تعليق الفرائد على تسهيل الفوائدالباب التاسع عشر

«باب النائب عن الفاعل»

وبعضهم يترجم هذا بـ (باب المفعول الذي لم يسم فاعله)، ولا مشاحّة في لاصطلاح.
«قد يترك الفاعل لغرض لفظي» كالإيجاز: نحو ﴿ومن عاقب بمثل ما عوقب به﴾.
وتصحيح الوزن كقوله: وما المال والأهلون إلا وديعة... ولابد يوماً أن ترد الودائع

فإنه لو قال: أن يرد الموُدعون انكسر الوزن.
وتناسب القوافي كالمثال المتقدم، فإن قوافي القصيدة كلها مرفوعة، ولو بنى الفعل للمعلوم في هذا البيت لكانت قافيته منصوبة.
وتناسب الاسجاع نحو: (الحمدلله الذي توالت آلاؤه، وعُرفت نعماؤه).
«أو» لغرض «معنوي» كالعلم بالفاعل نحو: ﴿وخلق الإنسن ضعيفا﴾.
وقال المصنف: وغيره: وكالجهل به نحو: ضرب زيد، إذا لم يُعرف من ضربه.
قال ابن هشام: وفيه نظر، لأن الجهل به إنما يقتضي أن لا يصرح باسم الفاعل لا أن يحذف، كيف وكل فعل يجوز لك أن تسنده إلى اسم الفاعل المشتق من مصدره، مثل: ﴿سأل سائل﴾، وسام سائم، وهذا لا يعوزك في وقت ما.
قلت: حكى الشيخ بهاء الدين السبكي في شرح التلخيص: أنه رأي بخط والده الإمام تقي الدين السبكي رحمه الله

[تعالى] ما نصه: يقال: جاء شيء، لايقال جاء جاءٍ، وإن كان الجائي أخص من (شيء)؛ لأن (جاء) مسند، والمسند إليه الفاعل، ومعرفة المسند إليه سابقة على معرفة المسند، فمتى عرف المجيء فلايبقى في الإسناد فائدة، والشيء قد لا يعرف مجيؤه.
قال: وما ذكره الوالد صحيح، ولا يرد عليه نحو: أتاني آت، ونحو: هريرة ودعها وإن لام لائم.......................................... فإن التنكير في ذلك لمعنىً خاص، وكلامنا إنما هو في: (جاء جاءٍ) من غير إرادة

شيء خاص.
انتهى.
وعلى هذا يندفع النظر المذكور فتأمله.
قال المصنف: ومن جملة الأغراض المعنوية التي يترك الفاعل لأجلها أن لا يتعلق مراد المتكلم بتعيينه، [نحو]: ﴿وإذا/ حييتم [بتحية]﴾.
وتعظيم الفاعل بصون اسمه عن مقارنة اسم المفعول، كقول صلى الله عليه وسلم: (من ابتلى بهذه القاذورات).
وتعظيم المفعول [بصون اسمه] عن مقارنة اسم الفاعل نحو: طُعن عمر، والستر على الفاعل خوفاً منه أو عليه.
وهذا في الحقيقة من وظيفة علم المعاني لا من وظيفة علم النحو.
«فيتوب عنه» أي: عن الفاعل «جاريا مجراه في كل ماله» من الأحكام، كالرفع، ووجوب التأخير، وتنزله منزلة الجزء، وامتناع الحذف وغير ذلك، إلا أنه لا يجري مجراه في العامل؛ لأن نائب الفاعل لا يرتفع إلا بالفعل المصوغ للمفعول واسم المفعول، وفي ارتفاعه بالمصدر المؤول بالفعل وحرف مصدري خلاف، وفاعل (ينوب) قوله: «مفعول به» نحو: ضرب زيد ونيابته أمر مجمع عليه.
«أو جار ومجرور» نحو: رضي عن زيد، وغضب على بكر، وقيده في شرح الكافية بأن لا يلزم الجار وجهاً واحداً، احتراازاً من (مد) و (رب)، والكاف،

