تعليق الفرائد على تسهيل الفوائدصفحات 171-210

نحو: ﴿وظنوا ما لهم من محيص﴾ ﴿لقد علمت ما هؤلاء ينطقون﴾ ﴿وتظنون إن لبثتم إلا قليلًا﴾.
واحترز بـ (النافيتين) من غيرهما كـ (ما) الموصولة و (إن) المخففة من الثقيلة.
«أو (لا)» نحو أظن لا يقوم زيد، وهو من أمثلة ابن السراج، ولم يذكرها المغاربة.
«ويسمى» ما ذكرناه من تعدي الأفعال القلبية معنىً لا لفظًا إلى ما ذكر «تعليقًا» أخذًا من قولهم: امرأة معلقة، أي: مفقودة [الزوج]، تكون كالشن المعلق، لامع الزوج لفقدانه، ولا بلا زوج لتجويزها وجوده، فلا تقدر على التزويج، فالفعل المعلق عن العمل ممنوع من العمل لفظًا، عامل معنًى وتقديرًا، وفسره المصنف في الاصطلاح بأنه إبطال العمل لفظًا لا محلًا على سبيل/ 228 الوجوب، وأورد أن من التعليق ما هو على سبيل الجواز، كما سيأتي في مسألة: ([علمت] زيدًا أبو من هو).
وقيل: التعليق ترك العمل في اللفظ لا في التقدير لمانع وهو كالأول، أو هو

[هو]، وفيه نظر.
وإنما أثبتوا العمل بحسب المحل والتقدير مع التعليق؛ لأن النصب يبظهر في التابع، تقول: عرفت من زيد وغير ذلك من أموره، واستدل عليه ابن عصفور بقول كثير: وما كنت أدري قبل عزة ما البكا ولا موجعات القلب حتى تولت بنصب (موجعات)، وليس بقاطع؛ لاحتمال أن تكون (ما) زائدة والبكاء مفعولًا [به]، وأن الأصل: ولا أدري موجعات القلب، فيكون من عطف الجمل، أو أن الواو للحال، و (موجعات) اسم (لا)، أي وما كنت أدري قبل عزة والحالة أنه

لا موجعات [القلب] موجودة [ما] البكاء.
«ويشاركهن» أي الأفعال القلبية «فيه» أي في التعليق.
«مع الاستفهام (نظر)» قلبية [كانت] نحو ﴿فانظري ماذا تأمرين﴾، أو بصرية نحو ﴿فلينظر أيها أزكى طعامًا﴾.
قال الأستاذ أبو جعفر بن الزبير: لم يذهب أحد إلى تعليق (انظر) - يعني البصرية- سوى ابن خروف، وتبعه أبو الحسن- يعني ابن عصفور-، وقد ذكر سيبويه تعليق (انظر)، ثم حمل الناس ذلك على النظر بمعنى التفكر.
«وأبصر» نحو:

تبصر خليلًي هل ترى من ظعائن

والأظهر أنها هنا من الإبصار بالعين، ومثل له المصنف بقوله تعالى: ﴿فستبصر ويبصرون، بأيكم المفتون﴾، ويحتمل جعل (أي) موصولة والباء زائدة، وصدر الصلة محذوف، أي: أيكم هو المفتون، فلا تعليق إذن.
«وتفكر» كقوله: ............................. تفكر أئياه يعنون أم قردا

«وسأل» نحو: ﴿يسئل أيان يوم القيمة﴾ ﴿يسئلون أيان يوم الدين﴾.
«» وما وافقهن.
قال المصنف: أشرت به إلى نحو: أما ترى أي برق ههنا؟، بمعنى: أما تبصر؟، حكاه سيبويه.
وما اختاره من جعل (ترى) هذه بصرية هو رأي المازني، وحملها شراح (الكتاب) على أنها علمية، قال ابن عصفور: وهو أولى.
حينئذ فقول المصنف: (بمعنى [أما] تبصر) من كلامه لا من كلام سيبويه.
قال: وأشرت به أيضًا إلى نحو: ﴿ويستنبئونك أحق هو﴾.
يعني لأنه بمعنى (يستعلمونك)، فهو طلب للعلم.
«أوقاربهن» نحو: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾، قاله المصنف،

يريد: لأن المراد بالبلوى الاختبار، وهو سبب للعلم، فهو قريب منه، وكثيرًا ما يعامل السبب معاملة المسبب.
«لا ما لم يقاربهن، خلافًا ليونس» فإنه جعل من ذلك قوله تعالى: ﴿ثم لننزعن من كل شيعٍة أيهم أشد﴾ فـ (أي) استفهامية عنده والضمة إعرابية، و (ننزع) معلق عن العمل، وقد سبق ذلك في باب الموصول.
«وقد تعلق (نسي)» كقوله: من أنتم إنا نسينا من أنتم وريحكم من أي ريح الأعاصر قال المصنف: لأنه ضد (علم)، والضد قد يحمل على الضد.
واعترض بأن ضد العلم الجهل لا النسيان، وضد النسيان الذكر، ولم يذكر المغاربة تعليق (نسي)

