قال الرضي: وفيما قاله ابن الحاجب- مع هذا التحقيق البالغ- نظر؛ ذلك لأنا- بعد تسليم أن [أن] المفتوحة وما في حيزها بتقدير اسمين- نقول: إن ذينك الاسمين بتقدير [المفرد، فعلمت أن زيدا قائم، بتقدير]: (علمت زيدا قائما)، و (علمت زيدا قائما) بتقدير: (علمت قيام زيد) / وكونها بتقدير اسمين لا يخرجها عن كونها بتقدير المفرد؛ إذ ذانك الاسمان بتقدير المفرد، هذا مع أن الحق أن (أن) وما في حيزها ليست بتقدير اسمين، بل هي من أول الأمر بتقدير اسم مفرد، أعني المصدر الذي ذانك الاسمان مؤولان به.
قال: وإنما دعا المصنف- يعني ابن الحاجب- إلى هذا التكلف أنه رأى سيبويه مستشهدا على العطف على محل المكسورة بقوله تعالى: ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ... ﴾ الآية، و (أذان) بمعنى إعلام، وكذا استشهد بقوله:
وإلا فاعلموا أنا وأنتم بغاة ما بقينا في شقاق
[على العطف] على محل اسم المكسورة بتقدير حذف الخبر في الأول، والتقدير: أنا بغا ة، وأنتم بغاة، فلولا أن المفتوحة بعد فعل القلب في حكم المكسورة لما صح منه الاستدلال المذكور، وبعض النحاة لما رأى سيبويه يستشهد للمكسورة بالمفتوحة، قال: إن المفتوحة حكمها مطلقا حكم المكسورة في جواز العطف على محل اسمها بالرفع؛ لأنهما حرفان مؤكدان أن أصلهما واحد، فيجوز العطف بالرفع، نحو: بلغني أن زيدا قائم وعمرو, والسيرافي ومن تابعه لم يلتفتوا إلى استدلال سيبويه، فقالوا: لا يجوز العطف على محل اسم [أن] المفتوحة مطلقا؛ إذ لم يبق معها الابتداء، بل هي مع ما في حيزها في تأويل اسم مفرد مرفوع أو منصوب أو مجرور، فسمها كبعض حروف الكلمة.
انتهى.
وقال الشلوبين: مذهب الأكثرين المنع وهو الصحيح.
«وكذا البواقي عند الفراء» فيجوز عنده رفع المعطوف بعد (كأن) و (ليت)، و (لعل)، كما جوزه بعد الثلاثة الأخر، واستدل بقوله:
ياليتني وأنت يا لميس في بلد ليس به أنيس
والفراء» لكن الجرمي والزجاج يجوزان ذلك بعد ذكر الخبر لا قبل ذكره، نحو: إن زيدا قائم العاقل أو بطة أو نفسه، فيجوز في الجميع الحمل على المحل والفراء إنما يجوز ذلك بشرط خفاء الإعراب وفي قول المصنف: (كالمنسوق) إشارة إليه.
قال الرضي: ولم يذكر غيرهم في ذلك منعا ولا إجازة، والأصل الجواز إذ لا فارق.
قال الزجاج: (علام الغيوب) - في قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ رَبِّي يَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَّامُ الْغُيُوبِ﴾ - صفة (ربي) ويحتمل وجوها أخر.
قال الرضي: ولم يذكروا البدل، والقياس كونه كسائر التوابع في جوازه نحو: إن الزيدين استحسنتهما شمائلهما، بالرفع.
انتهى.
وحكى ابن عصفور أنه لا يجوز عند المحققين من أهل البصرة في غير عطف النسق من التوابع إلا النصب فقط، قال: إلا أن يسمع شيء فيحفظ ولا يقاس عليه.
«وندر» قول بعض العرب: «إنهم أجمعون/ ذاهبون، وإنك وزيد ذاهبان».
قال الخضراوي: وحكى الأخفش في كتابه الكبير أنه سمع من بعضهم: إن زيدا وأنت ذاهيان.
والمثالان الأولان حكاهما سيبويه/ ومحلهما عنده على التوهم كما في قول زهير:
بنالي أني لست [مدرك] ما مضى ولا سابق شيئا إذا كان جائيا
بجر (سابق) على توهم زيادة الباء في (مدرك)، وهو في الحقيقة عكسهما؛ لأن فيه تقدير المعدوم موجودا وهما بالعكس، والجامع بين الجميع تقدير الشيء علا خلاف ما هو عليه، فهذا وجه الجمع، وخرجهما المصنف على تقدير المؤكد في الأول، أي: إنهم هم أجمعون ذاهبون، وعلى تقدير المعطوف عليه في الثاني، أي: إنك أنت وزيد ذاهبان.
ووقع في عبارة سيبويه أن ذلك على سبيل الغلط فقال المصنف:
دوهذا غير مرضي من سيبويه، فإن المطبوع على العربية لو جاز غلطه في هذا لم يوثق بشيء من كلامه.
قال: وسيبويه يوافق على هذا، ولولا ذلك لما قيل نادرا.
قال أبو حيان: ولم يفهم أحد عن سيبويه ما فهمه ابن مالك من أنه أراد حقيقة الغلط: بل أراد حقيقة الغلط: بل أراد أنه لم يشترك في الناصب، وكأنه لم يتقدم ناصب ألبتة، بل ابتداأ بالاسم مرفوعا فأتبعه مرفوعا.
قال في البسيط: سماه غلطا لخروجه عن القياس.
[قلت: يريد- والله أعلم- أنه مردود، لخروجه عن القياس]، كما يرد الغلط؛ لأن قبول ما يقوله العربي إنما كان للظن، بأنه على وفق ما وضعه الواضع، فإذا
جاء على خلاف القياس واستعمال الفصحاء غلب على الظن نقيض ذلك، أي كونه ليس على وفق وضع الواضع، فزال الموجب لقبوله، فيكون مردودا، كذا قرره بعض المحققين، ولا ينبغي حمل كلام سيبويه إمام الجماعة إلا على ذلك.
«وأجاز الكسائي رفع المعطوف على أول مفعولي (ظن) إن خفي إعراب الثاني» سواء كان خفاء إعرابه بكونه تقديريا، وهو من المعربات، نحو: ظننت زيدا صديقي وعمرو، أو محليا، وهو من المبنيات، نحو: ظننت زيدا من يكرمني وبكر، وإنما مثل المصنف بالأول.