تعريف الصلاة
الصلاة في أصل اللغة: الدعاء ومنه قول تعالى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ أن صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ الأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ﴾ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا دعي أحدكم فليجب فإن كان مفطرا فليطعم وأن كان صائما فليصل" رواه مسلم والداعي يؤم المدعو ويقصده وسمي الثاني من الخيل مصليا لاتباعه السابق وقصده إياه ثم سمي عظم الورك صلا لأنه هو الذي يقصده المصلي من السابق ثم اتسع ذلك حتى قال علي رضي الله عنه سبق رسول الله صلى الله عليه وسلم وصلى أبو بكر وثلث عمر ولما بين القاصد والمقصود من الإيصال والقرب كان منه في الاشتقاق الأوسط الوصل لأن فيه الصاد واللام والواو ولهذا يقال الصلاة صلة بالله ومنه الاشتقاق الأكبر صلى النار واصطلابها لما فيه من المماسة والمقاربة والدعاء قصد المدعو.
والتوجه إليه أما على وجه المسألة وأما على وجه العبادة المحضة لأن دعاء الشيء هو طلبه وإرادته سواء طلب لذاته أو للأمر منه ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ فإنه فسر بالمسألة: (وبالعبادة وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي﴾ إلى قوله: ﴿هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إلا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ إلى قوله: ﴿قُلْ إِنِّي نُهِيتُ أن أَعْبُدَ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُوا مِنْ قَبْلُ شَيْئاً﴾ وقوله تعالى: ﴿فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَا يَعْبَأُ بِكُمْ رَبِّي لَوْلا دُعَاؤُكُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيّاً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لا يَخْلُقُونَ شَيْئاً﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الأرض﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا مِنْ قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَطِيعُونَ نَصْرَكُمْ﴾ وقوله تعالى: {قُلِ ادْعُوا اللَّه أَوَِ
ادْعُوا الرَّحْمَنَ أَيّاً مَا تَدْعُوا فَلَهُ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى} وقوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أيها النَّاسُ أن كُنْتُمْ فِي شَكٍّ مِنْ دِينِي فَلا أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّك﴾ وقوله تعالى: ﴿لَهُ دَعْوَةُ الْحَقِّ وَالَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ لا يَسْتَجِيبُونَ لَهُمْ بِشَيْءٍ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إلا إِنَاثاً وأن يَدْعُونَ إلا شَيْطَاناً مَرِيداً لَعَنَهُ اللَّهُ﴾ فإن الدعاء في هذه المواضع يراد به نفس اتخاذ المدعو ربا وإلها بحيث يسأل ويعبد وقد فصل معنى الدعاء بقوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ وفي قوله: ﴿عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ ونحو ذلك من الآي فهو يعبد من حيث هو اله ويسأل من حيث هو رب وأن كان كل عابد سائلا وطالبا وكل سائل عابدا وقاصدا من جهة الالتزام فسميت العبادات لله المحضة مثل الصلاة والذكر والسؤال والركوع والسجود والطواف صلاة أو هي دعاء لله وعبادة لله بلا توسط شيء آخر ولهذا قال ابن مسعود ما دمت تذكر الله فأنت في صلاة وأن كنت في السوق ثم
غلب هذا الاسم على ما كان فيه فعل مثل القيام والسجود والطواف دون القول المحض كالقراءة والذكر والسؤال ولأن ذلك عبادة بجميع البدن ولهذا اشترطت له الطهارة وأن اشتركا في استحباب الطهارة ثم غلب على القيام والركوع والسجود مع أذكارها لأنها أخص بالتعبد من الطواف ولهذا حرم فيه الكلام والعمل الكثير وسمي السجود المفرد كسجود التلاوة والشكر والقيام المفرد كقيام الجنازة صلاة وأن كان اغلب الصلوات المشروعة هي مما اشتملت على القيام والقعود والركوع والسجود فإذا أطلق اسم الصلاة في الشرع لم يفهم منه إلا هذا وهي القيام والركوع والسجود لله بالأذكار المشروعة فيها ثم قال جماعة من أصحابنا منهم أبو الخطاب وابن عقيل هي منقولة في اللغة إلى الشرع ومعدول بها عن المفهوم الأول إلى مفهوم آخر.
