تعليق الفرائد على تسهيل الفوائدصفحات 7-46

«باب الأحرف الناصبة الاسم الرافعة الخبر»

قال ابن قاسم: إنما قال: (الأحرف) ولم يقل (الحروف)؛ لأنها جمع قلة، وقد انتقد المبرد وابن السراج على سيبويه قوله: (الحروف)، واعتذر عنه بأنه من وضع جمع الكثرة موضع جمع القلة كقوله تعالى: ﴿ثَلاَثَةَ قُروءٍ﴾، أو بأنها جمع كثرة باعتبار ما يعرض لها من اللغات والتغيير.
قلت: التفريق بين جمع القلة وجمع الكثرة بأن الأول للعشرة فما دونها، والثاني لما فوق العشرة، أمر قد اشتهر وشاع قديما وحديثا بين الطلبة والعلماء، ووقع لمولانا سعد الدين التفتازاني في التلويح زيادة كلام في ذلك فقال: واعلم أنهم لم يفرقوا في هذا المقام بين جمع القلة وجمع الكثرة، فدل بظاهره على أن التفريق بينهما إنما هو في جانب الزيادة، بمعنى أن جمع القلة مختص بالعشرة فما دونها، وجمع الكثرة غير مختص، لا أنه مختص بما فوق العشرة، وهذا أوفق بالاستعمالات، وإن صرح بخلافه كثير من الثقات.
هذا كلامه، ويعني بالمقام المشار إليه مقام التعريف بما يفيد الاستغراق، يريد أن العلماء لم يفرقوا في هذا المحل بين: {فَاقْتُلُوا

الْمُشْرِكِينَ}، و (أكرم العلماء) مثلاً، حيث جعلوا كلا منهما شاملا للثلاثة وما فوقها إلى غير النهاية، فدل عدم التفريق بحسب الظاهر في هذه الحالة على أن التفريق بينهما في حالة كونهما منكرين إنما هو في جانب الزيادة كما قال.
وحاصله أم الجمعين متفقان باعتبار المبتدأ مفترقان باعتبار المنتهى، فمبدأ كل منهما الثلاثة، ومنتهى جمع القلة العشرة، ولا نهاية لجمع الكثرة.
وبهذا التقرير لا يحتاج أن نقول: - في محل من المحال- هذا مما استعير فيه جمع الكثرة لجمع القلة نحو: (ثلاثة قروء)، وينحل الإشكال المعروف، فيما إذا أقر بدراهم، حيث قالوا: يقبل تفسيره بثلاثة، واستشكل بأنه جمع كثرة، وأقله أحد عشر، وأجابوا بأم جمع الكثرة يطلق على جمع القلة مجازا، والأصل براءة الذمة مما زاد، فقبلنا نفسيره بثلاثة لذلك، وهذا غير سديد، إذ لا يقبل من اللافظ بحقائق الألفاظ في الأقارير التفسير بالمجاز؛ ألا ترى أن من أقر بأفلس لا يقبل منه التفسير بفلس واحد، وإن صح إطلاق الجمع على الواحد مجازا؟.
وإذا نظرن إلى التقرير خرج الجواب سديدا، فإنا نمنع كون جمع الكثرة للثلاثة مجازا، بل هو لكل من الثلاثة والأربعة إلى ما لا نهاية له حقيقة كما عرفت فإذن لم يقبل تفسيره بمجاز أصلا، فلا إشكال، فتأمله.

«وهي (إن)» بكسر الهمزة «للتوكيد» ولم يذكر (أن) المفتوحة اقتداء بسيبويه والمبرد في المقتضب ولبن السراج في الأصول.
وإنما تركوا عدها لأنها فرع المكسورة؛ و [لذا] أورد المصنف أن قضية هذا أن لا تعد (كأن)، وأجاب بأن أصل (كأن) منسوخ لاستغناء الكاف عن متعلق، وبساطة (أن)، و (إن) غير مختلف فيها «و (لكن)» بتشديد النون، ومذهب البصريين أنها بسيطة، وقال الفراء: أصلها (لكن) (إن)، فطرحت الهمزة للتخفيف، ونون (لكن) للساكنين، وقال بافي الكوفيين: [مركبة] من (لا) و (أن) والكاف زائدة لا التشبيهية، وحذفت الهمزة للتخفيف.
قلت: الكاف التشبيهية واللزائدة كل منهما مفتوح، فمن أين هذه الكسرة؟.
«للاستدراك»، وهو أن تنسب لما بعدها حكما مخالفا لحكم ما قبلها؛ ولذلك لا بد أن يتقدمها كلام مناقض لما بعدها، محو: ما هذا ساكنا، لكنه متحرك، أو ضد له نحو: ما هذا أبيض، لكنه أسود، أو خلاف [له]

-[على خلاف فيه]-

نحو: ما هذا قائما لكنه شارب.
فإن قلت: إذا نسبت إلى ما بعدها حكما مخالفا لحكم ما قبلها حصل المقصود من

استفادة تخالف الحكمين، فما معنى الاستدراك؟ وماذا أفاد هذا الحرف؟ قلت: أفاد أن ما يأتي من الحكم مخالف لما قبله من أول الأمر، فإذا ذكر الحكم استفيدت المخالفة من جوهر اللفظ تفصيلا، وأفاد الحرف المخالفة في ابتداء الأمر إجمالا.
«و (كأن) للتشبيه» سواء كان خبرها جامدا أو مشتقا، وقال الزجاج: هي للتشبيه إن كان الخبر جامدا نحو: كأن زيدا أسد، وللشك إن كان مشتقا نحو: كأنك قائم؛ لأن الخبر هو الاسم، والشيء لا يشبه بنفسه.
وتندفع هذه الشبهة بأن المعنى: كأنك شخص قائم حتى يتغاير الاسم والخبر حقيقة فيصح تشبيه أحدهما بالآخر، إلا أنه لما قام الوصف مقام الموصوف، وجعل الاسم بسبب التشبيه كأنه هو الخبر بعينه، صار الضمير في الخبر يعود إلى الاسم لا إلى الموصوف المقدر؛ فلهذا تقول: كأني أمشي، وكأنك تمشي، والأصل كأني رجل أمشي، وكأنك رجل تمشي.
كذا قدره الرشي.
«وللتحقيق أيضا على رأي» ذهب إليه الكوفيون والزجاجي، وأنشدوا عليه: فأصبح بطن مكة مقشعرا كأن الأرض ليس بها هشام