«ونصب مفعول نحو: علمت زيدًا أبو من هو؟، أولى من رفعه» لأن عامل النصب تسلط [عليه]، ولا مانع يمنع من عمله، فينصب وهو المختار، لكن يجوز رفعه على الصحيح، وهو مذهب سيبويه، ووجهه أن الاسم المذكور مستفهم عنه من حيث المعنى؛ لأن المعنى: علمت أبو من زيد؟، فعومل معاملة ذي الاستفهام لفظًا، وأحسن من هذا أن يقال: زيد هو نفس الأب، والأب هنا له الصدر؛ لإضافته إلى ماله الصدر، فعومل معاملته، وقد ورد السماع بمذهب سيبويه [فمن ذلك] قول الشاعر: فوالله ما أدري غريم لويته أيشتد إن قاضاك أم يتضرع يروي برفع (غريم)، وإن كان الأولى نصبه.
وزعم ابن عصفور: أن التعليق أولى، [قال]: لأن الاعتناء بالمعاني أولى من الاعتناء بالالفاظ.
229 وأجيب بالمنع/ إذا لم تخل رعاية اللفظ بجهة المعنى كما في مسألتنا [بل] رعاية اللفظ- إذ ذاك- أحق.

[انتهى] والدليل على أن (أرأيت) بمعنى (أخبرني) أنك تقول: أرأيت زيدًا ما صنع؟ فيقال: سافر، أقام، كتب، قرأ، ولا يقال: لا ولا نعم، ولو كان الاستفهام على ظاهره لقيل ذلك؛ لأنها- حينئذ- لطلب التصديق، كما يقال: أجاءك زيد؟، فتقول: نعم أو لا، وكلام سيبويه يشير إلى أن (أرأيت) بمعنى (أخبرني) لا تعلق، وقد صرح به أبو علي في التذكرة، واعترض بورودها معلقة كثيرًا كقوله تعالى: (قل أريتكم إن أتاكم عذاب الله أو أتاكم الساعة أغير الله تدعون} ونحوه في القرآن كثير، وانفصل ابن عصفور عن ذلك بأن قدر المفعول محذوفًا اختصارًا، والتقدير: قل أرأيتكم عذابه، فلا تعليق.
فإن قلت: أهو معلق عن الجملة الاستفهامية، وهي في موضع المفعول الثاني؟ قلت: قد سبق في باب اسم الإشارة أن جملة الاستفهام لا محل لها، على ما

اختاره الرضي، ولئن سلم أن لها محلًا فلا نسلم أن العامل معلق عنها بناء على قول الزمخشري: إن التعليق هو أن يوقع بعد العامل ما يسد مسد منصوبيه جميعًا، وسيأتي قريبًا، و [من] مثل هذه المسألة قول تعالى: ﴿قل أرئيتم شركاءكم الذين تدعون من دون الله أروني ماذا خلقوا من الأرض﴾.
أي أخبروني، فـ (شركاؤكم، مفعول بـ (أخبروني)، ورفعه ممتنع، و (ماذا خلقوا): إما لا محل له كما تقدم، أو محله النصب على أنه مفعول ثان، كما رآه جماعة، و (أروني) قال الزمخشري: بدل من (أرأيتم)، ورده أبو حيان بأنه لم يقرن بهمزة الاستفهام كمال قرن الأول [بها]، وبأن البدل في الجمل لم يثبت، وبأن البدل عند النحويين على إعادة العامل، ولا عامل هنا فيعاد.
والأوجه الثلاثة مردودة: أما الأول فمبني على قاعدة لا وجود لها في الخارج، ولو ثبت لم يجز هنا؛ لأن الاستفهام فيه غير حقيقي.
وأما الثاني فالبدل في الجمل ثابت، قال تعالى: ﴿[واتقوا الذي﴾ أمدكم بما تعلمون، أمدكم بأنعمٍ وبنين} الآية.
وأما الثالث فالعامل موجود: وهو (قل)، وقد جاء: {قل أروني الذين ألحقتم

[به شركاء]}، على أني أقول: إذا ثبت مجيء البدل في الجمل سقط هذا السؤال؛ إذ الجمل تارة تكون ذات محل من الإعراب، وتارة لا تكون ذات محل، فتكون المبدلة بحسب المبدل منها، ألا ترى إلى مجيء البدل في الآية في جملة الصلة، ولا محل لها من الإعراب قطعًا؟.
ويحمل قولهم: (البدل على نية تكرار العامل) على أنه مخصوص بالمعربات لفظًا أو تقديرًا أو محلًا.
فإن قلت: البدل من جملة التوابع فيلزم أن يكون له إعراب؛ إذ التابع ما كان ثانيًا [معربًا] بإعراب سابقه من جهة واحدة.
قلت: والعطف أيضًا من جملة التوابع، ولا شك أن الجملة الثانية في قولك: (جاء زيد وأكرمته) معطوفة على الأولى، وهي مستأنفة فلا محل لها، فما كان جوابًا لهم عن مثل هذا فهو جوابنا عما قلت.
وقول أبي حيان: وإنما (أروني) معترض، أو المسألة من باب التنازع.
فيه نظر بالنسبة إلى الشق الثاني، إذ ليس بين العاملين ارتباطا فيتنازعا.
«وللاسم المستفهم به والمضاف إليه مما بعدها ما لهما دون الأفعال