ومما خص بقسم أو استثناء.
وظاهر كلامه أن الجار والمجرور معاً في موضع رفع، والمعروف أن المحكوم له بذلك هو المجرور فقط، سواء كان الجار زائداً نحو: ما ضرُب من أحد، أو غير زائد نحو: سير بزيد، وحكى الشارح عن الفراء أن حروف الجر في موضع رفع.
[قال]: وهو مبنى على قوله: إن الباء- في [نحو]: مررت بزيد- في موضع نصب.
قلت: ولا يخفي أن هذا قول مرغوب عنه لا تقتضيه القواعد، فلا ينبغي الاشتغال بذكره.
«أو مصدر لغير مجرد التوكيد» نحو: ضُرب عشرون ضربة، أو كل الضرب، ونحو ﴿فمن عفى له من أخيه شيء﴾، لأن المراد شيء ما من العفو، كثيراً كان أو يسيراً، وليس هذا لمجرد التوكيد، وقد ترك المصنف أن يشترط التصرف في المصدر ليخرج نحو: ﴿سبحان الله﴾، واشترطه في الظرف، ولا فرق بينهما.
وإنما اشترط أن يكون لغير مجرد التوكيد؛ لأن النائب عن الفاعل يجب أن يكون مثله في إفادة مالم بفده الفعل حتى يتبين احتياج الفعل إليه، فلو قلت: ضُرب ضرب، لم يجز؛ لأن (ضُرب) مستغن بدلالته على الضرب عن قولك: (ضَرُبّ).
«ملفوظ به» نحو: سير سير طويل.
«أو مدلول عليه بغير العامل» فيه مع كونه

غير ملفوظ به نحو: قمت فاستُحسن، فالنائب عن الفاعل ضمير مصدر مستكن [في استحسن] دل عليه بغير العامل فيه، وهو (قمت) من حيث هو متضمن للقيام، و (قمت) غير عامل في هذا النائب [قطعاً]، وإنما العامل فيه (استحسن) «أو ظرف» زماني أو مكاني «مختص» بوصف أو غيره، تقول: سير وقت طيب، وجلس مكان بعيد، ولا يقال سير وقت، ولا جلس مكان؛ لأنه غير مختص.
«متصرف» من جهة كونه غير ملازم للظرفية، واحترز بذلك من ملازم الظرفية، فيكون غير متصرف، فخرج بذلك [نحو]: حلس ثم، وقعد عندك.
«وفي نيابته» أي: نيابة الظرف «غير متصرف أو غير ملفوظ به خلاف».
والمخالف في المسألة الأولى هو الأخفش، أجاز نيابة الظرف غير المتصرف عن الفاعل مع بقائه على النصب، فيحوز عنده: جُلس عندك، وجلس بعيدات [بين].
فإن قلت: لم يحكوا خلافه في المصدر غير المتصرف، وحقه أن يجيزه فيه فيقدر في: ﴿سبحان الله﴾ كون عامله المحذوف مبنياً للمجهول قلت: المصدر الذي لا يتصرف لا يكون إلا محذوف العامل، ولا يكون إلا

إنشائياً فلا تظهر فائدة لتقدير فعل المجهول، بل لا يصح ألبتة؛ لأن أفعال الإنشاء لا تكون إلا مسندة إلى الفاعل الذي هو ضمير المتكلم.
والمخالف في المسألة الثانية ابن السراج، أجاز أَن يقال: جُلس، يريد جلس هو أي مكان.
وينبغي أن يقيد محل الخلاف في نيابة الظرف المنوي بمثل هذه الصورة التي ذكرناها، فأما إذا قيل، أجلس أحد اليوم في المسجد الجامع؟ فقلت: جلس، تريد [جلس] ذلك المكان المتقدم ذكره، فلا يتوقف في جوازه أحد، ويكون محل الخلاف أن تقول: (جلس) من غير تقدم ذكر مكان كما في مسألة المصدر المختلف فيها التي ترك المصنف ذكرها، وهي مشهورة، فإن بعض النحاة/ أجاز: (ضُرب)، على أن يكون النائب ضمير المصدر، وبعضهم يمنعه لعدم الفائدة كما مر ومحل الخلاف فيها، فينبغي أن يكون مقيداً بما إذا لم يأت بعد ضمير المصدر [مخصص له كقوله].
وقالت: متى يبخل عليك ويعتلل... يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب

