واحترز من أن يتأخر المعمول عن الخبر أو يتقدم على الاسم، فلا تدخل اللام عليه حينئذ.
«وعلى الفصل المسمى عمادا» كقوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ﴾ في أحد الاحتمالين.
«وأول جزءي الجملة الاسمية المخبر بها أولى من ثانيهما» فدخلوها على أول الجزءين كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ نُحْيِي وَنُمِيتُ﴾.
﴿وَإِنَّا لَنَحْنُ الصَّافُّونَ﴾ ودخولها على الثاني كقول الشاعر:
وإنك من حاربته لمحارب شقي ومن سالمته لسعيد
وعلى هذا يصح تخريج: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ - إذا قدرت (إن) مؤكدة شأنية على أن اللام دخلت على ثاني الجزءين، ولا يحتاج إلى تقدير مبتدأ، لكن صرح الشارح بأن دخولها على ثاني الجزءين شاذ وهو مخالف لظاهر كلام المصنف.
«وربما دخلت على خبر (كان) الواقعة خبرا لـ (إن)» كقول أم حبيبة رضي الله عنها: (إني كنت عن هذا لغنية) كذا هو في بعض نسخ البخاري، واعتمده المصنف في إثبات هذا الحكم على عادته في الاستدلال بالآثار، وسيجيء فيه كلام في باب الفاعل إن شاء الله تعالى.
«ولا تدخل على أداة شرط» فلا يجوز: إن زيدا لئن يكرمني أكرمه، خوف التباس لام الابتداء باللام الموطئة للقسم.
«ولا على فعل ماض» احنراز من المضارع فإنها تدخل عليه لشبهه بالاسم، نحو: ﴿وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ﴾.
«متصرف»؛ احترازا من الجامد فإنها تدخل عليه عند الأخفش، نحو: إن زيدا لعسى أن يقوم، وإنه لنعم الرجل.
قالوا: ووجهه أن الجامد يشبه الاسم.
قلت: وأيضا فالفعل فيهما إنشائي، وزمنه حالي- أي: ومن التلفظ به- فأشبه المشارع المراد به وقوع حدثه في الحال، وهذا بناء على أن (نعم) من أفعال الإنشاء، وفيه كلام ستقف عليه إن شاء الله تعالى.
«خال من (قد)» احترازا من أن يكون مقترنا بـ (قد) فتدخل اللام عليه، نحو: إن زيدا لقد قام؛ لأن (قد) تقربه من الحال فيشبه المضارع.
فإن قلت: الكسائي وهشام يجيزان دخولها على الماضي المتصرف على إضمار (قد)، فهل يؤخذ حكمه من كلام المصنف في المتن؟.
قلت: يحتمل أن يريد: خال من (قد) - لفظا فيكون مخالفا لهما، ويحتمل أن يريد: خال من (قد) لفظا أو تقديرا.
فيوافقهما، وشرحه ليس حاضرا عندي الآن حتى أتعرف [منه] مذهبه في المسألة.
«ولا على معموله» أي: معمول الفعل الماضي.
المذكور «المتقدم، خلافا للأخفش» فلا يجوز: إن هندا لطعامك أكلت.
لأن دخولها على المعمول فرع دخولها على العامل، فلو قلت: إن زيدا لطعامك قد أكل، جاز عند المصنف أيضا، وينبغي للأخفش أن يقول: بذلك في المنفي أيضا نحو: إن
زيدا لطعامك لم يأكل، أو لا يأكل.
«ولا على حرف نفي إلا في ندور» كقوله:
وأعلم أن تسليما وتركا للامتشابهان ولا سواء
أنشده ابن جني.
وقضية هذا الكلام أنها تدخل على النافي إذا كان اسما نحو: إن زيدا لغير قائم، وهو صحيح، ويدل عليه:
............................... لعندي غير مكفور
فدخلت على معمول ما عملت فيه (غير).
وقضيته أيضا أنها تدخل على الفعل النافي نحو: إن زيدا لليس قائما، لكن هذا غير صحيح، ولم يقل به أحد.
لا يقال: قد نص على أنها لا تدخل على الماضي؛ لأنا نقول: إنما نص على عدم دخولها عليه بقيد كونه متصرفا خاليا من (قد)، وهذا جامد، وهو ممن جوز دخولها على الجامد.
«ولا على جواب الشرط، خلافا لابن الأنباري» فإنه أجاز: إن زيدا من يأته ليحسن إليه؛ لأن الجواب غير صالح للتوطئة بخلاف الشرط، والصحيح المنع لأن جواب الشرط وحده ليس هو الخبر، وإنما الخبر هو جملة الشرط فقط دون جملة الجواب على الصحيح.
فإن قلت: الفائدة متوقفة على الجواب.
قلت: توقفها عليه من حيث التعلق، لا من حيث الخبرية.
كذا قروره.
