تعليق الفرائد على تسهيل الفوائدصفحات 215-254

[والجملة] لا تتأثر بالعوامل, فلما كانت صلة الألف واللام مفردًا جيء بالإعراب فيه على مقتضى الدليل, لعدم المانع.
كذا قال, وفيه نظر, لأن حق الإعراب أن يدور على الموصول لأنه المقصود, وإنما جيء بالصلة لتوضحه, والدليل عليه ظهور [كل] الإعراب في أي الموصولة نحو: جاءني أيهم ضربته, وكذا في اللذان واللتان فيمن قال بإعرابهما واللذون على لغة.
«وتوصل» الألف واللام «بصفة» فشمل اسم الفاعل واسم المفعول.
قال المصنف: والصفة المشبهة.
وقد صرح جماعة بأن الصفة المشبهة لا تكون صلة الألف واللام.

قال ابن هشام: لأنها للثبوت / فلا تؤول بالفعل؛ ولهذا كانت الداخلة على [اسم] التفضيل ليست موصولة باتفاق.
وقال الرضي: إنما لم توصل اللام بالصفة المشبهة مع تضمنها للحكم, لنقصان مشابهتها للفعل, ولذا لم توصل بالمصدر, لأنه لا يقدر بالفعل إلا مع ضميمة (أن) وهو معها بتقدير المفرد, والصلة لا تكون إلاجملة.

وقال ابن الحاجب ما معناه, إنما التزم في صلة الألف واللام واللام أن تكون اسم فاعل أو اسم مفعول فقط؛ لأنهم لما رأوها موافقة للألف واللام الحرفية [في] نحو الرجل لفظًا ومعنى: أما لفظًا فواضح, وأما معنى فلأنها للتعريف مثل اللام الحرفية.

قلت: فيه نظر؛ لأن [أل] الحرفية معرفة لما دخلت عليها من الاسم, و (أل) الاسمية موصولة معرفة بصلتها الداخلة هي عليها باعتبار ما فيها من العهد كما هو الصحيح في تعريف الموصول على ما مر, فأين إحداهما من الأخرى بحسب المعنى! !

ثم قال: فلما وافقتها قصدوا أن لا تدخل إلا على المفرد [كما لا تدخل تلك إلا على المفرد] للمشابهة المذكورة, وخصوصًا بالجملة الفعلية ليسبكوا من الفعل اسم فاعل أو مفعول بحسب ما يقتضيه معنى الفعل, فإن كان الفعل مبنيًا للفاعل نحو: الذي ضرب أو يضرب - بصيغة المبني للفاعل - قلت: الضارب؛ لأن معنى المبني للفاعل يقتضي اسم الفاعل, وإن كان الفعل مبنيًا للمفعول نحو: الذي ضرب أو يضرب

-[بصيغة المبني للمفعول]-

قلت: المضروب؛ لأن معنى الفعل المبني للمفعول يقتضي اسم المفعول, ولم يدخلوها على الجملة الاسمية؛ لتعذر أن يسبك منها مفرد يصح دخول الألف واللام عليه.
ويمكن أن يرد هذا بطريق السؤال والجواب كما وقع [له] في شرح المفصل.
فيقال: قولهم صلة الموصول يجب أن تكون جملة, منقوض باسم الفاعل والمفعول في مثل: الضارب والمضروب, فإنه صلة وليس بجملة.
ويجاب بأن اسم الفاعل والمفعول في ما ذكر في معنى الجملة, وإنما وقع مفردًا لإرادة المشاكلة بين (أل) الموصولة و (أل) المعرفة [في مثل الرجل] فسبكوا من الجملة اسم فاعل أو مفعول ليوفروا على الألف واللام ما يقتضيه من المفرد والمعنى على ما كان عليه, فكان فيه وفاء بالغرضين.

واحترز المصنف بقوله: «محضة» عما يوصف به وليس بمشتق كأسد,

وعن الصفة التي غلبت عليها الاسمية كأبطح وأجرع وصاحب وراكب, فـ (أل) في ذلك كله معرفة لا موصولة.
«وقد توصل» الألف واللام «بمضارع اختيارًا» كقوله: ما أنت بالحكم الترضى حكومته... ولا الأصيل ولا ذي الرأي والجدل فوصلها بترضى وهو فعل مضارع وكقوله: يقول الخنا وأبغض العجم ناطقًا... إلى ربنا صوت الحمار اليجدع

قال المصنف في الشرح: وعندي أن هذا غير مخصوص بالشعر؛ لتمكن قائل الأول من أن يقول: ما أنت بالحكم المرضي حكومته.
ولتمكن قائل الثاني من أن يقول: إلى ربنا صوت الحمار يجدع.
وأنشد أبياتًا أخر, ادعى فيها كلها عدم الاضطرار بهذه الطريقة.
وحاصلها أن الضرورة [عنده] عبارة عما ليس للشاعر عنه مندوحة, وهذا ليس بمرضي؛ لأن الشاعر لا يلزمه تخيل جميع العبارات التي يمكن أداء المقصود بها, فقد لا يحضره في وقت النظم إلا عبارة واحدة تحصل غرضه فيكتفي بها, ولو فتح هذا الباب لاتسع الخرق وأمكننا في كل ما يدعى أنه ضرورة أن يدعى أنه أمر اختياري, لتمكن الشاعر من أن يقول غير تلك العبارة, ويعين تركيبًا آخر يتم الوزن به, وهذا سهل على من له محاولة لنظم / الشعر ولا يكاد يعوزه ذلك في جميع الأشعار أو غالبها, لإهذه طريقة كما تراها, والمعول عليه عندهم في تفسير الضرورة, أنه ما لا يوجد إلا في الشعر, كان للشاعر عنه مندوحة أو لم تكن.

