يستقيم فيه كل رجل وجودًا فضلًا عن الدلالة؛ ولو استقام وجودًا فليس فيه قرينة تشعر بقصد الدلالة عليه، إذ لا مفاضلة بين جنسين، وليس في معنى الرجولية ما يقتضي أن يكون في الدار كما في المثال المتقدم، بل القرينة [فيه] بعكسه؛ لأنه إنما استقام الحكم عليه بأنه في الدار لكونه متخصصًا نعم لو قلت: رجل خير من زيد، فهذا يتجاذ به الطرفان؛ لأن الحكم عليه بالأفضلية يشعر بأنه في معنى الرجولية كما في الأول في أحد وجهيه، وتخصيصه بالأفضلية على زيد يشعر بأنه متخصص كما في الحكم عليه بأنه في الدار، فيحتاج إلى السماع، والظاهر منعه؛ لأنه إنما ثبت التعميم في الموضع الذي لا يختص فيه الخبر بوجه، فلا ينبغي أن يحمل عليه ما يصح أن يكون فيه نوع تخصيص؛ لفقدان معنى مناسب في الأصل المتفق عليه.
إلى هنا كلامه رحمه الله [تعالى].
«أو» بأن يكون مقصودًا / به «الإبهام» نحو: ما أحسن زيدًا، بهذا مثل له 126 المصنف، وجعل مسوغ الابتداء ب (ما) معنى التعجب.
«أو» بأن
يكون «تالي الاستفهام» نحو: ﴿أءله مع الله﴾ ونحو: هل رجل في الدار؟.
«أو» تالي «نفي» نحو: ما رجل في الدار، ولا يخفي أن النكرة هنا واقعة في سياق النفي، والمقصود بها العموم، فقد دخل ذلك في قول المصنف: (أو مقصودًا به العموم) «أو» تالي «لولا» كقول الشاعر:
لولا اصطبار لأودي كل ذي مقة لما استقلت مطاياهن للظعن
«أو» تالي «واو الحال» كقوله:
سرينا ونجم [قد] أضاء فمذ بدا محياك أخفي ضوءه كل شارق
والشرط إنما هو وقوعها في أول جملة حالية بدليل قوله:
الذئب يطرقها في الدهر واحدة وكل يوم تراني مدية بيدي
فيمن رواه برفع (مدية)، وليس وقوعها بعد واو الحال بلازم.
«أو» تالي «فاء الجزاء» كقول بعض العرب: إن مضى عير فعير في الرباط كذا مثلوا له، ولا يخفي أن المعنى: فعير آخر، فالمسوغ الصفة المقدرة «أو» تالي «ظرف مختص» نحو: ﴿ولدينا مزيد﴾، ويلزم المصنف إجازة: عند رجل مال؛ إذ الظرف مختص؛ لقولهم: إن الإضافة إلى النكرة تفيد التخصيص، فالصواب أن يقال: أو ظرف يصلح مجرور للإخبار عنه.
«أو» تالي «لاحق به» أي بالظرف المختص، والمراد به الجار والمجرور نحو: في الدار رجل، وشرطه أن يكون مختصًا كما مثلنا، فلو قلت: في دار رجل لم يجز، وجعل المصنف الجملة المشتملة على فائدة مما يلحق بالظرف المذكور، نحو: قصدك غلامه رجل.
قال أبو حبان: ولا أعلم هذا لأحد غير المصنف.
«أو بأن يكون دعاء» نحو: ﴿سلام على إل ياسين﴾ و ﴿ويل للمطففين﴾.
فإن قلت: لم جعل المصنف هذا معطوفًا على قوله: - أولًا - (بأن يكون وصفًا)، وهلا فعل فيه كما فعل في غيره؟.
قلت: دفعًا لتوهم غير المقصود؛ لأنه لو لم يفعل ذلك، وقال: (أو دعاء) ربما
توهم أنه مجرور بالعطف على ما [قبله] تاليه، فيفسد المعنى؛ إذ يكون التقدير: - حينئذ - أو تالي دعاء، فأتى بما يفيد النص على المقصود، ففعل ما فعل.
«أو» بأن يكون «جوابًا» لسؤال سائل، كأن يقال: - لك - من عندك؟، فتقول: رجل، أي رجل عندي.
قال المصنف: ولا يجوز أن يكون التقدير: عندي رجل؛ لأن مخالفة الجواب للسؤال ضعيفة، والسؤال تقدم فيه المبتدأ.
وفيه نظر، لأنه قد جاء في التنزيل: ﴿سيقولون لله﴾ ﴿فسيقولون الله﴾.
ثم الضعف مرتفع بمعارضة الاحتياج إلى مسوغ الابتداء بالنكرة، ثم كيف يقول: (لا يجوز)، ثم يسلم أن التخالف جائز على ضعف.
وإنما جاز: رجل جاءني جوابًا ل: من جاءك؟ ولم يجز ذلك ابتداء؛ لأنه إذا وقع جوابًا علم أن المراد الإبهام، أي رجل لا أسميه جاءني؛ إذ السائل قد استدعى التعيين، ولم يعين له، وأما إذا
قيل: ابتداء فلم يعلم هل المتكلم مريد لكتمان بيان عينه أو لا، وعلى الثاني لا يتحصل منه فائدة، كذا قيل، وفيه بحث.
«أو» بأن يكون «واجب التصدير» نحو: من عندك؟، وكم عبد لك؟.
«أو» بأن يكون «مقدرًا إيجابه بعد نفي» نحو: شر أهر ذا ناب.
الشر: - هنا - الفاقة على ما قيل وأهره: حمله على الهرير، وهو صوت دون النباح، وذو ناب: - هنا - الكلب.
يقال: ذلك إذا لاحت مخائل الشر وأمارته، ومثله قول الشاعر:
قدر أحلك ذا المجاز وقد أرى - وأبي - مالك ذو المجاز بدار
ومن أمثلة الكتاب: شيء جاء بك.
127 قال سيبويه: وإنما جاز أن يبتدأ به/؛ لأنه في معنى: ما جاء بك إلا شيء - يريد: لأن المبتدأ هنا في معنى الفاعل، والفاعل يجوز أن يكون نكرة، وتحقيق الكلام في الطريق التي حصل بها الحصر في هذا التركيب ليس من وظيفة هذا العلم، وإنما هو من وظيفة علم المعاني، فليراجع من هناك.