إذ لا يكون تشبيها؛ لأنه ليس في الأرض حقيقة، وإنما المعنى أن بطن مكة اقشعر؛ لأن الأرض ليس بها هشام، وجاء معنى التعليل من جهة أن الكلام معها في المعنى جواب سؤال عن العلة مقدر، وأجيب بأمور: أحدها: أن المراد بالظرفية الكوزن في بطنها، لا الكون على ظهرها، فالمعنى: أنه كان ينبغي أن يقشعر بطن مكة مع دفن هشام فيه؛ لأنه لها كالغيث.
والثاني: أنه يحتمل أن هشاما قد خلفه من يسد مسده، فكأنه لم يمت.
فإن قلت: هذا يؤدي إلى أن يكون عجز البيت غير ملائم لصدره؛ وذلك لأن الصدر يتضمن أن بطن مكة اقشعر، والعجز يتضمن تشبيه فقد هشام بوجوده، باعتبار أنه خلف من ينوب منابه، ولا مناسبة بين هذين المعنيين، وإنما المناسب لتقدير وجود من يخلفه كون الأرض ناعمة غير مقشعرة.
قلت: الصدر يتضمن أمرين/ بحسب منطوقه ومفهومه: فالمنطوق [هو] اقشعرار بطن مكة، والمفهوم هو عدم اقشعرار ظاهرها، فتقدير وجود هشام باعتبار أن ثم من يسد مسده- مناسب لهذا المفهوم، فارتبط العجز [حينئذ] بالصدر من حيث مفهومه لا من حيث منطوقه، ويكون البيت قد اشتمل على حذف العلة من الصدر، والمعلل من العجز؛ لأن اقشعرار بطن مكة معلل بدفنه فيها، وضمها لآشلائه،

فكأنها اقشعرت حزنا عليه، فحذفت هذه العلة، وتقدير وجود من يسد مسد هشام علة لعدم اقشعرار ظاهرها، وهذا المعلل محذوف لفهمه من صدر البيت.
والثالث: أن الكاف للتعليل و (أن) للتوكيد، فهما كلمتان لا كلمة، ونظيره: ﴿وَيْكَأَنَّهُ لا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾، أي: أعجب لعدم فلاح الكافرين.
وادعى ابن الخباز الإجماع على أن (كأن) حرف مركب، وليس كذلك نعم: هو مذهب الأكثرين، قالوا: والأصل- في (كأن زيدا أسد) - إن زيدا كأسد، ثم قدم حرف التشبيه اهتماما به، ففتحت همزة (إن) لدخول الجار.
قال الزجاج وابن جتي: ما بعد الكاف جر بها.
قال ابن جني: وهو حرف لا يتعلق بشيء؛ لمفارقته الموضع الذي يتعلق فيه بالاستقرار، ولا يقدر له عامل، لتمام الكلام بدونه، ولا هو زائد؛ لإفادته التشبيه.
قال ابن هشام في المغني: وليس قوله بأبعد من قول أبي الحسن: إن كاف التشبيه لا تتعلق دائما.
قال: ولما رأى أن الجار غير الزائد حقه التعلق دائما قدر الكاف هنا اسما بمنزلة (مثل) ثم لزم أن يقدر له موضعا، فقدره ميتدأ فاضطر إلى أن يقدر له خبرا لم ينطق

به قط، ولا المعنى مفتقر إليه.
فقال: معنى (كأن زيدا أخوك) مثل أخوة زيد إياك كائن.
وقال الأكثرون: لا موضع ل (أن) وما بعدها؛ لأن الكاف و (أن) صارا بالتركيب [كلمة] واحدة.
قال ابن هشام: وفيه نظر؛ لأن ذلك في التركيب [لوضعي، لا في التركيب] الطارئ.
قلت: وهذا تركيب وضعي، لأن واضع اللغة في معتقد هؤلاء [هو] الذي وضعه كذلك، وليس من الأمور التي طرأت في الاستعمال من غير أن يكون للواضع فيها مدخل.
وأما إذا قلنا: بأنها بسيطة- كما ذهب إليه بعضهم- فلا إشكال.
وترك المصنف حكاية مذهب الكوفيين في أن (كأن) تكون للتقريب، مع اشتهاره عنهم، وحملوا عليه: (كأنك بالشتاء مقبل) و (كأنك بالفرج آت) و: كأنيبك تنحط..............................

و (كأنك بالدنيا لم تكن وبالآخرة لم تزل)، والصحيح أنها في ذلك كله للتشبيه، وخرج ذلك على وجوه: فقال الفارسي: الكاف حرف خطاب، والباء زائدة في اسم (كأن).
[وقيل: الكاف اسم (كأن)]، وفي المثال الأول حذف مضاف، أي: كأن زمانك مقبل بالشتاء، ولا حذف في (كأنك بالدنيا لم تكن.... )، بل الجملة الفعلية خبر، والباء بمعنى في، وهي متعلقة ب (تكن)، وفاعل كن) ضمير المخاطب.
فقال الفارسي: الكاف حرف خطاب، والباء زائدة في اسم (كأن).
[وقيل: الكاف اسم (كأن)]، وفي المثال الأول حذف مضاف، أي: كأن زمانك مقبل بالشتاء، ولا حذف في (كأنك بالدنيا لم تكن.... )، بل الجملة الفعلية خبر، والباء بمعنى في، وهي متعلقة ب (تكن)، وفاعل (تكن) ضمير المخاطب.
وقال ابن عصفور: الكاف والياء في (كأنك) و (كأني) كافتان ل (كأن) عن العمل، كما تكفها (ما)، والباء زائدة في المبتدأ.
وقال ابن عمرون: المتصل ب (كأن) اسمها، والظرف خبرها، والجملة بعده حال، بدليل: (كأنك بالشمس وقد طلعت) بالواو، ورواية بعضهم: (.... ولم تكن.... ولم تزل) بالواو، وهذه الحال متممة لمعنى الكلام، كالحال في قوله تعالى: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾، وكـ (حتى) وما بعدها في قولك: مازلت