المذكرة» وذلك لأن [اسم] الاستفهام المضاف إليه لا يعمل فيهما ما قبلها، فلا تؤثر فيهما العوامل السابقة شيئًا، بل يبقى حالهما على ما كان عليه قبل دخول العوامل السابقة، ويعتبر ما كان لهما بالنسبة إلى ما بعدهما، فيحكم بثبوته لهما مع وجود الأفعال المذكورة، وذلك مثل: علمت أيهم صديقك؟ فلا تنظر إلى (علمت)، وإنما تنظر إلى ما بعد اسم الاستفهام، فتجد بعده خيرًا يقضي أنه 230 هـ مبتدأ فتحكم مع/ وجود (علمت) بأن [اسم] الاستفهام مبتدأ، ما بعده خير عنه كما كان قبل دخول (علمت)، وكذا: علمت أيهم ضربت، فاسم الاستفهام مفعول بما بعده، هو مصدر في قولك: علمت أي قيام قمت، وظروف مكان في [نحو]: علمت أين خالد، وظرف زمان في نحو: علمت متى ضربت زيدًا، وحال في نح علمت كيف ضربت زيدًا؟، وعلى ذلك فقس المضاف إلى اسم الاستفهام.
«الجملة بعد» العامل «المعلق» عن العمل «في موضع نصب بإسقاط حرف الجر إن تعدى به» أي بحرف الجر، نحو {أولم يتفكروا ما بصاحبهم

من جنةٍ}، ﴿فلينظر أيها أزكى طعاماً﴾، ﴿يسلون أيان يوم الدين﴾؛ لأنه يقال: فكرت فيه، ونظرت فيه، وسألت عنه، لكنها علقت هنا بالاستفهام عن الوصل في اللفظ إلى المفعول، وهي من حيث المعنى طالبة له على معنى ذلك الحرف.
وزعم ابن عصفور: أنه لا يعلق فعل غير (علم) و (ظن) حتى يضمن معنى أحدهما، فتكن هذه الجملة سادة مسد مفعولين.
واختلف في قوله تعالى: {إذ يلقون أقلمهم أيهم يكفل مريم)، فقيل: التقدير ينظرون أيهم يكفل مريم، وقيل: يتعرفون، وقيل: يقولون.
فالجملة على التقدير الأول مما نحن فيه، وعلى الثاني في موضع المفعول به المسرح، وعلى الثالث ليست من باب التعليق [ألبته].
«وفي موضع مفعوله إن تعدى إلى واحد» نحو: عرفت من أبوك؟، ومنه- على رأي المازني والمصنف- أما ترى أي برق ههنا؛ لأن الرؤية فيع عندهما بصرية.
«وسادة مسد مفعولية إن تعدى إلى اثنين» نحو: علمت أزيد عندك أم عمرو.
«وبدل من المتوسط بينه وبينها إن تعدى إلى واحد» نحو: عرفت زيدًا

أبو من هو، لكن من أي أقسام البدل [هو]، فقيل هو بدل كل، والأصل: عرفت شأن زيد، قاله اين عصفور.
وقيل: بدل اشتمال، مثل: عرفت زيدًا خبره، واختاره ابن الصائغ، وذهب جماعة إلى أنه حال، ورد بأن الجملة الإنشائية لا تكون حالًا.
وقيل: مفعول ثان، على تضمين (عرف) معنى (علم) حكاه ابن جني عن الفارسي، ورد بأن التضمين لا ينقاس، وهذا التركيب مقيس.
«وفي موضع الثاني إن تعدى إلى اثنين ووجد الأول» لا إن لم يوجد فإنها [تكون] سادة مسد المفعولين كما سبق، ومثال هذه المسألة: علمت زيدًا أبو من هو؟ وهل الفعل معلق عن الجملة الاستفهامية في هذه الصورة أو؟ قال جماعة من المغاربة: نعم، هو معلق وهو عامل في محلها النصب، على أنها مفعول ثان كما هو صريح كلام المصنف، وخالف في ذلك بعضهم؛ لأن الجملة حكمها- في مثل هذا- أن تكون في موضع نصب، و [أن] لا يؤثر العامل في لفظها، وإن لم يجد معلق، وذلك نحو: علمت زيدًا أبوه قائم، واضطرب في ذبك كلام الزمخشري، فقال: - في قبه تعالى: ﴿ليبلوكم أيكم أحسن عملا﴾، في سورة هود- بأن الفعل معلق، وقال في تفسير الآية في سورة الملك: ولا يسمى هذا تعليقًا، وإنما التعليق أن يوقع بعد العامل ما

يسًد مسدً منصوبيه جميعًا، كعلمت أيهما عند، ألا ترى أنه لا يفترق الحال بعد تقدم أحد المفعولين بين مجيء ماله صدر [الكلام] وغيره؟، ولو كان تعليقًا لا فترقا كما افترقا في: علمت زيدًا منطلقًا، وعلمت أزيد منطلق.
حاول الطيبي رفع الاضطراب والتوفيق بين كلاميه بما هو مقرر في حاشية المغني فراجعه إن شئت.