وبعض النحاة يجعل المسوغ فيما ذكر الوصف المقدر، أي شر فظيع أهر ذا ناب، وكذا غيره يقدر له صفة يقتضيها المقام.
«والمعرفة خبر النكرة عند سيبويه في نحو: كم مالك.» لأن أكثر ما يقع بعد أسماء الاستفهام [النكرة أو الجملة أو الظرف، ويتعين إذ ذاك أن يكون اسم الاستفهام] مبتدأ نحو: من قائم؟، ومن عندك؟.
فحكم على (كم) بالابتداء؛ حملًا للأقل على الأكثر.
«واقصد رجلًا خير منه أوبوه» وهذه لغة أكثرهم، ويضعف أن تقول: (خبرًا) بالنصب على الوصف؛ لئلا يلزم رفع اسم التفضيل للظاهر في غير مسألة الكحل، ولم أر ما يثلج به الصدر في توجيه ما ذهب إليه سيبويه من أن المعرفة خبر النكرة في هذا المثال، أعني: خير منه أبوه.
«والأصل تأخير الخبر» لأن المبتدأ محكوم عليه، ولابد من وجوده قبل الحكم، فتقصد في اللفظ أيضًا أن يكون ذكره قبل ذكر الحكم عليه، وإنما قدم الفعل في الجملة [الفعلية]، للإيذان من أول الأمر (أنها فعلية، فلو قدم الفاعل لم يتعين الجملة
الفعلية من أول الأمر) إذا أمكن صيرورته كلامًا باسم آخر.
«ويجوز تقديمه إن لم يوهم ابتدائية الخبر»، وذلك إذا استويا تعريفًا وتنكيرًا بلا قرينة نحو: زيد أخوك، وأفضل مني، فأيهما تقدم حكمت بأنه المبتدأ، فإذا قلت: زيد أخرك، فهو على تقدير أن المخاطب يعرف زيدًا ويجهل نسبة الأخوة إليه، وإذا قلت: أخوك زيد، فعلى العكس، أي يكون المخاطب يعرف أن لك أخًا ويجهل كونه زيدا، فلو جوز التقديم مع فقدان القرينة التبس المعنيان، ولو وجدت قرينة محصلة للتمييز جاز التقديم مثل: أبو حنيفة أوب يوسف؛ وذلك لأنا نعرف أن الخبر محط الفائدة، فما يكون فيه التشبيه والذي تذكر الجملة لأجله فهو الخبر.
ولا يخفي أن المقصود تشبيه أبي يوسف بأبي حنيفة، فمع التقديم لا يحصل لبس؛ إذ الأعلى لا يشبه بالأدنى عند قصد الحقيقة، ومنه قول الشاعر:
بنونا بنو أبنائنا وبناتنا [بنوهن] أبناء الرجال الأباعد
أي: بنو أبنائنا مثل بنينا، فحذف (مثل) وقدم الخبر لوضوح المعنى.
هذا ملخص ما ذكره المصنف في شرحه، ولا يعني باستوائهما في التعريف والتنكير استواءهما في رتبة التعريف ورتبة المسوغ، بل مراده تساويهما في مطلق التعريف ومطلق المسوغ، وقد أطلق بعض لقول بوجوب التقديم، ولم يفصل بين وجود القرينة المميزة وعدمها، وأجاز بعض الحكم بابتدائية ما شئت من الاسمين، ولم يبال بالإلباس؛ لحصول الفائدة للمخاطب، قدمت الخبر أو أخرته، وقد حكى ابن السيد في مسائله
وقوع كلام بين أهل عصره في قول الشاعر:
عنيت قصيرات الحجال ولم أرد قصار الخطا شر النساء البحاتر
[واختار هو تجويز أن يكون (شر النساء) مبتدأ و (البحاتر)] خبره والعكس.
«أو» لم يوهم تقديمه «فاعلية المبتدأ» نحو: زيد قام، فإنك لو قدمت الفعل في هذا التركيب أوهم أن المبتدأ فاعل.
وقد ذكر في علة امتناع تقديم الخبر في نحو المثال المذكور ثلاثة أوجه:
أحدهما: إيهام الفاعلية/ كما مر، وعلى هذه العلة أجاز بعضهم تقديمه في نحو: 128
أخواك قاما، ولم يعبأ باحتمال الفاعلية على لغة (أكلوني البراغيث)، إذ تقديم الخبر أكثر من تلك اللغة، والحمل على الأكثر أرجح، وطعن في هذه العلة بأمور: منها: أنهم لا يلتزمون رفع اللبس، بدليل إعلان (مختار)، ووضع (أو) للشك، وأسماء الأجناس والمشتركات.
والجواب أن الأصل مراعاة الإلباس، بدليل رفع الفاعل ونصب المفعول وإبراز الضمير في مسألة جريان الوصف على غير صاحبه، ومنع الترخيم في: يا مسلمة على لغة التمام، وترك إعلال (أبيض) ونحوه، وترك بناء صيغتي التعجب والتفضيل من فعله.
ومنها: أنه إنما يراعى الإلباس إذا رجع إلى المعنى، ولا فرق في المعنى بين الجملتين، فإن المقصود الإخبار بقيام زيد، وهو حاصل منهما جميعًا.
والجواب: المنع، بل في (زيد قام) تكرر الإسناد، فيحصل تقوي الحكم، والاعتناء بزيد ببناء الكلام عليه وإفادة الثبوت.
ومنها: أنهم أجازوا الفاعلية والابتداء في: أفي الدار زيد؟، وقال به قوم: في كيف زيد؟، وأين زيد؟، وآخرون [في]: في الدار زيد.
كذا رأيت في كلام لابن
هشام رحمه الله، وقال: - بإثر هذا الكلام - وفيه نظر.
قلت: وكنت أجازوا: - في (ما قائم زيد) - إعراب (زيد) فاعلًا أو مبتدأ، ومنعوا في مثل: زيد قام بتقديم الخبر؛ لأدائه إلى الإلباس في مثل: زيد قام على تقدير تجويز التقديم يترتب عليه محذور، وهو تفويت تقوي الحكم، فمنعوه، ولا كذلك في ما قائم زيد، فأجازوه.
قلنا: وهذا أيضًا يترتب عليه محذور، فإنك إذا قلت: ما زيد قائم، كان.
مشبهًا لزيد قائم في تقوى الحكم من جهة تضمنه الضمير، وإذا قلت: ما قائم زيد - على أن يكون زيد فاعلًا ب (قائم) - فليس فيه تقوي الحكم، ولا ما يشبهه ولم يحصل لذلك جواب.
