تعليق الفرائد على تسهيل الفوائدصفحات 163-172

الباب الثاني "باب إعراب الصحيح [الآخر] "

صفحات 163-172

المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه، كقولهم: جئتك صلاة العصر وقدوم الحاج، أي: وقت صلاة العصر ووقت قدوم الحاج.
وأما نصبا فظاهر، إذ هو معطوف على جزما، ولك تقدير الوقت معه، أي: [وقت جزم و] وقت نصب، ولك ألا تقدره [معه] وتجعل الوقت منصبا عليهما جميعا الأول أحسن.
فإن قلت: فلم لم تجعل ذلك من قبيل النصب على إسقاط الخافض، أي: تحذف في جزم ونصب؟ قلت: لأن إسقاط الخافض من هذا ونحوه ليس بقياس، فلا يصار إليه لغير ضرورة.
وفي كلام المصنف مؤاخذة من وجهين: الأول: أن قوله (وتحذف جزما ونصبا) لا يقتضي أن الحذف هو الإعراب كما هو مذهب الجمهور.
الثاني: أنك قد عرفت آنفا أن الأخفش يرى أن الإعراب في الأمثلة المذكورة مقدر وأن ثبوت النون وحذفها دليل على ذلك المقدر، فكان حق المصنف أن يقدم قوله: (وتحذف جزما ونصبا) ثم يقول: وليس ثبوتها وحذفها دليل الإعراب خلافا للأخفش.
فإن قلت: حمله على ذلك قوله: (ونون التوكيد): ليجمع محال الحذف على نسق.

قلت: هذا مخل بحكاية تمام قول الأخفش كما رأيت، وليس جمع المحال التي تحذف فيها النون على نسق بالذي يوجب ارتكاب هذا الإختلال، فقد كان يمكنه الجمع بين ذكر محال الحذف وعدم الإخلال بأن يصنع ما ذكرناه ثم يقول: وتحذف أيضا لنون التوكيد [فتتم الفائدة].
"و" تحذف النون المذكورة أيضا "لنون التوكيد" كراهة لتوالي الأمثال نحو: (أتحاجوني) بتخفيف النون ﴿أفغير الله تأمروني أعبد﴾ بتخفيفها أيضا.
والقول بأن المحذوف نون الرفع هو قول سيبويه واختاره المصنف، وقال:

إن أكثر المتأخرين يقول: إن المحذوف نون الوقاية، وحجتهم أن الثقل بالثانية حصل كما قال الجمهور في ثانية: ﴿تلظى﴾ و: ﴿تلهى﴾، ولأن نون الرفع أثر عامل فحذفها يقتضي مؤثرا بلا أثر، ولأن نون الرفع تقي الفعل من الكسر فتفي بالغرضين جميعا، ولأن نون الرفع للمعنى ونون الوقاية للفظ.
واحتج لسيبويه بأنه يلزم تغيير النونين جميعا إذا كان المتصل بالفعل واوا أو ياء؛ لأن نون الرفع تكسر حينئذ على تقدير أن يكون المحذوف نون الوقاية./ "أو تدغم" نون الرفع "فيها"، أي: في نون الوقاية كقراءة من قرأ بالتشديد في (أتحاجوني) (تأمروي) ولا يقال: يحتمل أن يكون هذا مؤكدا بالنون الخفيفة أدغمت في نون الوقاية، لأنا نقول لو كان كذلك للزم حذف واو الجمع؛ لالتقائها ساكنة مع نون التوكيد الساكنة.
"وندر" بالدال المهملة أي: شذ "حذفها" أي: حذف نون الرفع "مفردة في

الرفع نظما ونثرا" خلافا لمن يرى أن حذفها مخصوص بالشعر، والكلام في نصب نظما ونثرا كما سبق في جزما ونصبا، فمثال حذفها واقعة في النظم قوله: أبيت أسرى وتبيتي تدلكي... وجهك بالعنبر والمسك الذكر فالشاهد فيه في موضعين، إذ الأصل: وتبيتن تدلكين، كذا قالوا.
قلت: إنما يتم ذلك إن كان مقصوده مجرد الإخبار بصورة الحال، وأما إن كان مقصوده الإنكار لحالها أو التعجب منها، وذلك بأن تقدر همزة الاستفهام الإنكاري أو التعجبي محذوفة ويجعل (تبيتي) منصوبا بأن مضمرة بعد الواو في جواب الاستفهام، أي: أأبيت أسري وتبيتي تدلكي، أنكر قضية الجمع بين الحالتين أو تعجب منها، فالشاهد إذن في (تدلكي) فقط، إذ هو مرفوع قطعا، ومثال حذف