بزيد حتى فعل.
وقال المطرزي: الأصل كأني أبصرك تنحط، وكأني أبصر الدنيا لم تكن، ثم حذف الفعل، وزيدت الباء.
وقال الرضي: الأولى أن لا يحكم بزيادة/ شيء ونقول: التقدير كأنك تبصر بالدنيا، أي: تشاهدها، من قوله تعالى: ﴿فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ﴾، والجملة بعد المجرور بالباء حال، أي: كأنك تبصر بالدنيا وتشاهدها غير كائنة، ألا ترى إلى قولهم: (كأني بالليل وقد أقبل) و (كأني يزيد وهو ملك)؟ والواو لا تدخل [على] الجمل إذا كانت أخبارا لهذه الحروف.
«و (ليت) للتمني» وهو طلب حصول شيء مستحيل، أو ممكن غير متوقع على سبيل المحبة، ثم تعلقه بالمستحيل كثير، نحو: ليت الشباب يعود، وبالممكن قليل، نحو: ليت زيدا يحسن إلى من أساء إليه، ولكن يجب في التمني- إذا كان متعلقه ممكنا، كهذا- أن لا يكون [لك] توقع وطماعية في وقوعه، وإلا صار ترجيا.
«و (لعل) للترجي» وهو الطمع في حصول أمر محبوب ممكن الوقوع.
«والإشفاق» وهو توقع أمر ممكن مخوف.
«والتعليل» قال الأخفش: نحو: قول الرجل [لصاحبه]:

افرغ لعلنا نتغدى.
والمعنى لنتغدى، وهي في ذلك- عند الأكثرين- للترجي «والاستفهام» وهذا إنما قال به بعض الكوفيين، وتبعهم المصنف، وجعل منه قوله تعالى: ﴿وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: لبعض الأنصار، وقد خرج إليه مستعجلا- (لعلنا أعجلناك)، والآية عند غيرهم محمولة على الترجي، والحديث على الإشفاق.
«ولهن» أي لهذه الأحرف المذكورة «شبه بـ «كان» الناقصة، في لزوم المبتدأ والخبر» فخرج باللزوم (ألا) و (أما) الاستفتاحيتان؛ لأنهما يدخلان على الجملة الاسمية تارة، وعلى الفعلية أخرى، فلا يلزمان الدخول على المبتدأ والخبر.
«والاستغناء بهما» عند دخول (كان) عليهما بحيث يستقل الكلام، ولا يحتاج معها إلى شيء آخر، وخرج بهذا القيد (لولا) الامتناعية، و (إذا) الفجائية، فإنهما- وإن أشبها (كان) في لزوم المبتدأ والخبر- لكنهما يفارقانها من حيث افتقار (لولا) إلى جواب، و (إذا) إلى كلام سابق، فتقرر بذلك وجه الشبه بين (كان) الناقصة وهذه الأحرف الناسخة.
«فعملت عملها» أي: عمل (كان)، والأولى أن لو قال: فعملن عملها.
«معكوسا ليكونا» أي: المنصوب والمرفوع «معهن» أي: مع هذه الأحرف.
«كمفعول قدم وفاعل أخر، تنبيها على الفرعية» لأن الأصل تقديم المرفوع على المنصوب والعكس فرع.
«ولأن معانيها» أي: معاني هذه الأحرف، والأولى: لأن

معانيهن.
«في الأخبار» إذ لا يتحقق التأكيد والتشبيه إلى آخرها إلا باعتبار أخبارها.
«فكانت» أي: الأخبار، والأولى: فكن «كالعمد، والأسماء كالفضلات، فأعطيا» أي: قسم الأخبار وقسم الأسماء.
«إعرابيهما» أي: إعرابي العمد والفضلات فنصبت الأسماء ورفعت الأخبار.
والاعتراض على هذا الكلام متوجه من حيث أن هاتين العلتين ثابتتان في (ما) الحجازية، ولم يقدم منصوبها.
وغير المصنف قدر العلة على وجه سالم من هذا الخدش بأن قال: هذه الأحرف مشابهة للفعل المتعدي، [ووجه الشبه أنها] تقتضي أمرين، كما أن الفعل المتعدي يقتضي أمرين، أما في الفعل [المتعدي] فظاهر، وأما في هذه الأحرف؛ فلأنها تقتضي النسبة في الجملة الاسمية، والنسبة تقتضي أمرين هما طرفا النسبة، فتعمل فيهما كعمل الفعل المتعدي في متعلقيه.
وأما تقديم المنصوب على المرفوع فلوجهين: أحدهما: أن لفظ بعضها يشبه لفظ الفعل، فإن (أن) التي هي من جملة هذه الأحرف تشبه (أن) في قولك: (أن) زيد قائما، من الأنين، والمرفوع في الفعل مقدم على المنصوب، فعكس هنا؛ ليحصل الفرق بين ما هو فعل وما هو حرف من أول الأمر.

والثاني: أن الفعل له عملان: أصلي، وهو أن يقدم مرفوعه على منصوبه، وفرعي، وهو أن يكون على العكس، وعمل هذه الأحرف فرع على عمل الفعل؛ لأنها عملت بمتشابهته فأعطيت من عمل الفعل ما هو فرعي.
فإن قلت: يرد على الثاني النقض بعين ما أسلفته.
قلت: لعل التعليل بمجموع الوجهين لا بكل منهما، فلا يرد.
وقد يقال: هذه الأحرف مشابهة للفعل لفظا ومعنى: أما الأول: فلأن منها ما هو ثلاثي- وهو (إن) و (أن) و (ليت) - ومنها ما هو رباعي، - وهو- (لعل) - ومنها ما هو خماسي، وهو (لكن)؛ ولأنها مبنية على الفتح كالفعل.
وأما الثاني: فلأن معانيها كمعاني الأفعال، كأنك قلت: أكدت وشبهت واستدركت وتمنيت وترجيت، وحينئذ فلا ينتقض بـ (ما) الحجازية أصلا.
«ويجوز نصبهما» أي: نصب الجزأين «بـ (ليت)، عند الفراء وبالخمسة عند أصحابه» ومذهب الجمهور عدم الجواز مطلقا، «وما استشهد به» لكل من المذهبين «محمول على الحال، أو على إضمار فعل، وهو رأي الكسائي» لكن حمله على الحال إنما يتجه فيما هو نكرة، والثاني يمكن في النكرة والمعرفة، فيحمل ما استشهد به الفراء من قول الشاعر:

يا ليت أيام الصبا رواجعا على أن (رواجعا) حال من ضمير مستكن في فعل محذوف تقديره: أقبلت: أو على أنه خبر لـ (تكون) محذوفة، أي تكون رواجعا، ويحمل ما استشهد به غيره من قول عمر بن أبي ربيعة: إذا اسود جنح الليل فلتأت ولتكن خطاك خفافا إن حراسنا أسدا على أن [أسدا] حال من محذوف، أي: تلقاهم أسدا، أو خبر لـ (تكون) مضمرة، أي: يكونون، وهذا رأي الكسائي، وله- رحمه الله- إقدام على إضمار (كان)، فقد قال به في: ﴿انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ﴾.
وقد تبين بهذا أن في قول المصنف: (إضمار فعل) إجمالا.
وقد يجاب بأنه لما جعل إضمار الفعل قسيما لوجه الحال، وجب أن يكون الفعل المضمر لا يكون معه الجزء الثاني المنصوب حالا، وإلا لم تصح المقاسمة، فوجب أن يقدر الكسائي (كان) وهذا حسن.
وبالجملة فكان الأولى به أن يقول: وما استشهد به محمول على الإضمار،

والمضمر (لنا) أو (أقبلت) لا (كان) خلافا للكسائي.
«وما لا تدخل عليه (دام)» وهو المبتدأ المخبر عنه بطلبي مفردا أو جملة والمبتدأ الذي يلزم التصدير أو الحذف أو عدم التصرف أو الابتدائية لنفيه أو لمصحوب لفظي أو معنوي كما مر.
وقد سبق أن الإنشاء الذي ليس بطلبي حكمه حكم الطلبي (لا تدخل عليه هذه الأحرف) ومن هنا يعلم أن جملتي (نعم) و (بئس) خبريتان لا إنشائيتان لقوله تعالى: ﴿[إِنَّ اللَّهَ] نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، ولقوله تعالى: ﴿إِنَّهُمْ سَاءَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وسيأتي في ذلك كلام في [باب] (نعم) و (بئس) إن شاء الله تعالى.
«وربما دخلت (إن) على ما خبره نهي» كقوله: إن الذين قتلتم أمس سيدهم لا تحسبوا ليلهم عن ليلكم ناما وقد مر في باب المبتدأ والخبر ما يعرف به وجه التأويل في ذلك، وسيأتي أن (أن) المخففة من الثقيلة قد يكون خبرها طلبيا، وذكر أبو حيان عن الفارسي في

تفسير: ﴿أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾ أنها مخففة من الثقيلة، ورده بأن المشهور أن الجملة الطلبية لا تقع خبر (إن)، ولذلك أولوا: إن الذيم قتلتم... ........................................................... البيت: ............................. إني عسيت صائما وفي الكشاف: (لا تكون مخففة من الثقيلة)؛ لأ، هـ لابد من (قد).
وقال بعض المتأخرين: الحق أن الطلبية معنى/ الخبرية لفظا تجوز، نحو: (اللهم إني أسألك رحمة من عندك) [الحديث] (اللهم إني أعوذ بك من المغرم والمأثم)، وكثرة ذلك في الحديث معروفة، ولا يجوز: إني بعتك، ولا إنك طالق، بقصد الإنشاء، والفرق أن الطلب يقبل التأكيد؛ لتأخر متعلقة فيؤكد طلبه كما تؤكد النسبة الخبرية، بخلاف الإنشاء الذي وقع متعلقه معه فلا يقبل التأكيد.

«وللجزأين» وهما الاسم والخبر.
«بعد دخولهن» أي: دخول (إن) وأخواتها.
«ما لهما مجردين» من الأقسام: ككون المبتدأ لعين أو معنى، وكون الخبر مفردا أو جملة، ومن الأحوال: كجواز حذف الخبر لدليل، ومن الشروط: كعود ضمير من الخبر إلى المبتدأ.
«لكن يجب هنا تأخير الخبر» لضعف هذه العوامل بالحرفية.
«وما لم يكن ظرفا» نحو: إن عندك زيدا.
«أو شبهه» أي: جارا ومجرورا نحو: إن في الدار عمرا.
«فيجوز توسيطه» كما رأيت، لما سمعت غير مرة من توسعهم في الظروف والجار والمجرور.
والمراد بالجواز ما يقابل الامتناع، لا ما يقابل الزجزب؛ ليدخل نحو: إن في الدار صاحبها.
«ولا يخص حذف الاسم المفهوم معناه بالشعر» بل يجوز حذفه في النثر والنظم، سواء كان ضمير شأن أو غيره كقولهم: إن بك زيد مأخوذ، وقوله: إن من يدخل الكنيسة يوما يلق فيها جاذرا وظباء

أي: إنه بك زيد مأخوذ، وإنه من يدخل الكنيسة، فهذا مثال حذف الاسم الذي هو ضمير شأن نثرا ونظما، وكقولهم: إن بك مأخوذ أخواك، وكقوله: فلو كنت ضبيا عرفت قرابتي ولكن ونجي عظيم المشافر أي: إنك بك مأخوذ أخواك، ولا يجوز أن يقدر المحذوف ضمير شأن، لأنه لا يفسر بمفرده، وتقدير البيت: ولكنك زنجي.
فهذا مثال حذف الاسم الذي هو غير ضمير شأن نثرا ونظما.
قال المصنف: ووقوع ذلك في الشعر أكثر.
«وقل ما يكون» المحذوف «إلا

ضمير شأن» وهذا الذي ذكره المصنف من أن حذف الاسم يجوز في الكلام، [وأكثر ما يكون ضمير شأن هو أحد القوال الثلاثة.
والثاني: أنه مختص بالشعر، قاله السخاوي في شرح المفصل.
والثالث: أنه يجوز في الكلام] إلاإن كان ضمير شأن فلا يحسن حذفه إلا في الضرورة.
«وعليه يحمل» الحديث الوارد: «إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورون» فيكون التقدير: إنه من أشد الناس.
و (المصورون) مبتدأ خبره الظرف المتقدم.
«لا على زيادة (من)» داخلة على اسم (إن) «خلافا للكسائي».
فإنه لا يتحاشى من زيادة (من) في الكلام الموجب، ولا من دخولها زائدة على المعرفة، ولكن المعنى لا يساعد على تخريجه، فإن المصورين ليسوا أشد عذابا من سائر الناس.
«وإذا علم الخبر جاز حذفه مطلقا» للقياس على حذف الخبر في غير هذا الباب؛ وللسماع، ففي التنزيل ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ﴾، وفيه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقال الشاعر:

سلوا أن حيا من قريش تفضلوا على الناس أو أن الأكارم نهشلا وقال الآخر: إذا قيل سيروا إن ليلى لعلها جرى دون ليلى مائل القرن أعضب فالخبر في ذلك محذوف؛ للعلم به، أي لهم عذاب شديد، وتفضلوا، وقريبة.
«خلافا لمن اشترط تنكير الاسم» كقوله: إن محلا وإن مرتحلا وإن في السفر إذ مضوا مهلا وبقي على المصنف قول الفراء: إنه يشترط مع التنكير تكرير (إن) كالبيت.