وأقول: ظاهر كلام المصنف [أنه] يمنع تقديم الخبر في مثل قولنا: ما زيد قائم؛ لأنك لو قدمته فقلت: ما قائم زيد أوهم فاعلية المبتدأ، ويحتاج منعه إلى تجويز الفعل، فتأمله.
العلة الثانية - أنه إذا قيل: قام زيد، أمكن أن يكون (زيد) في محله فلا ينوى به غير محله.
ورد بأنهم قد أجازوا: - في نحو: كم جريبًا أرضك؟ - خبرية (كم) مع إمكان كونها في موضعها.
وقد أجاز قوم: - في (زيد أخوك) - كون زيد مبتدأ وكونه خبرًا، ولم ينظروا إلى اللبس، نظرًا إلى حصول أصل المعنى كما مر.
فقضية هذا أن يجيزوا التقديم هنا.
والجواب أن سيبوبه جزم في - كم جريبًا أرضك؟ - بأن (كم) مبتدأ؛ إعمالًا لهذه القاعدة، والأخفش جزم بخبرتها؛ إعمالًا لقاعدة المعرفة والنكرة.
فمن الذي أجاز الوجهين؟، والقول بذلك معترض، وكذا القول بالوجهين في المعرفتين.
العلة الثالثة - أن العامل اللفظي لا يعارضه العامل المعنوي، وعلى ذلك أجاز بعضهم: كان يقوم زيد.
«أو» لم «يقرن بالفاء» نحو: الذي يأتيني فله درهم، فيمتنع تقديمه؛ نظرًا
إلى أصل الفاء الذي هو التعقيب، وأيضًا لكونه فاء الجزاء، وهو عقيب الشرط لاستحقاق أداته صدر الكلام، فكذا ما شبه به.
«أو» لم يقرن «بإلا لفظًا» نحو: ﴿وما محمد إلا رسول﴾، «أو معنى» نحو: ﴿إنما أنت منذر﴾.
«وفي الاختيار» احترازًا عن حالة الاضطرار كقوله:
/ فيارب هل إلا بك النصر يرتجى عليهم وهل إلا عليك المعول 129
الأصل: وهل المعول [إلا عليك]، وستقف على علة ذلك في باب الفاعل أو باب المستثنى إن شاء الله تعالى.
«أو» لم «يكن» أي الخبر خبرًا «لمقرون بلام الابتداء» نحو: لزيد قائم، وأما قوله:
خالي لأنت ومن عويف خاله نال العلاء ويكرم الأخوالا
فقيل: اللام زائدة، لا لام الابتداء.
وقيل: بل هي لام الابتداء، و (أنت) خبر [لمبتدأ] محذوف، أي لهو أنت.
واعترض بمنافاة التوكيد الحذف، فالأولى الزيادة.
وفيه نظر.
«أو» لم يكن خبرًا «لضمير الشأن» نحو: هو زيد قائم.
قال المصنف: لأن تقديمه يوهم كون الضمير مؤكدًا لضمير الخبر لا ضمير الشن، ولا تطرد هذه العلة؛ لعدم دخول (هو أخوك زيد)، وكذا كل ما كان الخبر فيه جامدًا.
قلت: والعلة المطردة أن في تأخير ضمير الشأن إخراجًا [له] عما وضع له من
تعظيم الأمر وتفخيمه بذكر الإبهام ثم التفسير، فمنع تأخيره لذلك «أو» لم يكن خبرًا «لشبهه» أي لشبه ضمير الشأن نحو: كلامي - زيد منطلق، فلو أخر المبتدأ هنا لم يفد شيئًا، لأن قولك: زيد منطلق، يعلم منه أنه كلامك لا كلام غيرك، فإذا قلت: - بعد ذلك - كلامي، فكأنك قلت: كلامي كلامي، كذا قال المصنف، وفيه نظر؛ إذ قد يقال: إنه يفيد أن ذلك كلام غيرك، فإن ما يتلفظ به الإنسان قد يكون كلام غيره، وحكاه، ولا يتجه أن يقال: السكوت مغن عنه.
«أو» لم يكن خبرًا «لأداة استفهام» نحو: أي الرجال عندك؟
«أو» لأداة «شرط» مثل: من يقم أكرمه.
«أو» بشيء «مضاف إلى أحدهما» أي إلى أحد اللفظين اللذين هما أداة الاستفهام وأداة الشرط نحو: غلام من عندك؟، وغلام من يقم أكرمه.
وإنما وجب تأخير الخبر في هذه الصور؛ لأنه لو قدم لفات صدارة الاستفهام والشرط، وذلك مما لا يسوغ ارتكابه، فهذه إحدى عشرة مسألة ذكرها المصنف، وذكر غيره مواضع أخر لا نطول بذكرها.
«ويجوز: في داره زيد، إجماعًا» أي جوازًا مجمعًا عليه، فإجماعًا إما بمعنى اسم المفعول محذوف الصلة اتساعًا كما في المشترك، أو على حذف المضاف أي: ذا إجماع.
وإنما كان كذلك لأن الخبر منوي التأخير ب [حسب] الأصل، فهو مؤخر رتبة، وإن تقدم لفظًا، ومفسر الضمير - وهو زيد - مقدم الرتبة [ولا يشترط في معاد الضمير أن يجتمع له الأمران التقدم لفظًا والتقدم رتبة].
ورام الشيخ أو حيان أن يقدح في نقل الإجماع في المسألة [المذكورة] فقال: هي ممتنعة عند الأخفش، لأنه يجعل زيدًا فاعلًا.
وإنما يتم هذا لو قال الأخفش بوجوب الفاعلية، أما إذا قال بجوازها فالمسألة عنده جائزة على الابتداء، فصدق قوله: إن المسألة جائزة بإجماع.
ومما يؤيد هذا أن المصنف قد قال بإثر هذا -: إن الأخفش يجيز (في داره قيام زيد، وفي دارها عبد هند) ولا يمكن [أن يكون [أجازهما إلا على ما ذكرناه من الابتداء لا على الفاعلية.
وظهر بهذا قطعًا أن الأخفش لا يوجب الفاعلية في ذلك، بل يجوزها كما يقول أكثر الناس مع الاعتماد، بل ينبغي - في مسألة عدم الاعتماد - أن يكون ذلك [عند]
القائل هو أضعف، أما أنه يكون متعينًا فلا.