[قلت]: وقد ظهر لي هنا شيء [آخر] وهو [استدراك على النحاة وذلك] أنهم أجمعوا على أن جملة الصلة لا محل لها من الإعراب, وهذا على إطلاقه غير صحيح, بل ينبغي التفصيل بين صلة (أل) وصلة غيرها: فالصلة في الثاني لا محل لها قطعًا؛ ضرورة أنه لا يصح حلول المفرد محلها.
وأما صلة (أل) حيث توصل بالفعلية ذات [الفعل] المضارع: إما اختيارًا - كما يقول ابن مالك - أو اضطرارًا - كما يقول غيره - وحيث توصل بجملة غير المتقدمة على وجه الضرورة بالإجماع, فينبغي أن يكون لها محل من الإعراب, ويكون محلها بحسب ما يقتضيه العامل في المفرد الذي يصح حلوله محلها: من رفع ونصب وجر, فيحكم بأنها في محل رفع [في مثل] قوله: لا تبعثن الحرب إني لك الينـ... ذر من نيرانها فاتق وفي محل نصب مثل: [حالف ووال اليتقي ربه... وخالف اليعصيه ولا ترعه وفي مثل] قولك: لا أحب اليروح للهو.

وفي محل جر في مثل قوله: ما أنت بالحكم الترضى حكومته.......................... وهذا من الغرائب, أن تكون جملة يثبت لها بحسب محلها أنواع إعراب الاسم, لا بطريق التبعية في الأنواع الثلاثة, ولا في شيء منها, ويمكن أن يحاجى به, وقد يعتذر عن تركهم ذلك بأن هذا لا يستعمل إلا في الضرورة [أو فيها] وفي قليل من الكلام, وفيه ما لا يخفى.
«ومبتدأ وخبر» عطف على مضارع, أي وقد توصل بمبتدأ وخبر.
«أو ظرف اضطرارًا» فالأول كقوله: من القوم الرسول الله منهم... لهم دانت رقاب بني معد

والثاني كقوله: من لا يزال شاكرًا على المعه... فهو حر بعيشة ذات سعة «ويجوز حذف عائد غير الألف واللام إن كان» ضميرًا «متصلًا» فلو كان منفصلًا نحو: جاء الذي إياه أكرمت, أو ما أكرمت إلا إياه, امتنع حذفه.
«منصوبًا بفعل» نحو: ﴿أهذا الذي بعث الله رسولًا﴾.
«أو وصف» كقوله: ما الله موليك فضل فاحمدنه به... فما لدى غيره نفع ولا ضرر أي موليكه, فلو نصب بغير فعل, أو وصف نحو: جاء الذي كأنه قمر, امتنع حذفه.
فإن قلت: قد نصوا في قوله تعالى: ﴿أين شركائي الذين [كنتم] تزعمون﴾ أنه يجوز أن يكون التقدير: تزعمونهم شركاء, وهذا لا إشكال فيه, وأن يكون التقدير: تزعمون أنهم شركاء, وعلى هذا فقد صح حذف العائد المنصوب بغير فعل ولا وصف؟ قلت: إنما الذي اعتمد بالحذف المعمول المشتمل على الضمير, ولم يعتمد

الضمير بالحذف, ورب شيء يجوز تبعًا لغيره ولا يجوز مستقلًا, مثاله: حذف الفاعل في نحو: زيدًا ضربته, تبعًا للفعل, وحذف الفاء في نحو: ﴿فأما الذين استودت وجوههم أكفرتم﴾.
وزاد بعضهم لجواز حذف العائد المنصوب شروطًا أخر: أحدها: أن يكون غير متبع, فنحو: جاء الذي ضربته نفسه أو وزيدًا لا يجوز فيه الحذف, هذا قول أبي بكر [بن السراج] وأكثر أصحابه, وأجازهما على الحذف الأخفش والكسائي, [واتفقوا على جواز الحال من المحذوف نحو: جاء الذي ضربت مكتوفًا.
الثاني: أن يكون متعينًا] للربط, وإلا لم يجز الحذف نحو: جاء الذي ضربته في داره, ذكره ابن عصفور وغيره.
الثالث: أن يكون الفعل الناصب تامًا لا ناقصًا نحو: جاء الذي كنته.
«أو» كان.
«مجرورًا بإضافة صفة ناصبة له تقديرًا» نحو: جاء الذي أنا مكرمه الآن أو غدًا, ومنه قوله تعالى: ﴿فاقض ما أنت قاضٍ﴾ وقال طرفة بن العبد: ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلا... ويأتيك بالأخبار من لم تزود

ودعوى ابن عصفور أن حذفه ضعيف جدًا مردودة بوروده في القرآن العزيز, فلو كان المضاف غير صفة نحو: جاء الذي وجهه حسن أو صفة غير عاملة نحو: جاء الذي أنا ضاربه أمس لم يجز حذف العائد حينئذ.
«أو» كان مجرورًا «بحرف جر بمثله معنى ومتعلقًا الموصول أو موصوف به» أي بالموصول مثال الأول: قوله تعالى: ﴿ويشرب مما تشربون﴾ أي منه, فالعائد المجرور قد جر يمن, وقد جر الموصول [الذي] هو (ما) بمثلها معنى ومتعلقًا: أما معنى فلأن كلا منهما لابتداء الغاية, وأما متعلقًا فلأن العامل الذي تعلقت به (من) الأولى (يشرب), والذي تعلقت به (من) الثانية (تشربون), وتماثلهما واضح.
وتشمل المماثلة في المتعلق أن يكون أحد المتعلقين فعلًا والآخر وصفًا كقول حاتم:

