شرح كتاب الفوائداستثمار الحياة لما بعد الموت
أهل الأثرالأرشيف العلمي

استثمار الحياة لما بعد الموت

عن هذه الطبعة
عَلَم
عمر عبد الكافي
الكتاب
شرح كتاب الفوائد
المؤلف
عمر عبد الكافى شحاتةمصدر
الكتاب
دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net [ الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 16 درسا]

أحمد الله رب العالمين، حمد عباده الشاكرين الذاكرين، حمداً يوافي نعم الله علينا ويكافئ مزيده، وصلاة وسلاماً على المبعوث رحمة للعالمين سيدنا محمد.
اللهم صل وسلم وبارك عليه صلاة وسلاماً دائمين متلازمين إلى يوم الدين.
أما بعد: فهذه هي الوقفة الثانية مع الإمام ابن قيم الجوزية رضوان الله عليه، وسمي ابن قيم الجوزية؛ لأن الجوزية مدرسة كان والده قيماً عليها، فهو ابن قيم الجوزية، وقد أجرى الله على يديه خيراً كثيراً.
وإن العمر لا يقاس بالسنوات، فقد دخل غلام على عمر بن عبد العزيز فقال له: يا غلام! ليتكلم من هو أكبر منك سناً فقال: يا أمير المؤمنين! لو كان الأمر بالسن لكان هناك في المجلس من هو أحق منك بالخلافة.
فليست القضية قضية سن، ولكن القضية في الإسلام هي البركة في العمر، ونحن ندعو دائماً فنقول: اللهم بارك لنا في أعمارنا.
فالبركة في العمر مهمة، فليس المطلوب أن يعيش الإنسان حياة طويلة، ولكن المطلوب أن يعيش حياة عريضة يترك فيها خيراً، كما قال الصادق الأمين صلى الله عليه وسلم: (عيشوا مع الناس بخير، حتى إن غبتم حنوا إليكم، وإن متم ترحموا عليكم).
فحين يغيب المسلم العامل يحن الناس إليه، وحين يموت يترحم الناس عليه، ولكن الفاجر -والعياذ بالله- حين يغيب يحمد الناس الله، وحين يموت يفرح الناس بموته، وهذا دليل على سلب الرحمة منه.
قال الله عز وجل: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ﴾ [الانفطار:5]، فما أخره الإنسان هو الذي يستمر ثوابه بعد موته إلى يوم القيامة، حتى إن الإنسان ليجد في كتاب حسناته حسنات لم يعملها، فيقول: يا رب! هذه حسنات ما فعلتها في الدنيا! فيقول الله عز وجل: هذه أعمال قد تركتها بعد موتك.
وقد جاء في الحديث أن الإنسان المسلم قد يترك خلفه عشرة أمور يستمر ثوابه فيها بعد موته، فمن بنى مسجداً أو وضع فيه لبنة بقي له أجره إلى يوم القيامة، وكذلك إذا غرس نخلاً، أو شجراً، فأكل منه طائر، أو حيوان، أو إنسان، أو استظل به مخلوق، فيكون له ثواب غرسها إلى يوم القيامة.
ثم إنه ما من شيء إلا يسبح بحمد الله، فالشجر وهو أخضر يسبح، فهذا التسبيح ثوابه لمن زرع.
فالثواب يعود إليه إذا اتقى الله عز وجل، وإذا توكل على الله، وإذا رضي وقنع بما آتاه الله.
وقد صار الفلاحون اليوم -مع الأسف الشديد- هم البعيدين كل البعد عن الطريق وعن الالتزام، وكثير منهم حاقد وحاسد وناقم وغير راض، ولا يتقي الله، فبعد أن كان يستيقظ ويبدأ يومه بصلاة الفجر صار من الساهرين أمام التلفزيون والفيديو وغيرهما، فلا يستيقظ إلا متأخراً، ولا يذهب إلى عمله إلا متأخراً.