فإن قلت: ما الراجح من هذين الرأيين؟ قلت: رأي من ذهب إلى أنه من باب التعليق بدليل [مثل] قوله تعالى: ﴿سل بني إسرائيل كم اتينهم من آية بينةٍ﴾، ألا ترى أن (سأل التي يراد بها طلب العلم لا المال، إنما يتعدى إلى الثاني بالجار؟ فلو كان وصول (رسل) إلى (كم) كوصول (ظن) إلى الجملة في نحو: ظننت زيدًا 231 أبوه قائم، لزم تعديه إلى اثنين بنفسه، - وذلك ممتنع، إذا ثبت أنه علق عن الثاني بدليل عدم وجود الجار، لم يكن كون الفعل ناصبًا لأحد المفعولين لفظًا مانعًا من كونه معلقًا عن الأخر، والله [تعالى] أعلم بالصواب.
«وتختص» أيضًا الأفعال «القلية المتصرفة و (رأي) الحلمية والبصرية

بجواز كون فاعلها ومفعولها ضميرين متصلين متحدي المعنى».
نحو: ظننتني، وعلمتني، ورأيتني، وكذا بقية أفعال القلوب المتصرفة قال الله تعالى ﴿كلا إن الإنسان ليطغي أن رءاه استغني﴾.
واحترز المتصرفة من (هب) و (تعلم) فلا يقال: هبك محسنًا، ولا: تعلمك صنعت كذا.
قال أبو حيان: وفي منع (هبك محسنًا) نظر.
(وما أظنه إلا مسموعًا من كلامهم.
وألحقت بها في ذلك (رأى) الحلمية، كقوله تعالى: - حكاية- ﴿إني أرني أعصر خمرًا﴾ و (رأى) البصرية، كقول عائشة رضي الله [تعالى] عنها: (لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما لنا طعام [إلا] الأسودان التمر والماء].
قال المصنف: وهذا في (رأى) البصرية شاذ، ومنه قول قطري:

فلقد أراني للرماح دريئة من عن يميني تارة وأمامي قلت: وكان عليه أن ينبه على الشذوذ في المتن، وكلامه يوهم [المساواة]، على أن ما مثل به من الحديث واليت محتمل لأن تجعل الرؤية فيه قلبية.
وإنما لم يجز ذلك في غير الأفعال المذكورة؛ لأن أصل الفاعل أن يكون مؤثرًا، وأن يكون المفعول به متأثرًا منه، وأصل المؤثر أن يغاير المتأثر، فإن اتفقا معنى كره اتفاقهما لفظًا؛ فلذا لا تقول: ضرب زيد زيدًا، وأنت تريد: ضرب زيد

نفسه، فلم يقولوا: ضربتني، ولا ضربتك، ولا ضربتنا، وإن تخالفا لفظًا لاتحادهما معنى؛ (ولا تفاقهما) من حيث كان كل واحد منهما ضميرًا متصلًا، فقصد مع اتحادهما معنىَّ تغايرهما لفظًا بقدر الإمكان، فمن ثم قالوا: ضرب زيد نفسه، صار النفس بإضافته إلى ضمير زيد كأنه غيره؛ لغلبة مغايرة المضاف للمضاف إليه، فصار الفاعل والمفعول- في (ضرب زيد نفسه) - مظهرين متغايرين في الظاهر.
وأما أفعال القلوب فإن المفعول به فيها ليس المنصوب الأول في الحقيقة، بل هو مضمون الجملة كما مضى، فجاز اتفاقهما لفظًا، لأنهما ليسا في الحقيقة فعلًا ومفعولًا به.
كذا قال الرضي، ووجه ابن الحاجب ذلك بطريقة أخرى، فقال: إنما أبدلوا المفعول بلفظ النفس في غير أفعال القلوب نحو: ضربت نفسي، لما تقرر في المعتاد من أن فعل الفاعل لا يتعلق بنفسه غالبًا، وإنما يتعلق بغيره، فلو قال: ضربتني وضربتك، لسبق إلى الفهم ما هو الغالب من المغايرة بينهما، ولم تقو حركة المضمر رافعة لهذا الإلباس مع قيام هذا الغالب، فأبدلوا المفعول بلفظ النفس إيذانًا العدول عن ذلك الغالب، بخلاف (علمت) و (ظننت) ـ فإنه ليس الغالب فيها المغايرة، بل علم الإنسان بصفات نفسه وظنه إياها أكثر، فكان [ذلك]

الغالب الذي غير الأصل لأجله منتفيًا، فجرت هذه- يعني أفعال القلوب- على أصلها، وهو استعمال المضمرات في محالهًا من غير تغيير لها.
«وقد يعامل بذلك (عدم») [كقول جران العود: لقد كان لي ضرتين- عدمتني- وعما ألاقي منهما متزحزح «وفقد».] كقول الآخر: ندمت على ما كان مني- فقدتني- كما يندم المغبون حين يبيع

وإنما جاز ذلك في (عدم) و (فقد) حملًا على (وجد)؛ لأنهما ضداه في أصل الوضع.
«ويمنع الاتحاد عمومًا» في باب (ظن) وغيرهما من سائر الأفعال.
«إن أضمر الفاعل متصلًا مفرًا بالمفعول».
فلا يجوز: زيدًا ظن قائمًا، ولا زيدًا ضرب، تريد ظن نفسه وضرب نفسه.
واحترز بقوله: (متصلًا) من أن يكون منفصلًا، فلا يمنع الاتحاد نحو: ما ظن زيدًا قائمًا إلا هو.
وما ضرب زيدًا إلا هو.
«وبقوله: (مفسرًا بالمفعول) من نحو: زيد ضرب عمرًا فلا شبهة في جوازه، وإن كان الفاعل مضمرًا متصلًا؛ لأنه غير مفسر بالمفعول.

