الباب السادس عشر
«باب (لا) العاملة عمل (إن)»
ويقال لها: التبرئة، كأنه مأخوذ من [قولك]: برأت فلانا عن كذا، إذا نفيته عنه، فهي مبرئة للجنس، أي: نافية له.
«إذا لم تكرر [لا]، وقصد خلوص العموم باسم نكرة يليها غير معمول لغيرها، عملت عمل (إن)» [وجوبا]، فاشترط لها في عملها [ذلك] أمور:
أحدها: عدم تكرارها؛ لأنها إذا تكررت لا يجب إعمالها، بل يجوز، وسيأتي.
الثاني: أن يقصد خلوص العموم، أي: نفي الجنس على سبيل التنصيص؛ لأنه إذا لم يقصد ذلك لا تعمل عمل (إن)، وإنما تعمل- حينئذ- عمل (ليس)، أو تلغى، فيليها المبتدأ والخبر، ويحتمل- حينئ- نفي الجنس ونفي الواحد، وفي عبارة الشارح: ويحتمل- حينئذ- نفي العموم.
وهي معكوسة؛ إذ المحتمل [حينئذ] عموم النفي لا نفي العموم.
الثالث: أن يكون اسمها نكرة؛ لأنها لا تعمل في المعرفة إلا عند تأزيلها بنكرة.
الرابع: أن يليها الاسم؛ لأنه لو فصل بينهما فاصل لم تعمل عمل (إن)، نحو: - ﴿لا فِيهَا غَوْلٌ﴾ -
قال الشارح: وأجاز الرماني أن تعمل مع الفصل النصب، نحو: لا كذلك رجلا.
الخامس: أن يكون الاسم المنصوب غير معمول لغيرها؛ احترازا من نحو: - ﴿لا مَرْحَبًا بِهِمْ﴾ لأن (مرحبا) منصوب بفعل مقدر، وأنت خبير بأن هذا الشرط مستغنى عنه بما قبله، وهو كون الاسم واليا لها ضرورة أنه متى فرض عمل لغيرها في ذلك الاسم حصل الفصل بينهما بذلك العامل.
وقد يقال: إن قوله: (يليها) محتمل لكون الاسم يليها لفظا وإن كان ثم فاصل تقديرا، فلا يكون قوله: (يليها) بمجرده مخرجا لنحو: (لَا مَرحبَاً بِهِم)، فلما قال: (غير معمول لغيرها) علم أن المراد كونه يليها من غير فاصل ألبتة، لا ظاهر ولا مقدر، فقد استفيد/ ثانيا ما لم يستفد أولا، فلا تتجه مناقشته أصلا.
«إلا أن الاسم إذا لم يكن مضافا» نحو: لا صاحب جود ممقوت «ولا شبيها به» سواء كان رافعا نحو: لا حسنا فعله مذموم، أو ناصبا نحو: لا طالعا جبلا حاضر.
«ركب» الاسم «معها» أي: مع (لا) تركيب خمسة عشر.
«وبني» لأجل التركيب.
قال الشارح: وهذا هو علة البناء عند سيبويه والجمهور.
انتهى.
قال الرضي: ولم يقم دليل قاطع على أن (لا) مركبة مع النفي، والذي ذهب إليه بعض المحققين أن علة البناء هي تضمن معنى الحرف الذي هو (من) الاستغراقية؛ وذلك لأن قولك: (لا رجل) نص في نفي الجنس بمنزلة: (لا من
رجل)، بخلاف: (لا رجل في الدار) بالرفع كما أن ما جاءني من رجل نص في الاستغراق، بخلاف: ما جاءني رجل، [إذ] يجوز أن يقال: لا رجل في الدار بل رجلان، ولا يجوز: لا رجل في الدار- بالفتح- بل رجلان، ولا ما جاءني من رجل بل رجلان، لما أرادوا التنصيص على الاستغراق ضمنوا الاسم النكرة معنى (من)، فبنوه.
«على ما كان ينصب به» فإن كان ينصب بالفتحة بني عليها نحو: لا رجل وإن كان ينصب بالياء بني [عليها] نحو: لا رجلين عندك، ولا مسلمين مخلدون في النار، وهذه العبارة- لشمولها للفتحة- والياء أولى من قولهم: يبنى على الفتح.
ويظهر من كلام بعضهم أن التنصيص على العموم مخصوص بما إذا كان اسمها مبتيا، وكلام المصنف صريح في خلافه كما علمت.
«والفتح في نحو» قول الشاعر:
إن الشباب الذي مجد عواقبه فيه نلذ «ولا لذات للشيب
أولى من الكسر» وهذا كالاستثناء من القاعدة التي قدمها، وهي أنه يبنى على ما كان ينصب [به]، وإذا ثبت هذا عن العرب- أعني جواز الوجهين مع أولوية أحدهما، وهو الفتح- علم ضعف [قول] من عين الكسر أو الفتح؛ ولهذا قال ابن خروف: لو وقفوا على السماع ما اختلفوا.
«ورفع الخبر إن لم يركب الاسم مع (لا) بها عند الجميع».
فـ (رفع) مصدر مبتدأ، و (بها) متعلق به، والخبر هو الظرف، أو (بها) خبر، والظرف متعلق به، يعني أن رفع خبر (لا) بها إذا انتفى تركيبها مع الاسم، نحو: لا غلام رجل عندك، ولا طالعا جبلا حاضر، قال به جميع النحاة، وكأنه اعتمد في ذلك قول الشلوبين في رفع الخبر بها عند عدم تركيبها.
قلت: ينبغي أن يكون هذا الاتفاق مخصوصا بطائفة من النحويين، وهم أهل البصرة؛ وذلك لأن الكوفيين يقولون: - في (إن) التي (لا) محمولة عليها- إنها لا عمل
لها في الخبر مطلقا فما ظنك بهذه؟ «وكذا مع التركيب على الأصح».
تكون (لا) عاملة في الخبر؛ لأن ما استحقت به العمل باق، والتركيب لا يبطله، هذا مذهب الأخفش والمازني وجماعة، وهو الأصح عند المصنف، وذهب قوم إلى أنها إذ ذاك- أعني عند التركيب- لا تعمل في الخبر، بل النكرة مع (لا) في موضع رفع بالابتداء، والخبر خبر المبتدأ، فهو مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخولها، بدلبيل حمل جميع توابعها على الموضع قبل الخبر، ولولا أنها في موضع رفع بالابتداء لم يجز ذلك.