وقد كنت تخفي حب سمراء حقبة... قبح لان منها بالذي أنت بائح أي به.
ومثال الثاني: وهو أن يكون العائد مجرورًا بحرف, والموصوف بالموصول مجرورًا بمثل ذلك الحرف معنى ومتعلقًا - قولك: مررت بالرجل الذي مررت, [أي به, فلو جر العائد بحرف, والموصول ليس مجرورًا, نحو: جاء الذي مررت] به, امتنع الحذف إلا في الندور كقوله: ومن حسد يجور عليّ قومي... وأي الدهر ذو لم يحسدوني أي فيه, ولو جر الموصول بحرف لا يماثل [الحرف] الجار للعائد امتنع [الحذف] أيضًا, إلا للضرورة كقوله:

فأصبح من أسماء قيس كقابض... على الماء لا يدري بما هو قابض أي عليه.
قال ابن القاسم: وإن تماثلا معنى واختلفا لفظًا لم يحذف نحو: حللت في الذي حللت به, إذ لو حذف لتبادر أنه فيه.
قلت: فيرد هذا على المصنف؛ إذ لم يشترط المثلية في اللفظ.
[قال: ] وإن تماثلا لفظًا ومعنى, واختلفا متعلقًا لم يجز الحذف نحو: مررت بالذي مررت به.
قال: وترك المصنف موضعين يجوز فيهما الحذف: أحدهما: أن ينجر العائد بحرف جر بمثله عائد على الموصول بعد الصلة كقوله: ولون ما عالجت لين فؤادها... فقسا استلين به للان الجندل

أي عالجت به, ذكره المصنف في الكافية, وذكر غيره أن الحذف في هذا البيت ونحوه ضرورة.
الثاني: أن يدخل [الحرف] على المضاف إلى الموصول نحو: مررت بغلام الذي مررت.
[قال]: وأهمل ثلاثة شروط: الأول: أن لا يكون المجرور في موضع ما لم يسم فاعله نحو: مررت بالذي مر.
قلت: لا حاجة بالمصنف إلى ذكر هذا, فإنه قد ذكر في باب الفاعل أنه لا يحذف الفاعل وحده, ونائبه مثله.

قال: الثاني: أن لا يكون ثم ضمير آخر يصلح للعود نحو: مررت بالذي مررت به في داره.
قلت: وهذا أيضًا مستغنى عنه, ضرورة أنه قد علم أنه لابد للمحذوف من قرينة تدل عليه, وفي هذه الصورة لا يقوم على المحذوف قرينة, فلا يجوز حذفه, عملًا بهذه القاعدة [العامة] المعلومة.

قال: الثالث: أن لا يكون محصورًا نحو: مررت بالذي ما مررت إلا به, أو إنما مررت به.

قلت: وهذا أيضًا من الطراز الأول, فقد صرح المصنف في باب تعدي الفعل ولزومه أن المفعول المحصور لا يجوز حذفه, فإذن هذه كلها أمور قد علمت في أبوابها, فلا حاجة إلى التنبيه عليها, ولا يكون تركه إعراضًا.
«وقد يحذف منصوب صلة الألف واللام» كقوله:

ما المستفز الهوى محمود عاقبة... وإن أتيح له صفو بلا كدر أي ما الذي يستفزه الهوى, والجمهور على منع الحذف في مثل ذلك.

«و» قد يحذف أيضًا العائد «المجرور بحرف, وإن لم يكمل شرط الحذف» كقوله:

ومن حسد يجور علي قومي... وأي الدهر ذو لم يحسدوني وقد تقدم إنشاده.
فإن قلت: الواو من قوله: (وإن لم يكمل شطر الحذف) هو كالواو في مثل: (أعطوا السائل وإن جاء على فرس) وبعضهم يجعلها للعطف على مقدر [وهو ضد المذكور, أي إن لم يجئ على فرس وإن جاء على فرس], واعتبار ذلك في كلام المصنف يفسد المعنى؛ لأنك إذا قدرت إن كمل شرط الحذف, وإن لم يكمل.
لزم أن يكون الحذف عند توفر شرائط الحذف قليلًا؛ وذلك لأن قوله: (المجرور بحرف) معطوف على المرفوع بـ (يحذف) الذي دخل عليه حرف التقليل.

قلت: الزمخشري يرى أن الواو في مثله واو الحال لا واو العطف, وعليه فلا إشكال, وسيأتي في ذلك كلام في باب الحال إن شاء الله تعالى.
«ولا يحذف» العائد «المرفوع إلا مبتدأ» فخرج: ضربًا وضربًا وكانا فاضلين وخبر المبتدأ وإن ونحو ذلك.
«ليس خبره جملة» اسمية ولا فعلية.
«ولا ظرفًا» أو شبه ظرف أعني الجار والمجرور, فإن كان خبره شيئًا من ذلك لم يحذف نحو: ﴿الذين هم يراؤون﴾.
ونحو: الذي هو غلامه منطلق, ونحو: الذي هو عندك, والذي هو في الدار؛ لأنه لو حذف لم يدر أحذف شيء أم لا؟ لأن الباقي صالح لأن يكون صلة تامة.
«بلا شرط آخر عند الكوفيين» فيجوز عندهم جاء الذي قائم.
«وعند البصريين بشرط الاستطالة في صلة غير أي» نحو: ﴿وهو الذي في السماء إله وفي الأرض إله﴾, ومثله قول بعض العرب: ما أنا بالذي قائل لك سوءًا.
«غالبًا» إشارة إلى قراءة بعضهم: ﴿تمامًا على الذي أحسن﴾.
«وبلا شرط في صلتها» أي صلة أي كقوله: إذا ما لقيت بني مالك... فسلم على أيهم أفضل