المراد: [متى] يعتلل هو، [أي] اعتلال، [والتقدير اعتلال] عليك، فحذف (عليك) [المصححة] لنيابة الضمير المستتر لوجود الدال عليها.
«ولا تمنع نيابة المنصوب بسقوط الجار مع وجود المنصوب بنفس الفعل» فيجوز قولك: اختير الرجال زيداً، كما يجوز [قولك]: اختير زيد الرجال.
فـ (الرجال) منصوب على إسقاط الجار و (زيد) منصوب بنفس الفعل، والأصل: اخترت زيداً من الرجال، ثم حذف الجار، وقيل: اخترت زيداً الرجال، فلا يمتنع أن تنيب المنصوب بسقوط الجار مع المنصوب بنفس الفعل.
وكان ينبغي للمصنف أن يقول هنا: (خلافاً لأكثرهم)، فإن الجمهور على منع المسألة.
فإن قلت: لا حاجة إلى ذلك؛ لأنه سيقول: بعد المسألة الثانية الآتية- (وفاقاً للأخفش والكوفيين)، وهو راجع إلى المسألتين جميعاً، فيشعر ذلك بأن من عداهم

من النحويين قائل بالمنع.
قلت: الظاهر أنه إنما يريد بالوفاق المسألة الثانية فقط، ولولا ذلك لقال: (في المسألتين) كما هو دأبه كثيراً على ما يشهد به استقراء طريقته في هذا الكتاب.
وحينئذ فيوهم كلامه أن الأولى- وهي مسألتنا التي نتكلم فيها عارية عن الخلاف، وليس كذلك، بل المنقول فيها الجواز عن الفراء، والمنع عن الجمهور، وهذا مما يقتضي التوقف في جعل الوفاق راجعاً إلى المسألتين جميعاً، فإنه لم يتحقق أن الكوفيين جميعاً يقولون بجواز الأولى، وإنما الجواز منقول عن الفراء [منهم] كما ذكرنا.
«ولا» يمنع أيضاً «نيابة غير المفعول به، وهو موجود، وفاقاً للأخفش والكوفيين» فيجوز- في مثل: ضربت زيداً يوم الجمعة- أن تنيب الظرف فترفعه، وتترك المفعول على حاله من النصب، فتقول: ضرب يومُ الجمعة زيداً.
واختار المصنف هذا القول استدلالاً بالقراءة الشاذة [في] ﴿ليجزي قوما بما كانوا يكسبون﴾، ببناء (يجزي) للمفعول، ونصب (قوما)، وفي {لولا

نزل عليه القراءن [جملة]} بالنصب وبقول الشاعر: ولو ولدت قُفيرة جرو كلب لسُبَّ بذلك الجرو الكلابا وبأبيات أخر، والكل متأول عند المانعين، ومن التأويلات ما هو قريب، ومنها ما هو بعيد.
ولم يتعرض المصنف لمسألة ما إذا عدم المفعول به، وفيها خلاف: قال الجزولي: يتساوي مراتب البواقي في الجواز، واختار ابن عصفور إقامة المصدر، وابن معطٍ إقامة المجرور، وأبو حيان إقامة ظرف المكان؛ لأنه أقرب إلى المفعول به؛ لأن دلالة الفعل عليه بالالتزام، بخلاف المصدر والزمان.
«ولا تمتنع نيابة غير الأول من المفعولات مطلقاً» وهذا يشمل الثاني

من باب (ظن)، والثاني والثالث من باب (أعلم)، والثاني من باب (أعطى).
«أن أُمن اللّبس» نحو: أعطيت زيداً [درهما.
فلك هنا أن تقييم الثاني لأمن اللبس، بخلاف نحو: أعطيت زيداً] عمراً، فهنا لا يقام الثاني لوجود اللبس.
«ولم يكن» غير الأول «جملة» فيما يتصور [فيه] وقوعه كذلك، كثاني (ظن)، وثالث (أعلم).
«أو شبهها» والمراد به الظرف والجار والمجرور «خلافاً لمن أطلق المنع في باب (ظن) وأعلم») فمنع إقامة الثاني من نحو: قولك ظننت زيداً قائما، والثالث نحو: [قولك]: أعلمت زيداً عمراً منطلقاً قالوا: لأنه مسند إلى المفعول الأول في باب (ظن) وإلى المفعول الثاني في باب (أعلم)، فلو أقيم مقام الفاعل- والفاعل مسند، إليه- صار في حالة واحدة مسنداً ومسنداً إليه، فلا يجوز.
قال الرضي: وفيما قالوا نظر؛ لأن كون الشيء مسنداً إلى شيء ومسنداً إليه شيء [آخر] في حالة واحدة لا يضر، كما في قولنا: أعجبني ضرب زيد عمراً، فـ (أعجب) مسند إلى (ضرب)، و (ضرب) مسند إلى (زيد)، ولو كان لفظ مسنداً إلى شيء أسند [أي] ذلك الشيء إلى ذلك اللفظ بعينه لم يجز/، وهذا كما يكون الشيء مضافاً ومضافاً إليه بالنسبة إلى شيئين، كـ (غلام) في قولك: فرس غلام زيد.
على أن كلام المصنف يقتضي أن من الناس من خالف في إقامة الثاني من باب