قال الشارح وهذا ظاهر مذهب سيبويه.
قلت: وبعضهم يبت القول بأنه مذهب سيبويه.
قال ابن هشام: والذي عندي أن سيبويه يرى- في (لا رجل) - أن كلمة (لا) لا عمل لها في الاسم ولا في الخبر، لأنها صارت كجزء كلمة؛ ولهذا جعل النصب- في لا رجل ظريفا كالرفع في (يا زيد الفاضل)، لا على نحل الاسم بعد (لا).
وفرق قوم بين ظهور عمل (لا) وعدم ظهوره، فقالوا: - في نحو: (لا رجل فاضلا) بالنصب- إن الخبر هنا مرفوع بـ (لا)، وذلك أن عامل الصفة عامل الموصوف، فلما انتصب الوصف بـ (لا) علمنا أن (لا) قد نصب الموصوف أيضا، فإن قلت.
(لا غلام ظريف) برفع الصفة، فرفع الخبر بالابتداء؛ لا تفاقهم إلا الأخفش/ أن عامل الصفة هو عامل الموصوف.
قلت: وقد عرفت أن قولهم: - في نحو: (لا رجل فاضلا) - إن الوصف قد انتصب بـ (لا) دعوى قابلة للمنع.
وتظهر فائدة الخلاف في نحو قوله:
فلا لغو ولا تأثيم فيها .......................
فإن قلنا: بأن الخبر مرفوع بما كان مرفوعا به قبل دخول (لا) كان (قفيها) خبرا عنها، إذ (لا) الأولى ملغاة، فما بعدها مرفوع بالابتداء، و (لا) الثانية مع الاسم المركب معها في محل رفع بالابتداء، فلا محذور في جعل (فيها) خبرا من هذين المبتدأين، وخبر الآخر محذوفا.
«وإذا علم» خبر (لا) بقرينه لفظية أو حالية «كثر حذفه عند الحجازيين» نحو: ﴿قَالُوا لا ضَيْرَ﴾ / ومنه: (لا سيف إلا ذو الفقار، ولا فتى إلا علي).
قال ابم الحاجب: وليس (ذو) و (علي) خبرين؛ أنهما مستثنيان من مذكور، والمستثنى كذلك لا يكون خبرا عن المستثنى منه، لأنه لم يذكر إلا ليبين ما قصد
بالمستثنى منه.
واحترز بقوله: (من مذكور) من نحو: - ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ﴾ «ولم يلفظ به [حينئذ]» أي [حين] إذ علم «عند التميميين».
وإنما قال: (حينئذ) دفعا لتوهم من يتوهم أن (ولم يلفظ به) مستأنف لا مرتب على شرط العلم، وأما إذا لم [يعلم] الخبر لانتفاء القرينة الدالة عليه لم يجز حذفه عند أحد لا التميميين ولا غيرهم نحو: (لا أحد أغير من الله).
قال الشارح: ومن نسب إلى التميميين التزام الحذف مطلقا كالزمخشري، أو بشرط أن لا يكون ظرفا كالجزولي، فبيس بمصيب.
«وربما أبقى» الخبر «وحذف الاسم» كقولهم: (لا عليك)، أي: لا بأس علعيك.
و[قد] خرج بعضهم بيتا على حذف الجزءين معا، وذلك أن الفراء وأصحابه تمسكوا بقول الشاعر:
فخير نحن عند الناس منكم إذا الداعي المثوب قال: يالا
على زعمهم أن أصل (يالزيد): يا آل زيد، فقال هذا المخرج: لا دليل فيه، لجواز أن يكون الأصل: يل قوم لا فرار، فحذف المنادى وجزآ (لا)؛ لأن كل واحد منهما ثبت له جواز الحذف، فلا ضير إذا جمع جائز إلى جائز.
«ولا عمل لـ (لا) في لفظ المثنى من نحو: لا رجلين فيها».
وكذا المجموع على حدة، نحو: لا مسلمين عندك، وكان ينبغي ذكره؛ لأن حكمهما في ذلك واحد.
«خلافا للمبرد» فإنه يقول: إن (لا) عاملة (في لفظ المثنى، وكذا) في لفظ المجموع على حده، فهما عنده معربان لا مبنيان.
قال الرضي: فإن قال لأن النون كالتنوين الذي هو دليل الإعراب، فمنقوذ بنحو: يا زيدان، ويازيدون، وهما مبنيان مع وجود النون، إذ لو كانا معربين لقيل: يازيدين، ويازيدين، والنون ليس كالتنوين في الدلالة على التمكن، ونقل عنه أنه قال: لأن المثنى والمجموع في حكم المعطوف والمكعطوف عليه، [والمعطوف عليه] مضارع [للمضاف]، فيجب النصب، ورد بأن النسق الذي يكون التابع والمتبوع فيه كاسم واحد، كما في باب النداء في نحو: يا ثلاثة وثلاثين، ولا شك أن المثنى والمجموع مثل هذا المنسوق، لكنه ينتقض بنحو: يا زيدان، ويازيدون، وقيل: إنما قال ذلك/ ليس شيء من المركبات يثنى فيه
الجزء الثاني أو يجمع، والجواب أنه لم يقم دليل قاطع على أن (لا) مركب، كما مر، ولو سلمنا فليس بناؤه للتركيب كما مر، وإن سلمنا فنحن مقول: حضرموتان، وحضرموتون في المسمى بـ (حضر موت).
وهذا كلامه.
«وليست الفتحة في نحو: (لا أحد فيها) إعرابية، خلافا للزجاج والسيرافي» فإنهما ذهبا إلى أن الفتحة في ذلك إعرابية، وإنما وقع الاختلاف بينهم لاحتمال قول سيبويه؛ وذلك لأنه قال: «ولا» تعمل فيما بعدها فتنصبه من غير تنوين.
/ثم قال: وإنما ترك التنوين في معمولها؛ لأنها جعلت وما عملت فيه بمنزلة اسم واحد كخمسة عشر.
فقال الزجاج: مراده أنه معرب، لكنه مع كونه معربا ركب مع عامله لا ينفصل عنه، كما لا ينفصل (عشر) من (خمسة عشر)، فحذف التنوين مع كونه معربا؛ لتثاقله بتركيبه مع عامله.