واعلم أن تعليلهم المنع بإيهام لام التوطئة فيه نظر، لاقتضائه أن لا يجوز: إن زيدا لقد قام، لإيهامه لام جواب القسم، وقد يفرق بأن الفرق يظهر إذا تقدم على (إن) فعل يعلق، فإنه يعلق مع لام الابتداء دون لام القسم، وقد يقال أيضا: إنما توهم لام التوطئة حيث يكوم الجواب غير مجزوم ولا مقرون بالفاء وحينئذ يكون مؤكدا أو منفيا فلا يلتبس بلام الابتداء إلا إذا حذف الجواب، وذلك ضعيف جدا أن يحذف الجوابان معا «ولا على واو المصاحبة المغنية عن الخبر، خلافا للكسائي» فإنه أجاز ذلك، وحكى [عن] بعض العرب أنه قال: إن كل ثوب لو ثمنه، وكأن هذا مبني على قولهم: إنه لا حذف، وإن قولك: (... وضعيته) - في المثال المشهور: (كل رجل وضعيته) خبر المبتدأ؛ لأن الواو بمعنى (مع) فكأنك قلت: كل رجل مع ضيعته، وأنت إذا صرحت بـ (مع) لم تحتج إلى تقدير، فكذا مع الواو التي بمعناها، وقد مر.
«وقد يليها» أي: يلي لام الابتداء «حرف تنفيس» نحو: إن زيدا لسوف يقوم.
«خلافا للكوفيين» فإنهم منعوه؛ لأن لام الابتداء الداخلة على المضارع
مخصصة له بالحال [عندهم]، كما أن حرف التنفيس مخصص له بالاستقبال؛ فلذلك لا يجيزون: (إن زيدا لسوف يقوم)؛ للتناقض، والبصريون يجوزون ذلك؛ لأن اللام باقية عندهم على إفادة التوكيد فقط، كما كانت تفيده لما أدخلت على المبتدأ.
«وأجازوا» أي: الكزفيون «دخلوها بعد «لكن» احتجاجا بقول الشاعر:
...................... ولكنني من حبها لعميد
«ولا حجة» لهم «فيما أوردوه» من هذا الشعر «لشذوذه» ولا يعرف له تتمة ولا قائل ولا نظير ولا رواه عدل يقول: سمعته ممن يوثق بلغته.
«وإمكان الزيادة» على نقدير أن قائله ممن يحتج بكلامه، فتكون اللام فيه زائدة ولا تكون لام الابتداء، ثم على تقدير التسليم بكونها لام ابتداء يحتمل أن يكون أصله: لكن أنني، ثم حذفت الهمزة تخفيفا، ونون (لكن) للساكنين.
«كما زيدت مع الخبر مجردا» أي: ولإمكان أن تكون اللام في/ التركيب الذي احتجوا به زائدة كما زيدت اللام مع خبر المبتدأ مجردا عن (أن) كقوله:
أم الحليس لعجوز شهربه ..................................
وظاهر كلام الكسائي جوازه.
«أو معمولا لـ (أمسى)» كقوله:
مروا عجالا وقالوا: كيف سيدكم؟ فقال من سئلوا: أمسى لمجهودا
«أو (زال)» [كقوله]:
وما زلت من ليلى لدن أن عرفتها لكالهائم المقصى بكل مراد
«أو (أرى)» كقول بعضهم: أراك لشاتمي «أو (أن)»، بفتح الهمزة كقراءة سعيد بن جبير: ﴿إِلاَّ أَنَّهُمْ لَيَأْكُلُوونَ [الطَّعَامَ]﴾، بفتح الهمزة.
قال الرضي: وقرئ في الشواذ: ﴿وَأَنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بالفتح.
وساق في المفصل ما يحكى عن الحجاج من جرأته على الله، وذلك أن لسانه سبق [في] مقطع ﴿وَالْعَادِيَاتِ... ﴾ إلى فتحة (إن) فأسقط اللام من قوله ﴿.... لَخَبِيرٌ﴾.
قال ابن الحاجب: والحكم على الحجاج بأنه أسقط اللام تعمدا لا يثبت؛ لأنه يجوز أن يكون أسقط اللام غلطا، كما فتح (إن) [من] أول الأمر غلطا، وقد أثبت أنه فتحها غلطا وسهوا بقوله: (إن لسانه سبق)، وهذا معنى الغلط، ثم حكم عليه بإسقاط اللام تعمدا، وهذا أمر يؤدي إلى الكفر، فلا معنى لإثباته من غير ثبت، فإن ذلك لا يفعله مسلم.
«أو (ما)» النافية كقوله:
أمسى أبان ذليلا بعد عزته وما أبان لمن أعلاج سودان
زقال الكوفيون: اللام بمعنى (إلا) والتقدير: وماأبان إلا من أعلاج سودان.
وقيل: (ما) استفهامية، وتم الكلام عند (أبان)، ثن ابتدأ: لمن أعلاج سودان، بنقدير: لهو من أعلاج.
والمعنى على هذين القولين عكس المعنى على قول المصنف.
كذا قال ابن قاسم في شرحه، وابن هشام في مغنيه.
قلت: ويمكن أن يكون تنوين (سودان) للتعظيم على قول المصنف، وللتحقير على القولين الآخرين، فلا تنافي إذن في المعنى بينهما وبينه، فتأمل.
واعلم أن كلام المصنف يقتضي أن (ما) هذه حجازية، ولا أدري ما الذي دله
على ذلك.