«وهي» يعني أيًا «حينئذ» أي حين إذ حذف المبتدأ الذي هو صدر صلتها.
«[باقية] على موصوليتها مبنية على الضم» تشبيهًا بقبل وبعد, لأنه حذف منه بعض ما يوضحه ويبينه من الصلة لأنها المبينة للموصول, كما حذف من قبل وبعد المضاف إليه المبين للمضاف, نحو: ﴿لننزعن من كل شيعة أيهم أشد على الرحمن عتيا﴾.
وأشار بقوله: «غالبًا» إلى أن بعض العرب يعربها مع ذلك ولا بينهما كقراءة طلحة ومعاذ: (أيهم [أشد]) بالنصب.
«خلافًا للخليل ويونس» فإنهما يقولان: ليست حينئذ موصولة, وإنما هي استفهامية معربة, ثم اختلفا في تخريج الآية بالنسبة إلى مفعول (ننزع): فقال الخليل: محذوف, والتقدير لننزعن الفريق الذي يقال فيهم [أيهم] أشد؟ وبرده أنه لا يجوز أن يقال: لأضربن الفاسق, بالرفع بتقدير: الذي يقال فيه الفاسق.

وقال يونس: الجملة, وعلق (ننزع) عن العمل لأجل الاستفهام.
ويرده أن التعليق مختص بأفعال القلوب, و (ننزع) ليس منها, ويبطل مذهبهما جميعًا قوله: ........ فسلم على أيهم أفضل على رواية من رواه بضم (أي), لأن حرف الجر لا يعلق, ولا يجوز حذف المجرور ودخول الجار على معمول صلته.
«وإن حذف ما تضاف إليه أعربت مطلقًا» سواء حذف صدر صلتها, أو لم يحذف, نحو: اضرب أيًا هو قائم, واضرب أيًا قائم.
قال الزجاج: ما تبين لي أن سيبويه غلط إلا في موضعين هذا أحدهما, فإنه يسلم أنها تعرب إذا أفردت, فكيف يقول ببنائها إذا أضيفت! ! وقد حكي أن سيبويه قال معتذرًا عن ذلك: لما بعدت / عن حال أخواتها بحذف أحد جزءي الابتداء, كان ذلك مخالفًا لأخواتها, فغيروها تغييرًا ثانيًا؛ لأن التغيير يأنس بالتغيير.

وقال الرضي: إذا حذف صدر صلتها بنيت كأخواتها الموصولة, وذلك أن شيئًا إذا فارق أخواته لعارض فهو شديد النزوع إليها, فبأدنى سبب يرجع إليها.
ولا يخفاك ضعف هذين الاعتذارين.
«وإن أنثت» أي الموصولة.

«بالتاء حينئذ» أي حين إذ حذف ما تضاف إليه, فقيل أية.
«لم تمنع الصرف, خلافًا لأبي عمرو» فخص الحكم بالموصولة ويأبى عمرو.

وفي حواشي الإسفراييني على كتابه اللباب: إذا قلت: أية صاحبتك؟ فقال أبو عثمان: أية نكرة كمن وما في الاستفهام, قال: ولهذا صرفت.
وقال الأخفش: هي معرفة, وإنما تؤنث؛ لأن التنوين في وسط الكلمة, كما إذا سميت بـ (خير منك), وكان غيره لا يصرفها؛ لأنها معرفة مؤنثة, وكذا حكاه ابن السراج.
وأقول: إن كان لم يتقدم ذكر شيء فهي نكرة؛ إذ التقدير أية صاحبة صاحبتك؟ وإن تقدم ذكر نسوة فهي معرفة, إذ التقدير أيتهن صاحبتك؟ ولكنها مع تعريفها مصروفة, لأن الإضافة منوية, وهي معارضة لمنع الصرف؛ ولعروض التأنيث, وأما الذي يمنع الصرف فإنه رأى أن الصيغة وضعت للمؤنث, ورأى أنها معرفة ولم ينظر لتقدير الإضافة.
انتهى ملخصًا «ويجوز الحضور أو الغيبة في ضمير» الموصول «المخبر به أو بموصوفه» أي بموصوف الموصول المخبر به «عن حاضر» متكلمًا [كان] أو مخاطبًا «مقدم» مثل: أنا الذي فعل أو فعلت.
[وأنت الذي

فعل أو فعلت] اعتبارًا بحال الموصول وحال المخبر عنه.
[لأن المخبر عنه] والمخبر به شيء واحد, واعتبار حال الخبر أكثر وأقيس, كقول الفرزدق: وأنت الذي أمست نزار تعده... لدفع الأعادي والأمور الشدائد ومن اعتبار المخبر عنه قول الفرزدق أيضًا: وأنت الذي تلوي الجنود رؤوسها... إليك وللأيتام أنت طعامها

وبعضهم يخص هذا الحكم بالذي والتي وتثنيتها وجمعهما, ولا يجوز في غيرها إلا الغيبة, وظاهر كلام المصنف التعميم.

واحترز بقوله: (مقدم) من أن يكون المخبر عنه مؤخرًا نحو: الذي قام أنا أو أنت, فيتعين الغيبة, وهو مذهب الفراء, ومقتضى أصول البصريين.

قال ابن قاسم: وهو الصحيح؛ لأنهم يمنعون الحمل على المعنى قبل تمام الكلام.
وأجاز الكسائي ذلك مع التأخير.
«ما لم يقصد تشبيهه» أي تشبيه المخبر عنه «بالمخبر به, فيتعين الغيبة» نحو: أنا في الشجاعة الذي قتل مرحبًا تريد عليًا كرم الله وجهه, وكذا في المخاطب نحو: أنت الذي قتل مرحبًا, وذلك لأن المعنى على حذف مثل, ولو صرح بها تعينت الغيبة.
«ودون التشبيه يجوز الأمران» الحضور والغيبة «إن وجد ضميران» نحو: أنا الذي قام وأكرمت زيدًا, وأنت الذي قام وأكرمته, وتعكس فتقول: أنا الذي قمت وأكرم, وأنت الذي قمت وأكرم, والأحسن البداية بالحمل على اللفظ كقول بعض الأنصار: نحن الذين بايعوا محمدا... على الجهاد ما بقينا أبدا