وقال السيرافي: إنما ركب مع عامله لإفادة (لا) التبرئة الاستغراق، كما أفادته (من) الاستغراقية في نحو: هل من رجل في الدار، [ولا رجل في الدار، جواب: هل من رجل]، فركبوا (لا) مع النكرة، كما أن (من) مركب معها تطبيقا للجواب بالسؤال، ثم حذف التنوين؛ لتثاقل الكلمة بالتركيب مع كونها معربة.
وقال المبرد: مراده أنها نصبته أولا: لكن بني بعد ذلك، فحذف منه التنوين للبناء، كما حذف في (خمسة عشر) للبناء اتفاقا.
قال الرضي: والأولى ما ذهب إليه المبرد وأصحابه؛ لأن حذف التنوين في
حال الوصا من الاسم المنون لغير الإضافة والبناء غير معهود، وأيضا التركيب بين (لا) والمنفس ليس بأشد منه بين المضاف والمضاف إليه والجار والمجرور، ولا يحذف التنوين من الثاني في الموضوعين.
«ودخول الباء على (لا) يمنع التركيب غالبا».
فتقول: جئت بلا مال، وغضبت من لا شيء، بالتنوين، ولا تركب لتعذر تقدير (من) بعدها؛ إذ لا يجوز: بلا من مال، ومن لا من شيء.
وأشار بقوله: (غالبا) إلى قول بعض العرب: جئت بلا شيء- بالفتح- وهذا مما رد به على الزجاج والسيرافي في دعواهما أن الفتحة- في [نحو]: (لا رجل) - إعرابية، فثبت أن الفتحة فيه بنائية، وأنت خبير بأن التعليل المتقدم إنما يأتي عند من جعل علة البناء تقدير (من) لا التركيب.
«وربما ركبت النكرة مع (لا) الزائدة» كقوله:
لو لم تكن غطفان لا ذنوب لها إذن للام ذوو أحسابها عمرا
قال أبو الفتح بن جني: أنشد أبو الحسن في المعاني هذا البيت مستدلا به على أن الحرف الزائد قد يعمل، فسألت أبا علي فقلت: الزائد العامل (لم) أو (لا)؟.
فقال: لم تأت (لم) زائدة في كلامهم، فيجب أن يكون (لا)، وهي قد عملت النصب في الاسم.
«وقد يعامل غير المضاف معاملته» أي: معاملة المضاف.
«في الإعراب ونزع التنوين» نحو: لا أبالك فيها.
«و» نزع «النون» نحو: لا غلامي لك فيها.
«إن وليه مجرور بلام» كما رأيت في المثالين.
واحترز بقوله: (وليه) من أن يقع فصل كما سيأتي.
وقيد الجر باللام احترازا من أن يقع الجر بغيرها فيتعين- حينئذ- حذف الألف وإثبات النون، نحو: لا أب فيها، ولا غلامين فيها، وإن ورد خلاف ذلك فشاذ أو مؤول.
«معلقة بمحذوف غير خبر» كما مر، فلو جر بلام متعلقة بمذكور أو
محذوف هو خبر تعين حذف الألف وإثبات النون، نحو: لا أب بار لك، ونحو: لا أب لك، إذا جعلت (لك) متعلقا بمحذوف هو خبر.
ولم يقيد المصنف غير المضاف بأسماء بعينها، بل عمم في المتن، ومثل في الشرح بلا غلام لك، يعني: فلك تقدير حركته فتحا ونصبا، واقتضى كلام غيره، أن المسموع في ذلك هو الأب والأخ والمثنى والمجموع على حدة، وخص في الارتشاف المثنى باليدين، وعلى التقديرين- في لا غلام لك- يظهر الاختلاف في اللفظ في نحو لا مسلمات لك فإن جعلنا الحركة إعرابية تعين الكسر، وإن جعلناها بنائية فلك الفتح والكسر، والفتح أولى.
ثم أعلم أن ما ذكره المصنف من أن الاسم الواقع بعد (لا) في الضابط الذي ذكره غير مضاف، هو مذهب هشام وابن كيسان، واختاره المصنف وابن الحاجب، وذهب الخليل وسيبويه والجمهور إلى أن هذا المذكور مضاف حقيقة/ باعتبار المعنى.
واعترض بأن اللام لا تظهر بين المضاف والمضاف إليه، بل تقدر، وأجيب بأن اللام ههنا أيضا مقدرة، وهذه الظاهرة تأكيد لتلك المقدرة كـ (تيم) الثاني في:
يا تيم تيم عدى.... ...............................
على من قال: إن (تيم) الأول مضاف إلى (عدي) الظاهر، فيكون الفصل بين المضاف والمضاف إليه كلا فصل.
فسئل: ما الحامل على الفصل بينهما باللام المقحمة توكيدا دون سائر الإضافات المقدرة باللام؟.
فأجيب بأنهم قصدوا نصب هذا المضاف المعرف بـ (لا) من غير تكريرها تخفيفا وحق المعارف المنفية بـ (لا) الرفع مع تكرير (لا)، ففصلوا بين المتضايفين لفظا حتى يصير المضاف بهذا الفصل كأنه ليس بمضاف، فلا يستنكر نصبه وعدم تكرير (لا).
والدليل على قصدهم لهذا الغرض أنهم لا يعاملون بهذه المعاملة المنفي المضاف إلى النكرة، فلا يقولون: لا أبا لرجل حاله كذا، ولا غلامي لشخص نعته كذا،
والدليل على أنه مضاف قوله: وقد مات شماخ ومات مزرد وأي كريم لا أباك مخلد وقول الآخر: أبالموت الذي لابد أني ملاق لا أباك تخوفيني فصرح بالإضافة، وهو شاذ لا يقاس عليه، وتخريج المصنف لذلك- على أنه دعا على المخاطب بأن لا يأباه الموت فجعله [فعلا] ماضيا والكاف مفعولا به- يضعفه وروده حيث بم يذكر الموت كقوله:
..................................
أما المصنف فاعترض بقولهم: (لا أبالي)، و (لا أخالي)، إذ لو كان الاسم مضافا-كما زعموا- لقالوا: (لا أب لي)، و (لا أخ لي) بكسر الباء والخاء، إشعارا بأنها متصلة بالياء تقديرا، فإن اللام لا اعتداد بها على قولهم.
والجواب: أنه [لم] يكسروا الباء و [لا] الخاء، لأن الياء غير مباشرة للآخر.
واللام الجارة هي المباشرة له لفظا.
واعترض أيضا بأن الإضافة إن كانت محضة لزم كزن اسم (لا) معرفة.
وإن كانت غير محضة لزم مخالفة النظائر، لأنها لا تكون إلا فيما عمله عمل الفعل، أو في معطوف على ما لا يكون [إلا] نكرة.