«زربما زيدت» اللام «بعد (إن) قبل الخبر المؤكد بها» مثل:
إني لبحمد الله لصالح، حكاه الكسائي والفراء عن العرب، وحكى قطرب عن يونس: إني لبك لواثق.
قال الشارح: والصحيح جواز ذلك، اوروده نثرا ونظما، وصحح ابن عصفور المنع.
«و» ربما زيدت اللام أيضا «قبل همزتها» أي: همزة (إن) «مبدلة هاء مع تأكيد الخبر» كقوله:
ثمانين حولا لا أرى منك راحة لهنك في الدنيا لباقية العمر
«أو تجريده» من التأكيد، كقوله:
ألا ياسنابرق على قلل الحمى لهنك من برق علي كريم
قال الشارح: وإنما جاز دخول لام اتلابتداء على (إم) لأنها تغير افظها بالإبدال تنبيها على موضعها الصلي.
قلت: هذا مع [أنه] كلام غيره أيضا مخالف لقول المصنف: إنها زائدة.
«فإن صحبت» لام واقعة «بعد (إن) نون توكيد» نحو: إن زيدا ليقومن.
«أو ماضيا متصرفا عاريا من (قد)» نحو: إن زيدا لقام.
«نوى قسم» فيقدر: والله ليقومن في الأول، والله لقام في الثاني.
«وامتنع الكسر» في (إن) إذا تقدم عليها مقتض لفتحها، نحو: علمت أن زيدا ليقومن أو أن زيدا لقام.
وانظر هل المعنى بقوله: (عاريا من «قد») الخلو منها لفظا وتقديرا أو لفظا فقط، والظاهر الأول.
«فصل»: في الكلام على ما هو ثابت بالوضع لـ (إن) من عدم الإعمال، وما يعرض لها من التخفيف والإعمال والإهمال حينئذ، ودخول لام الفرق، وما يتعلق بذلك، والكلام على (لكن) وتخفيفها، ودخول (ما) الكافة
.
«ترادف (إن)» المكسورة الثقيلة «(نعم) فلا إعمال» أصلا، بل تكون-حينئذ- حرف جواب مهملا لا عمل له، هذا مذهب سيبويه والجمهور، وهو الصحيح، وأنكره أبو عبيدة.
قال المصنف: والشواهد العربية قاطعة بذلك كقوله:
قالوا: أخفت؟ فقلت: إن وخيفتي ما إن تزال منوطة برجائي
وكقول ابن الزبير- رضي الله عنهما- لمن قال له: لعن الله ناقة حملتني إليك: إن وراكبها.
أي: نعم ولعن راكبها، ويحتمل أن يكون منه قوله:
ويقلن: شيب قد علا ك، وقد كبرت، فقلت: إنه
فالهاء للسكت، وليس بقاطع؛ لجواز أن تكون الهاء ضميرا منصوبا بها، والخبر محذوف، أي: إنه كذلك.
«وتخفف» (إن) المؤكدة، لا الجوابية بدليل «فيبطل الاختصاص» لأن حرف الجواب لا اختصاص له؛ ولهذا لم يعمل.
ومعنى بطلان الاختصاص دخولها على الاسمية تارة و [على] الفعلية أخرى.
«ويغلب الإهمال» على الإعمال، فتقول: إن زيد قائم، برفع الجزءين، وهو الغالب، وتقول: إن زيدا قائم، بنصب الأول، فتعملها كما كانت قبل التخفيف، وعليه قراءة الحرميين: ﴿وَإِنْ كُلاًّ لَمَا لَيُوَفِّيَنَّهُمْ﴾، بتخفيف (إن)، ونصب (كلا)، وتخفيف الميم من (لما)، وقرأ أبو بكر مثلهما، إلا أنه شدد الميم، وحكى سيبويه: إن عمرا لمنطلق، بتخفيف (إن)، ونصب (عمرا).
قال الشارح: ومنع الكوفيون إعمالها، وهم نحجوجون.
قلن: كذا وقع في عبارة غيره، وهو غير محرر؛ لأن الكلام يفهم أن الكوفيين يوافقون على تخفيف (إن)، ويخالفون في إعمالها مخففة، وليس كذلك، فإنهم يرون أن (إن) الثقيلة لا تخفف أصلا لا معملة ولا مهملة، ومذهبهم- في (إن) الخفيفة التي يعتقد البصريون تخفيفها من الثقيلة- أنها ثنائية الوضع، وأنها نافية لا تأكيدية كما سيأتي.
«زتلزم اللام بعدها» أي: بعد (إن) المخففة «فارقة» أي: اللام بين النافية والمخففة.
«إن خيف اللبس بـ (إن) النافية» قلا يلزم مع ظهور الإعمال، نحو: إن زيدا قائم؛ لعدم اللبس، ولا في موضع تقوم [فيه] قرينة على أن النفي فيه غير ننراد، كقول الطرماح:
أنا ابن أباة الضيم من آل مالك وإن مالك كانت كرام المعادن
فإن تمدحه وافتخاره قرينة لا يصلح معها أن تكون (إن) نافية؛ لانقلاب المدح بذلك ذما، فلا حاجة إلى اللام حينئذ.