«فصل»: في/ الكلام على القول وما يتفرع منه من الأفعال وغير ذلك.

«يحكي القول» وهو مصدر معناه النطق اللساني نحو: يعجنني قولك: إن زيدًا فاضل.
«وفروعه» وهي الماضي، نحو: ﴿قالوا سمعنا﴾ والمضارع نحو

﴿يقولون ربنا ءامنا﴾، والأمر نحو: ﴿قولوا ءامنا﴾، واسم الفاعل نحو: ﴿والقائلين لإخوانهم هلم إلينا﴾.
واسم المفعول كقوله: تواصوا بحكم الجود حتى عبيدهم مقول لديهم لازكا مال ذي بخل واسم المصدر نحو: مقالك: (الله ربنا) إقرار بالربوبية.
«الجمل» هو مفعول لم يسم فاعله، وعامله (يحكى) المتقدم.
«وينصب به الفرد المؤدي معناها» أي معنى الجمل كالحديث والقصة والشعر والخطبة والكلام، ويعتبر ذلك بأن تجعل مكان ذلك المفرد [جملة، ثم تحمل عليها ذلك المفرد]، تقول مثلًا: قلت كلامًا حقًا أو اطلًا، أو كلامًا حسنًا، إذا قلت: زيد قائم- مثلًا-، [ثم] تقول (زيد قائم) كلام حق أو باطل، أو كلام حسن.
«و» ينصب به أيضًا المفرد «المراد به مجرد اللفظ».
قال المصنف: كقولك: قلت كلمة، أي: هذا اللفظ.
وهذا النوع مختلف فيه: وقد ساقه سوق المجمع عليه، وإنما استنبطت إجازة

الزجاجي له من قوله [في كتابه المسمى بـ (الجمل): وإنما قلنا الكل والبعض.
وإجازة الزمخشري له من قوله]- في ﴿يقال له إبراهيم﴾ - مفعول [ما] لم يسم فاعله.
قال المصنف ورجح الزمخشري هذا الإعراب على إعرابه منادي أو خيرًا، أي: هذا إبراهيم، ولم يذكر وجهه.
ويمكن توجيهه بأمرين: سلامته من دعوى الحذف اللازم على كل منهما، وأنه شامل لكل استعمال يستعمل فيه هذا اللفظ، أعني أنه يشمل استعماله في جميع التراكيب، وأما (يا إبراهيم) فخاض بالنداء، و (هذا إبراهيم) فمختص بهذا التركيب، وليس المراد، إلا أن هذا اللفظ يطلق عليه.
قال ابن هشام: إذا قيل: قلت كلمة، إن أريد بها الكلام فجائز اتفاقًا قلت: شعرًا، أو مسمى كلمة: كزيد أو قام أو هل، فممتنع إجماعًا، لفظه كلمة فمسألة خلاف.
قلت: وقع في شرح الحاجبية للرضي الاستراباذي إجازة الوجه الثاني الذي حكي الإجماع على امتناعه، وذلك أن الرضي قال: ويقع المفرد بعد القول على أحد خمسة أوجه: فذكر الأول، وهو أن يكون مؤديًا معنى الجملة فقط، ثم قال:

وثانيها: أن يعبر به عن المفرد لا غير، نحو قلت كلمة، أو قلت لفظة عبارة عن زيد، ويعتبر ذلك بأن يقع خبرًا عن اللفظ المفرد، نحو: زيد لفظة أو كلمة.
ثم قال: وثالثها: أن يكون لفظًا يصلح لأن يعبر به عن المفرد وعن الجملة، نحو: قلت: لفظًا، فإنك تقول: زيد لفظ، وزيد قائم لفظ، تنتصب هذه الثلاثة؟ لأنها ليست أعيان الألفاظ المحكية حتى تراعي.
هذا كلامه، ولا أدري من أين أخذ جواز الحكم في الصورة التي حكي فيها ابن هشام المنع بإجماع، فحرره.
ثم قال الرضي: ورابعها: مفرد غير معبر به عن مفرد ولا جملة، ولا مقصود به نفس ذلك اللف، فيجب أن يقدر معه ما يكون هـ جملة، كقوله تعالى: ﴿[قال] سلم قوم منكرون﴾ أي [سلام] عليكم.
«وإلحاقه» أي: إلحاق القول «بالظن في العمل مطلقًا» سواء وجدت

الشروط الآتية أو بعضها، أو لم يوجد شيء منها «لغة سليم» بضم السين، حكاها سيبويه عن أبي الخطاب، ومنه قول الشاعر: قالت: - وكنت رجلًا فطينًا- هذا- ور البيت- إسرائينا رأت هذه المرأة عند [هذا] الشاعر ضبًا، فظنت أنه [من] منسوخ يني إسرائيل.