«وكذا: في داره قيام زيد، وفي دارها عبد هند» يجوز «عند الأخفش».
والمنقول عن البصريين الجواز كالأخفش، وكلام المصنف يوهم أن غيره من البصريين يخالفه، وليس كذلك، نعم: الكوفيون مانعون لكلتا المسألتين، ووجه الجواز أن المضاف والمضاف إليه كشيء واحد، فإذا كان المضاف مقدر التقديم بوجه ما/ كان المضاف إليه مقدر التقديم معه، وحينئذ فلا إشكال في جواز المسألتين ويشهد له قول العرب: في أكفانه درج الميت.
«ويجب تقديم الخبر إن كان أداة استفهام» نحو: كيف زيد؟ وأين بيتك؟.
«أو» كان «مضافًا إليها» أي إلى أداة استفهام مثل: صبح أي يوم السفر؟، واحترز من أن [لا] يكون الخبر نفسه أداة استفهام أو مضافًا إليها نحو: زيد هل ضربته؟، فإنه يجوز تقديمه وإن كان الخبر مصاحبًا للاستفهام في الجملة.
«أو» كان «مصححًا تقديمه الابتداء بالنكرة» نحنو: في الدار رجل، وعندك امرأة، وكذا: قصدك غلامه رجل، قاله المصنف.
«أو» كان «دالًا بالتقديم على ما [لا] يفهم بالتأخير».
قال المصنف: نحو: لله درك، فإنه لا يفهم منه التعجب إلا بالتقديم، ونحو: سواء علي أقمت أم قعدت؛ إذ لو قدم لأوهم الاستفهام الحقيقي.
فأما تعليله للثاني فحسن، ولا في هذا كون الوهم يندفع بالآخرة؛ لأنهم لم يعتبروا ذلك، ألا تراهم منعوا: رجل في الدار، وإن كان توهم الصفة يندفع بالآخرة، وأوجبوا التقديم! !
وأما لله درك.
فقد يقال: إنه كلام جرى مجرى المثل، [فلا يغير] لا أن معنى التعجب إنما يفهم بالتقديم.
«أو» كان «مسندًا دون (أما) إلى (أن) وصلتها» نحو: ﴿وأية لهم أنا حملنا ذريتهم﴾ فلا يجوز: أنك منطلق عندي، وهذا مذهب سيبويه والجمهور، واختلف في تعليل ذلك:
فقيل: لئلا يلتبس (أن) المفتوحة ب (إن) المكسورة، ولم تدفع الفتحة الخفية اللبس، لكون الموقع موقع المكسورة؛ لأن لها صدر الكلام، بخلاف المفتوحة وقيل: لئلا تلتبس ب (أن) التي بمعنى (لعل).
وقل: لئلا يتعرض الأول لدخول النواسخ، ومن جملتها (أن)، فيستثقل
اجتماعهما، وأجاز ذلك الأخفش والفراء وأبو حازم قياسًا على (أن) نحو: ﴿وأن تصوموا خيرا لكم﴾، فلو كانت (أن) والية ل (أما) جاز بلا خلاف كقوله:
عندي اصطبار وأما أنني جزع يوم النوى فلوجد كان يبريني
وذلك لانتفاء المحذور، ضرورة أن الجملة التامة لا تتوسط بين (أما) وفائها كما ستعرفه في حروف الشرط.
«أو» كان مسندًا «إلى مقرون (بإلا) لفظًا» نحو: ما في الدار إلا زيد، «أو معنىً» نحو: إنما في الدار زيد، وقد نبهناك على أن علة ذلك ستأتي إن شاء الله [تعالى] في باب الفاعل أو في باب المستثنى «أو» كان مسندًا «إلى ملتبس بضمير ما التبس بالخبر» مثلوه بقولهم: على التمرة مثلها زبدًا، وبالحديث:
(من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)، وبقول الشاعر:
أهابك إجلالًا وما بك قدرة على ولكن ملء عين حبيبها
فأما التمثيل بالبيت فصحيح، فإن الخبر - وهو ملء عين - أسند إلى المضاف من قوله: (حبيبها)، وهو ملتبس بضمير عائد إلى العين، والعين ملتبسة بالخبر، من حيث هو مضاف إليها.
وأما الأولان فالخبر الكون المطلق المحذوف، ويصح تقديره مؤخرًا على الأصل،
كما يصح اللفظ [به] مؤخرًا كذلك، وكما يذكر مؤخرًا لو كان [كونًا] خاصًا، مثل: على الله عبده متوكل، ولا يصح أن يقال: م بني على التجوز المشهور في تسميتهم الظرف النائب عن الكون المطلق خبرًا، لأنه ذلك غير متأت من جهة أنه قال: [إن] فيلزم على هذا أن الخبر هو (على).
وإنما قال المصنف: (ملتبس)، ولم يقل: (مضاف)؛ ليدخل [نحو]: (ملء عين حبيبها).
وقال: (ما التبس بالخبر)، ولم يقل: (ما أضيف/ إلى الخبر)؛ ليدخل [نحو]: (ملء عين) ونحو: (على التمرة) - على زعمهم - ونحو: من حسن إسلام المرء تركه الفضول.
وحاصل كلامه أن معنا مبتدأ وخبرًا كل منهما ملتبس بشيء، والمبتدأ ملتبس بضمير أو غيره، والخبر ملتبس بصاحب الضمير: إما بإضافة أو غيرها.
«وتقديم المفسر» وحده على المبتدأ «- إن أمكن - مصحح» لتأخير الخبر: إما مع الجواز نحو: زيدًا أجله محرز، أو مع الوجوب نحو: زيدًا أجله أحرز؛
لما علمت من أن الخبر في الصورة الأولى جائزة التأخير؛ إذ هو مثل: زيد قائم، وأنه في الصورة الثانية واجب التأخير، إذ هو مثل: زيد قام، وإنما زادت الصورتان فيما شبهناهما به بأن المبتدأ التبس بضمير ما التبس بالخبر، وأمكن تقديم صاحب الضمير، وكلتا الصورتين جائزة عند البصريين.
«خلافًا للكوفيين» فإنهم منعوهما جميعًا.
«إلا هشامًا» فإنه خالفهم في جواز المسألتين جميعًا.
«ووافق الكسائي» منهم [البصريين] «في [جواز] نحو: زيدًا أجله محرز» وهي مسألة اسم الفاعل.