وأما إذا خيف اللبس فيلزم الإتيان باللام، كقولك إن زيد لقائم، وإن هذا لذاهب، وإن اعتقدت في (إن) الإعمال؛ لعدم ظهور الإعراب الرافع للبس.
«ولم يكن بعدها نفي» فلا تدخل اللام في مثل قولك: إن زيد لن يقوم.
قال الشارح: وقد يستغنى عن هذا الشرط بما سبق في المشددة.
قلت: يعني في الفصل المتقدم آنفا، حيث قال المصنف [إن] لام الابتداء لا تدخل على حرف نفي إلا في ندور.
ولم أتحقق العلة الباعثة على اشتراط هذا الشرط، فتأمله.
«زليست» اللام الفارقة «غير» اللام «الابتدائية، خلافا لأبي علي» فإنه زعم أها غير لام
الابتداء اجتلبت للفرق.
قال أبو الفتح: قال لي أبو علي: ظننت أن فلانا نحوي محسن حتى سمعته يقول: إن اللام التي تصحب (إن) الخفيفة هي لام الابتداء.
فقلت له: أكثر نحويي بغداد على هذا.
انتهى.
وحجة أبي علي دخولها على الماضي المتصرف، نحو: إن زيدا لقام، وعلى منصوب الفعل المؤخر عن ناصبه في نحو: ﴿وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ﴾، و [كلاهما] لا يجوز مع المشددة، ويظهر أثر الخلاف في مثل: (قد علمنا إن كنت لمؤمنا)، فعلى قول سيبويه والجماعة: - إنها لام الابتداء-/ تعلق العامل
عن العمل، فتكسر (إن)، وعلى قول أبي علي الفارسي: - إنها لام لمجرد الفرق- لا تعلق، فتفتح (إن) «ولا يليها» أي: [إن] المخففة «غالبا» احتراز من نحو: إن قتلت لمسلما ....................
وسيأتي.
«إلا» فعل «ماض ناسخ للابتداء».
أما سبب كونه ناسخا فقد قرره ابن الحاجب بما معناه: أنهم لما أخرجوها عن وضعها بدخولها على الفعل آثروا في ذلك الفعل أن يكون من أفعال المبتدأ والخبر؛ لئلا يزول عنها وضعها بالكلية، ألا ترى أنها إذا دخلت على ما ذكرناه يكون مقتضاها موفرا عليها؛ إذ الاسمان مذكوران بعدها؛ لأنك إذا قلت: إن كان زيد لقائما، فمعناه: إن زيدا لقائم.
وأما [سبب] كونه ماضيا فلم أر من تعرض له، ويمكن أن يقال: إن (إن) وأخوتها مشابهة للفعل لفظا ومعنى:
أما لفظا فلبنائها على الفتح، ولكونها ثلاثية ورباعية وخماسية كالفعل.
وأما معنى فلأنها في معنى (أكدت) و (شبهت) إلى آخرها كنما سبق، ومقتضى هذا مشابهتها للفعل الماضي، فقصدوا في (إن) حال تخفيفها أن يدخلوها غالبا على ما هو مشابه لها لفظا ومعنى، وهو الفعل الماضي رعاية لهذه المناسبة.
قال المصنف: واحترز بـ (ماض) عن المضارع، فإن كان مضارعا حفظ ولم يقس عليه.
كذا نقله الشارح عنه.
قلت: وهذا عجيب من المصنف [رحمه الله تعالى] فإنه جعل مثل:
ان قتلت لمسلما ........................
مقيسا مع عدم وروده في القرآن، ومثل: إن أظن زيدا لمسلما غير مقيس مع وقوعه في الكتاب العزيز قال [الله] تعالى: ﴿وَإِنْ نَظُنُّكَ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِنْ يَكَادُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ﴾، وقد نقل ابن هشام في مغنيه الاتفاق عغلى أن ذلك مقيس، أعني دخول (إن) المخففة على المضارع الناسخ.
«ويقاس على نحو» قول الشاعر:
شلت يمينك «إن قتلت لمسلما» حلت عليك عقوبة المتعمد
«وفقا للكزفيين والأخفش» من البصريين، وباقيهم يمنع من القياس عليه لقلته.
«ولا تعمل» إن «عندهم» أي: عند الكوفيين، فعليهم فقط يعود الضمير، لا عليهم مع الأخفش.
«ولا تؤكد» فلا تكون مخففة من الثقيلة «بل تفيد النفي» فهي حرف ناف ثنائي الوضع غي مخفف من شيء «واللام للإيجاب».
وهي عندهم بمعنى «إلا» واستدلوا على مجيئها لهذا المعنى بما تقدم من قوله:
.......................... وما أبان لمن أعلاج سودان
وقد عرفت ما يقدح في الاستدلال بذلك.
«وموقع (لكن) بين متنافيين بوجه ما» فإن وقعت بين نقيضين أو ضدين جازا اتفاقا، وإن وقعت بين متماثلين منع اتفاقا، وإن وقعت بين خلافين ففيه خلاف، وكلام المصنف يدل على الجواز، وقد تقدم الكلام على ذلك.
«ويمنع إعمالها مخففة، خلافا ليونس والأخفش»
«وتلي (ما) (ليت) فتتعمل» ليت وتكزن ما- حينئذ- لمجرد الزيادة.