ومن العكس قوله: لأنت الهلالي الذي كنت مرة... سمعنا به والأرحبي المعلق والكوفيون يمنعون الجمع بين الأمرين حيث لا فاصل قال ابن قاسم: والسماع يشهد لهم.
«ويغني عن الجملة الموصول بها ظرف» نحو: الذي عندك زيد.
«أو جار ومجرور» نحو: الذي في الدار عمرو.
«منوي معه / استقر» (وتقدير الفعل هنا مجمع عليه.
«أو شبهه» أي شبه استقر) نحو: ثبت وحصل, وهذا الكلام يوهم أن هذا المنوي غير الجملة التي قال أولًا: ويغني عن الجملة.
وقد يقال: إن مراده بالجملة الموصول بها الجملة الملفوظ بها, وهي التي عناها في صدر الباب بقوله: وجملة صريحة, فهذه المقدرة مغنية عن الملفوظ بها.
«وفاعل هو العائد» كما مثلنا, فإن الفاعل في قولنا: الذي عندك أو في الدار ضمير عائد على الموصول «أو ملابس له» (نحو: الذي عندك أخوه زيد), فالفاعل هنا ليس بعائد, لكنه ملابس للعائد.
وفي كلامه إشكال, فإن إن كان (فاعل) عطفًا على (ظرف), فالذي استغني عنه فعل لا جملة, وإن كان عطفًا على (استقر) فالملابس للعائد أو الجار والمجرور.
«بذي حدث خاص» نحو: جلس, ونام.
«ما لم يعمل مثله» أي مثل ذلك الحدث الخاص.
«في الموصول» نحو: نزلنا الذي البارحة, أي نزلنا المنزل الذي نزلنا البارحة «أو» في «موصوف به» أي بالموصول نحو: نزلنا المنزل الذي

البارحة, ولعل هذا [إنما] هو عند قيام الدليل على الحدث الخاص, وإلا فلو قام لم يمتنع التركيب, كأن يقال: اعتكف زيد في الجامع, وعمرو في المسجد, فتقول: بل زيد الذي في المسجد وعمرو الذي في الجامع.
«وقد يغني عن عائد الجملة ظاهر» أي عائد الموصول الذي يعود من الجملة, فأضاف العائد إليها لهذه الملابسة.
وذلك كقولهم: - فيما حكاه الكسائي: أبو سعيد الذي رويت عن الخدري والحجاج الذي رأيت ابن يوسف.

فإن قلت: هذا تكرير لقوله - أول الباب - (أو خلفه) فإن المراد بخلف العائد هو الاسم الظاهر.
قلت: ليس كذلك, فإن المفاد هنا قلة وجود الخلف, وهذا ليس بمستفاد هناك.

«فصل»: يذكر فيه أحكام (من وما) موصولتين كانتا أو غير موصولتين.

«من وما في اللفظ» أي بسبب اعتبار اللفظ, فـ (في) سببية مثل: (دخلت امرأة النار في هرة) «مفردان مذكران, فإن عني بهما» أي بمن وما, والمراد بكل واحد منهما «غير ذلك» المذكور الذي هو المفرد المذكر, بأن يعنى مثنى أو جمع أو مؤنث.
«فمراعاة اللفظ» وهو الإفراد والتذكير.
«فيما اتصل بهما» أي جاء بعدهما من ضمير سابق بالعود إلى الموصول سواء كان بينهما فاصل نحو: ﴿ومنهم من يؤمن به﴾ أو لم يكن نحو: ﴿أمن هو قانت﴾ ولو أريد بالمتصل الضمير الذي إلى جانب الموصول من غير فاصل, لم يشمل سوى نحو: ﴿أمن هو قانت﴾.
«و» فيما اتصل.
«بما أشبههما» مما لفظه مفرد مذكر, وقد يعنى به غير ذلك.
قال المصنف: وأشرت بذلك إلى نحو: (كم) و (كأين).

وفي شرح ابن قاسم: أن المصنف خص (كم) و (كأين) ولا خصوصية, بل كل لفظ له لفظ ومعنى: كـ (من) و (ما) و (أي) و (أل), وأن المصنف لولا تفسيره بـ (كم) و (كأين) لصح أن يفسر ببقية الموصولات التي لها لفظ ومعنى.

فأما اعتراضه بأن المصنف خص (كم) و (كأين) ولا خصوصية فمردود بأن المصنف لم يذكر (كم) و (كأين) إلا لضرب من التمثيل لا للحصر, ومثل بما يخفى, وليعلم أن ذلك لا يختص بالباب, ثم قوله: أشرت إلى نحو: (كم) و (كأين).
ظاهر في أن الحكم المذكور غير مختص بهما.
وأما ذكره لـ (أل) فغلط, وذلك لازم للمصنف أيضًا, فإنه أطلق.
«أولى» من مراعاة المعنى؛ لأنه الأكثر في كلام العرب نحو: ﴿ومنهم من يستمع إليك﴾ ﴿ومنهم من يؤمن به﴾ ﴿ومنهم من ينظر إليك﴾ ﴿أفمن أتبع رضوان الله﴾.
ومن مراعاة المعنى قوله تعالى: ﴿ومنهم من يستمعون إليك﴾ وقال الفرزدق:

تعش فإن عاهدتني لا تخونني... نكن مثل من يا ذئب يصطحبان

وقال امرؤ القيس: فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها... لما نسجتها من جنوب وشمأل «ما لم يعضد المعنى سابق» على الضمير (العائد) سواء سبق على الموصول كقوله:

وإن من النسوان من هي روضة................... أو لا كقوله تعالى: ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل صالحًا﴾ فيمن أنث (تعمل).
«فتختار مراعاته» أي مراعاة المعنى على مراعاة اللفظ, لما حصل من الاعتضاد الذي قوى جانب المعنى, ولكنه لم ينشأ عن ترك مراعاته محذور, فلم ينته إلى رتبة الوجوب, فجازت رعاية اللفظ أيضًا.
«أو يلزم» بالجزم عطفًا على المجزوم من قوله: ما لم يعضد المعنى والمراد: أو لم يلزم.
«بمراعاة» اللفظ ليس أو قبح, فتجب مراعاة المعنى»:

أما صورة اللبس فنحو: أعط من سألك, لا من سألتك.
بإلحاق علامة التأنيث للفعل الثاني؛ إذ لو لم تلحقها - مع إرادتك للمؤنث - حصل الإلباس.
وأما القبح فمثل: من هي حمراء أمتك, فإنك لو راعيت اللفظ فقلت: من هو [أحمر أمتك, أو من هو] حمراء أمتك, لكان في غاية القبح, فتجب رعاية المعنى.

«مطلقًا» سواء كانت الصفة مما يفرق بين مؤنثها ومذكرها بتاء التأنيث كمسحنة, أو لا كحمراء.
«خلافًا لابن السراج في نحو: من هي محسنة أمك» فإنه لا يوجب رعاية المعنى, بل يجوز رعاية اللفظ والمعنى, فتقول على مذهبه: من هي محسنة أمك, ومن هو محسن أمك, وشبهته أن (محسنًا) شبيه بمرضع ونحوه من الصفات الجارية على الإناث بلفظ خال من علامة, بخلاف أحمر, فإن إجراءه على المؤنث لم يقع.
قال ابن هشام: والمصنف لما يمثل بحمراء يقول: أمتك, وبمحسن أو محسنة يقول أمك, فلينظر في وجه ذلك.
قلت: الأمر فيه سهيل, وكأن الحامل [له] على ذلك ذكر الأم بأحسن

صفاتها, من حيث هي أم مع رعاية الأدب في عدم مواجهة المخاطب يذكر ما يرجع إلى صفة جمال تتعلق بأمه, وأما الأمة فذكرها بما تمدح به من حيث هي أمة, وهو ما يرجع إلى حسن لونها, وليس في ذكرها بذلك إخلال بالأدب, والأمر في ذلك قريب.
«فإن حذف هي» وقيل: من محسن أمك.
«سهل التذكير».. قال المصنف: أجاز ابن السراج (من هي محسن أمك, ومن محسن, فأما من محسن فقريب, وأما) من هي محسن ففيه من القبح قريب مما في (من هي أحمر) فوجب اجتنابهما.
وقد تلخص من كلام المصنف ثلاثة مسائل: إحداها من هي حمراء أمتك, وضابطها أن تخبر عن الموصول بمبتدأ مغاير للفظه, وتكون الصلة مبتدأ وخبرًا, وذلك الخبر لا يوافق خبر الموصول, إذا روعي لفظ الموصول, ولا يشبه ما يوافقه, فهذه يجب فيها مراعاة المعنى في جزأي الصلة جميعًا فيقال: من هي حمراء أمتك.
وتمتنع مراعاة اللفظ فيهما معًا, فلا يقال: من هو أحمر أمتك, وفي الأول دون الثاني, فلا يقال: من هو حمراء أمتك, وعكسه, فلا يقال: من هي أحمر أمتك, كما أن مسألة الإلباس يتعين فيها رعي المعنى, ويمتنع رعي اللفظ, والعلة في المنع هنا القبح, وذلك في الثانية والثالثة من وجهين: تخالف الخبر والمخبر عنه في

الصلة, وتخالفهما في الموصول وخبره؛ لأن الصلة والموصول كشيء واحد, فكأنك حينئذ أخبرت عن موصول مؤنث بمذكر أو بالعكس وعلته في الأولى القبح من الوجه الثاني فقط.

المسألة الثانية: من هي محسنة أمك, وضابطهما كالتي قبلها, إلا أن الخبر هنا الواقع في الصلة يشبه ما يجوز فيه ذلك إذا روعي اللفظ, والحكم في هذه كالحكم في التي قبلها في وجوب تأنيث / جزءي الصلة مراعاة للمعنى, ومنع تذكيرهما, والمخالفة بينهما, إلا أن المسألة الأولى بلا خلاف, وهذه فيها خلاف ابن السراج, فإنه أجاز تأنيث المبتدأ حملًا على الخبر, وتذكير الخبر حملًا على اللفظ نظرًا إلى مشابهة محسن لمرضع في الصورة, وعلى هذا فيمتنع عنده من هي منطلق ومن هي مستخرج ونحو ذلك مما لا يشابه ما يجري على المؤنث, وهو بلفظ التذكير, وينبغي أن يجوز عنده: من هي ظريف, ومن هي كريم أمتك, لشبه ظريف وكريم بجريح, وقتيل, بل يلزمه أن يجيز: من هي أحمر؛ لشبهه بمن هي أفضل, وهو قد منع هذه.

المسألة الثالثة: كالتي قبلها إلا أن العائد حذف, فهذه يقول فيها ابن السراج أيضًا: يجوز مراعاة اللفظ في الخبر, فيذكر, وووافقه المصنف في هذه.
«ويعتبر المعنى بعد اعتبار اللفظ كثيرًا» كقوله تعالى: ﴿ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين﴾.

«وقد يعتبر اللفظ بعد ذلك» نحو: ﴿ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله بغير علم ويتخذها هزوا أولئك لهم عذاب مهين, وإذا تتلى عليه آياتنا... ﴾.