«لا في نحو: زيدًا أجله أحرز» وهي مسألة الفعل.
وحاصلة أن هشامًا وافق البصريين في مسألتي اسم الفاعل والفعل، وأن الكسائي وافقهم في مسألة اسم الفاعل لا في مسألة الفعل.
وحجة المانعين أنه لا يفصل العامل من معموله بأجنبي، ويرده: ﴿وفي النار هم خلدون﴾.
وأجابوا: بأن الظرف يتوسع فيه.
والعجب أن الكوفيين يقولون هذا، وهم
يجيزون: كان طعامك زيد آكلًا أو يأكل.
والجواب: عن الشبهة المذكورة أن نسبة الخبر من المبتدأ نسبة الفعل من الفاعل؛ لأنهما مسند ومسند إليه، ولا يمتنع تقديم المفعول وتأخير الفاعل [عنه]، فكذا لا يمتنع تقديم الخبر وتأخير المبتدأ.
«فصل» يذكر فيه تقسيمات وأحكام تتعلق بالخبر
.
«الخبر مفرد» وهو ما لعوامل الأسماء تسلط على لفظه عاريًا من إضافة وشبهها أو ملتبسًا بأحدهما نحو: زيد منطلق، وعمرو قائم أبوه، وذكر المصنف أن قولك: (قائم أبوه) من هذا المثال ونحوه ليس بجملة عند المحققين.
قلت: وقد يقال الخبر في قولك: (زيد منطلق، أو قائم أبوه) ليس هو اسم الفاعل بمفرده، بل المجموع منه ومن مرفوعة هو الخبر سواء كان المرفوع ضميرًا كما في (منطلق)، أو ظاهرًا ملتبسًا بالضمير كما في (قائم أبوه)، وليس لعوامل الأسماء تسلط على المجموع أصلًا، وإنما لها تسلط على جزته الأول فقط فتأمله.
وقد تنبه نجم الدين سعيد لذلك، فقال في شرح الكافية: المفرد ما لعوامل المبتدأ تسلط على كلمة منه، وذلك بأن يكون كلمة واحدة نحو: زيد غلام، أو أكثر نحو: زيد قائم أخوه، ولكن تسلط العوامل على كلمة واحدة، وهي (قائم) من مثالنا.
على أن في عبارته - أيضًا - مسامحة.
وقال ابن الحاجب في أماليه: لم يختلفوا [في] أن اسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة مع الضمير ليست بجملة لأمرين:
أحدهما: أن الجملة هي التي تستقل بالإفادة، وهذه ليست كذلك.
الثاني: أن وضعها أن تفيد معنىً في ذات تقدم ذكرها، فإذا استعملت، مبتدأ
خرجت عن وضعها؛ ولذلك لما خرج بعضها عن هذا المعنى، وجعل بمعنى الفعل بشرط سبق ما يكون كالعوض عما كان يستحقه من الاعتماد أو كالدال على إخراجه عن وضعه الأصلي، جاز أن يكون مع مرفوعة جملة مثل: أقائم الزيدان؟، والذين يخالفون في: زيد ضارب غلامه ويجعلون (ضارب غلامه) جملة [مثل: أقائم الزيدان؟ ] فليسوا مخالفين/ في الذي ذكرناه، بل الخلاف في أنه هل ثبت أن ضارب (غلاماه) مثل: أضارب الزيدان؟، فمن جوزه أخرج الصفة عن موضوعها الأصلي، واستعملها استعمال الفعل.
انتهى.
«وجملة» ولا إشكال في تعريفها بما يعرف به الكلام إذا جعلت مرادفة له، وأما إذا جعلت أعم - لصدقها دونه على الصلة [مثلا] من قولك: الذي قام أبوه زيد - فيحتاج إلى إفرادها بتعريف.
فقال ابن هشام: هي عبارة عن الفعل وفاعله: كقام زيد، والمبتدأ وخبره: كزيد قائم، وما كان بمنزلة أحدهما، نحو: ضرب اللص، وأقائم الزيدان؟، وكان زيد قائمًا، وظننته قائمًا.
هذا نصه في مغني اللبيب.
قلت: أما المثال الأول - وهو ضرب اللص، ببناء الفعل للمفعول - فهو منزلة الفعل والفاعل بناء على أن المرفوع فيه نائب عن الفاعل، وأما على رأي من يقول:
هو فاعل اصطلاحًا كالزمخشري، فلا يكون مما نزل منزلته بل هو نفسه.
وأما الثاني - وهو أقائم الزيدان؟ - فهو مما نزل منزلة المبتدأ وخبره، فإن الوصف فيه مبتدأ، لكن مرفوعة ليس خبرًا عنه، وإنما هو بمنزلة الخبر كما أسلفناه عن جماعة.
وأما الرابع - وهو ظنته قائمًا - فإيراده فيما ينزل لمنزلة أحدهما مشكل؛ لأنه على التحقيق جملة فعلية منتظمة من فعل - وهو (ظن) - وفاعل، وهو تاء المتكلم، فليس مما نزل منزلة الفعل والفاعل، ولا منزلة المبتدأ والخبر.
فإن قلت: لعله يشير إلى أنه] مما] نزل منزلة المبتدأ أو الخبر، باعتبار المفعول الأول والثاني، فإنهما مبتدأ وخبر في الأصل، وبعد دخول الناسخ يكونان بمنزلة المبتدأ أو الخبر.
قلت: لو كان كذلك لزم كونهما جملة اسمية، وهو باطل، وإنما هما بعد دخول الناسخ مفردان تسلط عمله في كل منهما، وليس جملة.
ولو قيل: الجملة لفظ يستقل بالإفادة في الحال أو في الأصل لكان حسنًا:
فالأول - نحو: قام زيد، وزيد قائم، فإن كلًا منهما مفيد في الحال.
والثاني - كمدخول حرف الشرط في قولك: إن قام زيد، فإنه مفيد بالنظر إليه قبل دخول العارض، وهو أداة الشرط، وكذا الصلة في قولنا: الذي قام أبوه زيد مستقلة بالإفادة باعتبار النظر إليها قبل الوصل؛ إذ أصله - حينئذ - قام أبوه زيد، وكذا أمثاله مما طرأ عليه ما يمنعه من الاستقلال في الحال.