وقال القاضي وغيره ليست منقولة بل ضمت إليها الشريعة شروطا وقيودا وهي مبقاة على ما كانت عليه وكذلك القول في اسم الزكاة والصيام وغيرها من الأسماء الشرعية.
وتحقيق ذلك أن تصرف الشرع فيها كتصرف أهل العرف في بعض الأسماء اللغوية أما تخصيصها ببعض معانيها كالدابة وأما تحويلها إلى ما بينه وبين المعنى الأول سبب كإسم الراوية والغائط والعذرة فالصلاة كانت اسما لكل دعاء فصاري إسما لدعاء مخصوص أو كانت اسما.
لدعاء فنقلت إلى الصلاة الشرعية لما بينها وبين الدعاء من المناسبة والأمر في ذلك متقارب نعم قد يسرف بعض من يقول هي منقولة فلا يشترط أن يكون بين المنقولة منه والمنقولهه إليه مناسبة بل يجعله وصفا ثانيا حتى كأنه ليس من المجاز اللغوي ويسرف من يقول هي منقولة حتى يعتقد أن مفهومها في الشرع هو محض الدعاء والمسألة: (فقط مما يكون في اللغة وما خرج عن ذلك من قيام وقعود وغير ذلك فهو شرط في الحكم بمعنى الصلاة التي هي الدعاء لا تجزئ إلا على هذا الوجه كما لا تجزئ إلا بتقدم الإيمان والطهارة ولا يجعل هذه الأفعال جزءا من المسمى ولا مفهومة من نفس الاسم وكلا القولين طرف وخيار الأمور أوسطها وبهذا التقرير قول من يقول هي منقولة اقرب إلى الصواب وكذلك أيضا بهذا التقرير أن معنى النقل تخصيصها ببعض معانيها وهي في ذلك أبلغ من تخصيص أهل العرف الاسم ببعض معانيه كالدابة والنجم لأن ذلك التخصيص كان معلوما بخلاف ما كان من خصائص الصوم والصلاة والزكاة فإنه لم يكن معروفا معناه ولا دلالة للفظ عليه وقد اتفقوا على أن الصلاة المشروعة بعد بيان النبي صلى الله عليه وسلم صارت في المفهوم من لفظ الصلاة في الكتاب والسنة ومن ادعى بعد ذلك أنها بعد ذلك تصرف إلى مجرد المعنى اللغوي فقد غلط.
والصلاة واجبة في الجملة قال تعالى: {وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ
مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ} وقال تعالى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ وقال: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ ونصوص القرآن التي فيها ذكر الصلاة كثيرة جدا.
وكذلك السنة منها حديث عبد الله بن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "بني الإسلام على خمس شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وحج البيت وصوم رمضان" متفق عليه.
وأجمعت الأمة على أن الصلاة واجبة في الجملة وأنها أعظم مباني الإسلام الفعلية وهي عمود الدين وسنذكر أن شاء الله بعض خصائصها.
وجوب الصلاة وأدلة ذلك
مسألة: (روى عبادة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "خمس صلوات كتبهن الله على العبد في اليوم والليلة فمن حافظ عليهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يحافظ عليهن لم يكن له عند الله عهد أن شاء عذبه وأن شاء غفر له").
فالصلوات الخمس واجبة على كل مسلم بالغ عاقل إلا الحائض والنفساء.
أما عدد الصلوات المكتوبات وعدد ركعاتها في حق المقيم الآمن فهو من باب العلم العام الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم المبلغ عن الله والمبين عنه معاني خطابه وتأويل كلامه الشارع عن الله بإذنه وبما انزل إليه من الكتاب والحكمة.