«وتهمل» فلا تعمل شيئا، وتكون «ما» - حيمئذ- كافة عن العمل، وقد روي بالوجهين قول النابغة:
[قالت] ألا ليتما هذا الحمام لنا إلى حمامتنا ونصفه فقد
يروي بنصب (الحمام) ورفعه، ونقل المصنف الإجماع على جواز الوجهين في «ليت»، ونوزع بأن المنقول عن الفراء منع الإهمال في «ليت» و «لعل» مع دخول «ما» عليهما.
«وقل الإعمال في (إنما)».
[في نحو: إنما] زيدا قائم، بنصب «زيد» رواه الأخفش والكسائي عن العرب.
«وعدم» بالبناء للمفعول «سماعه» أي: سماع الإعمال.
«في (كأنما) و (لعلما) و (لكنما) والقياس سائغ» فيجوز في الجميع أن تجعل «ما» لمجرد الزيادة فتعمل هذه الأحرف كما كانت قبل دخول «ما»، وظاهر كلام الزجاجي في
الجمل أن الإعمال في الجميع جائز، وأنهن مسموع عن العرب/ وذلك أنه قال في باب حروف الابتداء:
ومن العرب من يقول: إنما زيدا قائم ولعلما بكرا قائم، فيلغي «ما» وينصب بـ (إن) وكذلك أخواتها.
هذا كلامه.
قال الشارح: وينبغي أن يحمل كلامه على أنه لما اقتضى القياس عنده ذلك نسبه إلى العرب.
قلت: هذا تأويل متعسف يفضي إلى عدم الثقة بما ينقل هذا الإمام عن العرب.
«فصل»: في الكلام على شيء من أحوال (أن) المفتوحة و (كأن) و (لعل).
«لتأول (أن) ومعموليها بمصدر قد نقع اسما لعوامل هذا الباب» من حيث إن المصدر الذي تؤول هي ومعمولاها [به] مفرد، فيصح كونه اسما «مفصولا بالخبر» على الصحيح خلافا لهشام نحو إن عندي أنك فاضل، فلو لم يفصل بالخبر امتنعت المسألة؛ لأن الخبر قبل دخول (إن) وأخواتها عليه كان يجب تقديمه إذا كان المخبر عنه (أن) وصلتها، فكذا بعد دخولها، بل إذا كان يجب تقديمه ثم، كان هذا أحق وأولى؛ لأن من جملة النواسخ (إن) و (أن) فيؤدي عدم
التقدم إلى ثقل اللفظ، وتحمل البواقي عليهما في ذلك، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لا تَظْمَأُ فِيهَا وَلا تَضْحَى﴾ - في قراءة (أنك) بالفتح، فإنه عطف على اسم (إن)، وهو (ألا تجوع).
«وقد تتصل بـ (ليت) سادة مسد معموليها» نحو: ليت أنك قائم، قال الشاعر:
فياليت أن الظاعنين تلبثوا ليعلم ما بي من جوى وغرام
فسدت (أن) ومعمولاها مسد معمولي (ليت) على نحو ما يقع ذلك في باب (ظن)، وقال في البسيط: إن فيه الخلاف الذي في: ظننت أن زيدا قائم، فرأى الأخفش أن الخبر محذوف كما هو عنده هنالك محذوف، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله تعالى.
«ويمنع ذلك في (لعل)، خلافا للأخفش».
فإنه أجاز لعل أن زيدا قائم، قياسا على (ليت)، وهو ضضعيف، لأن ذلك في (ليت).
شاذ في القياس، وإن كان قد
سمع كثيرا.
[كذا] قال الشارح.
«وتخفف (أن)» المفتوحة المشددة «فينوى معها اسم» فلا تلغى كما تلغى المكسورة، بل تكون عاملة، وذكر ابن الحاجب- رحمه الله [تعالى]- في شرح المفصل فائدة غريبة جدا، وذلك أنه قال: والذي يدل على تقدير ضمير الشأن مع المفتوحة وأن العرب تقصده قول الشاعر:
في فتية كسيوف الهند قد علموا أن هالك كل من يحفى وينتعل
فلولا أن الضمير مقدر لم يستقم تقديم الخبر ههنا، والذي سوغ التقديم كونه جملة واقعة خبرا، فإن زعم زاعم أن التقديم إنما جاز لبطلان عمل (أن)، فصار مبتدأ وخبرا، والخبر يسوغ فيه التقديم فهو باطل بامتناع: (أن منطلق لزيد)، فدل ذلك على أنهم يعتبرون- بعد تخفيفها في امتناع تقديم الخبر- ما يعتبرونه مع التشديد.
«لا تضطرارا» كما في قول الشاعر:
فلو أنك في يوم الرخاء سألتني فراقك لم أبخل وأنت صديق
وكما في قول الآخر:
بأنك ربيع وغيث مريع وأنك هناك تكون الثمالا
«والخبر جملة اسمية مجردة» نحو: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾.
«أو مصدرة بـ (لا)» نحو: ﴿وَأَنْ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
«أو بأداة شرط».
قال الشارح: مثل: ﴿وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ......... ﴾ الآية.