(أعلم)، ولا ضَير فما يقتضيه من ذلك، فإن ابن عصفور والأبّديّ والجزولي زعموا أنه في باب (أعلم) لا يجوز إقامة غير الأول؛ لأنه المفعول الصحيح، وأما الثاني والثالث فشبيهان بمفعولي (أعطى)، وإذا اجتمع المفعول به (مع غيره وجب إقامة المفعول به).
وأنت خبير بأن كلام المصنف يقتضي أيضاً تجريد الثاني من باب (أعطى) عن الخلاف؛ لأنه قال: (خلافاً لمن أطلق المنع في باب (ظن) و (أعلم)، فاقتضى بطريق المفهوم أن باب (أعطى) لا خلاف فيه أنه يجوز إقامة الثاني إذا أمن اللبس، وقد صرح بهذا المفهوم في شرح هذا الكتاب وفي غير ذلك من كتبه، وليس كما قال، فإن الخلاف في المسألة مأثورة، وصرح به الشارح وغيره).
«ولا ينوب خبر (كان) المفرد خلافاً للفراء» حكى السيرافي عنه في شرح الكتاب أنه أجاز- في كان زيد [أخاك- كين] أخوك، ويرد عليه [بثلاثة] أمور: احدهما: أنه لم يسمع.
والثاني: أنه لا فائدة فيه.
والثالث: أنه يستلزم وجود خبر عن غير مخبر عنه.
وتوهم انتفاء المحذور بأن يقال: حذف للعلم به، كما حذف الفاعل في (أنزل المطر)، يندفع بأنه لابد من تقديره؛ ضرورة أنه لابد للخبر من مخبر عنه لفظاً أو تقديراً، وصيغة الفعل تأباه.
«ولا مميز خلافاً للكسائي» فإنه أجاز- في (امتلأت الدار رجالاً» - أن يقال:

دليل على أن الرفع عن نصب على التشبيه بالمفعول به لا على التمييز، ويؤيد ذلك أن كون التمييز معرفة لم يثبت على الصحيح، ولمانع أن يمنع كون المثال الأخير- وهو الموقوف [أمره]- من هذا الباب.
«ولا بجوز: كين يقام، ولاجعل يفعل، خلافاً له وللفراء».
وفي شرح المصنف أنهما اختلفا في توجيه ذلك فالكسائي يخرّجه على أن في (يقام) ضمير المجهول، والفراء يخّرجه على الاستغناء عن المسند إليه.
قلت: وهذا من الفراء مشكل؛ لأنه أنكر عل الكسائي في باب التنازع لما قال: [إنه إذا أعملنا الثاني حذفنا فاعل الأول.
فقال: إن الفاعل لا يصح الاستغناء عنه.
ولايقال] [إنما يقال]؛ ذلك، لأن الفعل هناك مبنى للفاعل، وأما هنا فـ (هو] مبني للمفعول؛ لأنا نقول: هو يقول ذلك أيضاً في [نحو] ضربا وقتل غلاماك.

«فصل»: في كيفية بناء الفعل لما لم يسم فاعله

، وفي تذبيل ذلك بمسألتين من بابي المفعول والفاعل.
«يضم مطقاً أول فعل النائب» أي: سواء كان ماضياً نحو: ضرب، أو مضارعاً نحو: يضرب.
«و» يفعل ذلك «مع» ضم «ثانية إن كان ماضياً مريداً أوله تاء» نحو: تُعُلِّم وتُدُحرج وتُصُوّر وتُوُطن.
«و» يضم أوله «مع ثالثه إن افتتح بهمزة وصل» نحو: انطُلق وإستُخرج.
«ويحرك ما قبل الآخر لفظاً إن سلم من إعلال وإدغام وإلا» يسلم من ذلك «فتقديراً» أي: فيحرك تقديراً «بكسر» متعلق بقوله أولاً: (ويحرك) «إن كان الفعل ماضياً» نحو: ضُرب، فيكسر ما قبل آخره لفظاً، أما لو كان ذا إعلال نحو: باع، أو إدغال نحو: رُدَّ، فإنما يكسر تقديراً، فتقول: بيع، وأصله: بيع وتقول رُدّ، وأصله: رُدد، فالكسر مقدر لا ملفوظ به.
قلت: وكذا يقدر كسر ما قبل الآخر إن كان الفعل مخففاً كقوله: لو عصر [منه] البان والمسك انعصر