ويمكن [عند] إرادة زيادة التوضيح أن يقال: الجملة ما انتظم من مبتدأ غير وصف وخبره باقي الحكم أو منسوخه بحرف، أو من مبتدأ وصف مرفوعه، أو من فعل تام ومرفوعه، أو من فعل ناقص ومعموليه وهذا فيه طول، لكن لا بأس به طلبًا لزيادة البيان:
فمثال الأول: زيد قائم.
ومثال الثاني: إن زيدًا فاضل، وما عمرو ذاهبًا، وإنما قيدنا الناسخ بكونه حرفًا احترازًا من نحو: ظننت زيدًا قائمًا.
ومثال الثالث: أقائم الزيدان؟، وما مضروب العمران.
ومثال الرابع: قام زيد، وضرب اللص.
ومثال الخامس: كان زيد قائمًا، فكل من الأقسام الثلاثة الأول جملة اسمية، وكل من القسمين الأخيرين جملة فعلية.
وقال ابن قاسم: - تابعًا للمصنف - الجملة ما تضمن جزءين بالإسناد، لعوامل الأسماء تسلط على لفظها أو لفظ أحدهما.
فخرج بذكر الإسناد نحو: صاحب زيد.
133 وقوله: (لعوامل ا؟ لأسماء) كذا هو/ في النسخة التي رأيتها، والظاهر أنه سقطت منه كلمة (ليس)؛ إذ جملة الخبر من قولك: زيد أبوه قائم لا يتأثر لفظها بدخول (كان) أو (ظن) على نا هي خبر عنه، بل يبقى لفظها بحاله، ويكون العمل في محلها.
وقوله: (أو لفظ أحدهما) مراده به أن يخرج نحو: قائم أبواه، من: زيد قائم أبواه، فإن دخول (كان) - مثلًا - يؤثر في لفظ الأول فقط، ولا يؤثر في الثاني.
ولو اقتصر على قوله: (لفظهما)، لدخل هذا في حد الجملة؛ لأنه إذا لم يتسلط العامل على الثاني صدق [عليه] أنه لم يتسلط عليهما، ولا يخفى فساد هذا التعريف؛ لأنه يلزم عليه أن لا يكون (أبوه قائم) من قولنا: زيد أبوه قائم، جملة؛ لأن لعوامل ا؟ لأسماء تسلطًا على لفظ جزئيها، نحو: ظننت أباه قائمًا، وعلى لفظ أحدهما، نحو: زيد كان أبوه قائمًا، وزيد إن أباه قائم، باعتبار نقله من الرفع إلى النصب، فتأمله.
«والمفرد مشتق» وهو الدال على موصوف مصوغًا من مصدر مستعمل:
كضارب ومضروب وحسن، أو من مصدر مقدر، نحو: ربعة وحزور، من الصفات التي أهملت مصادرها، فيقدر لها مصادر.
كذا قال المصنف.
«وغيره» أي وغير مشتق، وهو ما عري مما رسم به المشتق: كأسد وحجر: «وكلاهما» أي المشتق وغيره.
«مغاير للمبتدأ لفظًا، متحد به معنى» نحو: زيد قائم، وهذا زيد؛ وذلك لأنه حق الخبر أن يكون صادقًا على المبتدأ، على معنى أن ما يقال له المبتدأ، يقال له الخبر، وهو الذي يعبر عنه ب (هو هو)، وهذا يقتضي اتحاد المبتدأ والخبر بحسب الذات، وتغايرهما بحسب المفهوم، فإن تغاير الذات ينافي (هو هو)، واتحاد المفهوم يمنع إسناد أحدهما إلى الآخر، فإن الإسناد نسبة، والنسبة مستدعية للمنتسبين المستلزمين للأبنية المنافية لاتحاد المفهوم.
وحق المبتدأ أن يكون لفظه غير لفظ الخبر، اللهم إلا أن يكون اللفظ مشتركًا بين معنيين، أحدها صادق على الآخر، فيذكر اللفظ مرتين، يجعل في إحداهما مبتدأ، وفي الأخرى خبرًا كما ستراه.
«ومتحد به لفظًا، دال على الشهرة وعدم التغير» كقول رجل من
طيئ: - في المشتق - خليلي خليلي دون ريب وربما ألان امرؤ قولًا فظن خليلًا أي: خليلي من لا أشك في صحبته، ولا يتغير في حضوره وغيبته، وكقول أبي النجم:
-[في الجامد]-
أنا أبو النجم وشعري شعري.
أي: شعري على ما ثبت في النفوس من جزالته، لم يتغير عن ذلك.
وينبغي أن يزاد: ويكون لكل منهما متعلق مغاير لمتعلق الآخر نحو: ﴿والسابقون السابقون﴾ أي إلى الخيرات، وإلى الجنات.
وقال ابن الحاجب: - في شرح المفصل - إنما جاز (وشعري شعري) على تقدير مضاف، ـ وهو (مثل)، وصح تشبيه الشيء بنفسه باعتبارين، أي وشعري الآن مثل شعري فيما مضى، أي هو المعروف المشهور بالصفات التامة.
«ومغاير له مطلقًا» [أي لفظًا ومعنى].
«دال على التساوي حقيقة» نحو: ﴿وأزواجه أمتهم﴾، أي مساويات لأمهاتهم في التحريم والاحترام
حقيقة.
«أو مجازًا» كقوله:
ومجاشع قصب خوت أجوافها لو ينفخون من الخؤورة طاروا
أي: مساوون للقصب الخاوية الأجواف في طيرانها بالنفخ، وهذا التساوي ليس حقيقة وإنما هو مجاز.
«أو قائم مقام مضاف» نحو: ﴿هم درجات عند الله﴾، أي ذوو درجات، ونحو: ﴿ولكن البر من أمن﴾ [أي: / بر 134
من آمن].
وظاهر هذا أن الخبر يتعين أن يكون محل التقدير، وهو حسن؛ لأنه تقدير حيث الحاجة.
وقد قال الزجاج: - في ﴿ولكن البر من أمن﴾ -[بخلاف ذلك، فإنه قدر: ولكن ذا البر.
وقال قطرب: التقدير: بر من آمن] كما يقتضيه قول المصنف، وكلهم قدروا - في ﴿هم درجات﴾ -[هم] [ذوو درجات].
ولا يختص الحكم بالخبر المفرد كما يوهمه كلامه، بل يأتي ذلك في الجار والمجرور [وقد] قال الفارسي: - في ﴿أجعلتم سقاية الحاج﴾ الآية - التقدير أهل سقاية [الحاج]، أو كإيمان من آمن؛ لتشبه ذات بذات، أو حدث بحدث.