قلت: هذه فعلية: والكلام في الاسمية، نحو: اعلم من زيد أن من يسأله فهو
محسن إليه، فتمثيله غير مطابق، والظاهر في هذه الآية أن (أن) فيها مفسرة؛ لأن (نزل عليكم) متضمن لمعنى القول، لا لحروفه.
«أو بـ (رب)» كقول الشاعر:
تيقنت أن رب امرئ خيل خائنا أمين وخوان يخال أمينا
«أو بفعل يقترن غالبا إن تصرف» لا إن كان جامدا نحو: ﴿وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ﴾ ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ «ولم يكن دعاء» لا إن كان دعاء نحو: ﴿وَالْخَامِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا﴾، بصيغة [الفعل] الماضي.
«بـ (قد)» متعلق بـ (يقترن)، مثل: ﴿وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا﴾.
«أو ب، (لو)» نحو ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ﴾.
«أو بحرف تنفيس» نحو: ﴿عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضَى﴾.
«أو» حرف «نفي» كقوله:
ولا تدفنني في الفلاة فإنني أخاف إذا ما مت أن لا أذوقها
واستظهر المصنف بقوله: (غالبا) على ما إذا كان الفعل غير مقترن بشيء مما ذكر كقوله:
علموا أن يؤملون فجادوا قبل أن يسألوا بأعظم سؤل
«وتخفف (كأن)، فتعمل في اسم كاسم (أن)» المفتوحة المخففة «المقدر» ولا يلزم كونه ضمير شأن، بل تارة يكون ضمير الشأن كقوله:
ووجه مشرق النحر كأن ثدياه حقان
أي: كأن الشأن.
وتارة يكون غير ضمير الشأن كقوله:
ويوما توافينا بوجه مقسم كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
برفع (ظبية)، كذا قال الشارح، ولا يظهر لي تعيم كون الاسم في الأول ضمير شأن، إذ يجوز أن يكون ضميرا عائدا إلى المتقدم الذكر أي: كأن النحر ثدياه حقان، وصريح كلام الزمخشري في المفصل جواز إلغاء (كأن) عند التخفيف وإعمالها.
وقال ابن الحاجب في الكافية: وتخفف فتلغى.
يعني (كأن)، وكلاهما مخالف لظاهر قول المصنف، لكن ابن يعيش تأول ما في المفصل على أن المراد بالإلغاء أن تعمل في ضمير الشأن، وفيه ما لا يخفى.
«والخبر» عند تخفيف (كأن).
«جملة اسمية» نحو:
.......... كأن ثدياه حقان
«أو فعلية مصدرة ب (لم)» نحو: ﴿كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالأَمْسِ﴾.
«أو (قد)» [كقوله:
أفد الترحل غير أن ركابنا لما تزل برحالنا وكأن قد]
«أو مفرد».
كما في البيت المتقدم:
.................................... كأن ظبية...................
أي: كأن هذه المرأة ظبية.
«ويقال: أما إن جزاك الله خيرا» بكسر الهمزة على أن (أما) للاستفتاح، و (إن) مخففة من الثقيلة، مثلها في:
إن قتلت لمسلما ...................................
وهذا وجه شذوذه عند من يشترط في الفعل الذي تدخل عليه (إن) المخففة
أن يكون ناسخا، ولا يجوز أن تضبط (إن) هذه بالفتح، لأنه سيقدر في الوجه الآتي ضميرا هو اسمها، وإنما ذلك في المفتوحة، فوجب كون هذه هي المكسورة.
«وربما قيل: أن جزاك [الله] بفتح همزة (أن).
والأصل أنه» وهذا فيه إشكال؛ لأنه لا يقال: أحقا أنه جزاك الله خيرا؛ لأن التقدير: أفي حق جزاء الله إياك خيرا؟، فيكون- إذن- دالا على الاستفهام عن الجزاء أوقع أم لم يقع، ولا يكون دعاء، والغرض أن المراد هو الدعاء، فقد يقال: فإذا قد امتنع هذا فينبغي أن يكون (أما) حرف استفتاح مثلها في [قوله].
أما والذي أبكى وأضحك ..........................................
فيقال في رده: إن ذلك يقتضي كون (أن) مع صلتها مبتدأ بلا خبر، أو خبرا بلا
مبتدأ، فيجاب: باختيار الأول، وهو أنها مع صلتها مبتدأ، وأنه على حذف الخبر، أي: معلوم أنك جزاك الله خيرا، كذا قدر المصنف في: أما أنك ذاهب، فيفرق بينهما بأن الإنشاء لا يحسن فيه هذا التقدير، وإنما يحسن في الجمل الخبرية، والحمل على هذا التقدير يخرج الكلام عن أن يكون دعاء، والذي يظهر أن (أما) استفتاحية و (أن) زائدة لا مخففة من الثقيلة، ولا إشكال حينئذ، وعلى قول المصنف إنما وليت الفعلية (أن) المخففة بلا فاصل؛ لأنها دعائية.
«وقد يبرز اسمها» أي: اسم (كأن) [المخففة] «في الشعر» كما في قوله:
- في البيت المتقدم
........................ كأن ظبية تعطو إلى وارق السلم
بمصب ظبية على إعمال (كأن) المخففة، والخبر محذوف، والتقدير: كأن ظبية تعطو هذه المرأة.
