تعليق الفرائد على تسهيل الفوائدصفحات 293-306

الباب الخامس (باب كيفية التثنية وجمعي التصحيح)

صفحات 293-306

قلوبكما يغشاهما الأمن عادة... إذا كانت الأبطال يغشاهم الذعر فقال: (يغشاهما) رعاية للمعنى والثاني كقوله: خليلي لا تهلك نفوسكما أسى... فإن لها فيما به دهيت أسى فقال: (لها) و (دهيت) رعاية للفظ، ولو اعتبر المعنى لقال: لهما ودهيتا.
و (أسى) الأول مفتوح الهمزة معناه الحزن، و (أسى) الثاني مضموم الهمزة جمع أسوة.
وفي الحقيقة ليس هذا الحكم خاصا بهذه المسألة، بل كل شيء له لفظ ومعنى متخالفان، يجوز رعاية لفظه ورعاية معناه.
"ويعاقب الإفراد التثنية"، أي يقع /الإفراد في موضع التثنية، هنا هي الأصل، ويأتي المفرد في موضعها.
"في كل اثنين لا يغنى" أي لا يستغنى، وهو بفتح الياء مضارع غني، أي استغنى.
"أحدهما عن الآخر" وذلك: كالعينين والأذنين والحاجبين [والجفنين] والنعلين، سواء كانا جزءين أو غير جزءين، أضيفا أو لم يضافا, ومن (الإفراد قول عدي بن الرقاع:

وكأنها وسط النساء أعارها... عينيه أحور من جآذر جاسم وسنان أقصده النعاس فرنقت... في عينه سنة وليس بنائم قال الأصمعي: وهذا أحسن ما قيل في فتور الجفون.
"وربما تعاقبا"، أي الإفراد والتثنية فوقع كل [منهما] في الموضع الذي يقع فيه الآخر بالأصالة.
"مطلقا" أي وإن لم يكونا مما تقدم [كذا يظهر من كلام المصنف، فإنه قال في الشرح: والمراد بتعاقب الإفراد والتثنية وقوع كل منهما موقع الآخر وإن لم يكونا مما تقدم] الكلام عليه: كاليدين والرجلين، ولا من باب: (قلوبكما) انتهى.
وقد يقال: هذا يقتضي أن (مطلقا) مدخل للمسألة السابقة، فلم ذكرها

أولا؟ وكيف قال هنا: (وربما) فأفاد التقليل وقال: أولا: (ويعاقب)، فلم يشر إلى التقليل؟، وكيف يصح دعوى التعاقب في النوع الأول، وليس فيه أن التثنية تقوم مقام الواحد؟ والجواب: أنه تبين أن مراده بقوله: مطلقا ما يراد بقولك: وإن لم يكن مما تقدم.
والذي تقدم نوعان: باب قلبكما، ناب فيه الواحد عن التثنية، وكذا باب (عينك) في (أقر الله عينك)، وليس المراد بـ (مطلقا) معنى قولك: فيما تقدم وغيره.
وظهر وجه ما صنعه المصنف فتدبره.
ومثل المصنف لما ذكره هنا من التعاقب بقوله تعالى: ﴿فقولا إنا رسول رب العالمين﴾ وقوله تعالى: ﴿عن اليمين وعن الشمال قعيد﴾.

وبقول حسان رضي الله [تعالى] عنه: إن شرح الشباب والشعر الأسود ما لم يعاص كان جنونا فهذا من وقوع المفرد موقع المثنى، ومن عكسه قول الشاعر: إذا ما الغلام الأحمق الأم سافني... بأطراف أنفيه استمر فأسرعا ولا يخفى احتمال هذه الشواهد للتأويل، والأبواب لا تثبت بالمحتملات.
"وقد وقع افعلا ونحوه"، أي تفعلان "موقع افعل ونحوه"، أي تفعل، والمعنى أنه قد يخاطب الواحد به الاثنان في الأمر ونحوه وهو المضارع فيقع افعلا موقع افعل ويقع تفعلان موقع تفعل.
وقد حمل على الول قول الحجاج: يا حرسي، اضربا عنقه.