«و» يحرك ما قبل الآخر «بفتح إن كان» الفعل «مضارعاً» لكن يلفظ بالفتح إن كان الفعل صحيحاً نحو: يضرب، ويقدر، إن كان ذا إعلال نحو، يقال ويباع، أو [كان] ذا إدغام نحو: يردّن فما قبل الآخر ساكن في القسمين لفظاً ومفتوح تقديراً.
«وإن اعتلت عين الماضي ثلاثياً» نحو: قال وباع «أو عين انفعل» نحو: انقاد.
«أو (افتعل») نحو: اخنار.
«كُسِرَ ما قبلها» أي [ما] قبل العين «بإخلاص» نحو: قيل وبيع وانقيد واختير، وأصل/ (قيل) قُول فنقلت كسرة الواو استثقالاً إلى القاف بعد سلب حركتها، فانقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها، وأصل (بيع): بُيعَ، نقلت كسرة الياء استثقالاً إلى الياء بعد سلب حركتها، وأصل (انقيد): انقُود، و (اختير): اخُتيرَ، ففعل فيهما ما فعل في قيل وبيع.
«أو إشمام ضم» والمراد بالإشمام هنا أن تشاب الكسرة شيئاً من صوت الضم، وقرأ بهذا الوجه من السبعة نافع وابن عامر والكسائي في {وغيض

[الماء]}.
«وربما أخلص» تحريك ما قبل العين «ضماً» فإن كان العين واواً سلمت، نحو: قول وإن كان ياءً انقلبت واواً لانضمام ما قبلها نحو: بوع، وعليه قول الشاعر: ..................... ليت شبابا بوع فاشتريت وكلام المصنف يدل على جواز اللغات الثلاث في (انقاذ)، و (اختار)، وهو موافق لما نقله ابن عصفور والأبدي.
قال الشارح: وزعم بعض المتأخرين أنه لايجوز في الزائد على ثلاثة إلا اللغة الأولى.
«ويمنع الإخلاص عند خوف اللبس».
أي: لبس المفعول بالفاعل، وإنما يعرض ذلك في بعض الأفعال الماضية عند إسنادها إلى تاء الضمير أو نونه

«وكسر فاء فُعل» المبنى للمفعول حالة كونه «ساكن العين لتخفيف» نحو: ضِرْب، بكسر الضاد وإسكان الراء.
«أو إدغام» نحو: ردّ، بكسر الراء.
«لغة» لبعض العرب كقوله: فما حِلّ من جهل حُبا حلمائنا ولا قائل المعروف فينا يعنف

قال الأخفش: سمعنا من ينشده، كذلك.
وبعضهم لا يكسر الحاء.
ولكن يشمها الكسر، كما يشم في (قيل) الضم.
«وقد تشم فاء المدغم» كما حكيناه عن الأخفش نقلاً عن بعض العرب، وإليه أشار المصنف في الألفية بقوله: ................................ وما لـ (باع) قد يرى لنحو: (حبّ) «وشذ في (تُفوعِل تفِيِعل»).
كما يقال في (تقوتل): (تقتيل)، وهو شاذ بلا شك.
«وما تعلق بالفعل غير فاعل» بالنصب على أنه حال من الضمير في (تعلق) «أو مشبه به» أي: بالفاعل، وهو اسم (كان) وأخواتها.
«أو نائب عنه» أي عن الفاعل «منصوب لفظاً» كالمصدر وظرف الزمان وظرف المكان والمفعول به وله ومعه والحال والتمييز والمستثنى حيث يكون منصوباً.
«أو محلاً» كالمجرور بحرف زائد نحو: ما رأيت من أحد، أو غير ذلك نحو: مررت بزيد.
«وربما رفع مفعول به ونصب فاعل لأمن اللبس».
نحو: كسر الزجاُج الحجّر، وخرق الثوبُ المسمارّ، وهذه [هى] المسألة [المعروفة] بالقلب،