«وقد يسد مسده واو المصاحبة والحال» بالرفع عطفا على فاعل (يسد)، وهو (واو المصاحبة)، أما الواو المذكورة فمثاله ما حكاه سيبويه: (إنك ما وخيرا)، أي: إنك مع خير و (ما) زائدة، والخبر محذوف وجوبا مثل: (كل رجل وضيعته)، وقد عرفت ما فيه في [باب] النبتدأ والخبر./ وحكى الكسائي: (إن كل ثوب وثمنه)، وقال الشاعر: فدع عنك ليلى إن [ليلى] وشأنها وإن وعدتك الدهر لا يتيسر وأما الحال فكقولك: إن ضربي زيدا قائما، وقول الشاعر: إن اختيارك ما ترجوه ذا ثقة بالله مستظهرا بالحزم والجلد «والتزم الحذف في (ليت شعري) مردفا باستفهام» كقوله: ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة بواد وحولي إذخر وجليل

الشعر: بمعنى الفطنة، مصدر من قولك: (شعرت، أشعر) كنصرت أنصر.
قال سيبويه: أصله ليت شعرتي، حذفوا الهاء في الإضافة، كما في قولهم: أبو عذرها.
قال الرضي: فلعله لم يثبت عنده مصدرا إلا بالهاء، كـ (النشدة)، وإلا فلا موجب لجعل المصدر من باب الهيئة، كـ (الجلسة) و (الركبة)، والمعنى: ليت علمي بجواب هذا الاستفهام حاصل.
قال ابن قاسم: نسب الرضي القول بذلك- أي: بسد الاستفهام مسد الخبر- إلى ابن يعيش، واستشكله بأن محل خبر (شعري) الذي هو مصدر بعد جميع ذيوله من فاعله ومفعوله، فمحله بعد الاستفهام، فكيف يكون الاستفهام في مقام الخبر،

ومقامه بعده! !، بل هو خبر وجب حذفه بلا ساد مسده؛ لكثرة الاستعمال.
انتهى.
وذهب المبرد والزجاج إلى أن جملة الاستفهام هي الخبر، وموضعها رفع، ونسبه في الإيضاح إلى سيبويه، قال: وتحقيقه: أن (شعري) بمعنى مشعوري، والجملة نفس المبتدأ، فلا يحتاج إلى ضمير.
قلن: الذي ينبغي- على تقدير أن يكون (شعري) بمعنى مشعوري- أن يكون الأصل: ليت مشعوري جواب (هل قام زيد)، والجملة مراد بها لفظها، أي: جواب هذا اللفظ، ثم حذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، فالمعنى: ليت معلومي قيام زيد أو عدم قيامه؛ لأن أحد هذين الأمرين هو جواب هذا الاستفهام، وإلا فلو لم يعتبر هذا الحذف لم يستقم ظاهرا.
فإن قلت: أين الاستفهام الذي أردف به (ليت شعري) في قول أبي طالب: ليت شعري مسافر بن أبي عمـ رو (ليت) يقولها المحزون؟ قلت: ادعى ابن الحاجب أنه محذوف، والتقدير: أنجتمع أم لا؟،

[والمسافر منادى]، وتبعه الرضي الاستراباذي على ذلك، وهو سهو منهما عن قوله بعد هذا: أي شيء دهاك أم غال مرا ك، وهل أقدمت عليك المنون فهذا هو الاستفهام الذي أردف به (ليت شعري) في البيت الأول، فلا حذف أصلا، وغايته أن وقع الفصل باعتراض.
«وقد يخبر هنا» في باب (إن) «- بشرط الإفادة- عن نكرة بنكرة» كقول إمرئ القيس: وإن شفاء عبرة مهراقة ..........................................................

كذا رواه سيبويه بتنكير (شفاء).
«أو بمعرفة» كما حكاه سيبويه [من قولهم]: إن قريبا منك زيد، وإن بعيدا منك عمرو: وكقول الفرزدق: وإن حراما أن أسب مجاشعا .................................................... وقد سبقت هذه المسألة في باب (كان)، ولم يكن بالمصنف داع إلى تكريرها.
«ولا يجوز [نحو]: (إن قائما الزيدان)، خلافا للأخفش والفراء ولا [نحو]: ظننت قائما الزيدان خلافا للكوفيين» فجوزوا في الصورتين دخول الناسخ على الوصف الرافع للفاعل.

قال الرضي: وكلاهما بعيد عن القياس؛ لأن الصفة لا تصير مع فاعلها جملة كالفعل، إلا مع دخول ما يناسب الفعل عليها كمعنى النفي والاستفهام، أو دخول ما لا بد من تقديرها فعلا بعده كاللام الموصولة، وأما (إن) و (ظننت) فليستا من ذينك في شيء، بل هما/ يطلبان الاسمية، فلا يصح تقديرها فعلا بعدهما.

«فصل» في المواضع التي تكسر فيها همرزة (إن) أو تفتح

. «ويستدام كسر (إن)» وهي الأصل على الصحيح؛ لأن الجملة بعد دخولها باقية على جمليتها لا تتغير عما كانت عليه؛ ولأنها مستغنية بمعموليتها عن زيادة، بخلاف [أن] المفتوحة في الوجهين.
«ما لم تؤول هي ومعمولاها بمصدر».
قال ابن قاسم، وإنما قال: (بمصدر)، لم يقل: (بمفرد، لأنها إذا أولت بمفرد غير مصدر لم تفتح كما في قولك: ظننت زيدا إنه قائم، فهي هنا واجبة الكسر وإن كانت في موضع مفرد وهو المفعول الثاني.
قلت: أما أنها مع جزئيها في محل مفرد فصحيح، وأما أنها مؤولة معهما بمفرد فليس كذلك؛ إذ لا يلزم في الجملة الحالة محل المفرد أن تؤول به، والتأويل إنما يكون في المصدرية.
«فإن لزم التأويل لزم الفتح، وإلا» يلزم التأويل، بل كان جتئزا «فوجهان».
وهما الكسر والفتح.