وقد تواترت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك مثل الحديث الذي ذكره الشيخ رحمه الله وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وعن طلحة ابن عبيد الله أن أعرابيا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ثائر الرأس فقال: يا رسول الله اخبرني ماذا فرض الله علي من الصلوات قال: "الخمس إلا أن تطوع شيئا" فقال اخبرني ماذا فرض الله علي من الصيام فقال: "شهر رمضان إلا أن تطوع" فقال: اخبرني ماذا فرض الله علي من الزكاة قال فاخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم بشرائع الإسلام قال: والذي أكرمك لا أتطوع شيئا ولا انقص مما فرض الله علي شيئا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أفلح أن صدق أو دخل الجنة أن صدق" متفق عليه.
وعن أنس بن مالك قال: "فرضت الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم ليلة اسري به خمسين ثم نقصت حتى جعلت خمسا ثم نودي يا محمد أنه لا يبدل القول لدي وأن لك بهذه الخمس خمسين" رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
ومعناه في الصحيحين من حديث مالك بن صعصعة وغيره مثل حديث معاذ بن جبل لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "أعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة" وحديث ضمام بن ثعلبة وهي واجبة على كل مسلم بالغ لأن هذه شروط التكليف بالشرائع على أي حال كان من صحة أو سقم أو خوف أو إقامة أو سفر والأدلة الدالة على وجوبها في هذه الأحوال عموما وخصوصا كما تذكر أن شاء الله تعالى.
إلا الحائض والنفساء لما سبق في باب الحيض أن الحائض لم تكن تؤمر بقضاء الصلاة.
فأما المستحاضة ومن به سلس البول فتجب عليهما ويجب عليهما قضاء ما تركاه منها كما تقدم.
فصل.
فأما الكافر الأصلي فإنها تجب عليه في أشهر روايتين.
بمعنى أنه يعاقب على تركها في الآخرة وفي الدنيا إذا شاء الله تعجيل عقوبته ويذم على ذلك في الدنيا والآخرة.
فأما في حال كفره فلا تصح منه وإذا اسلم لم يجب عليه القضاء باتفاق لأن الله تعالى يقول: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ وعن عمرو بن العاص قال: " لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقلت ابسط يدك فلأبايعك فبسط يمينه قال فقبضت يميني فقال: "ما لك يا عمرو" فقلت: "أردت أن اشترط" فقال: تشترط ماذا قلت يغفر لي قال: "أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها وأن الحج يهدم ما كان قبله" رواه مسلم.
وفي لفظ لأحمد: "الإسلام يجب ما قبله" وقوله: الإسلام يهدم ما قبله من ترك الواجبات وفعل المحرمات بخلاف الهجرة والحج فإنهما يهدمان ما فعل من إثم فما بين العبد وبين الله تعالى دون ما ترك من واجب يقضى لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يأمر أحدا ممن اسلم أن يقضي صلاة ولا
صوما ولا زكاة ولا يأخذه بضمان دم ولا مال ولا بشيء من الأشياء وهذا لأن الكافر كان منكرا للوجوب وللتحريم فكان الفعل والترك داخلا في ضمن هذا الاعتقاد الباطل وفرعا له فلما تاب من هذا الاعتقاد وموجبه غفر الله له الأصل وفروعه ودخلت هذه الفروع فيه في حال المغفرة كما دخلت فيه في حال المعصية بخلاف من تركه معتقدا للوجوب فإن الترك هناك غير مضاف إلى غيره بل إلى كسل فالتوبة منه بالنشاط إلى فعل ما ترك ولأن تخلل المسقط بين زمني الوجوب والقضاء لا يسقط الواجب كما لو ترك صلاة ثم حصل جنون أو حيض ثم حصل الغسل والطهارة فإنه يجب القضاء.