والجواب: أنه منقوض بـ (غيرك) و (شبهك) ونحوهما، فإن الإضافة في ذلك غير محضة، وليست شيئًا مما ذكر.
وأما ابن الحاجب فاعترض: بأنه لو كان المذكور مضافًا حقيقة لكان معرفة فوجب رفعه وتكرير (لا).
والجواب: أنه ترك الرفع والتكرير؛ لكونه في صورة النكرة، والغرض من الفصل باللام أن لايرفع ولا تكرر [لا]، فكيف يرفع وتكرر مع الفصل باللام! !.
واعترض أيضًا بأن (لا أبالك)، و (لا أب لك) سواء في المعنى اتفاقًا، و (لا أب لك) نكرة بلا خلاف، فيلزم أن يكون (لا أبالك) نكرة؛ إذ المعرفة لا توافق النكرة معنى.
والجواب: أن الاتفاق في المعنى إنما هو بالنسبة إلى الجملتين وهما (لا أبا لك) و (لا أب لك)، ولم يتفقوا أن (أبا لك) و (أب لك) بمعنى واحد، وقد يكون المقصود من الجملتين واحدًا، مع أن المسند إليه في إحداهما معرفة، وفي الأخرى نكرة، والمسند- أي: خبر (لا) في (لا أبا لك) - محذوف، أي: (لا أبا لك موجود)، وأما في (لا أب لك) فالخبر هو (لك)، أي: (لا أب موجود لك)، فالجملة الأولى
بمعنى: لا كان أبوك موجودًا، والثانية بمعنى: لا وجد لك أب.
وفحوى الجملتين واحدة مع كون المسند إليه في إحداهما معرفة، وفي الأخرى نكرة.
كذا قرره الرضي.
«فإن فصلها» أي: فإن فصل النكرة الواقعة بعد (لا) عن المجرور باللام «جار آخر» نحو: (لا يدي بها لك).
«أو ظرف» نحو: (لا يدي اليوم [لك]، و (لا غلامي عندي لك).
«امتنعت المسألة في الاختيار» لا في الضرورة «خلافًا ليونس» فإنه أجاز ذلك في الاختيار كما مثلنا، وأشار سيبويه إلى جوازه في الضرورة.
- «وقد يقال- في الشعر- لا أباك» كالبيتين اللذين أنشدناهما آنفا.
213 قال المصنف: أصله عنهم (لا أبا لك)، فإن زعموا أن الضمير مخفوض بالإضافة، فكيف يكون اسم (لا) معرفة! !. فإن قالوا: الإضافة غير محضة لتقدير اللام، لزم تقدير المحض غير محض.
وإن قالوا: الجر بلام مقدرة، لزم اتصال الضمير المجرور بغير جاره، ولا نظير لذلك، وإنما هذا عندي دعاء.
وقد تقدم ذلك وتقدم رده، وأنت خبير بأن هذا الكلام مخالف لما قرره في الأصل.
«وقد يحمل على المضاف مشابهه في العمل فينزع تنويه» نحو: لا
طالع جبلًا، وهذا مبني على أن الاسم معرب، ولكن ترك تنوينه لشبهه بما يجب ترك تنويه، وهذا مذهب البغداديين، ويقولون: كما حمل [على] المضاف في الإعراب، حمل عليه في ترك التنوين.
فإن قيل: لأي شيء كان إجراؤه مجرى المضاف في ا؟ لإعراب واجبًا وفي ترك التنوين جائزًا؟
قلنا: الأصل في الاسم التمكن.
بل الأمكنية، فيكون معربًا منونًا، فحمل على المضاف في الإعراب وجوبًا؛ لأنه حمل يقتضي بقاءه على أصله، وجعل عليه في ترك التنوين جوازًا؛ لأنه حمل يقتضي خروجه عن أصله.
قال ابن هشام: وعلى قولهم يتخرج الحديث: (لا مانع لما أعطيت.
ولا معطي لما منعت).
وأما قول البصريين فيجب تنوينه، ولكن الرواية إنما جاءت بغير تنوين.
هذا كلامه في مغني اللبيب.
قلت: وقد رددناه في الحاشية، وفي مصابيح الجامع الذي [علقته] على البخاري بأن هذا يتخرج أيضًا على قول البصريين، بأن يجعل (مانع) اسم (لا) مفردًا مبنيًا: إما لتركيبه معها تركيب (خمسة عشر)، وإما لتضمنه (معنى) (من) الاستغراقية على الخلاف المتقدم، والخبر محذوف، أي لا مانع مانع لما أعطيت، واللام
للتقوية، فلك أن تقول: تتعلق، ولك أن تقول: لا تتعلق، وكذا القول في (ولا معطي لما منعت)، وجوز الحذف ذكر مثل ما حذف، وحسنه دفع التكرار، فظهر بذلك أن التنوين على رأي البصريين ممتنع لا واجب.
ولعل السر في العدول عن تنوينه إرادة التنصيص على الاستغراق، ومع التنوين يكون الاستغراق ظاهرًا لا نصًا.
فإن قلت: إذا نون كان الاسم مطولًا، و (لا عاملة، وقد تقدم أنها عند العمل تكون ناصة على الاستغراق.
قلت: مر لنا أيضًا أن بعضهم يخص الاستغراق المنصوص بحالة بناء الاسم من جهة تضمن (من) الاستغراقية، ولو سلم أن الاستغراق عند عملها ثابت على سبيل التنصيص لم يتعين عملها في (مانعًا) النصب حتى يكون النص على الاستغراق ثابتًا؛ لاحتمال أن يكون (مانعاً) منصوبًا بفعل محذوف، أي لا نجد أو لا نرى مانعًا لما أعطيت، فعدل إلى البناء لسلامته من هذا الاحتمال، وإن بنينا على أن غير المضاف يعامل معاملة المضاف في الإعراب ونزع التنوين والنون عند وجود الضابط المتقدم، وأن ذلك لا يخص بالأب والأخ والمثنى والمجموع على حدًه، كما هو ظاهر كلام المصنف، فلك أن تقدر الفتحة في (لا مانع)، و (لا معطى) إعرابية، وإن كان غير مضاف إجراء له مجرى المضاف؛ لوجود المسوغ له، كما في (لا غلام [لك]) على ما مثل به المصنف في الشرح كما مر.
«فصل» في الكلام على بطلان عمل (لا)، وفي فروعٍ تتعلق بها وبتوابع اسمها.