النون واقعة في النثر قراءة عن أبي عمرو: (قالوا ساحران تظاهرا) بتشديد الظاء أي: أنتما ساحران تتظاهران، فحذف المبتدأ وهو ضمير المخاطبين وأدغمت التاء في الظاء وحذفت نون الرفع.
وفي الحديث: "لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا ولا تؤمنوا حتى تحابوا" فحذفت من (لا تدخلوا ولا تؤمنوا).
"وما جئ به لا لبيان مقتضى عامل من شبه الإعراب"، لبيان الجنس أتى به لرفع الإبهام عن (ما)، و (شبه): بكسر الشين وسكون الباء، وبفتحهما لغتان بمعنى الشبيه، أي: من الأمر المشابه للإعراب [أي]:

في كونه حركة ضم أو فتح أو كسر، وكونه في آخر الكلمة لا في أولها ولا في حشوها "ليس" هو أي: ما جيء به لا لبيان مقتضى عامل من شبه الإعراب "حكاية"، نحو: من زيدا، وهذا هو الصحيح، وقال الكوفيون: هي حركة إعراب.
"أو إتباعا" كقراءة زيد ين علي وغيره ﴿الحمد لله﴾ بكسر الدال وقراءة الحسن: (للملائكة اسجدوا) بضم التاء [ثم] الذي يظهر أن إتباع الشيء للشيء هو الإتيان به تبعا له ومناسبا له وحينئذ فتارة يكون الإتباع لحركة الحرف وتارة لذات الحرف كقولهم في عسيت بفتح السين: عسيت بكسرها اتباعا للياء، كذا وجهه النحاة.
ثم كسرة الإتباع أما لكسرة متأخرة نحو: (الحمد لله) كما سبق،

أو متقدمة نحو: ﴿فلإمه الثلث﴾ بكسر الهمزة، وإما لياء متأخرة كما في غلامي وعسيت، بكسر السين، أولياء متقدمة نحو: ﴿في إم الكتاب﴾ بكسر الهمزة في قراءة الأخوين، وهي لغة قريش وهذيل وهوازن، ثم الكسرة التي تتبع: إما لغير الإتباع كما قدمنا، وإما للإتباع نحو: كسرة عين (عصي) فإنها لإتباع كسرة الصاد التي هي إتباع للياء.
وقولهم: لتسلم الياء

غير محرر بدليل السلامة في (حيض)، وإنما يدخل في كلام المصنف إتباع الآخر لما بعده؛ لأن كلامه في الحركات المشبهة لحركات الإعراب –ونص ابنه في آخر باب المضمر من شرح الخلاصة على أن الكسرة نحو: غلامي إتباع للياء كما ذكرنا "أو نقلا" كقراءة ورش ﴿ألم تعلم ان الله﴾ "أو تخلصا من سكونين" نحو: ﴿من يشأ الله يضلله﴾ ﴿لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين﴾.

فإن قلت: الجمهور يقولون: /كسرة الميم من نحو: غلامي، لمناسبة الياء، وظاهره أنها ليست حركة إتباع فنقص المصنف عدها على رأيهم.
قلت: إذا فسر الإتباع بما ذكرناه كان كلامه شاملا لحركة [آخر] المضاف إلى ياء المتكلم، وليس ثم نص ينافي الإتباع بما تقدم، وقد عرفت أن ابنه نص على أنها حركة إتباع.
"فهو بناء": إما أن تكون الفاء رابطة لجواب الشرط إن قدرت (ما) شرطية، أو داخلة على خبر المبتدأ المتضمن لمعنى الشرط إن جعلت (ما) موصولة، ولا يدفع ذلك كون الفعل لفظا، لأنا نجعله إذ ذاك بمعنى المستقبل، كما نقول: الذي أتاني فله درهم، على أنه لو جعلت (ما) موصولة وبقي الماضي على معنى المضي أمكن دخول الفاء أيضا كما ستعرفه في باب المبتدأ إن شاء الله تعالى.
"وأنواعه"، أي: أنواع البناء "ضم" نحو: ﴿من قبل ومن بعد﴾.
"وفتح" نحو: أين وكيف.
"وكسر" نحو: نزال وأمس.
"ووقف": من وقد، ولم يفرق المصنف في التعبير في جانبي الإعراب والبناء فعبر بالأنواع في الموضعين، وابن الحاجب –رحمه الله [تعالى]- فرق بينهما فعبر في جانب

إعراب الاسم بالأنواع، وفي جانب بنائه بالألقاب، ووجهه الغجدواني بأنه إنما لم يقل لحركات البناء والوقف أنواعا لفقد ما يكون جنسا شاملا لها نظرا إلى الأصل، إذ الأصل أن يكون البناء منحصرا في واحد وهو السكون بالنقل فإنهم قالوا: الأصل في البناء السكون فلما كان من حق البناء ألا يشمل هذه الأشياء نظرا إلى الأصل لم يطلق عليها اسم الأنواع رعاية لجانب الأصل.

جارٍ التحميل