«وقد يقال في (لعل): (عل)» بحذف اللام الأولى، قال الشاعر: عل صروف الدهر أو دولاتها .........................
«و (لعن)».
على التغيير في طرفها الثاني بالإبدال، كما غيروا طرفها الأول بالحذف.
«و (عن)» بالجمع بين/ تغييري الطرفين المشروحين، وهما الحذف في الأول، والإبدال في الثاني.
«و (لأن)» بتغيير الوسط والطرف الأخير دون الأول «و (أن)» بتغيير الثلاثة، ومنه: ﴿وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا﴾، بالفتح.
«و (رعن)» بتغيير الطرفين فقط بالإبدال.
«و (رغن)» بتغيير الثلاثة بالإبدال.
«و (لغن)» بتغيير الوسط والآخر كما قدمنا، ولكن تغيير العين المهملة هنا بالغين المعجمة، كما غيرت بالهمزة لتآخيهن جميعا في الحلقية.
«و (لعلت)» مثل (ثمت) و (ربت).
«وقد يقع خبرها» أي: خبر (لعل).
«(أن يفعل) بعد اسم عين» كقوله عليه الصلاة [والسلام] (لعلك أن تخلف حتى ينتفع بك أقوام ويضربك آخرون)، ومنه قول الشاعر:
لعلك يوما أن تلم ملمة عليك من اللاتي يدعنك أخرعا
وقد مر ضبط الأخرع بالخاء المعجمة والراء بمعنى الضعيف، وأن بعضهم ضبطه بالجيم والدال المهملة، وسبق تفسيره.
«حملا على (عسى)»؛ لاشتراكهما في الدلالة على الترجي على سبيل الإنشاء، هذا إذا كان اسم عين كما ذكر المصنف، فأما بعد اسم معنى نحو: [لعل] اعتقاد زيد أن أقوم، فلا إشكال فيه، ولا هو خاص بها.
وهذه المسألة التي في المتن من أقوى دليل على أن مجيء خبر (عسى) مقرونا بـ (أن) لا يلزم منه خروجها عن باب النواسخ إلى باب الفعل ةالفاعل والمفعول، ألا ترى أنه لا سبيل إلى ذلك هنا؟.
«والجر بـ (لعل) ثابتة الأول أو محذوفته، مفتوحة الآخر أو مكسورته لغة عقيلية» حكاها عنهم أبو زيد، وروى الفراء أن الجر بـ (لعل) لغة قال الشاعر:
فقلت: ادع أخرى وارفع الصوت رفعة لعل أبي المغوار منك قريب
وهي مشكلة؛ لأن جرها عمل مختص بالحروف ورفعها لمشابهة الأفعال، وكون حرف عاملا عمل الحروف والأفعال في حالة واحدة [مما] لم يثبت، وأيضا الجار لا بد له من متعلق، ولا متعلق له هنا لا ظاهرا ولا مقدرا، فهو مثل (لولا) الداخلة على المضمر المجرور عند سيبويه جارة لا متعلق لها، وكل هذا خروج عن القياس، وقد حاول بعضهم تأويل ما أورد في هذا المحل من الشواهد، وتعسف في التخريج، ولا وجه لذلك بعد نقل الأئمة الثقات أنه لغة لقوم من العرب.
«فصل»: في التوابع التي تذكر في هذا الباب.
«يجوز رفع المعطوف على اسم (إن)» المكسورة «و (لكم) بعد: ذكر
«الخبر بإجماع» نحو: إن زيدا قائم وعمرو، وما زيد شاعرا لكن عمرا شاعر وبكر، والمجمع عليه إنما هو جواز هذا التركيب، وأما تةجيهه فمختلف فيه:
فقيل: هو معطوف على محل اسم (إن) المكسورة، وذذلك أنها لما كانت لا تغير معنى الجمل كان اسمها المنصوب في محل رفع؛ لأنها كالعدم؛ إذ فائدتها التوكيد فقط، و (لكن) أيضا كذلك، [أي] لا تغير معنى الابتداء، فجاز العطف على محل ذلك الاسم بالرفع.
ووقع في عبارة الجزولي أن العطف على موضع (إن) مع اسمها.
قال الرضي: وكأن الأول نظر إلى أن الاسم هو الذي كان مرفوعا قبل دخول (إن)، ودخولها كلا دخول، فبقي على كونه مرفوعا لكن محلا، لاشتغال لفظه بالنصب، فـ (إن) كاللام في (لزيد)، ولا شك أن المرفوع فيه هو (زيد) وحده لا الاسم مع الحرف، فكذا ينبغي أن يكون الأمر مع (إن)، ومن قال على موضعها مع اسنها نظر إلى أن اسمها لو كان وحده مرفوع المحل لكان وحده ميتدأ، والمبتدأ مجرد عن العوامل اللفظية عندهم، واسممها ليس بمجرد، والجواب: أنه باعتبار الرفع مجرد؛ لأن (إن) كالعدم باعتباره، وإنما يعتد بها إذا اعتبرت النصب، ويشكل عليه أن (إن) مع/اسمها لو كانت مرفوعة المحل لكانت مع اسمها مبتدأ، والمبتدأ هو الاسم المجرد كما تقدم، وهي مع اسمها ليست اسما، فالأولى أن يقال: العطف بالرفع على اسمها وحده.