قال ابن عصفور: ولا شاهد في ذلك؛ لاحتمال أن يكون (هذا مبتدأ و (إسرائين) على تقدير مضاف، أي مسخ إسرائيل، فحذف المضاف وأقى المضاف إليه على إعرابه، [وهو الجر] على حد: ﴿والله يريد الآخرة﴾ فيمن قرأه بكسر (الآخرة).
قلت: لا يجدي هذا التأويل شيئًا مع نقل أبي الخطاب أن نصب الجزئيين بالقول 233 مطلقًا لغة سليم.
«ويخص أكثر العرب» من غير سليم، ولم يقل: باقي/ العرب، ففهم [منه] أن فيه لغة ثالثة لعضهم.
«ها الإلحاق بمضارع المخاطب» لا بقيدي الإفراد والتذكير، بل المراد [من خوطب] كائنًا من كان، وعلى هذا فلا فرق بين أن يكون الخطاب في أوله، نحو: يا زيد أتقول: عمرًا منطلقًا، أو في آخره، نحو: أتقولن: زيدًا ذاهبًا.
واحترز بالمضارع من غيره: ماضيًا كان أو لا، فلا يجوز فيه إلا الحكاية، وأجاز

السيرافي إعمال الماضي بباقي شروط المضارع وزعم الكوفيون أن الأمر للمخاطب يجري مجرى الظن في لغة غير ني سليم.
واحترز بالمخاطب من المتكلم والغائب، فليس معهما إلا الحكاية «الحاضر» والمراد به الحال على ما صرح [به] المصنف في الشرح.
«بعد استفهام» بغير (هل)؛ لأنها تخصص المضارع بالاستقبال على ما ذكره البيانيون، ولكن النحويون لا يقيدون الاستفهام، بل يطلقونه بحيث يدخل [فيه] الاستفهام بـ (هل) وغيرها، فعلم أنه لا يشترط كونه للحال.
قال أو حيان: واشتراط كون المضارع حاليًا لم يذكره غير المصنف، والظاهر أنه غير شرط بدليل عمله مستقبلًا في قوله: أما الرحيل فدون بعد غد فمتى تقول الدار تجمعنا

وتبعه الشارح مقتصرًا على كلامه.
ولقائل أن يقول: لا نسلم تعلق (متى) بـ (تقول)، بل هي متعلقة بقوله: (تجمعنا)، فالمستقبل هو الجمع، والظن حال، وليس المراد: متى تظن في المستقبل أن الدار تجمعنا؟.
فإن قيل: المسئول عنه هو ما يلي أداة الاستفهام، فالجواب: أن ذلك في الهمزة و (أم) و (هل) - على ما فيه، كما سيأتي إن شاء الله تعالى- لأنها أحرف لا موضع لها من الإعراب، وأما السماء فإنها ترتبط بعواملها أو معمولاتها، فذاك هو المسئول عنه، ثم لا فرق بين الاستفهام عن الفعل، والاستفهام عن الفاعل والاستفهام عن متعلقات الفعل، نحو أتقول زيدًا قائمًا، ومن تقول أخاه قائمًا، وقال الشاعر: متى تقول القلص الرواسما يدنين أم قاسم وقاسما؟

وقال الآخر: أجهالًا تقول بني لؤيّ لعمر أبيك أم متجاهلينا ثم نبه على أنه ليس المراد الاستفهام كيف كان: متصلًا أو منفصلًا، بل المراد أن يقع [ذلك] بعد استفهام «متصل» نحو: أتقول زيدًا قائمًا.
«أو منفصل بظرف» كقوله:

أبعد بعد تقول الدار جامعة شملي بهم أم دوام البعد محتوما «أو جار ومجرور» نحو: أفي الدار تقول زيدًا قائمًا؟ «أو أحد المفعولين» كقوله: أجهالًا تقول بني لؤيّ............................................................................................. البيت.
وهل الفصل بمعمول كذلك نحو: أهند تقول زيدًا ضاربًا؟.
قال الشارح: مقتضى الأصول جواز الإعمال.
وزاد السهيلي شرطًا آخر لإجراء القول مجرى الظن: رأن لا يتعدى باللام، نحو أتقول لزيد عمرو منطلق، لأن تعديته باللام، تقتضى تعين كونه قولًا مسموعًا، فبعد عن معنى الظن الذي هو من أفعال القلوب.
وهل القول العامل عمل الظن يجري مجراه في العمل فقط، أو في العمل والمعنى معًا؟.
الثاني مذهب الجمهور، وقال بالأول بعضهم.
«فإن عدم شرط» من الشروط

التي ذكرت في المتن «رجع إلى الحكاية» إلا على لغة بني سليم.
«وتجوز» الحكاية «إن لم يعدم» شيء من الشروط، فعلم أن استكمال [تلك] الأمور المشترطة إنما هو شرط في الجواز لا في الوجوب، ويدل عليه قول عمرو بن معدي كرب.
علام تقول الرمح يثقل عاتقي؟ إذا أنا لم أطعن إذا الخيل كرت يروى برفع (الرمح) على الحكاية، وبنصبه على إلحاقه بالظن.

"ولا يلحق في الحكاية بالقول ما في معناه" من الدعاء والنداء والإخبار ونحوها، فإذا قلت: دعوت زيدًا عجّل، وناديته أقبل، وأخبرته زيد قائم، فليست الجمل المذكورة- وهي (عجل) و (أقبل) و (زيد قائم) - في محل نصب على أنها محكية بـ (دعوت) و (ناديت) و (أخبرت).
«بل ينوى معه القول» فتكون تلك الجمل محكية بقول محذوف، أي: دعوت زيدًا قلت له: عجل، وناديته قلت له: أقبل، وأخبرته قلت له: زيد قائم.
«خلافًا للكوفيين» فإنهم يجيزون الحكاية بما في معنى القول، ولا يضمرون معه قولًا.
234 قال/ المصنف: والصحيح مذهب البصريين.
واستدل على صحته بأنه قد جاء القول مصرحًا به في قوله تعالى ﴿ونادي نوح ربه فقال رب إن ابني من أهلي وإن وعدك الحق وأنت أحكم الحكمين﴾، وفي قوله تعالى: ﴿إذ نادي ربه نداء خفيًا، قال رب [إني وهن العظم مني]﴾، تدل على صحة التقدير عند عدم التصريح [به].
[انتهى].
فإن قلت: كيف صح العطف في قوله [تعالى] في الآية الأولى: ﴿.... فقال رب..... ﴾.