وقد كان الفلاح لا يرجع إلى البيت حتى يخرج حق الفقير قبل أن يعود إلى البيت، وهذا تفسير الحرفي لقول الله عز وجل: ﴿وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ﴾ [الأنعام:141]، وربنا كان يبارك له في زرعه، فما كانت الأرض تصاب بالآفات، ولم نسمع عن الآفات إلا بعد انقلاب اثنين وخمسين، حيث انتشرت الآفات في مصر انتشاراً غريباً، حتى كثر أساتذة المبيدات، وكثرت شركات المبيدات، وكثرت أمامها الحشرات والآفات الضارة، وصار كل ذلك نقمة على الفلاح ونقمة على الدولة ونقمة على المسئولين، ونقمة على العصاة؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء، ولولا البهائم لم يمطروا).
فربنا سبحانه وتعالى جعل الزكاة تطهيراً للمال، وجعلها تزكية للنفس، ووقاية من الشح، وليس المراد أن يقي الإنسان نفسه من الشح بالمال فقط، فهناك من له جاه يستطيع أن يخدم به غيره، وهناك من عنده صحة يستطيع أن يخدم بها الناس، وهناك من عنده علم يستطيع أن يعلمه الناس.
فمن علم علماً من العلم المفيد فإن ثوابه يصل إليه بعد موته، ومن غرس نخلاً، أو بنى مسجداً، أو كتب مصحفاً، أو تسبب في طباعة مصحف، أو علم القرآن كان له ثواب ما صنع يصل إليه بعد موته إلى يوم القيامة.
وكذلك من ترك صدقة جارية، فعمل مستشفى خيرياً، أو مستوصفاً، أو شارك في بناء مدرسة، أو شارك في بناء مسجد، أو وضع لمسجد مراوح أو ماء، أو أسدى مشغلاً لليتامى ثم ملكهم إياه، فكل هذه صدقات جارية يجري للعبد ثوابها بفضل الله عز وجل.
فمن وفق لإيجاد مشغل لليتامى يعملون فيه، ثم ملكهم إياه؛ كان عمله خيراً كبيراً، فبدل أن كان يتصدق عليهم صاروا يتصدقون على غيرهم.
وكذلك لو أنشأ أحد معهداً لتحفيظ القرآن الكريم، فحفظ فيه عدد كبير، فكل حافظ للقرآن يأخذ الثواب، والذي علمه يأخذ نفس الثواب، والذي بنى المعهد يأخذ نفس الثواب، والله سبحانه وتعالى هو المتقبل.
ومن الأعمال التي يصل ثوابها دعاء الولد الصالح، ونحن بحاجة إلى أن نربي الولد الصالح، فلابد من أن يكون هذا الولد قد أخذ مجهوداً من أبيه، ومجهوداً من أمه، في تربيته؛ وما الفائدة إذا كنت تبني وغيرك يهدمهم؟! فكثير من عوامل الهدم تحيط بأبنائنا، فأنت تتحدث مع الولد عن الصدق وعن الأمانة، وعن القول الطيب، فيذهب إلى المدرسة ويسمع كلمة السوء، فيسمع السب واللعن من أساتذته، فلا يرى قدوة صالحة فيمن يدرسه وفيمن يعلمه، ويعود إلى بيته فيرى أمه تخرج بالحجاب الشرعي، وفي المدرسة يرى حال المدرسات، ويفتح التلفزيون فيجد المذيعة على حالة من التبرج عظيمة، فيحكم على أمه بالجنون، ويحكم على سائر المجتمع بالاستقامة.
فالذين تتصل أعمالهم بعد موتهم في قبورهم منهم من بنى مسجداً، ومنهم من كتب مصحفاً، ومنهم من أنجب ولداً صالحاً يدعو له، ومنهم من غرس نخلة أو شجر، ومنهم من حفر بئراً، أو حفر نهراً، فهذه الأمور تصل إلى العبد بعد موته، ولذا يترحم الناس عليه، ولذا لا يسمع مسلم ذكر الصحابة والتابعين إلا وقال: رضي الله عنهم، كما يقال عن كل صالح: رحمه الله، فقد كان رجلاً صالحاً.
فالميت مستريح أو مستراح منه، فإذا مات الفاجر أو الكافر أو المنافق تقول الملائكة: الحمد لله الذي أراح منه البلاد والعباد، والعياذ بالله رب العالمين.