وقال بعضهم: - في ﴿والعقبة للتقوى﴾ - إن التقدير لذوي التقوى.
وكأن المعنى - أيضًا - على تقدير صفة للمبتدأ، أي والعاقبة الحسنة، أو المحمودة.
«أو مشعر بلزوم حال تلحق العين بالمعنى» نحو: زيد صوم، جعلته إياه مبالغة، وليس بتقدير (ذو).
لأنه - حينئذ - يصدق على القليل والكثير، وإنما يقال:
فلان صوم، إذا أدمن الصوم.
«والمعنى بالعين» نحو: نهاره صائم وليله قائم.
«مجازًا» راجع إلى مسألتي إلحاق العين بالمعنى، والمعنى بالعين.
«ولا يتحمل غير المشتق ضميرًا» فإذا قلت: هذا أسد - مشيرًا إلى السبع - فأسد اسم جامد لا ضمير فيه.
«ما لم يؤول بمشتق» فيتحمل الضمير نحو: زيد أسد، إذا أول بشجاع، ويسند - حينئذ - إلى الظاهر فيرفعه نحو: زيد أسد أبوه، على أن يكون (أبوه) فاعلًا ب (أسد).
قاله المصنف.
«خلافًا للكسائي» في قوله: إن الجماد يتحمل الضمير مطلقًا: أول بمشتق أو لم يؤول به، فالخلاف راجع إلى قوله: ولا يتحمل غير المشتق ضميرًا.
فقط.
قال المصنف: وهذا القول وإن كان مشهور الانتساب إلى الكسائي، دون تقييد، فعندي استبعاد لإطلاقه؛ إذ هوة مجرد عن دليل، والأشبه أن يكون حكم بذلك في جامد عرف لمساه معنى ملازم لا انفكاك عنه: كالإقدام والقوة للأسد، والحمرة والحرارة للنار.
وهذا تقييد يرجع بالمسألة إلى الوفاق فإن ما قيد به هو معنى التأويل بالمشتق.
ونقل ابن المصنف هذا القول في شرح الخلاصة عن الكوفيين وسبقه إلى نقل ذلك عنهم صاحب البسيط، وزاد نقله عن الرماني.
قال الرضي: وكأن الكسائي نظر إلى أن معنى (زيد أخوك): متصف بالأخوة،
وهذا زيد [أي] متصف بالزيدية، أو محكوم عليه بكذا؛ وذلك لأن الخبر عرض فيه معنى الإسناد بعد أن لم يكن، فلا بد من رابط، وهو الذي يقدره أهل المنطق بين المبتدأ والخبر.
«ويتحمله المشتق خبرًا» نحو: زيد قائم «أو نعتًا» نحو: رب رجل كريم لقيته.
«أو حالًا» نحو: جاء زيد راكبًا.
«ما لم يرفع ظاهرًا لفظًا» نحو: الزيدان قائم أبواهما.
«أو محلًا» نحو: الكافر مغضوب عليه، فلا يتحمل الضمير حينئذ.
«ويستكن الضمير» فيما ذكر من خبر ونعت وحال.
وظاهره إيجاب الاستكنان، فإن قيل: قائم هو، كان توكيدًا، لا فاعلًا، وقد أجاز سيبويه الوجهين معًا في: مررت برجل مكرمك هو.
«إن جرى متحمله» وصفًا كان أو فعلًا «على صاحب معناه» نحو: [زيد] هند ضاربته، أو تضربه، أي (هي) في الصورتين.
وإنما حملنا قوله: (متحمله) على ما هو أعم من الصفة والفعل؛ لأنه قد صرح في شرحه بوجوب الإبراز في الفعل عند خوف اللبس نحو: غلام زيد يضربه هو، وهو حسن.
وأما قول غيره إنك ترفع اللبس بتكرير الظاهر ففيه وضع الظاهر موضع المضمر في غير موضع التفخيم، وهو ضعيف.
قاله ابن قاسم.
وقد يعارض بأن في الإبراز [أيضًا] فصل الضمير مع تأخره عن العامل/ وقوة الطالب.
«وإلا» يجر متحمله على صاحب معناه، بل على غيره «يرز» وجوبًا إن
خيف اللبس نحو: زيد عمرو ضاربه هو، باتفاق أهل البلدين.
«وقد يستكن» وقد لا يستكن «إن أمن اللبس، وفاقًا للكوفيين» فيجوز - على قولهم في: زيد هند ضاربها هو - كون (هو) فاعلًا، وكونه تأكيدًا، وأما زيد عمرو ضاربه هو، ففاعل لا غير، والبصريون يوجبون الفاعلية فيهما، ويمنعون التأكيد؛ لإيجابهم الإبراز، وتظهر فائدة ذلك في التثنية والجمع، فيقول البصريون: الهندان الزيدان ضاربتهما هما، ويقول الكوفيون: مثل ذلك: إن قدروا الضمير فاعلًا، وإن قدروه توكيدًا قالوا: ضاربتاهما هما، وكذلك الحكم في الجمع، والمسموع من العرب إفراد الوصف إلا على لغة: أكلوني البراغيث.
وقد استدل للكوفيين بما حكاه الفراء عن العرب: كل ذي عين (ناظرة إليك وأجيب: بأن التقدير ألحاظ كل ذي عين)، وحمل عليه - أيضًا - ﴿فظلت أعناقهم لها خاضعين﴾، وتوالت على إقحام الأعناق، أو جعلها جمعًا لعنق، بمعنى جماعة، ومنه قولهم: أتانا عنق من الناس، أي جماعة واستدل لهم - أيضًا - بقول الشاعر:
قومي ذرى المجد بانوها وقد علمت بكنه ذلك عدنان وقحطان
وأجيب: بأن التقدير قومي بانون ذرى المجد بانوها.
ولما رأى المصنف ما في هذه التأويلات من التكلف قال بالمذهب الكوفي، تمسكًا بالظاهر.
«والجملة اسمية» نحو: زيد أبوه قائم.