«إذا انفصل مصحوب (لا) نحو: - ﴿لا فيها غول﴾ «أو كان معرفة» نحو: لا زيد ولا عمرو.
«بطل العمل بإجماع».
أما مسألة الفصل فلم يخالف فيها إلا الرماني كما سبق في أول الباب.
وأما مسألة المعرفة فبطلان العمل فيها إنما هو مجمع عليه عند البصريين، وأما الكوفيون فإنهم جوزوا بناء العلم.
وإنما بطل العمل في المفصول بينه وبي (لا)؛ لأنه قد ضعف أمر (لا) بالفصل، وهي في نفسها عامل ضعيف؛ لأنها تعمل بمشابهة (إن) التي تعمل/ بمشابهة الفعل لا بالأصالة.
قالوا: ووجه المشابهة بين (إن) و (لا) [أن] للمبالغة في الإثبات و (لا) للمبالغة في النفي، لأنها لنفي الجنس، فلما توغلتا في طرفي الإثبات والنفي تشابهتا.
قلت: (إن) ليست للإثبات وإنما هي لتوكيد النسبة الواقعة في الكلام الذي تدخل عليه إثباتًا كان أو نفيًا.
وإنما بطل عملها في المعرفة؛ لأنها لنفي الجنس، ولا يمكن حصوله مع دخولها على المعرفة؛ إذ ليس المعرفة لفظ جنس حتى ينتفي الجنس بانتفائها.
«ويلزم- حينئذٍ-» أي: حين إذ بطل العمل «التكرار» أي تكرار (لا) مع المفصول ومع المعرفة.
«في غير ضرورة، خلافًا للمبرد وابن كيسان».
أمال لزوم التكرار مع الفصل فإنه جعل تكريرها منبهًا على كونها لنفي الجنس في النكرات؛ لأن نفي الجنس هو تكرار النفي في الحقيقة.
وأما مع المعارف فالتكرار جبراًن لما فاتها من نفي الجنس الذي لا يمكن
حصوله مع المعرفة، وأجاز المبرد وابن كيسان عدم تكرار (لا) في الموضعين، فأجازا نحو: لا زيدً في الدار، ونحو: لا فيها رجل، واستدلا بقول الشاعر:
بكت جزعًا واسترجعت ثُمَّ آذنت ركائبها أًنْ لا إلينا رجوعها
وهو عند الجماعة محمول على الضرورة.
«وكذا» (لا) «التاليها خبر مفرد» نحو: زيد لا يقوم، فلا يلزم فيها التكرار.
«أو شبهه» أي شبه الخبر المفرد من النعت نحو: مررت برجل لا شجاعٍ ولا كريمٍ، والحال نحو: جاء زيد لا ضاحكًا ولا ماشيًا، وقد جاء عدم التكرار فَّي ذلك لأجل الضرورة قال [الشاعر]:
وأنت امرًؤ منا خلقت لغيرنا حياتك لا نفع وموتك فاجع
وقال الآخر:
قهرت العدا لا مستعينًا بعصبة ولكن بأنواع الخدائع والمكر
«وأفردت» (لا) فلم تكرر «في» قولهم: (لا نولك أن تفعل)؛ لتأوله بـ (لا ينبغي)» فلا حجة فيه للمبرد وابن كيسان؛ لأن (لا) في المعنى هي الداخلة على المضارع وتلك لا يلزم تكريرها.
والنول مصدر بمعنى التناول، وهو هنا بمعنى المفعول، أي: ليس متناولك ومأخوذك هذا الفعل، أي لا ينبغي [لك] أن تتناوله.
«وقد يؤول غير عبد الله» وهو مما [لا] تنزع منه الألف واللام بحال، أعنى من الجزء الثاني لو أفرد.
«وعبد الرحمن» وهو ما لا تنزع الأداة من جزئه الثاني لو أفرد إلا في النداء والإضافة.
«من ا؟ لأعلام بنكرة، فيعامل معاملتها بعد
نزع ما فيه أو فيما أضيفت إليه من ألف ولام».
فالأول: كالبصرة، فتقول: لا بصرة لكم.
والثاني: كقولهم: (قضية ولا أبا حسن لها)، والمراد بـ (أبي الحسن) علي رضي الله عنه.
وفي كلام المصنف مسامحة حيث جعل (الحسن) مضافًا إليه العلم، وليس كذلك، وإنما العلم مجموع المضاف والمضاف إليه.
قال المصنف قدر قوم العلم المعامل بهذه المعاملة مضافًا إليه (مثل)، وقدره آخرون ب (لا مسمى بهذا الاسم)، أو بـ (لا واحد من مسميات هذا الاسم).
ولا يصح واحد من هذه التقديرات الثلاثة على الإطلاق:
أما الأول فممنوع من ثلاثة أوجه:
أحدهما: أنه قد ذكر (مثل) بعده نحو:
تبكي على زيد ولا زيد مثله برئ من الحمى سليم الجوانح
الثاني: أن المتكلم إنما يقصد نفي مسمي العلم المقرون بـ (لا)، فإذا قدر (مثل) لزم خلاف المقصود.
الثالث: أن المعامل بهذا يكون انتفاء مثله معلومًا لكل أحد، فلا يكون في نفيه
فائدة، نحو: لا بصرة لكم.
وأما التقدير الثاني والثالث فلا يصح اعتبارها مطلقًا، فإن من الأعلام المعاملة بذلك ماله مسميات كثيرة كأبي حسن وقيصر، فتقدير ما كان هكذا بـ (لا مسمى) أو 215 بـ (لا واحد من مسمياته) كذب، فالصحيح أنه لا يقدر بتقدير واحد، بل بما يليق/، فيقدر: (لا زيد) بـ (لا مسمى بهذا الاسم) أو بـ (لا واحد من مسمياته)، ويقدر: (لا قريش) بـ (لا بطن من بطون قريش)، و (لا أبا حسن) و (لا كسرى) و (لا قيصر) بـ (و (لا مثل).
«ولا يعامل بهذه المعاملة ضمير» فلا يقال: لا إياه ههنا.
«ولا اسم إشارة» فلا يقال: لا هذا هنا.
«خلافًا للفراء» فإنه جوز إجراء المعرفة في ذلك مجرى النكرة بالتأويل كما في ا؟ لأعلام المذكورة، وهو بعيد غير مسموع.