«فلامتناع التأويل كسرت: ميتدأة» أي: واقعة في ابتداء الكلام هي ومعمولاها، نحو: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، ﴿أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ﴾ وسواء كانت في أول كلام المتكلم، نحو: إن زيدا قائم، أو كانت في وسط كلامه إذا كان ابتداء كلام آخر، نحو: أكرم زيدا إنه فاضل، فقولك: (إنه فاضل) كلام مستأنف وقع علة لما تقدمه.
«وموصولا بها» مع جزءيها، نحو: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ﴾، وليست- في قولهم: (لا آتيه ما أن في السماء نجما) - موصولا بها هي ومعمولاها، بل مؤولة معهما بمصدر هو فاعل فعل محذوف، أي: ما ثبت أن في السماء نجما، والجملة الفعلية هي الصلة.
وفي الجزولية الكبرى: أن الموصوف بها مثل الموصول بها في وجوب الكسر، وأهمله المصتف، وكذا فعل أكثرهم، ولكن في كتاب القصريات ما ملخصه: قدر سيبويه القسم في: (ما إن مفاتحه [لتنوء]).
قال أبو الفتح بم جني: فسألت أبا علي: لم احتاج إلى ذلك؟.
فقال: (إن) تقطع الكلام، وليس حق الصلة أن تقطع عن الموصول.

قلت: قد يوصل بالشرط، وهو منقطع عما قبله.
فقال: ليس انقطاعه كانقطاع (إن)، ألا ترى أن الشرط يوصف به؟.
فقلت: وكذا الوصف، يقال: مررت برجل إن زيدا خير منه.
فقال: من قال هذا! ! أسمعته في شعر قديم، أو كلام فصيح! !. فقلت: لا أحتاج إلى هذا، فإن القياس يوجبه.
فقال: بل القياس ينفيه، فإن [إن] تقطع ما بعدها عما قبلها.
قلت: فكذلك يمتنع: مررت برجل لزيد خير منه، فإن لام الابتداء تقطع.
فقال: نعم، هو ممتنع لذلك، و (إن) واللام بمنزلة واحدة، وقد حكى أصحابنا أن بعضهم قرأ: ﴿وَلا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لِأَنْفُسِهِمْ﴾، وتأولوه على أنه أجرى (إن) مجرى اللام من حيث اجتمعا في جاةب القسم.
قلت له: فليس في هذه الجملة قسم.
فقال: بلى، ﴿لا تحسبن﴾ قسم، ألا ترى أن سيبويه أجاز: (حسبت لزيد خير منك)، و (حسبت ما زيد قائم).
قلت له: فإنك تقول: (مررت برجل ما زيد خير منه)، و (جاء الذي ما زيد خير منه)، ولا تقدر قسما.

فقال: ليس لـ (ما) من الانقطاع ما لـ (إن) إذا كانت قسيمة الإيجاب، وداخلة عليه فأعطيت حكمه.
انتهى.
قلت: وقضية ما قاله أبو علي أن لا يوصل بالجملة المصدرة بـ (إن)، ولا يوصف بها، ولم يثلج لي ما علل به الامتناع، فتأمله.
«وجواب قسم» مثل: والله إن زيدا قائم.
قال ابن قاسم: وفيه خلاف سيأتي.
قلت: ليس الخلاف في جواب القسم، وإنما هو في الواقع بعد قسم لا لام معه، كالمثال (المتقدم)، فمن أوجب الكسر جعله/ جواب قسم، ومن جوز الفتح لم يجعله جوابا، وإنما هو على تقدير (على)، أي: أقسم بالله على قيام زيد.
«ومحكية بالقول» نحو: ﴿قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ﴾، فخرجت الواقعة بعد القول لا بقصد الحكاية، نحو: أخصك بالقول أنك فاضل، أي: لأنك [فاضل]، والواقعة بعد القول المراد به الظن، وسيأتي في باب (ظن).
«وواقعة موقع الحال» سواء اقترنت بالواو، نحو: ﴿وَإِنَّ فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لَكَارِهُونَ﴾، أو لم تقترن بها نحو: {وَما أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ

لَيَأْكُلُونَ الطَّعَامَ}.
«أو موقع خبر اسم معين» نحو: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾.
«أو قبل لام معلقة» نحو: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ﴾، وهذه لام الابتداء، [ولا تدخل إلا على المكسورة؛ لأن وضع لام الابتداء] [أن] تؤكد مضمون الجملة كـ (إن) المكسورة فهما سواء في المعنى.
قال ابن قاسم: وزاد بعضهم موضعا ثامنا، وهو بعد (حيث)، وقد أولع عوام الفقهاء بالفتح بعدها.
قلت: وهو صحيح؛ لأن (حيث) تضاف إلى الجنلة، وقد تضاف إلى المفرد كقوله: ونطعنهم حيث الكلى بعد ضربهم ببيض المواضي حيث لي العمائم

بجر (لي)، وكقول الآخر: أما ترى حيث سهيل طالعا ................................................................. بجر (سهيل)، فيجوز- إذن في (إن) الواقعة بعدها الوجهان.
فإن قلت: إذافة (حيث) إلى المفرد نادر، فلا يحمل عليه.
قلت: يجوز الفتح وإن قلنا: إنها مضافة إلى الجملة، بناء على أن (أن) ومعموليها بتأويل مصدر واقع في موضع مبتدأ الجملة لا في موضع مجموعها، وقد روي البيت الثاني برفع (سهيل) على أنه مبتدأ محذوف الخبر، أي حيث سهيل موجود، وحذف خبر المبتدأ الذي بعد (حيث) غير قليل.
نعم: زاد ابن الخباز من مواطن وجوب الكسر أن تقع بعد (إذ)، وما أشبهها من الظروف الماضية، نحو: جئتك إذ إن زيدا قائم، ويوم إن عبد الله مسافر، فلو قلت: أجيئك يوم إن زيدا قائم، لم يجز؛ لأن هذا يعتبر بـ (إذا) الاستقبالية، ولا تضاف [إلا] إلى الجملة الفعلية، والصواب: يوم يقدم زيد.