وقول امرئ القيس: قفا نبك من ذكرى حبيب ومنزل....................... وحمل على الثاني قول الشاعر: فإن تزجراني با ابن عفان أزدجر... وإن تدعاني أحم عرضا ممنعا

ف، (تزجراني) واقع موقع (تزجرني)، و (تدعاني)، واقع موقع (تدعني)، ومشى المصنف في ذلك على ما ذهب إليه ابن جني والمازني والبغداديون، وقد تؤولت هذه الشواهد.
"وقد تقدر تسمية جزء باسم كل فيقع الجمع موقع واحده".
أي: واحد الجمع نحو: شابت مفارقه وإنما للإنسان مفرق واحد ونحو قوله: تمد للمشي أوصالا وأصلابا وإنما هو صلب واحد.
وقول العباس عم النبي –صلى الله عليه وسلم-: بل نطفة تركب السفين وقد... ألجم نسرا وأهله الغرف

قال ابن الشجري: السفين جمع في موضع الواحد، كقولهم: بعير ذو عثانين، وشابت مفارقه، كأنه سمى كل جزء من السفينة سفينة ثم جمع قال: ويجوز أن يكون أراد /السفينة وحذف الهاء للضرورة كقول أبي طالب: وحيث ينيخ الأشعرن ركابهم... بمفضي السيول من أساف ونائل

أي ونائلة.
وأساف ونائلة: صنمان.
"أو" يقع الجمع موقع "مثناة" أي مثنى واحد الجمع، نحو قولهم: عظيم المناكب والحواجب والوجنات.
وإنما للإنسان منكبان وحاجبان ووجنتان، وعليه قوله: فالعين بعدهم كأن حداقها... سملت بشوك فهي عور تدمع

قال الأصمعي: أراد الحدقة وا حولها، كقولهم عظيم المناكب والمشافر.
وعور جمع عوراء.
وعقد ابن خالويه [لذلك] في كتاب (ليس) بابا فقال: يقولون: رأيت ترائبها، وإنما لها تريبة واحدة.
وكان ينبغي للمصنف أن يقول: فيقع الجمع أو التثنية موقع واحده، والجمع موقع مثناه.
فقد قالوا في قوله: ليث مدل هزبر عند خيسته... بالرقمين له أجر وأعراس

ثنى الواحد.
وكذا قالوا في قول الفرزدق: عشية سال المربدان كلاهما... سحابة موت بالسيوف الصوارم ولا يقاس على شيء من ذلك.

"فصل": فيما يجمع بالألف والتاء قياسا وما يجمع بها سماعا.

"يجمع بالألف والتاء" جمعا "قياسا"

، أي مقيسا أو ذا قياس "ذو تاء التأنيث" المبدلة في الوقف هاء كتمرة، والسالمة: كبنت وأخت، وكذا كيت وذيت، لو سمي بهما لقيل في - جمعهما- كيات وذيات مذكرا كان المسى بهما أو مؤنثا نص على ذلك سيبويه "مطلقا" يشمل العلم واسم الجنس، والمدلول فيه بالتاء على تأنيث أو مبالغة نحو: فاطمات وطلحات وسنبلات ونسابات.
قال ابن قاسم: واستدرك على إطلاق المصنف أسماء فيها تاء التأنيث، ولا تجمع بالألف والتاء، وهي: شفة وشاة وأمة وامرأة [ومرآة] وفلة، في النداء.
قلت: أما شفة وأمة فلا يردان، فقد قال ابن سيده في المخصص: إن أبا علي صرح بأن شفة إذا جمع جمعا سالما، يرد إليه ما ذهب في الواحد، كما فعل ذلك في التكسير، فيقال: شفهات لا شفات.
وفي الصحاح: أن الناقص من شفة الهاء، لقولهم: شفيهة وشفاه.
ثم قال ما نصه: وزعم قوم أن الناقص من شفة واو، لأنه يقال: في الجمع -شفوات- وحكى في المحكم: -لجمع أمة- أمثلة منها: أموات.
"وعلم المؤنث مطلقا" سواء كانت العلامة فيه ظاهرة.
كعزة وسلمى وخنساء، أو مقدرة: كهند، ويستثنى من ذلك ما جعل علما من شاة وامرأة ومرآة