انتهى.
وقيل: المرفوع بعد العاطف مبتدأ، وخبره محذوف، وهذا هو الصحيح على ما صرح به بعضهم، وعلى هذا هو من عطف الجمل، وأما على ما تقدم فهو من عطف المفردات.
إذا تقرر هذا فالعبارة المحررة التي تتصور معها الأقوال أن يقال: يجوز رفع التالي حرف العطف المشارك لاسم (إن) و (لكن) في المعنى.
لكن المصنف- على تقدير كونه يقول: هو من عطف الجمل على ما هو الصحي- سماه معطوفا، فإنه شريك في المعنى، وواقع بعد عاطف، وليس بعده اسم آخر يكون خبرا عنه، فلما اشبه المعطوف من هذه الأوجه سماه معطوفا على سبيل التجوز.
«لا قبله» أي: لا قبل ذكر الخبر.
«مطلقا» سواء كان الإعراب ظاهرا أو خفيا «خلافا للكسائي» فإنه جوز ذلك على الإطلاق، فيجوز عنده: إن زيدا وعمرو ذاهبان، وإن الفتى وزيد قائمان، وإن هذا وبكر شاعران.
«ولا بشرط خفاء إعراب [الاسم]، خلافا للفراء» فوافق في مثل: إن موسى وزيد ذاهبان، وإن هذا وعمرو منطلقان، وخالف الجماعة في ذلك.
فإن قلت: إنما اصطلاحهم في الخفاء أن يقيدوه بمعرب تعذر ظهور إعرابه
كـ (الفتى)، أو استثقل كـ (القاضي)، فلا تصدق عبارته على جميع الصور التي أجازها الفراء؛ لخروج (إنك وزيد ذاهبان) ونحوه من المبنيات.
قلت: ذلك إنما هو قفي التقدير، وأما الخفاء فلا يعرف لهم فيه هذا الاصطلاح.
«وإن توهم ما رأياه قدر تأخير المعطوف أو حذف خبر قبله» وذلك كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئُونَ وَالنَّصَارَى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، فإنه يتوهم أن الآية شاهدة لما رأياه من جواز العطف قبل ذكر الخبر؛ إذ الصابئون قد عطف، ولم يأت خبر (إن) بعد، فلك أن تقدر تأخير قوله: ﴿والصابئون والنصارى﴾ بعد تمام الجملة التي هي الخبر، وعلى هذا حمله سيبويه، ولك أن تقدر حذف خبر قبل المعطوف تقديره: إن الذين آمنوا فرحون، فلم يقع العطف على كلا التقديرين إلا بعد ذكر الخبر تقديرا.
«و (أن)» المفتوحة «في ذلك» أي في جواز رفع المعطوف على اسمها بعد مضي الخبر «كـ (إن)» المكسورة «على» القول «الأصح» وقيد ذلك في الشرح بأن يتقدمها علم أو معناه، وهو اختيار ابن الحاجب، فإنه قال:
إن المفتوحة إذا كانت مكسورة حكما جاز معاملتها في العطف معاملة (إن) المكسورة لفظا.
قال: وهذا موضع لم ينبه عليه النحويون، فإنهم إذا قالوا: يعطف على اسم) إن)
[المكسورة] دون غيرها، أوهموا أنه لا يجوز العطف مع المفتوحة، والمفتوحة تنقسم قسمين: قسم يجوز العطف على اسمها بالرفع، وقسم لا يجوز.
فالقسم الذي يجوز هو أن تكون في حكم المكسورة: كقولك: علمت أن زيدا قائم، لأنه موضع الجملة المستقلة في المعنى، لاشتمال المفعولين في باب (علمت) على المحكوم عليه والمحكوم به، بدليل وجوب الكسر إذا دخلت اللام، نحو: علمت إن زيدا لقائم، ولولا أنها في حكم الجملة المستقلة لم يجز كسر (إن)، ألا ترى أنك لا تقول: أعجبني إن زيدا لقائم بكسر (إن)؛ لأنه لما يكن هنا في معنى الجملة المستقلة لكونه فاعلا- والفاعل يجب أن يكون مفردا- لم يجز كسر (إن)، فثبت أن المفعولين في باب (علمت) [في معنى الجملة المستقلة، وإنما انتصب] [ما] [بعدها توفيرا لما تقتضيه (علمت)] من معنى المفعولية/ وإذا كان المفعولان في حكم الجملة المستقلة تكون هذه المفتوحة بعدها في حكم المكسورة فيجوز العطف بالرفع فيها، وإن كانت مفتوحة لفظا؛ لأنها مكسورة معنى باعتبار ما ذكرناه، وإن كانت المفتوحة على غير هذه الصفة لم يجز العطف على اسمها بالرفع، مثل قولك: أعجبني أن زيدا قائم وعمرا، فلا يجوز إلا النصب، ولا يستقيم [الرفع] بحال عطفا على اسم (أن)؛ لأنها ليست مكسورة، ولا في حكم المكسورة، لأنها [في] موضع مفرد من كل وجه.