قلت: وقد يؤخذ من قول الفراء هذا أن الكاف من (ذاك) ونحوه ضمير مضاف إليه، لا حرف خطاب، كما يقول الجماعة، لقيام المسوغ للإضافة على رأيه، فتأمله.
«ويفتح أو يرفع الأول» على طريق التنازع، فتعمل الثاني وتضمر في
الأول على المختار.
«من نحو: لا حول ولا قوة إلا بالله» والمراد بذلك أن تكرر [لا] فتذكر مرتين مثلًا [مع] أن عقب كل واحدة منهما- بلا فصل- نكرة
«فإن فتح» الأول فتح الثاني أو نصب أو رفع، وإن رفع الأول «رفع الثاني أو فتح» فهذه خمسة أوجه في هذا التركيب.
الأول: (لا حول ولا قوة) بفتحيهما، ووجهه أن تجعل (لا) في الموضعين للتبرئة، فتبني اسميهما كما لو انفردت كل منهما عن صاحبتها، ويجوز على مذهب سيبويه أن تقدر بعدهما خبرًا واحدًا لهما معًا، أي: لا حول ولا قوة لنا، أي؟: موجودان [لنا] لأن مذهبه أن (لا) المفتوح اسمها لا تعمل في الخير، فهما في موضع رفع، فـ (لا قوة) مبتدأ معطوف على مبتدأ، والمقدر مرفوع بأنه خبر المبتدأين المتعاطفين، لا خبر المبتدأ الأخير فقط، فيكون الكلام جملة واحدة نحو: زيد وعمرو ضاربان، ويجوز أن
تقدر لكل واجد منهما خبرًا، أي: لا حول موجود لنا، ولا قوة موجودة لنا، فيكون الكلام جملتين، وأما على مذهب غيره- وهو أن (لا) المفتوح اسمها عاملة في الخبر- فيجوز أن يقدر لهما معًا خبرًا واحدًا، وذلك الخبر يكون مرفوعًا بـ (لا) الأولى والثانية، وهما وإن كانا عاملين إلا أنهما متماثلان، فيجوز أن يعملا في اسم واحد [عملًا واحدًا]، كما في: إن زيدًا وإن عمرًا قائمان كأنهما شيء واحد، وإنما امتنع أن يعمل عاملان مختلفان في حالة واحدة عملًا واحدًا في معمول واحد؛ قياسًا على امتناع حصول أثر واحد من مؤثرين، ويجوز أيضًا عندهم أن تقدر لكل منهما خبرًا على حياله.
الثاني: (لا حول ولا قوة) بفتح الأول ورفع الثاني على أن (لا) الثانية زائدة لتأكيد [نفي] الأولى، كما في قولك: ما جاءني زيد ولا عمرو، كأنك قلت: لا حول وقوة، نحو:
فلا أب وابن......................................
كما يجيء والعطف على المحل، فعند سيبويه يجوز أن يقدر لهما [معًا] خبرًا واحدًا؛ لكونه خبر المبتدأ، وعند غيره لابد لكل واحد من خبر مفرد؛ لئلا يجتمع الابتداء ولفظ (لا) في رفع الخبر، ويجوز أن تجعل (لا) غير زائدة، بل لنفي الجنس،
لكن تلغيها لضعفها، والإلغاء يجوز إذا كان اسمها نكرة تليها، وقد حصل شرط الإلغاء، وهو تكرير (لا)؛ لأن التكرير حاصل سواء ألغيت الأولى والثانية كما في: (لا حول ولا قوة) - أو ألغيت الأولى دون الثانية- كما في (لا حول ولا قوة)، كما يجيء- أو ألغيت الثانية دون الأولى، كما في مسألتنا، وهي (لا حول ولا قوة)]، وتقدير الخبر مع جعل الثانية ملغاة مثله مع جعلها زائدة، ومن يجوز إعمال (لا) عمل (ليس) يجوز هنا أن تجعل الثانية معملة عمل (ليس)، فيلزم تقدير خبر لها على حيالها، ولا تجعل الخبر لهما جميعًا، لئلا يلزم اجتماع عاملين على معمول واحد؛ ولاستجالته هنا؛ لأن [لا] التبرئة خبرها مرفوع بها، أو بما يرتفع به خبر المبتدأ، و (لا) العاملة عمل (ليس) خبرها منصوب، فيكون الكلام عند هؤلاء جملتين.
الثالث: (لا حول ولا قوة) بفتح الأول ونصب الثاني، على أن (لا) الثانية زائدة لتأكيد النفي كما مر، فلا يجوز عند سيبويه أن تقدر لهما خبرًا واحدًا بعدهما؛ لأن خبر (لا حول) مرفوع عنده بالمبتدأ، وخبر (لا قوة) مرفوع بـ (لا)، لأن الناصية لاسمها عاملة عنده في الخبر وفاقًا لغيره، فيلزم/ ارتفاع الخير بعاملين مختلفين وأنه لا يجوز، فيجب 216 أن تقدر لكل منهما خبرًا على حياله، فيكون الكلام عنده جملتين.
كذا قرره الرضي، وفيه بحث، وعند غيره يجوز تقدير خبر واحد لهما؛ لأن العامل عندهم
(لا) وحدها، فيكون الكلام- حينئذٍ- جملة واحدة، ويجوز أن تقدر عندهم لكل خبرًا، فيكون الكلام جملتين.
الرابع: (لا حول ولا قوة) برفعهما، فتكون (لا) الأولى ملغاة؛ لوجود المسوغ للإلغاء، ويكون الاسمان مرفوعين بالابتداء، و (لا) الثانية: إما زائدة لتأكيد النفي كما مر، وإما ملغاة غير زائدة كـ (لا) الأولى.
ومذهب سيبويه وغيره في هذا الوجه واحد؛ إذ لا عامل هنا إلا الابتداء فقط: فإما أن تقدر لكل واحد خبرًا والكلام حملتان، أو تقدر لهما معًا خبرًا، والكلام جملة، وإن جعلت (لا) الأولى عاملة [عمل] (ليس)، والثانية ملغاة وجب تقدير خبرين لما تقدم، وكذا إن جعلت الثانية عاملة عمل (ليس) والأولى ملغاة، وإن جعلت الثانية زائدة قدرت خبرًا واحدًا، وكذا إن جعلتهما معًا عاملتين عمل (ليس) جاز لك تقدير خبر واحد، ولا ضير كما مر، وجاز لك تقدير خبرين، ووحدة الجملة وتعددها بحسب ذلك.