«وللزوم التأويل فتحت بعد «لو» نحو: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا﴾ التقدير: ولو صبرهم، وعلى ماذا ارتفع؟.
قال ابن قاسم: مذهب سيبويه وأكثر البصريين أنه مبتدأ محذوف الخبر.
قال ابن هشام: ولا يجوز إظهاره، محذفه بعد (لولا).
وقال ابن عصفور: الذي أحفظه عن البصريين أنه مبتدأ لا خبر له؛ لاشتمال صلتها على المسند والمسند إليه.
ومذهب الكوفيين والمبرد والزجاج على أنه فاعل بفعل محذوف، أي ولو ثبت صبرهم.
[قلت: وهذا الذي اختاره المحققون] «ز» بعد «لولا» نحو ﴿فَلَوْلا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ﴾، وهو في موضع مبتدأ حذف خبره على الصحيح من الأقوال المتقدمة في باب المبتدأ.
«و» بعد «ما» التوقيتية «نحو: اجلس ما أن زيدا قائم، لأنها لا تدخل إلا على الفعل؛ وذلك لأنها مصدرية، ويندر دخولها على الاسمية كما مر، فالتقدير: ما ثبت أن زيدا قائم، أي: ما ثبت قيامه.
«وفي موضع مجرور» بحرف نحو: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ﴾، وإضافة نحو: ﴿مِثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ «أو» في موضع «مرفوع فعل» فاعلا [كان] نحو: {أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا

أَنْزَلْنَا}، أو نائبه نحو: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ﴾، وهذا يغنيه عن مسألة (ما) التوقيتية في كل قول، وعن/ مسألة (لو) في قول المحققين، ولكنه لا يختاره [هو]، ثم إنه يخرج عنه المرفوعة بالابتداء، ولا بد من إدخالها؛ للزوم فتحها، نحو: عندي أنك قائم.
«أو» في موضع «منصوبه»، أي: منصوب فعل، فدخل المفعول به والمفعول له والمستثنى، نحو: ﴿وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ﴾، وجئتك أنك تحبني، أو أني أحبك، وتعجبني أمورك إلا أنك تشتم الناس.
قال ابن الخباز: وتقع أيضا مفعولا معه نحو: يعجبني جلوسك عندنا وأنك تحدثنا/ ولا تقع مفعولا فيه ولا حالا ولا تمييزا، «غير خبر» بالنصب على أ، هـ حال من (منصوبه)، ويعني بذلك أن (أن) تفتح إذا وقعت في [موضع] منصوب الفعل حال كونه غير خبر؛ احترازا من نحو؛ ظننت زيدا إنه قائم.
فيجب الكسر هنا، وبقي عليه أن يقول: ولا محكية بالقول.
فإن قلت: سبق له أنها تكسر محكية

بالقول، فاستغنى عن ذكره هنا.
قلت: وسبق له أنه تكسر واقعة موقع خبر اسم عين، فهلا استغنى عنه، كما استغنى عن ذلك! ! «ولإمكان الحالين» وهما التأويل بمصدر وعدم التأويل به.
«أجيز الوجهان» وهما الفتح والكسر «بعد: أول قولي» في مثل: أول قولي: إني أحمد الله.
فالفتح على أن (قولي) مصدر مضاف إلى فاعله، وليس بمعنى المقول، والتقدير: أول قولي- أي: أقوالي- حمد الله، فلم يجمع؛ لأن المصدر لا يجمع إلا مع قصد الاختلاف، فيكون قد أخبر عن المصدر بالمصدر.
كذا قال الرضي.
والمعنى: وقوع الحمد منه أول أقواله بأي عبارة كان.
ولا يظهر لي مانع من جعل القول على هذا التقدير بمعنى المقول، ولا وجه لتعليمه لعدم جمع المصدر بأنه لا يجمع إلا مع قصد الاختلاف، مع أن إضافة أول إليه تقتضي التعدد، فسبب الجمع موجود، فهلا جمع! !. والكسر على أن (قولي) بمعنى مقولي، أي أول مقولاتي، فلم يجمع مع أنه يجمع المقول مراعاة لأصل المصدر، فالمعنى: أول مقولاتي هذا القول، وهو أني أحمد الله فيكون الحمد وقع بلفظ خاص، وهو هذه العبارة المعينة، وعلى هذا فالجملة خبر لا مفعول، خلافا لأبي علي، فإنه زعم أنها في موضع نصب بالقول، فبقى المبتدأ بلا خبر، فقدر (موجود) أو (ثابت).
وهذا المقدر مستغنى عنه، بل هو مفسد؛ لأن أول (أني أحمد الله) - باعتبار الكلمات- (أن)، وباعتتبار الحروف الهمزة، فيفيد الكلام على تقديره الإخبار بأن ذلك ثابت، ويقتضى بمفهومه أن بقية الكلام غير ثابت، وزهو خلف من القول «و» أجيز

الوجهان بعد «(إذا) المفاجأة» كقوله: وكنت أرى زيدا- كما قيل- سيدا إذا إنه عبد القفا واللهازم يروى: بالكسر على عدم التأويل بالمصدر، أي: إذا هو عبد القفا، وبالفتح على التأويل بمصدره، أي: إذا عبودية قفاه ثابتة.
«و» بعد «فاء الجواب» نحو: ﴿مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾، قرئ بالكسر على عدم التأويل، وبالفتح على التأويل، [أي] فغفرانه له حاصل.
وينبغي أن يكون ما يشبه الجواب مساويا له في هذا الحكم، فيجوز الوجهان بعد [فائه] نحو: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾، قرئ بفتح الهمزة وكسرها، فمن فتحها فـ (أن) وصلتها خبر لمحذوف، والجملة خبر (أن)، ومن كسرها فالكلام تام لا حذف فيه، وعليهما فـ (ما) موصولة وعائدها محذوف و (من شيئ) حال، أي: واعلموا أنما غنمتموه قليلا أو كثيرا، فالحكم أن لله خمسه، أو فلله خمسه.