وحكى النحاة فيها أقوالاً: أحدها: أن ذلك يجوز عند أمن اللبس في الضرورة والسعة.
الثاني: أنه لا يجوز إلا للضرورة.
الثالث: أنه لا يجوز إلا للضرورة وتضمن الكلام معنى يصح معه القلب.
الرابع: أنه لايجوز في القرآن.
ويجوز في غيره.
وأما البيانيون ففي التلخيص أن السكاكي قبله مطلقاً، وأن غيره رده مطلقاً.
قال صاحب التلخيص: والحق أنه إن تضمن اعتباراً لطيفاً قبل، وإلا فلا، والمسألة مشهورة فلا نطوّل بذكرها.

«فصل» فيما يعرض للفاعل وتائبه من وجوب البقاء على الأصل والخروج عنه.

«يجب وصل الفعل بمرفوعه» سواء كان فاعلاً أو نائباً عنه أو اسماً لـ (كان) أو إحدى أخواتها، فيجب أن يكون المرفوع تالياً للفعل الرافع له بحيث لا يفصل بينهما فاصل، وهذا هو الأصل لتنزل المرفوع منزلة الجزء منه؛ ولذا سكن آخر الفعل [في] نحو: ضربْتُ، كراهة توالي أربع متحركات فيما هو كالكلمة الواحدة،

ويجوز أن يفصل بينهما بالمنصوب ما لم يطرأ ما يوجب البقاء على [هذا] الأصل أو الخروج عنه، فيجب العمل بمقتضى هذا الأصل، وهو وصل الفعل بمرفوعه.
«إن خيف التباسه» أي: التباس المرفوع «بالمنصوب» مفعولاً كان أو خبراً، وذلك بأن يكونا مقصورين أو اسمي إشارة أو موصولين أو مضافين إلى [ياء] المتكلم أو نحو ذلك مما لا يظهر فيه إعراب، ولا تقوم قرينة تميّز أحدهما من الآخر، نحو: ضرب موسى عيسى/ فيتعين في مثل هذه الصورة كون الأول فاعلاً والثاني مفعولاً، كذا قال ابن السراج.
و [عليه] أكثر المتأخرين، وخالف في ذلك ابن الحاج، فجوز في كل من الاسمين أن يكون فاعلاً وأن يكون مفعولاً، قال: ولا يضر الإلباس، فقد يكون المتكلم بذلك قاصداً للإبهام لغرض فيلقي الكلام مجملاً، ولا مانع كلامه فإن كان ثم ما يؤمن معه الإلباس من قرينة معنوية نحو ولدت هذه هذه، تشير بالأولى إلى صغيرة، ونحو: أكل الكمثرى موسى.
أو قرينة لفظية نحو: ضربت موسى سعدي، وضرب موسى العاقلُ عيسى، جاز التقديم

وفي كلامه مناقشة من حيث إن الضمير في مثل هذا محصور فيه، والمحصور إنما هو ما بين (ما) و (إلا)، أي: الضرب الواقع على زيد محصور في المتكلم.
«وكذا الحكم عند غير الكسائي وابن الأنباري في نحو: ما ضرب عمروُ إلا زيداُ» حيث يكون المفعول واقعاً بعد (إلا)، فيجب تقديم الفاعل، لأنك لو أخرته فإما أن تؤخره وتقدم المفعول غير مقرون بـ (إلا) أو مقرون بها، فإن كان الأول بأن يجعل الفاعل واقعاً بعد (إلا)، والمفعول واقعاً قبلها، فتقول: ما ضرب زيداً إلا عمرو، انعكس المعنى؛ لأن الأول حصر مضر وبية عمرو في ريد خاصة، أي لا مضروب لعمرو سوى زيد خاصة، فلو قدر له مضروب آخر لم يستقم.
ومعنى الثاني حصر ضاربية عمرو في زيد خاصة، أي لا ضارب لزيد سوى عمرو خاصة، فلو قدر له ضارب آخر لم يستقم.
وإن كان الثاني بأن تؤخر الفاعل وتقدم المفعول مقروناً بـ (إلا)، فتقول: ما ضرب إلا زيداً عمرو، فإن أردت أن عمراً وزيداً مستثنيان معاً، والتقدير: ما ضرب أحداً أحد إلا زيداً عمرو، واختل أيضاً؛ لأن مضروبية زيد في أصل المسألة- أعني: ما ضرب عمرو إلا زيداً- كانت على الاحتمال، وبالتقدير المذكور الآن