وفي البصريات لأبي علي الفارسي: قال النحويون في قراءة أبي عمرو ﴿ومن يقنت منكن لله ورسوله وتعمل﴾ لو عكس ذلك لم يجز؛ لأنه يكون إلباسًا بعد البيان, وأما إذا حمل على المعنى بعد الحمل على اللفظ فإنه يكون تفسيرًا.

قال ابن هشام: انظر قوله (قال النحويون) فهو مقتض لبطلان مسألة المصنف.

قلت: مسألة المصنف هي اعتبار اللفظ أولًا, ثم اعتبار المعنى ثانيًا, ثم اعتبار اللفظ ثالثًا.
ومسألة الفارسي هي اعتبار المعنى أولًا, ثم اعتبار اللفظ ثانيًا.
ولا يلزم من امتناع الثانية, امتناع الأولى فتأمله.

«وتقع «من» و «ما» شرطيتين» نحو: ﴿من يعمل سوءًا يجز به﴾ ﴿ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها﴾ «واستفهاميتين» نحو: ﴿من إله غير الله﴾ ﴿قال فرعون وما رب العالمين﴾.
«ونكرتين موصوفتين» نحو: مررت بمن معجب لك, ومررت بما معجب لك.

«ويوصف بـ «ما» على رأي» كقولهم: لأمر ما جدع قصير أنفه أي لأمر أي أمر, وهذه التي يعبر عنها بـ (الإبهامية), ويتفرع على الإبهام الحقارة نحو: أعطه شيئًا ما, والفخامة مثل: ............................... لأمر ما يسود من يسود إذا لم تجعل [ما] مصدرية, والنوعية, نحو: اضربه ضربًا ما, وفي الجملة تؤكد ما أفاده تنكير الاسم قبلها.

قال المصنف: والمشهور أنها زائدة منبهة على وصف لائق بالمحل, وهو أولى؛ لأن زيادتها عوضًا عن محذوف ثابتة في كلامهم نحو: أما أنت منطلقًا انطلقت, فزادوها عوضًا من كان, ونحو: حيثما تكن أكن, فزادوها عوضًا من الإضافة, وليس في كلامهم نكرة موصوف بها جامدة كجمودها إلا وهي مردفة بمثل الموصوف نحو: مررت برجل أي رجل, وطعمنا شاة كل شاة, وهذا رجل ما شئت نم رجل, فالحكم على (ما) المذكورة بالاسمية واقتضاء الوصفية حكم بما لا نظير له, فوجب اجتنابه.
«ولا تزاد «من» خلافًا للكسائي» فإنه قال بزيادتها, ولم يتحاش من القول بالزيادة, مع كون (من) اسمًا؛ جريًا على قول أهل بلده الكوفيين: إن الأسماء يجوز أن تزاد, واستدل على مذهبه بقول حسان رضي الله عنه: فكفى بنا فضلا على من غيرنا... حب النبي محمد إيانا

فيمن خفض (غيرنا) ويقول عنترة: يا شاة من قنص لمن حلت له... حرمت عليّ وليتها لم تحرم فيمن رواه بـ (من) دون (ما), وكقول الآخر:

آل الزبير سنام المجد قد علمت... ذاك القبائل والأثرون من عددا وأجيب بأن (من) في الأولين نكرة موصوفة, أي على قوم غيرنا, ويا شاة إنسان قنص, وهذا من الوصف بالمصدر للمبالغة, و (عددًا): إما صفة لـ (من) على أنه اسم وضع موضع المصدر, وهو العد أي والأثرون قومًا عددًا, أي قومًا معدودين.
وإما معمول لـ (بعد) محذوفًا صلة أو صفة لـ (من), و (من) بدل من الأثرون.
فإن قلت: ذكر المصنف زيادة (من) مع الاختلاف فيها, وترك زيادة (ما) مع الاتفاق عليها, فما وجهه؟ قلت: فعل ذلك, لأن كلامه في (ما) الاسمية و (ما) الزائدة حرف, وأما (من) فاسم دائمًا, حتى عند القائلين بزيادتها.
«ولا تقع» من «على ××× لا يعقل» في حال من الأحوال «إلا» في حال كونه «منزلًا منزلته» أي منزلة من يعقل كقوله:

أسرب القطا هل من يعير جناحه؟... لعلي إلى من قد هويت أطير وقول امرئ القيس: ألا عم صباحًا أيها الطلل البالي... وهل يعمن من كان في العصر الخالي

فإنه خاطب في الأول, ونسب الإعارة, ونادى في الثاني, وهذا التنزيل أعم من أن يكون من المتكلم أو من غيره, كما في قوله تعالى: ﴿ومن أضل ممن يدعوا من دون الله من لا يستجيب له﴾ المراد الأصنام.

وحقيقة المسألة أنه متى نسب إلى المسمى شيء, وذلك الكلام شأنه أن لا ينسب نفيًا أو إثباتًا - إلا إلى العقلاء, أجري عليه حكم العاقل, وأما كون المعتقد لذلك المتكلم أو المخاطب أو غيرهما, فلا مدخل له فيما نحن فيه ألبتة.
قلت: وقد يقال في بيت امرئ القيس إن (من كان في العصر الخالي) مراد به: الذي في العصر الماضي كائنًا ما كان ومن جملة ذلك الطلل, فيكون من القسم الذي يأتي, وهو قوله: «أو مجامعًا له» أي لمن يعقل «بشمول» نحو: ﴿ألم تر أن الله يسبح [له] من في السموات والأرض﴾ و (من) [في السموات والأرض] لفظ عام يشمل العاقل وغيره, ويدل على إرادة الكل قوله تعالى: ﴿وإن من شيء إلا يسبح بحمده﴾ ومثله: ﴿ومنهم من يمشي على رجلين﴾ وهو شامل للإنسان والطائر مثلًا.
«أو اقتران» والمراد به أن لفظة من [قد] اقترنت بها لفظة أخرى اجتمع فيها العاقل وغير العاقل

مثل: ﴿من يمشي على بطنه﴾ و ﴿من يمشي على رجلين﴾ فإنهما اقترنا بـ (كل دابة) وهو شامل للنوعين لا كلمة من.
«خلافًا لقطرب» فإنه جوز إطلاق (من) على غير العاقل بلا شرط, استدلالًا بقوله تعالى: ﴿ومن لستم له برازقين﴾ وكأنه حملها على البهائم, ولا دليل فيه؛ لجواز أن تحمل على الرقيق والبهائم؛ لأن الجميع خلق للمنافع, ولكن الأول أظهر.
«و «ما» في الغالب لما لا يعقل وحده» نحو: أعجبني ما صنعته.

