصل فيها الضمير

: إما على جهة الوجوب أو الاختيار أو جواز الأمرين أعني, الاتصال والانفصال على السواء, وما يتصل ذلك.
«يتعين انفصال الضمير» أي القابل للفصل وإلا انتقض بنحو: إنما مررت بك.

«إن حصر بـ (إنما) كقول الفرزدق:

أنا الذائد الحامي الذمار وإنما... يدافع عن أحاسبهم أنا أو مثلي

الذائد: أوله ذال معجمة [وآخره دال مهملة, بمعنى الطارد, أي أنا الذي أطرد عنهم] ما يسؤوهم.
والذمار: بكسر [الذال], ما يلزمك حفظه وحمايته.
والاستشهاد بهذا البيت مبني على أن (ما) من قوله: (وإنما) كافة.
وقد يقال: إنها موصولة و (أنا) خبر, وفاعل يدافع ضمير مستتر عائد إلى ما.
ولا يضر فوات الحصر المستفاد من إنما لحصوله على طريق: (المنطلق زيد), لكن فيه إطلاق (ما) على من يعقل لغير ضرورة, ولعلنا نتكلم فيه في باب الموصول إن شاء الله تعالى.
ونسب أبو حيان المصنف في هذا الموضع إلى الغلط الفاحش والجهل بلسان العرب, وادعى أن ذلك قول لم يقله أحد, ثم تلا آيات شريفة جعلها مستند تغليطه.
نحو: ﴿إنما أشكو بثي وحزني إلى الله﴾, ﴿إنما أعظكم بواحدة﴾, ﴿إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة﴾, ﴿وإنما توفون أجوركم يوم القيامة﴾ قال: ولو كان على ما زعم لكان التركيب: إنما يشكو بثي وحزني أنا.
وكذا الجميع.
وهذا هجوم بالتخطئة من غير تثبت, قال الشيخ بهاء الدين السبكي: ولسان حال ابن مالك يتلو: {إنما أشكو بثي

وحزني إلى الله}.
وكلام المصنف هو الصواب, وليس منفردًا به, وتحقيق ذلك: أن ابن مالك بنى كلامه على قاعدتين: إحداهما: أن إنما للحصر وهو الذي عليه أكثر الناس.

والثانية: أن المحصور بها هو الأخير لفظًا, وهذا الذي أجمع عليه البيانيون, وعليه غالب الاستعمال, وإذا ثبت لنا هاتان القاعدتان صح ما ادعاه؛ لأنك لو وصلت لما فهم والتبس؛ إذ قولك: إنما قمت, موضوعه: لم يقع مني إلا القيام.
فلو أردت به: ما قام إلا أنا, لم يفهم, ولا سبيل إلى فهمه إلا بأن تقول: [إنما قام أنا, كما تقول]: ما قام إلا أنا, وبهذا علم سقوط استدلال أبي حيان بالآيات المذكورة, وما يشبهها؛ لأن كلا منها قصد فيه حصر الأخير لا الفاعل, ولو قصد حصر الفاعل لا نفصل.
وقول سيبويه: إن الفصل ضرورة, لا يرد عليه, لأنه بناه على أن (إنما) ليست للحصر كما نقل.

وإذا تأملت كلام المصنف وجدته في غاية التحرير, وذلك أنه قال: إن حصر بإنما.
ولم يقل: إنوقع بعد إنما, وسيبويه لا يقول: إن حصر بإنما لا ينفصل.
بل يقول: الحصر بإنما لا وجود له.
فهما كلامان لم يتواردا على محل واحد.
«أو رفع بمصدر مضاف إلى المنصوب» كقوله:

بنصركم نحن كنتم ظافرين فقد... أغرى العدا بكم استسلامكم فشلا فلو نصب بمصدر مضاف إلى المرفوع لم يجب فصله, [بل يترجح نحو: عجبت من ضربكه, ومن ضربك إياه.
فإن قلت: بل يجب فصله] في بعض الصور كما إذا قلت: عجبت من ضرب الأمير إياه, وعلى هذا فينبغي أن يجعل المنصوب في كلام المصنف صفة للضمير محذوفًا, والتقدير: أو رفع بمصدر مضاف إلى الضمير المنصوب.
ليصير المعنى: أنه إذا نصب بمصدر مضاف إلى الضمير المرفوع لم يجب الفصل.
فيسلم.
من النقض بمثل هذه الصورة؛ لأن المصدر فيها مضاف إلى ظاهر, لا إلى ضمير [مرفوع]؟ قلت: لا نسلم وجوب انفصال الضمير في صورة النقض, بل يجوز اتصاله, بأن تفصل بين المتضايفين, فتقول: عجبت من ضربه الأمير, بجر الأمير, كما وقع في قوله:

................ فإن نكاحها مطر حرام فيمن رواه بجر مطر, وهذا على حد قوله تعالى في قراءة ابن عامر:

﴿قتل أولادهم شركائهم﴾ بنصب أولاد وجر الشركاء.
«أو» رفع «بصفة جرت على غير صاحبها» كقوله: غيلان مية مشغوف بها هومذ... بدت له فحجاه بان أو كربا قال المصنف في الشرح في باب المبتدأ: إن المرفوع بالفعل كذلك إذا حصل إلباس نحو: زيد وعمرو يضربه هو.
فتقييده المسألة هنا بالصفة ليس بجيد, ثم إطلاقه الصفة مردود بمسألة زيد قائم أبواه لا قاعدان, فقد جرت الصفة على غير صاحبها, ولم يفصل الضمير.
فإن قلت: هل الصفة في هذه المسألة مسندة إلى الضمير المرفوع المنفصل؟ قلت: كلامه محتمل لذلك كما صرح به ابن الحاجب في الكافية, ولأن يكون المسند إليه هو الضمير المستكن في الصفة, وهذا الضمير البارز المنفصل تأكيد له, إذ رفعه بالصفة صادق بالأمرين.

قال الرضي الإستراباذي: الضمير البارز بعد الصفة إذا جرت على غير من هي له تأكيد للضمير المستكن فيها لا فاعلها, كما في ﴿اسكن أنت وزوجك الجنة﴾, وذلك لأنك تقول: - مطردًا نحو الزيدون ضاربوهم نحن, والزيدان الهندان ضارباهما [هما], وقد عرفت ضعف [نحو]: جاءني رجل قاعدون غلمانه.
وقال الزمخشري في أحاجبيه: بل تقول ضاربهم نحن, وضاربهما هما, فإن ثبت ذلك فهو فاعل كما قيل.
«أو أضمر العامل أو أخر» فالأول نحو: إياه.
لمن قال: من أضرب؟.
ومنه قوله: فإياك إياك المراء فإنه... إلى الشر دعاء وللشر جالب

والثاني نحو: ﴿إياك نعبد وإياك نستعين﴾ وإنما لزم الانفصال في الموضعين, لأنه لا يمكن أن يكون كالجزء الأخير من العامل المحذوف أو المؤخر.
«أو كان» العامل «حرف نفي» نحو: ﴿ما هن أمهاتهم﴾, ﴿وما أنتم بمعجزين﴾ وقول الشاعر: إن هو مستوليا على أحد... إلا على أضعف المجانين وإنما انفصل هنا لأنه لو اتصل لوجب استتاره إذا كان مفردًا غائبًا - مثلًا - بعد تقدم ذكر زيد, فيقال: زيد ما قائمًا.
على أن يكون في (ما) ضمير زيد, فيؤدي إلى استتار الضمير في الحرف, واللازم باطل؛ لأنه على خلاف لغتهم, ولا يخفاك أن هذا الموجب إنما هو على لغة من أعمل الحرف,

وهم الحجازيون في (ما), وأهل العالية في (إن).
وأما التميميون فموجب انفصال الضمير عندهم في هذه الصورة كون عامل الضمير معنويًا, لأنه عندهم مرفوع بالابتداء.
«أو فصلة متبوع» أي فصل العامل عن الاتصال بالضمير متبوع نحو: ﴿يخرجون الرسول وإياكم﴾, ﴿لقد كنتم أنتم وآباؤكم﴾, ونحوه: قام القوم وأنت, وحتى أنت, وأكرمتهم حتى إياك, فإن أردت بحتى الجارة لم يجز لأنها لا تجر الضمير, والمبرد يجيزه فيقول: حتاك, فيظهر الفرق بين العاطفة والجارة بالفصل والوصل.
فإن قلت: لم عدل المصنف عن أن يقول: أو كان الضمير تابعًا, إلى قوله: أو فصله متبوع؟ قلت: لعله ليشمل مسألة غريبة ذكرها أبو حيان في تفسيره في قوله تعالى:

﴿وإياي فاتقون﴾, فإنه جعل (إياي) مفعولًا مقدمًا, والياء في (اتقون) توكيدًا.
فهذه صورة وقع الضمير فيها تابعًا, ولم يفصل لاتصاله بالعامل لفظًا, ولا يتصور مثل ذلك إذا كان العامل مفصولًا عن مباشرة الضمير بمتبوع فيتعين الفصل, فكأنه اختار هذه العبارة لهذا المعنى فتأمله.
«أو ولي» الضمير واو المصاحبة» كقوله:

فآليت لا أنفك أحدو قصيدة... تكون وإياها بها مثلا بعدي

«أو» ولي «إلا» كقوله تعالى: ﴿أمر أن لا تبعدوا إلا إياه﴾ وقال الشاعر:

قد علمت سلمى وجاراتها... ما قطر الفارس إلا أنا «أو» ولي «إما» كقولك: [قام] إما أنا وإما أنت.
وقول الشاعر: بك أو بي استعان فليك... إما أنا أو أنت ما ابتغى المستعين «أو» ولي «اللام الفارقة» بين إن النافية والمخففة من الثقيلة كقوله:

إن وجدت الصديق حقا لإيا... ك فمرني فلن أزال مطيعا وقد يتخيل أن المصنف لو قال: لام الابتداء, لكان أحسن لشموله لنحو: إن الكريم لأنت, وليس كذلك لوجهين: أحدهما: أن اللام الفارقة ليست لام الابتداء عن أبي علي الفارسي وأبي الفتح بن جني وجماعة, فلا يكون التعبير بلام الابتداء شاملًا لها على هذا الرأي.
وسيأتي في ذلك كلام.
والثاني: أن الفصل في نحو: إن الكريم لأنت, ليس من جهة اللام؛ لحصوله قبلها, بل من جهة كونه خبرًا لإن.
«أو نصبه» أي الضمير «عامل في مضمر قبله غير مرفوع إن اتفقا رتبة», بأن يكونا جميعًا ضميري متكلم أو مخاطب أو غائب نحو: علمتني إياي, [وعلمتك إياك], وعلمته إياه, فلو كان الضمير الذي قبله مرفوعًا نحو: علمتني, لم يجز الفصل.
«وربما اتصلا غائبين إن لم يشتبها لفظًا» نحو: ما حكاه الكسائي (هم أحسن الناس وجوهًا وأنضرهموما), ومنه قول مغلس:

وقد جعلت نفسي تطيب لضغمة... لضغمهماها يقرع العظيم نابها وقول الآخر: لوجهك في الإحسان بسط وبهجة... أنا لهماه قفو أكرم والد وهو قليل جدًا, والوجه الانفصال, فإن اشتبها لفظًا امتنع الاتصال نحو:

زيد الدرهم أعطيتهوه, وفي كلام سيبويه ما يدل على جوازه؛ فإنه قال: والكثير في كلامهم أعطاه إياه.
فاقتضى ذلك أن نحو: أعطاهوه واقع في كلامهم بقلة.
«وإن اختلفا رتبة» بأن يكون أحدهما لمتكلم والآخر لمخاطب أو غائب «جاز» في الثاني «الأمران»: الاتصال والانفصال فنقول: الدرهم أعطيتكه, وأعطيتك إياه, وأما الأول الذي هو وال للفعل فلا يكون إلا متصلا كما رأيت.
«ووجب - في غير ندور - تقديم الأسبق رتبة مع الاتصال» فيقدم المتكلم على المخاطب والمخاطب على الغائب نحو: يا غلام أعطانيك زيد, [والدرهم أعطانيه زيد], والدرهم أعطيتكه, هذا في الأمر الغالب, وندر غيره كما روي من قول عثمان, رضي الله عنه: أراهمني الباطل شيطانًا.
فقدم ضمير الغائب على ضمير المتكلم مع الاتصال, قال المصنف: والقياس أرانيهم.
وانتقد بأن ضمير الجمع للغائب هو الفاعل في المعنى, فالقياس إذن أراهم إياي, وإنما قال: مع الاتصال.
احترازًا من الانفصال, فإن لك معه تقديم ما شئت منهما, فتقول: الدرهم أعطيتك إياه, وأعطيته إياك, [لكن] هذا مقيد بانتفاء اللبس, وأما مع وجود اللبس فيجب تقديم ما هو فاعل في المعنى نحو: زيد أعطيتك إياه.
«خلافًا للمبرد وللكثير من القدماء» وفي بعض النسخ: ولكثير من القدماء.
بتنكيز كثير, وهؤلاء جوزوا

تقديم غير الأسبق رتبة مع الاتصال نحو: أعطيتهوك, كأنهم استندوا فيه إلى ما تقدم من: أراهمني الباطل شيطانًا, لكنهم مع ذلك يقولون: الانفصال أحسن.
«وشد إلاك» بكسر الكاف في قول الشاعر: وما نبالي إذا ما كنت جارتنا... أن لا يجاورنا إلاك ديار حيث أتى بالضمير متصلًا بعد إلا وحقه أن يكون منفصلا [كما تقدم], فهذا يعد من الضرورات «فلا يقاس عليه» بحيث يستعمل مثله في السعة, وقد يقال: إن الحكم بشذوذ (إلاك) مقتض لعدم القياس عليه, فيكون قوله: فلا يقاس عليه.
أمرًا استغني عنه.
فإن قلت: المنقول عن ابن الأنباري جواز مثل ذلك في الكلام, فهو مما يقاس عليه عنده, فلعل المصنف أشار بقوله: فلا يقاس عليه.
إلى هذا القول؟ قلت: إن ثبت أن ابن الأنباري يجيز القياس على ذلك, كما يقتضيه كلام ابن قاسم وغيره, فلا يمكنه أن يحكم بشذوذ مستنده في القياس لمنافاته له, نعم يمكن أن يكون مخالفًا في الأمرين معًا شذوذ (إلاك) ونفي القياس عليه.

جارٍ التحميل