«وتفتح بعد «أما «بمعنى حقا» نحو أما أنك ذاهب، فجعل المصنف (أما) كلمة واحدة بمعنى (حقا)، وهو مصدر وقع [ظرفا] مخبرا به عن اتلمصدر الذي يؤول به (أن) وجزآها وأجاز مع ذلك أن يكون (أما) للاستفتاح، وما بعده/ مبتدأ خبره مخذوف، كأنه قال: أما معلوم أنك ذاهب، وفيه بعد؛ لاستلزامه جواز الفتح بعد (ألا) الاستفتاحية، وإن ذكره بعضهم.
وقال جماعة: (أما) كلمان، فالهمزة للاستفهام، و (ما) اسم بمعنى (شيء)، ذلك الشيء (حق)، والمعنى: أحقا.
قال ابن هشام في مغنيه: وهذا هو الصواب، وموضع (ما) النصب على الظرفية، كما انتصب (حقا) على ذلك في قوله: أحقا أن جيرتنا استقلوا [فنيتنا ونيتهم فريق]

وهو قول سيبويه، وهو الصحيح، بدايا قوله: أفي الحق أني مغرم بك هائم ................................ فأدخل عليها (في)، و (أن) وصلتها مبتدأ، والظرف خبره.
«وبعد (حتى) غير الابتدائية» جارة كانت أو عاطفة، نحو: عرفت أمورك حتى أنك فاضل، فإن جعلتها جارة فـ (أن) وجزآها في محل جر، وإن جعلتها عاطفة ففي محل نصب، فإن كانت [حتى] ابتدائية كسرت (أن) بعدها كقولهم: مرض حتى إنهم لا يرجونه، وهذا مخالف لكلام ابن الحاجب، فإنه قال: إذا وقعت (أن) بعد حتى الابتدائية، فإن قلنا: لا يجوز في المبتدأ الواقع بعدها أن يحذف خبره وجب كسرها؛

لأنها حالة محل الجمكلة، [وإن قلنا: يجوز حذفه وإثباته، فإن قدرتها حالة محل الجملة] كسرت، أو المفرد فتحت، وذلك نحو: عرفت أمور زيد حتى أن أكله بالليل [لك أن تفتح، فالتقدير: حتى أكله بالليل] معروف، كما تقول/ (أكلت السمكة حتى رأسها) بالرفع، أي مأكول، ولك أن تكسر، فيكون الكلام تاما، أي حتى أكله بالليل، وهو حسن، والظرف مستقر على الثاني لغو على الأول.
«وبعد (لا جرم) غالبا» نحو: ﴿لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾.
وعند سيبويه أن (جرم) فعل معناه (حق) ولا نافية رد على الكفرة وتحقيق لخسرانهم.
وقيل: فعل بمعنى (كسب) و (لا) زائدة، أي كسب لهم عملهم الندامة.
و(أن) وما في حيزها على هذا القول [في موضع نصب، وعلى الأول] في موضع رفع.
وقيل: (لا جرم) كلمتان ركبتا، وصار معناهما (حقا).
وكثيرا ما يقتصر المفسرون على ذلك.
وقيل: (لا جرم) معناها (لا بد)، و (أن) الواقعة بعدها مع صلتها في موضع نصب بإسقاط حرف الجر.
قال الفراء: (لا جرم) كلمة كانت في الأصل بمعنى (لا بد) و (لا محالة)، فكثر استعمالها حتى صارت بمنزلة (حقا) تقول: لا جرم لآتينك.
«وقد تفتح-

عند الكوفيين- بعد قسم ما لم نةجد اللام».
نحو: والله أن زيدا قائم، بدون لام، فلو أدخلت اللام نحو: والله أن زيدا لقائم، امتنع.
قال ابن كيسان: الكوفيون يفتحون ويكسرون في المثال الأول، والفتح عندهم أكثر.
قلت: ووجه تجويز الأمرين أنه يجوز جعل (أن) وما في حيزها جواب القسم فتكسر، ويجوز تقدير حرف الجر قبلها- كما تقدم أي: أقسم بالله على أن زيدا قائم فتفتح.
وينبغي أن ينظر في وجه أكثرية هذا الثاني بالنسبة إلى الأول.
وقد نبهناك على ما يقتضي حسن قزل المصنف هما: (بعد قسم) دون أن يقول: (في جواب قسم).

«فصل»: في الكلام على لام الابتداء الواقعة في هذا الباب، وعلى لامات تزاد في محال مخصوصة

. «يجوز دخول لام الابتداء بعد (إن) المكسورة» لا بعد (أن) المفتوحة، لأن وضع اللام المذكورة لتأكيد الجملة، و (أن) المفتوحة تصير الجملة معها في تأويل مفرد، فلو جامعتها اللام لزم خلاف وضعها، ولا بعد (ليت) و (لعل) و (كأن) بإجماع، ولا بعد (لكن) على الصحيح.
أما الثلاثة الأول فلأنهن يغيرن معنى الكلام عما كان عليه، فزال الكلام الذي كانت اللام تدخل عليه.

وأما (لكن) فإن ما بعدها مطلوب لما قبلها، وما بعد لام الابتداء منقطع عما قبلها، فزال التشابه [بينما] «على اسمها» أي: اسم/المكسورة.
«المفصول» وكان حق اللام المذكورة أن تدخل أول الكلام، ولكن لما كان معناها [هو] معنى (إن) سواء- أعني التأكيد والتحقيق، وكلاهما حرف ابتاء- كرهوا اجتماعهما، فأخروا اللام، وصدروا (إن) لكونها عاملة، والعامل حقيق بالتقديم على معموله، وخاصة إذا كان حرفا؛ إذ هو ضعيف العمل، وراعوا- مع تأخير اللام- أن يقع بينهما فصل؛ لأن المكروه هو الاجتماع وشمل قوله: (المفصول) ما وقع فيه الفصل بالخبر، نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ﴾، وقوله عليه الصلاة والسلام: (إن من الشعر لحكمة، وإن من البيان لسحرا) أو وقع فيه الفصل بمعمول [الخبر]، نحو: إن فيك ازيدا راغب، وهي مسألة خلاف، منعها

المغاربة، وأجازها آخرون أو بمعمول الاسم، نحو: إن في الدار لساكنا زيد.
قال ابن قاسم: وفي جوازها نظر.
وحكى الكسائي: دخولها على الاسم غير مفصول بشيء، وذلك قول بعض العرب: خرجت فإذا إن لغدائنا، وينبغي أن يقدر الفاصل، أي: فإذا إن بالمكان لغدائنا.
«وعلى خبرها المؤخر عن الاسم» نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ﴾.
قال المصنف: ويعمل ما بعدها فيما قبلها، نحو؛ ﴿إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ﴾.
«وعلى معموله» ظرفا كان أو غير ظرف «مقدما عليه بعد الاسم» كقوله: إن امرءا خصني عندا مودته على التنائي لعندي غير مكفور

جارٍ التحميل