«وفعلية» نحو: زيد قام أبوه: وبعض المحققين على أن لا إسناد في الجملة - من حيث هي - إلى زيد، بل القيام - مثلا - في نفسه مسند إلى الأب، ومع تقييده مسند إلى زيد، وأما المجموع المركب من زيد، ومن القيام والنسبة الحكمية بينهما فلم يسند إلى زيد؛ ولذلك يؤولون (زيد قام أبوه) بأنه قائم الأب، وأما قولهم: إن الخبر هو الجملة بأسرها فمن الاتساعات التي لا تلتبس معانيها.
وزاد ابن هشام - في أقسام الجملة - الظرفية، وهي المصدر بظرف أو جار ومجرور نحو: أعندك زيد؟، أو أوفي الدار زيد؟، إذا قدرت زيدًا فاعلًا بالظرف أو
الجار والمجرور، لا بالاستقرار المحذوف، ولا مبتدأ مخبرًا عنه بهما.
«ولا يمتنع كونها» أي الجملة الواقعة خبر المبتدأ «طلبية» نحو: زيد اضربه، ومنه قول الشاعر:
قلب من عيل صبره كيف يسلو؟ صاليًا نار لوعة وغرام
«خلافًا لابن الأنباري [وبعض الكوفيين]» فإنه ذهب إلى أنه لا يصح الإخبار عن المبتدأ بالجملة الطلبية لأن الخبر ما يحتمل الصدق والكذب.
وينبغي أن يمنع الإنشائية التي ليست بطلبية أيضًا لعين هذه العلة، وهذا غلط نشأ من اشتراك لفظ الخبر بين ما يقابل الإنشاء وبين خبر المبتدأ، ولم يرد النحاة أن خبر المبتدأ يجب أن يكون ثابتًا للمبتدأ، على معنى أنه يجب أن تكون نسبته إليه موقعة موجبة؛ ليتجه أن هذا الوجوب مختص بالكلام الخبري والقضية الموجبة، بل أريد أنه يجب أن تعتبر نسبته إلى المبتدأ سواء كانت مرفوعة أو موضوعة أو مشككًا فيها، فيدخل في ذلك الظرف في نحو: قولك أزيد عندك؟؛ إذ تقديره: أزيد حاصل عندك؟ [واعتبار النسبة بالثبوت بينهما مما لا ينبغي أن ينازع فيه، لأن المبتدأ إنما]
ذكر لينسب إليه - بطريق من الطرق - حال من أحواله، ويرتبط به - بوجه من الوجوه - حكم من أحكامه؛ ولهذا فرق بين: ضربت زيدًا، وزيد ضربته، فحكم بأن زيدًا - في الأول مفعول به، وفي الثاني مبتدأ، مع أن فعل الفاعل واقع عليه في 136 الصورتين، لأنه ذكر في الأول بيانًا لما/ وقع عليه الفعل، وفي الثاني ليسند إليه حال من أحواله وحكم من أحكامه؛ ولذلك صرحوا بأن (زيد أبوه منطلق) معناه زيد منطلق الأب، وعلى هذا فنقول معنى الجملة الإنشائية - طلًا كان أو غيره - وإن كان حاصلًا معها لكنه قائم بالطالب والمنشئ، فإذا قلت: زيد اضربه، فطلب الضرب صفة قائمة بالمتكلم، وليس حالًا من أحوال زيد، إلا باعتبار تعلقه به، أو كونه مقولًا في حقه، واستحقاقه أن يقال فيه، ولابد أن يلاحظ في وقوعه خبرًا - هذه الحيثية، فكأنه قيل: زيد مطلوب ضربه، أو مقول في حقه ذلك، لا على معنى الحكاية بل على معنى أنه يستحق أن يقال فيه، فيستفاد - من لفظ (اضربه) - طلب ضربه، ومن ربطه بالمبتدأ معنى آخر لا يستفاد من قولك: اضرب زيدًا.
وامتناعه من احتمال الصدق والكذب بحسب المعنى الأول لا ينافي احتمالها بحسب المعنى الثاني.
هكذا قرر هذا الحل بعض المتأخرين، وهو في غاية الحسن.
«ولا» [يمتنع أيضًا كون الجملة الواقعة خبرًا للمبتدأ جملة] «قسيمة، خلافًا لثعلب» فإنه منع نحو: زيد لأكرمنه، وعلل ذلك بعضهم بأن نحو: لأفعلن لا محل له، فإذا بنى على المبتدأ فقيل: زيد ليفعلن، صار له موضع.
قال ابن هشام في المغني: وليس بشيء؛ لأنه إنما منع وقوع الخبر جملة قسمية لا جملة هي جواب القسم، ومراده أن القسم وجوابه لا يكونان خبرًا، إذ لا ينفك إحداهما عن الأخرى، وجملتا القسم والجواب يمكن أن يكون لهما محل كقولك: قال زيد أقسم لأفعلن.
انتهى.
قلت: هذا فيه تسليم لصحة ما اعتل به هذا القائل من أن صيرورة ما لا محل له ذا محل باطل، ورده أن كل جملة أخبر بها عن ضمير الشأن لا محل لها قبل الإخبار بها عنه، بوعد الإخبار تصير ذات محل من الإعراب، ألا ترى أن قولك: - ابتداء - زيد قائم، لا محل له من الإعراب، ويصح جعلها خبرًا لضمير الشأن، فتقول: هو زيد قائم، فيصير في محل رفع.
ثم قال ابن هشام: إنما المانع عنده: إما كون جملة القسم لا ضمير فيها، فلا تكون خبرًا، لأن الجملتين هنا ليستا كجملتي الشرط والجزاء؛ لأن الثانية ليست معمولة لشيء من الأولى؛ ولذا منع بعضهم وقوعها صلة.
وإما كون جملة القسم إنشائية، والخبر لابد له من احتماله للصدق والكذب.
قال: وكل
منها ملغىً:
أما الأول - فلأن بين الجملتين ارتباطًا صارتا به كجملة وإن لم يكن ثم عمل.
وأما الثاني - فلأن احتمال الصدق والكذب [إنما هو] في الخبر القسيم للإنشاء، لا في خبر المبتدأ للاتفاق على أن أصله الإفراد واحتمال الصدق والكذب من صفات الكلام، وعلى [جواز] أين زيد؟ وكيف عمرو؟.
قال: وزعم ابن مالك، أن السماع ورد بما منعه ثعلب، قال تعالى: ﴿والذين أمنوا وعملوا الصالحات لندخلنهم في الصلحين﴾، ﴿والذين أمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم﴾ ﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم﴾.
[ثم] قال: وعندي لما استدل به تأويل لطيف، وهو أن المبتدأ في ذلك