قلت: جعل الزمخشري (نادي) بمعنى: أراد النداء؛ لأنه عطف النداء عليه حيث قال: ﴿.... فقال رب.... ﴾ وهذا هو النداء، والأصل: يارب.
وأما قوله: ﴿إذ نادي ربه نداء خَفِيًا، قَالَ رَبِ.... ﴾، فالنداء هناك حقيقة؛ لأنه أبدل منه حكاية النداء بلا توسط حرف عطف.
قال جدي الإمام ناصر الدين بن المنير رحمه الله [تعالى] وهذا الذي اعتقد أنه ملجئ [ليس] به؛ لجواز وجهين أقرب منه: أحدهما: أن يكون الآخر تفسيرًا، وتوسط حرف العطف في التفسير لا يضر، وقد وقع كثيرًا، وقد قيل: - في قوله تعالى: ﴿أَلَم يَعلَمُوًا أَنَهُ مَن يحادِدِ الَلهً وَرَسولَهُ فَأَنَ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ﴾ - أي: يهلك فإن له نار جهنم، فجعل المبرد الثانية تفسيرًا للأولى وتأكيدًا لها، فالثانية هي الأولى، لكن الأولى مجملة لم يذكر فيها صورة الهلاك، والثانية ذكر فيها صورة الهلاك، وأنه بنار جهنم.

والوجه الآخر أن تكون الفاء عاطفة قصة على قصة، والتفصيل على إجمال، فكأنه أولًا ذكر نداء مجملًا ثم عقبه بذكره مفصلًا، وهي كالفاء التي تدخل على الفذلكة من حيث إن المجمل بما هو مجمل غير المفصل فهو عطف مفصل على مجمل.
ويجوز وجه ثالث لطيف المأخذ رقيق الحاشية، وهو أن يكون النداء على بابه، لكن المعطوف عليه مجموع النداء وما بعده: فليس من عطف الشيء على نفسه، بل من عطف المجموع على أحد أجزائه، وهما متغايران.
هذا كلامه رحمه الله [تعالى].
«و [قد] يضاف قول وقائل إلى الكلام المحكي».
فالأول- كقوله: قول، يا للرجال ينهض منا مسرعين الكهول والشبانا والثاني كقوله: وأجبت قائل كيف أنت بـ (صالح) حتى مللت وملني عوادي

يروى بجر (صالح) - وهو واضح- وبرفعه، فالتقدير: بقولي أنا صالح، فحذف القول والمبتدأ.
قاله المصنف [رحمه الله].
«وقد يغني القول في صلة» كقوله: لنحن الآلي قلتم فأنى ملئتم برؤيتنا قبل اهتمام بكم رعبا أي: قلتم: نغلبهم «و» في «غيرها» أي: غير صلة، ولم يذكر المصنف له شاهدًا، بل مثل له بقولك: أنا قال زيد، ولو رآني لفر.
أي [قال]: يغلبني، بدليل ما بعده، كما دل ما بعد القول في البيت على المقول.
«عن المحكي لظهوره» كلاهما يتعلق بـ (يغني).
«والعكس» وهو الاستغناء بالمقول عن القول «كثير» نحو: ﴿والملائكة يدخلون [عليهم] من كل، باب، سلم عليكم﴾ أي: قائلين، ونحو: {فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم

[بعد إيمنكم]}، أي: فيقال لهم: أكفرتم.
«وإن تعلق بالقول مفرد لا يؤدي معنى جملة» [كما في قولك: قلت كلامً].
«ولا يراد به مجرد اللفظ» [نحو: ﴿يقال له إبراهيم﴾].
«حكى مقدرًا معه ما يكون به جملة» نحو: ﴿قالوا سلما قال سلم﴾، فيقدر مع الأول فعل ناصب له، أي: سلمنا، ويقدر مع الثاني: إما خبر، فيكون مبتدأ، والتقدير: عليكم سلام، [وإما مبتدأ، فيكون خبرًا، والتقدير: تحيتكم سلام].
والحاصل أنه لا ينصب بالقول مفرد على أنه مفعول به [إلا إذا كان على أحد الوجهين المذكورين، وإنما قلت: على أنه مفعول به] احترازًا من نحو: قلت حقًا أي: قولًا حقًا، فإن هذا من باب المفعول المطلق.
قلت: وكلام المصنف مخالف لما قدمناه من كلام الرضي، فتأمله «وكذا إن تعلق» المفرد الذي هو في التقدير بعض جملة «بغير القول» فيحكي مقدرًا معه ما يكون به جملة، فلو كان على خاتم شخص (محمد)، وعلق به قرأت) أو (رأيت) أو (لمحت) أو نحوها، قلت: قرأت على فص خاتمه (محمد) فترفعه