وفلة وباب قطام في لغة أهل الحجاز: وقال ابن أبي الربيع: يشترط العقل، فلو سميت ناقة بعناق أو بعقرب، لم تجمعه بالألف والتاء.
"وصفة المذكر" لا المؤنث، فخرج نحو: حائض وطالق وصبور –لامرأة- وجريح كذلك.
"الذي لا يعقل" لا الذي يعقل، فخرج نحو: عالم وفقيه وكاتب، فإنها صفة مذكر، ولكنه يعقل، فظهر من هذا وجه قوله تعالى ﴿فعدة من أيام أخر﴾ مع أن الأيام جمع يوم، وهو مذكر و (أخر) جمع أخرى، وقد تعرض إليه ابن الحاجب في أمالي القرآن فقال: وإنما جمع ههنا على فعل وهو في المعنى جمع آخر، لأنه للأيام وواحدها يوم، ويوم إنما يقال فيه آخر باعتبار أصل آخر، وهو ا، كل صفة لموصوف مذكر مما لا يعقل فأنت فيها بالخيار إن شئت عاملتها معاملة الجمع المؤنث، وإن شئت عالتها معاملة المفر [المؤنث] فتقول: هذه الكتب الأفاضل والفضليات والفضل والفضلى، فالأفاضل على لفظة في التذكير، والفضليات والفضل إجراء له مجرى جمع المؤنث /لكونه لا يعقل، والفضلى إجراء له مجرى الجماعة، وهذا جار في الصفات والأخبار والأحوال، ولذلك جاء أخر نعتا

للأيام إجراء له مجرى جمع المؤنث ولولا لم يستقم، ولذلك لو قلت: جاءني رجال ورجال أخر لم يجز حتى تقول أواخر أو آخرون لأنه ممن يعقل.
انتهى.
قلت: ولقد بلغني بعد دخولي إلى الهند أن قوما استشكلوا قول الحاجب – في شافيته -: التصريف على بأصول يعرف بها أحوال أبنية الكلم التي ليست بإعراب من حيث إن الأحوال جمع و (التي) للواحدة من المؤنث، فلم يتطابق الموصوف والصفة، ومن فهم القاعدة التي نقلناها لم يكن مثل هذا عنده مشكلا، وبالله التوفيق "ومصغرة"، أي مصغر المذكر الذي لا يعقل، نحو: فليسات ودريهمات ودنينيرات فخرج بذلك مصغر المؤنث، نحو: أرينب وخنيصر، تصغير أرنب وخنيصر وهما مؤنثان.
"واسم الجنس"، لا العلم فخرج نحو: يحيى وموسى وزكريا.
"المؤنث بالألف" المقصورة أو الممدودة اسما كان كبهمى وصحراء.
أو صفة كحبلى وحلة سيراء.
وقوله: بالألف – أخرج المؤنث بالتاء، فقد تقدم له أنه يجوز مطلقا، والمؤنث بغير علامة، فإنه لا يجوز مطلقا، كقدر وعين وسن.
"إن لم يكن فعلى

فعلان" كسكرى مؤنث سكران، فلا يقال: سكريات.
"أو فعلاء أفعل" نحو: حمراء مؤنث أحمر، فلا يقال: حمروات.
واقتضى كلام المصنف أن فعلاء إذا لم يكن لها أفعل من حيث الوضع كامرأة عجزاء أي كبيرة العجز، أو من حيث الخلقة كامرأة عذراء، لم يمتنع جمعها بالألف والتاء.
وعلل بأن المنع في حمراء تابع لمنع التصحيح في أحمر، وهو منتف هنا.
قال: وقد سمع جمع خيفاء وهي الناقة التي اتسع ضرعها، وكذا سمع جمع دكاء وهي الأكمة المنبسطة، وكلاهما نظير عجزاء ومنع ذلك بعضهم، كما امتنع تصحيح نحو: أكمر وآدر.
"غير منقولين إلى الاسمية حقيقة" نحو: سكرى وحمراء علمين لمؤنث فنقول فيهما حينئذ: سكريات وحمراوات.
"أو حكما" نحو: بطحاء، فإنه في الأصل صفة مقابلة لأبطح، إلا أنها غلبت استعمالها بدون موصوف فأشبهت الأسماء فجمعت جمعها فقيل: بطحاوات، قالوا: ولم يسمع ذلك في فعلى فعلان "وما سوى ذلك" الذي تقدم من الأنواع الخمسة.
"مقصور على السماع" كسموات وأرضات وسجلات وحمامات.
ومن أظرف ما يحكى هنا أن شخصا ممن يدعي الفضل زعم أن حماما يجمع على حمامات قياسا، فنوزع بأن حماما مذكر ليس فيه من جهة القياس ما يقتضي جمعه كذلك، فقال سبحان الله كأن كل حمام لا يكون إلا للرجال، وإنما أردت حمام النساء فسبحان واهب العقل.

جارٍ التحميل