قال المصنف: واحترزت بقولي (في الغالب) من نحو قوله تعالى: ﴿ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي﴾ ومن قول بعض العرب: سبحان من سخركن لنا.

قلت: إنما يتم هذا لو كانت (ما) في المثال المذكور مستعملة للعاقل وليس كذلك؛ لما تقرر من منع إطلاق هذا اللفظ على البارئ سبحانه, وسننبه على أن التعبير بـ (ما لا يعلم) كان أولى من هذه العبارة.

وقد استدل على إطلاق ما على ذوي العقول بإطباق أهل العربية على قولهم: من لما يعقل.
من غير تجوز في ذلك, حتى لو قيل: من لم يعقل.
كان لغوًا من الكلام بمنزلة أن يقال: الذي يعقل عاقل.
فإن قيل: ها هنا يجب أن يفرق بـ (ما) و (من)؛ لأن ما يعقل / معلوم أنه من ذوي العلم.

قلنا: نعم لكن يعد اعتبار الصلة, أعني (بعقل), فأما الموصول نفسه فيجب أن يعتبر مبهمًا مرادًا به شيء ما؛ ليصح في موقع التفسير بالنسبة إلى من لا يعلم مدلول (من)؛ وليقع وصله مفيدًا غير لغو, فليتأكل كذا في حاشية التفتازاني على الكشاف «وله» أي لما لا يعقل «مع من يعقل» نحو: ﴿ولله يسجد ما في السموات وما في الأرض من دابة﴾.

وكان الجيد أن لو قال: وتقع على من يعقل مختلطًا بغيره.
فإن الذي يحتاج إلى الاعتذار عنه إطلاقها على العقل, وأما إطلاقها على غير العاقل فذلك أصلها, وقد تقدم, فالاختلاط إنما كان سببًا في إطلاقها على العقل, لا سببا لإطلاقها على غير العاقل.
«ولصفات من يعقل» هذه عبارة أبي علي, وهو في كلام المصنف من ذكر الخاص بعد العام, فإن صفات من يعقل هي مما يصدق عليه ما لا يعقل, فما ذكر هنا [هو] بعض ما تناوله العام المذكور أولًا, ومثلوا ذلك بقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم﴾.
وفي الكشاف: وقيل: ما طاب ذهابًا إلى الصفة.

قال التفتازاني: يعني استعملت كلمة ما في النساء, مع اختصاصها أو غلبتها في غير ذوي العقول, لأن هذه التفرقة إنما هي إذا أريد الذات, وأما إذا أريد الوصف كما تقول: - في (الاستفهامية) - ما زيد؟ أي أفاضل أم كريم؟ وفي الموصولة أكرم ما شئت من هؤلاء الرجال, أي القائم أو القاعد أو نحو ذلك, فهو بكلمة ما بحكم الوضع على ما ذكره المصنف - يعني الزمخشري - وصاحب المفتاح وغيرهما, وإن أنكره البعض, وهاهنا المراد الصفة, أي انكحوا الموصوفة إلى غير ذلك من الأوصاف, وقيل: المراد الموصوفة بانتفاء التحرج والتضييق في تزوجها.
وقد خفي معنى قوله: ذهابًا إلى الصفة.
على بعض الأفاضل, فذهب إلى أن معناه أن المراد [به] الوصف المأخوذ من المذكور بعد (ما), فمعنى (ما طاب) الطيب, وهو صادق على العاقل وغيره.
ومعنى (ما سخركن) المسخر.
وأنت خبير بأن السؤال لا يسقط بمجرد ذلك إلى هنا كلام التفتازاني.
ولو عبر المصنف بـ (من يعلم) ليشمل نحو: ﴿أفمن يخلق﴾

ونحو: ﴿والسماء وما بناها﴾, لكان أولى من تعبيره بـ (من يعقل)؛ إذ لا يطلق عليه تعالى أنه عاقل.
«وللمبهم أمره» كأن ترى شبحًا تقدر إنسانيته وعدم إنسانيته, فتقول: أخبرني ما هنالك, وكذا لو علمت إنسانيته واستبهم عليك حاله بالنسبة إلى الذكورة والأنوثة, ومنه: ﴿[رب] إني نذرت لك ما في بطني محررًا﴾ قاله المصنفز وعلى الجملة, إذا لم يكن للمتكلم التفات إلا إلى الشيء, من حيث هو, فجعله متعلق الحكم من غير أن يعتبر وصفًا زائدًا على ذلك, فإنه [إنما] يأتي بـ (ما) نحو: ﴿لما خلقت بيدي﴾ فإن الذم إنما كان على مخالفة الأمر بالسجود, لا لذلك مع كون المسجود له عاقلًُا, ونحو: ﴿إني نذرت لك ما في بطني محررًا﴾ المراد أنها جعلت ما في بطنها, وثمرة فؤادها خادمًا للمسجد, ولم تقصد إذ ذاك ذكورته من أنوثته, وكذا المراد بقوله: انظر إلى ما ظهر, انظر إلى هذا الشيء [الذي ظهر] كائنًا ما كان.

جارٍ التحميل