على حسب مراد الناقش؛ لأن مراده: (صاحبه محمد) أو نحو ذلك، ولو كان المنقوش (محمدًا) بالنصب: قلت: قرأت (محمدًا) بالنصب، وتقدر له ناصبًا/ ولو أدخلت على المنصوب رافعًا لم تغيره، كقوله: وأصفر من ضرب دار الملوك يلوح على وجهه جعفرًا فأسند الشاعر (يلوح) إلى الجملة مراعيًا لقصد الناقش، وأنشده الفراء بالتاء شاهدا على لحت الشيء بمعنى أبصرته.
هذا منتهى ما ذكره الشارح.
قلت: ومقتضى ما قدمه المصنف من أن الحكاية لا تكون إلا بالقول، أن لا يصح كلامه هنا على ظاهره، بل لابد من تأويله على أنه أراد: ويجب في الكلام إضمار القول.
ويشكل ذلك في البيت لأن الفاعل لا يحذف، على أن المصنف قد قال وتبعه الشارح: أسند الشاعر (يلوح) إلى الجملة مراعيًا مراد الناقش.
وهذا التصريح منه بأن لا قول مقدر، فانظر هذا الموضوع فإنه مشكل.

«فصل» في الكلام على ما ينصب ثلاثة مفاعيل

«تدخل همزة النقل» وهي التي تنقل الفعل عما كان عليه من لزوم وتعدٍ إلى واحد واثنين إلى التعدي [إلى] واحد و [التعدي] إلى اثنين وإلى ثلاثة، فمن ثم سميت: (همزة النقل)، وتسمي أيضاً: (همزة التعدية) لذلك.
«على (علم) ذات المفعولين» احترازاً من (علم) اللازمة، وهي التي مصدرها العلمة، أي: شق الشفة العليا، ومن (علم) ذات المفعول الواحد، وهي التي بمعنى عرف.
«و (رأي) أختها» وهي القلبية احترازاً من (رأي) البصرية.
«فينصبان ثلاثة مفاعيل».
قال الشارح: الأحسن أن يظبط (ثلاثة) بالتنوين لأن؛ (مفاعيل) صفة، ولا يضاف العدد إلى الصفة إلا في الشعر أو قليل من الكلام.
قلت: يرد عليه: (ثم لم يأتوا بأربعة شهداء)، فإنه جمع شهيد، هو صفة.
فإن قلت: استعمل في الغالب من غير موصوف فأجري مجرى الأسماء.
قلت: وكذا (مفاعيل) جمع لمفعول، وهو عند القوم يستعمل بغير

موصوف)، كما تقول: ينصب المفعول المطلق، والمفعول به، والمفعول له، والمفعول فيه، والمفعول معه، ولايحتاج في شيء من ذلك إلى أن يذكر المصوف، فتقول ينصب اللفظ المفعول المطلق، وكذا البقية، فأجريت مجرى الأسماء، فحكمها حكم (شهداء) من غير فرق.
«أولها» [أي] أول المفاعيل الثلاثة هو المفعول «الذي كان» قبل دخول همزة النقل «فاعلاً» كما إذا قلت: علم زيد عمراً فاضلاً، فـ (زيد) في هذا التركيب فاعل، فإذا أتيت بهمزة النقل قلت: أعلمت زيداً عمراً فاضلاُ، فنصبت بالفعل ثلاثة أولها الذي كان فاعلاً وهو زيد في [هذا] المثال.
«ويجوز حذفه» أي: حذف هذا المفعول الأول، نحو: أعلمت فرسك مسرجا، ولا يذكر من أعملته «و» يجوز أيضاً في هذا المفعول [الأول] «الاقتصار عليه» فتقول: أعلمت زيداً، ولا تذكر ما أعلمته.
«على الأصح» لأن الفائدة متحققة في الصورتين جميعاً، وهذا الأصح هو مذهب الأكثرين، وثم قولان آخران.
أحدهما: منع الحذف والاقتصار جميعاً، وإليه ذهب أبناء: طاهر وخروف وعصفور، والشلوبين.

وثانيهما: منع الاقتصار عليه، ولكن يجوز الاقتصار على الأخرين، وبنسب هذا القول إلى الفارسي.
«وللثاني وللثالث بعد النقل ما لهما قبله مطلقاً» من جواز حذفهما اختصاراً، ومنع حذف أحدهما اقتصاراً، ومن التقديم والتأخير، وغير ذلك من الأحكام السابقة.
قال الشارح: ومن جملة ما لهما قبل النقل منع حذفهما اقتصاراً، على ما اختاره [المصنف] [رحمه الله]، وقد أجاز الاقتصار هنا على الأول وحذف الثاني والثالث.
قلت: كأنه يشير إلى الانتقاد عليه بأنه كان حقه تخصيص هذا العموم بما ذكره، وفي الحقيقة لا اعتراض؛ لأن قوله: فيما تقدم في شأن المفعول: إنه يجوز الاقتصار عليه [مخصص] لهذا العموم بلا شك.
فإن قلت: ما السر في كونه هناك منع حذف المفعولين اقتصاراً، وهنا أجازه؟.
قلت: لانتفاء سبب المنع هنا، وذلك لأن المانع هناك من الحذف اقتصاراً هو ما يفضي إليه من عدم الفائدة في مثل قولك: علمت، وظلت؛ إذ [لا] يخلو

جارٍ التحميل