الخامس: (لا حول ولا قوة) برفع الأول على إلغاء (لا) أو إعمالها عمل (ليس)، وفتح الثاني للتركيب، والكلام جملتان، ولا يجوز نصب الثاني مع رفع الأول، ولا نصبهما معًا إلا في ضرورة.
«وإن سقطت (لا) الثانية فتح الأول ورفع الثاني أو نصب» كقوله:
فلا أب وابنًا مثل مروان وابنه إذا هو بالمجد ارتدي وتآزرا
روي: (وابنًا) بالرفع عطفًا على موضع (لا) واسمها، وبالنصب على موضع اسمها باعتبار عملها.
«وربما فتح منويًا معه (لا)».
حكي أبو الحسن: (لا رجل وامرأة) بفتح المعطوف على تقدير ولا امرأة، فحذفها وأبقى حكمها، وليس هذا ببعيد ألبته لأن نظيره متفق على ثبوته، لكنه على العكس من المحذوف والثابت، وهو (لا عليك)؛ ؟ إذ تقديره: لا بأس عليك، وانظر هل يجوز على هذا الوجه الذي حكاه الأخفش أن ترفع الأول كما يجوز لو صرحت بهما؟
«وتنصب صفة اسم (لا) أو ترفع مطلقًا» أي: سواء كان ذلك مع التركيب نحو: لا رجل ظريفًا وظريف، أو مع فقده نحو: لا غلام رجل ظريفًا وظريف، وسواء اتصلت الصفة كما مثلنا، أو لم تتصل نحو: لا رجل عندك فاضلًا وفاضل، سواء كانت الصفة مفردة كما مثلنا، أو غير مفردة بأن تكون مضافة نحو:
لا رجل ذكي الفهم عندك، أو مطولًا نحو: لا رجل طالعًا جبلًا وطالع جبلًا والنصب في ذلك باعتبار عمل (لا)، وقيل: باعتبار الإتباع للحركة البنائية؛ لكونها بمنزلة الإعرابية، كما في النداء، والرفع في ذلك بتقدير عمل الابتداء؛ لأن موضع (لا رجل) رفع بالابتداء كما مر.
وقال ابن معط: صفة المبني المضافة منصوبة لا غير نحو: لا عبد كريم الحسب.
قال الرضي: ولعله قاسها على صفة المنادي مضافة ولفارق أن يفرق بأن (يا) لو باشرت المضاف لم يكن فيه إلا النصب فلزمه النصب لما وقع صفة لما باشرته، ويجوز في المضاف الذي باشرت (لا) الرفع عند التكرار، نحو: لا غلام رجل في الدار، ولا غلام امرأة، فلم يلزمه النصب لما وقع صفة لما باشرته (لا).
«وقد تجعل» الصفة «مع الموصوف كخمسة عشر إن أفردا» أي: الصفة والموصوف «واتصلا» فيجوز في نحو: لا رجل ظريف أن يبني الموصوف والصفة جميعًا على الفتح، فتركبه [معها تركيب] خمسة عشر، ووجه التركيب أن الصفة من تمام الموصوف فاغتفر فيها ذلك، وجوز بعضهم أن تكون فتحة الصفة إعرابية لكن حذف تنوينها [طلبًا] للتشاكيل، فيكون محمولًا على محله أو على لفظه في
الإعراب؛ لشبه فتحته بحركة الإعراب كما مر.
«وليس رفعها» أي: رفع الصفة «مقصورًا على تركيب الموصوف» حتى [إنه] إذا لم يركب لا يجوز الرفع، نحو: لا غلام رجل ظريف عندك.
«ولا دليلًا/ على إلغاء (لا)» فيما إذا قلت: لا 217 رجل ظريف في الدار.
«خلافًا لابن برهان في المسألتين» وشبهته في ذلك أن العامل في الصفة هو العامل في الموصوف، والاسم المنصوب لا عمل للابتداء فيه فلا عمل له في صفته، والاسم المبني على الفتح إن نصبت صفته دل ذلك عنده على الإعمال، وإن رفعت دل على الإلغاء.
قال المصنف: وما ذهب إليه غير صحيح؛ لأن إعمال (لا) عند استكمال شروطها ثابت بإجماع العرب، فالحكم عليها بالإلغاء دون نقصان الشروط حكم بما لا نظير له.
وقوله: لا عمل للابتداء في الاسم [المنصوب] غير مسلم، بل له عمل في موضوعه، كما [أن] له عملًا بالإجماع في موضع المجرور بـ (من) في نحو: هل من رجل في الدار؟
واختار بعض المتأخرين قول ابن برهان في المسألة الثانية، وهو أن رفع الصفة عند تركيب الموصوف مع (لا) دليل على إلغائها، ووجه ما اختاره هذا المتأخر أن (لا) - والحالة هذه- لا عمل لها؛ لكونها قد ركبت فصارت كالجزء، والحرف إذا كان كالجزء لم يعمل مثل: (قد) والسين ولام التعريف، وجزئية المركب أقوى من جزئية غيره،
فلهذا كان الحكم بالرفع المحلي (لا رجل)، ومن ثم قال سيبويه: - في (لا رجل ظريفًا) - إنه تابع على اللفظ مثل: يا زيد الظريف، ولم يجعله مثل: إن هذا الظريف في الدار، وقد مرت الإشارة إلى نحو هذا عن ابن هشام.
«وللبدل الصالح لعمل (لا) النصب والرفع» نحو لا أحد فيها رجلًا ولا امرأة، فلك نصب البدل نظرًا إلى عمل (لا)، [ولك] رفعه نظرًا إلى عمل الابتداء، ولا فرق بين أن يكون البدل مفردًا أو غيره، ولا يجوز تركيبيه مع الاسم؛ إذ هو في نية تكرار العامل.
«فإن لم يصلح» البدل «لعملها» أي: لعمل (لا) بأن كان معرفة نحو: لا أحد فيها زيد ولا عمرو «تعين رفعه»؛ لأن مقتضى النصب منتف، ومنه (لا إله إلا الله)، ثم المبدل منه ما هو؟ فقيل: هو الضمير المستتر في الخبر المقدر- وقيل: بدل من اسم (لا) باعتبار عمل الابتداء، أي: باعتبار محل الاسم قبل دخول (لا).
والأول أولى؛ لأن فيه إبدالًا من الأقراب، بخلاف الثاني، فإن الإبدال فيه من الأبعد؛ ولأنه لا داعي إلى الإتباع باعتبار المحل مع إمكان الإتباع باعتبار اللفظ.