وأسوأ الناس عند الله يوم القيامة رجل يكرم اتقاء شره، لأنه ذو منصب، أو ذو لسان طويل، فيكرم لدفع شره، فهذا هو أسوأ العباد عند الله.
فيجب أن نعيش مع الناس كما قال صلى الله عليه وسلم: (عيشوا مع الناس بخير حتى إن غبتم حنوا إليكم، وإن متم ترحموا عليكم)، فاللهم اجعلنا منهم يا أكرم الأكرمين.

فصول الكتاب · 200 فصل · 31 صفحة
الانتقال إلى صفحة
فصول شرح كتاب الفوائد · 31 صفحة
سلسلة شرح كتاب الفوائد [1]آثار التقصير في كتابة تاريخ أعلام المسلمينآثار الذنوب والطاعات في نظر ابن القيمبيان حقيقة إنصاف المرء ربهالإقرار بالجهل في العلمالإقرار بالآفات في العملالإقرار بالعيوب في النفسدوران العبد بين رؤية عدل الله ورؤية فضلهسلسلة شرح كتاب الفوائد [2]استثمار الحياة لما بعد الموتالتحذير من صغائر الذنوبسلسلة شرح كتاب الفوائد [3]الدنيا سجن أهل الإيمانقاعدة الحياة والرزق والموت والقضاءصبر السلف وأثره على الخلفأحوال المرء في الأنس بالله تعالىأشرف أحوال الاختيارلا تغتر بمجالسة الصالحينالعظة والعبرة في رعاية الله لموسى وغيرها من القواعد العظيمةحقيقة الدنياالهلاك في إعراض الله عن عبدهعاقبة الإعراض عن تحكيم الكتاب والسنةحال العمل الخالي من الإخلاصلذة العافية بعد مر الصبرسلسلة شرح كتاب الفوائد [4]شراهة الطبع وفائدة الحميةلص الحرص لا يمشي إلا في ظلام الهوىفخ التلف في الاستلذاذ بالمشتهىالبخل فقر غير مأجور عليهتقديم عطش الضر على شرب المنةلا تسل غير اللهثمار غرس الخلوةمن ذاق عرفخطر الحرص وتتبع الشهواتالأنس باللهالخصام دليل الجهلالسعادة والتوفيقأهمية العمل للآخرةأصناف الاجتماع بالإخوانخطوات السير إلى اللهالصحابة والإقبال على اللهسلسلة شرح كتاب الفوائد [5]ركيزة كتاب الفوائدأنواع الطهارةالصبر بذرة أولي العزم من الرسلعاقبة صبر رسول الله صلى الله عليه وسلمإعزاز الله تعالى رسوله يوم الفتحمقام رسول الله بعد الفتحإلى الرفيق الأعلىلا تستهن بمعصيةأحوال عجيبة في بعض طالبي الفلاححكمة تأخير خلق آدم عليه السلامآدم وتكريم الله لهسلسلة شرح كتاب الفوائد [6]فضل العلماء على الأمةلذ بالقرآنتجلي صفات الله عز وجل في كتابهقيمة السلعة بقيمة مشتريها والثمن المبذول فيهاسلسلة شرح كتاب الفوائد [7]إعراض الله عن العبدمن كانت الدنيا همه صار خادماً لغيرهغاية الجهل في الشكوىالرغبة في الآخرة مرهونة بالزهد في الدنياكيفية الاستجابة للرسولحث ذوات الحجاب على الصبر والثباتبرنامج لمحاسبة النفسسلسلة شرح كتاب الفوائد [8]الإيمان ظاهر وباطنالتوكل نوعانسر التوكل وحقيقتهأساس الخيرأساس الخيرمفاتيح الدعاءقسوة القلبأسباب قسوة القلبخراب القلبخراب القلبسلسلة شرح كتاب الفوائد [10]من الأمور الضائعة علم لا يعمل بهالعمل لله بقدر الحاجة إليهالعمل للدنيا بقدر البقاء فيهاعمل بلا إخلاص ولا اقتداء ضائع على صاحبهأهمية الإخلاص في العملأثر الاقتداء في قبول العملمال لا ينفق منه ضائع على صاحبهقلب فارغ من محبة ربه صاحبه ضائععلامات المحبةعمل المعروف ابتغاء وجه اللهالفرح بالطاعةخشوع القلب للقرآنالبدن المعطل من طاعة سيده بدن ضائعالمحبة التي لا تتقيد