صار المعنى: لا ضارب إلا عمرو، ولا مضروب إلا زيد، فصارت ضاربية هذا مقصورة على هذا ومضروبية هذا مقصورة على هذا.
ثم فيه بعد هذا محذور آخر، وذلك أن استثناء شيئين بأداة واحدة بلا عطف غير جائز مطلقاً، كما ستعرفه في باب المستثنى، وإن أردت في أصل المسألة- أعنى: ما ضرب إلا زيداً عمرو- أنَّ تقدّمه معلوم معنىّ وليس بمستثنى، وأن المراد: ما ضرب عمرو إلا زيداً، فالمعنى لا ينعكس، ولا يلزم استثناء شيئين بأداة واحدة دون عطف، إلا أنه قد تقرر في [باب]- الاستثناء- كما سيأتي- أنه لا يعمل ما قبل (إلا) فيما بعدها إلا إن كان مستثنىً نحو: ما قام إلا زيد، أو مستثنىً منه نحو: ما قام إلا زيداً أحد، أو تابعاً له نحو: ما قام أحد إلا زيداً فاضل، فلو قدمت وأخرت في [مثال] الأصل لزم خلاف ذلك.
وأما الكسائي وابن الأنباري فجوزا تقديم المفعول في هذه المسألة مطلقاً ولكن مع (إلا) استدلالاً بقول الشاعر:

تزودت من ليلى بتكليم ساعة فما زاد إلا ضعف ما بي كلامها وسيأتي فيه كلام باب المستثنى إن شاء الله تعالى.
«فإن كان المرفوع ظاهراً والمنصوب ضميراً لم يسبق الفعل ولم يسبق الفعل ولم يحصر فالبعكس» أي يجب حينئذ تقديم المفعول على الفاعل، نحو: أكرمك زيدـ، والدرهم أعطيه عمرو.
واحترز بقوله: (لم يسبق الفعل) من نحو: إياك يكرم زيد، والدرهم إياه أعطى زيد عمراً وبقوله: (ولم يحصر) من نحو: إنما يكرم زيد إياك، فلا يتصل المفعول في هاتين الصورتين بالفعل، بل يتقدم أو يتأخر.
«وكذا الحكم عند غير الكسائي في نحو: ما ضرب عمراً إلا زيد» حيث يقع الفاعل مقروناً بـ (إلا)، فيجب تقديم المفعول حذراً/ من انعكاس المعنى على ما سبق والكسائي أجاز تقديم الفاعل مع (إلا) استدلالاً بقوله: ما عاب إلا لئيم فعل ذي كرم ولا جفا قط إلا جبأ بطلاً الجبأ: بضم الجيم وتشديد الباء الموحدة وفتحها وهمزة، هو الجبان.

وقد استبان لك أنه يتحصل في مسألة حصر المنصوب والمرفوع بالنسبة إلى التقديم ثلاثة أقوال: الجواز مطقاً، وهو قول الكسائي، والمنع مطلقاً، وهو قول الجزولي، والشلوبين، واختيار المصنف، وعليه مشي ابن الحاجب وجماعة، والتنفصيل بين الفاعل- فيجيب تأخيره- والمفعول فيجوز.
قال الشارح وهو مذهب البصريين والفراء وابن الأنباري.
وأهمل المصنف ذكر الحصر بـ (إنما) في بابي اتصال المرفوع وانفصاله وقد يقال: إن قوله (إن خيف التباسه بالمنصوب) مخرج لذلك، وليس بشيء؛ لأن الذي يخاف في تلك المسألة التباس غير المحصور بالمحصور، لا التباس المرفوع بالمنصوب؛ إذ لرفع والنصب ظاهران فيهما، ثم هلا ذكر مثل ذلك في مسألة اتصال المنصوب! !. ولو أنه قال: (يجب وصل معمول الفعل به إن خيف بفصله منه التباس) لشمل الجميع «و» كذا الحكم «عند الأكثرين في نحو: ضرب غلامه زيد» فيجب تقديم المفعول [عليه] حذراً من عود الضمير على متأخر لفظاً ورتبة.
«والصحيح جوازه على قلة».
قال المصنف: لوروده في كلام العرب الفصحاء.
وتقدم الكلام على ذلك في أول الفصل الرابع من باب المضمر.

جارٍ التحميل