فإن قيل: كيف يصح هذا، والبدل هو المقصود بالنسبة، هي بالنسبة إلى المبدل منه سلبية.
فالجواب: أنه إنما وقعت النسبة إلى البدل بعد النقض [بـ (إلا)]، فالبدل هو
المقصود بالنفي المعتبر في المبدل [منه] لكن بعد نقضه، ونقض النفي إثبات.
والكلام على إعراب هذه الكلمة الشريفة- أعنى (لا إله إلا الله) - طويل الذيل، وقد أفرد في ذلك التصنيف، فلا نطول به، ولعلنا نلم بشيء من ذلك في باب المستثني إن شاء الله تعالى.
«وكذا المعطوف نسقًا» هو على التفصيل المذكور، فيجوز الوجهان في: (لا رجل وامرأة)، ويتعين الرفع في (لا امرأة فيها وزيد).
فإن قلت: كلامه شامل لما إذا كررت (لا) مع النسق، وما إذا لم تكرر، وقد كان قال فيما مضى: (وإن سقطت (لا) الثانية فتح الأول ورفع الثاني أو نصب، وربما فتح) فزاد هناك وجهًا لم يذكره هنا، فما باله أعاد المسألة، ثم إنه أعادها ناقصة؟.
قلت: إنما مراده هنا النسق الذي لم تكرر معه (لا)، وأما ما كررت معه (لا) فـ[قد] مضى حكمه، فلا حاجة [به] إلى أن يذكره ثانيًا، والمقصود هنا بيان أن حكم النسق حكم البدل في التفصيل المذكور، فذكره لهذا الغرض وإن لزم من ذلك تكرار مسألة، فلا ضير.
«وإن كرر اسم (لا) المفرد دون فصل فتح الثاني أو نصب» نحو: لا ماءَ ماءً باردًا، عندنا.
فلك في (ماء) الثاني ثلاثة أوجه، حكي المصنف منها وجهين:
أحدهما: الفتح على تركيب الثاني مع الأول كالصفة والموصوف
وثانيهما: نصب الثاني.
والثالث: الذي أهمله المصنف- رفع الثاني، كما أهمل بيان الإعراب في هذه المسألة، وفيها وجهان:
أحدهما: أنه صفة، لأن هذه النكرة/ موطئة للنعت، وإذا وصف الاسم جاز 218 أن يوصف به.
الثاني: أنه توكيد لفظي.
ثم الأوجه الثلاثة: وهي الفتح والنصب والرفع- إنما تجوز في الاسم الثاني حيث لا يجعل بدلًا، فإن جعل بدلًا امتنع الفتح؛ لأن البدل على نية تكرار العامل، فيمتنع تركيبه.
و(بارد) صفة (ماء) الثاني، فإن فتح أو نصب فـ (بارد) منصوب، وإن رفع (ماء) الثاني فـ (بارد) مرفوع.
«ولـ (لا) مقرونة بهمزة الاستفهام» سواء تجردت للاستفهام عن النفي المحض كقوله:
ألا اصطبار لسلمي أم لها جلد إذا ألاقي الذي لاقاه أمثالي
والشلوبين ينكر هذا القسم، أو كانت للإنكار ألتوبيخي كقول حسان رضي الله عنه:
ألا طعان ألا فرسان عادية ألا تجشؤكم حول التنانير
«في غير تمن» في محل نصب على الحال من همزة الاستفهام أي: لـ (لا) مقرونة بهمزة الاستفهام حالة كونها حاصلة في غير تمن.
«وعرض ما لها مجردة» من ذلك فتجري عليها الأحكام المتقدمة.
وفي كلام المصنف انتقاد من وجهين:
أحدهما: أن ذكر العرض هنا لا معنى له، وإلا فيلزم ذكر (ألا) الاستفتاحية والتخضيضية، والواقع فيهن أن (ألا) كلمة واحدة، وهل هي
بسيطة أو مركبه؟ مسألة أخرى.
الثاني: أن (ألا) التي للتمني كلمة واحدة بمنزلة (ليت) ولا يصح أن يقال: إنها همزة الاستفهام [و (لا)، وإن الاستفهام] مثله في: ﴿فهل لنا من شفعاء﴾)؛ لأنه لو قيل: ليت لنا شفعاء صح، ولو قيل: (ليت لا) لم يصح.
«ولها في التمني من لزوم العمل» في الاسم خاصة، ولم ينبه عليه.
«ومنع الإلغاء و» منع «اعتبار الابتداء ما لـ (ليت)، خلافًا للمازني والمبرد في جعلها كالمجردة» فيتعين إذن في قول الشاعر:
ألا عمر ولى مستطاع رجوعه فيرأب ما أَثأَتْ يد الغفلات
تقدير (رجوعه) مبتدأ و (مستطاع) خبره، والجملة في محل نصب على أنها صفة، لا في محل رفع على أنها خبر، لأن (ألا) التي للتمني لا خبر لها عند سيبويه ومن تابعه لا لفظًا ولا تقديرًا، فإذا قيل: (ألا ماء) كان ذلك كلامًا مؤلفًا من حرف واسم، وإنما تم الكلام بذلك حملًا على معناه، وهو أتمنى ماءً، ولذلك يمتنع تقدير (مستطاع) [خبرًا، و (رجوعه) فاعلًا؛ لما ذكرنا، ويمتنع أيضًا تقدير (مستطاع] [صفة على
المحل، أو تقدير (مستطاع)] رجوعه جملة في موضع رفع على أنها صفة على المحل إجراء لـ (ألا) مجرى (ليت) في امتناع مراعاة محل اسمها، وهذا أيضًا قول سيبويه ومتابعيه وخالف في ذلك كله المازني والمبرد، ولا يفهم من كلام المصنف أنها لا خبر لها عند سيبويه.
قال الشارح: ويبطل مذهب المازني والمبرد ما حكاه سيبويه من أن من قال: لا غلام أفضل منك، لم يقل: - في (ألا غلام أفضل منك) - إلا بالنصب، فلو كان لها خبر لسمع.
ويجوز إلحاق (لا) العاملة» عمل (إن) «بليس» فيما لا تمني فيه من جميع مواضعها» كقوله:
تعز فلا شيء على الأرض باقيا ولا وزر ما قضى الله واقيا
«وإن لم تقصد الدلالة بعملها على نصوصية العموم».
فتعمل عمل (إن) كما تقدم، ولا تعمل عمل (ليس).