برضا المحبوب ضائعةالوقت المعطل عن الطاعة وقت ضائعخدمة من لا ينتفع به دنيا وأخرى خدمة ضائعةسلسلة شرح كتاب الفوائد [11]الاستغناء بالله أهميته وعلاماتهالخوف من الله وحدهالثقة بما عند اللهالأمل الكبير في الله عند المصائبالفرح والأنس بالله تعالىالتعرف والتودد إلى اللهحكم من منّ على الله بعملهمبنى الدين على الذكر والشكرالمراد بالذكرتعريف الشكرتلازم الذكر والشكرثمرات الشهوةالأخلاق المحمودة والمذمومةحد الغضب المحمودحد الحرص المحمودحد الحسد المحمودسلسلة شرح كتاب الفوائد [12]قيمة العبد عند مولاهفضائل بعض الصحابةزهد عبد الله بن مسعودالتحقق بأوصاف اللهحكم ذهاب النساء إلى الكوافيرسلسلة شرح كتاب الفوائد [13]من كلام عبد الله بن مسعود رضي الله عنهآداب حامل القرآنالتواضع وأثره وتأثير الملك والشيطان في سلوك الناسحقيقة الإيمانذكر ما جاء في التوبةسلسلة شرح كتاب الفوائد [14]ذكر ما جاء في الإخلاص ومحبة المدح والطمع فيما عند الناسالأشياء التي تجعل عاشق الدنيا يزهد في الآخرةالجوابأركان الكفرمفاسد الكبرمفاسد الحسد والغضبمفاسد الشهوةهدم الكبر والحسد والغضب والشهوةمنشأ الكبر والحسد والغضب والشهوة وعلاجهابيان شجرتي التوحيد والإشراكاكتساب العبد المال وضرر ذلك ونفعهمواساة المؤمنين أنواعمضيعة السالكين إلى الله في الجهل بالطريق وآفاتهاأنواع نعم الله تعالى على عبدهالأسئلةالسؤالالجوابالسؤالالجوابالسؤالالجوابالسؤالالجوابالسؤالالجوابسلسلة شرح كتاب الفوائد [15]أقرب الأبواب إلى الله عز وجلما خلق منه آدمتباين طباع الناس لتباين معادنهمحب أبي ذر ما يكرهه الناسما ينبغي أن يكون عليه المؤمنما خلق الله عليه المخلوقاتالخير المحض والشر المحضما فيه خير وشرأنواع الفرار إلى الله عز وجلاشتياق الروح إلى العالم العلويسجن الروحأسباب عدم التوفيق في العبادةالاشتغال بالنعمة عن شكرهاالرغبة في العلم والعزوف عن العملالمسارعة إلى الذنب وتأخير التوبةالاغترار بصحبة الصالحين مع مخالفتهمالإقبال على الدنيا وإدبارها عنهمالإدبار عن الآخرة وإقبالها عليهمأصل الخذلانتزكية النفس وتدسيتهامثال قلب المؤمنمثال قلب الكافر والمنافقالأسئلةالسؤالالجوابالسؤالالجوابالسؤالالجوابالسؤالالجوابالسؤالالجوابالسؤالالجوابالسؤالالجوابسلسلة شرح كتاب الفوائد [16]بيان من يسأل يوم القيامة أولاً من الفائزين الآمنينبيان مناداة كل جماعة بإمامها يوم القيامةبيان أربعة أمور يسأل عنها العبد يوم القيامةبيان أن ترك الأمر أعظم جرماً من ارتكاب النهيالوجهان الأول والثاني لكون ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهيبيان ما يحصل به التطهير من الذنوب بعد الموتالوجه الثالث لكون ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهيالوجه الرابع لكون ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهيالوجه الخامس لكون ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهيالوجه السادس لكون ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهيالوجه السابع لكون ترك الأمر أعظم من ارتكاب النهيسبق الأكياس بما وقر في قلوبهم
جارٍ التحميل