ولا يخاطب الكافر بفعلها إلا بعد أن يسلم لما روى ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم لما بعث معاذا إلى اليمن قال له: "إنك تأتي قوما أهل كتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم خمس صلوات في يوم وليلة فإن هم أطاعوك لذلك فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد إلى فقرائهم فإن هم أطاعوك لذلك فإياك وكرائم أموالهم واتق دعوة المظلوم فإنه ليس بينها وبين الله حجاب" رواه الجماعة.
وأما الكافر المرتد فالمشهور أنه يلزمه قضاء ما تركه قبل الردة من صلاة وزكاة وصوم ولا يلزمه قضاء ما تركه في زمن الردة وهذا هو المنصوص عنه في مواضع مفرقا بين ما تركه قبل الردة وبعدها.
وحكي ابن شاقلا رواية أنه لا يلزمه شيء من ذلك بناء على أن الردة تحبط العمل لقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالآيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾ ولأن الكفر الطارئ يهدم ما كان قبله من الصالحات كما أن الإيمان الطارئ يهدم ما كان قبله من السيئات والقضاء إنما يراد به جبر ما حصل به من الخلل في العمل فإذا حبط الجميع فلا معنى لجبره مع ظاهر قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا أن يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾.
وعنه رواية أخرى أنه يلزمه قضاء الجميع أما قبل الردة فلوجوبه عليه وأما ما بعد الردة فلأنه التزم حكم الإسلام فلا يقبل منه الرجوع عنه كالمسلم إذا تركها عامدا ولهذا يضمن ما أتلفه في حال الردة من دية أو مال على المنصوص ولهذا لا يقر على دينه بغير جزية ولا فرق.
فإذا لم يقر على الاعتقاد لم يقر على موجبه وهو الترك فيكون مطالبا بالفعل في الدنيا ولأن الدليل يقتضي وجوبها على كل حال وإنما عفي للكافر الأصلي عن القضاء لأن مدة الترك تطول غالبا وقد كان على دين يعتقد صحته ولم يعتقد بطلانه وهو مع ذلك مقر عليه يجوز أن يهادن ويؤمن وأن يسترق ويعقد له الجزية أن كان من أهل ذلك بخلاف المرتد.
ووجه المشهور أن ما تركه قبل الردة قد وجب في ذمته واستقر فلا يسقط بعد ذلك بفعله لو كان مباحا فكيف يسقط بالمحرم ولأنه ترك صلاة يخاطب بفعلها ابتداء فخوطب بقضائها كالنائم والناسي وأولى ولأن تخلل المسقط بين زمن الوجوب والقضاء لا يسقط الواجب كما لو ترك الصلاة ثم حصل جنون أو حيض ثم حصل العقل والطهارة فإنه يجب القضاء.
وأما حبوط عمله بالردة فقد منع ذلك بعض أصحابنا وقالوا الآيات فيمن مات على الردة بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ﴾ والإطلاق في الآيات البواقي لا يمنع ذلك لأن كل عقوبة مرتبة على كفر فإنها مشروطة
بالموت عليه.
فإن قيل التقييد في هذه الآية بالموت على الكفر إنما كان لأنه مرتب علي شيئين وهو حبوط العمل والخلود في النار.
والخلود إنما يستحقه الكافر وتلك الآيات إنما ذكر فيها الحبوط فقط فعلم أن مجرد الردة كافية.
قلنا قوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِالآيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ لا يكون إلا لمن مات مرتدا لأن الخاسرين الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة وهذا ليس لمن مات على عمل صالح لأنه إذا عاد إلى الإسلام فقد غفر له الارتداد الماضي لأن التائب من الذنب كمن لا ذنب له وإذا زال الذنب زالت عقوباته وموجباته وحبوط العمل من موجباته يبين هذا أنه لو كان فعل في حال الردة ما تقتضيه الردة من شتم أو سب أو شرك لم يقم عليه إذا اسلم ولأن الكافر الحربي لو تقرب إلى الله بأشياء ثم ختم له بالإسلام لكانت محسوبة له بدليل ما روى حكيم ابن حزام قال: "قلت: يا رسول الله أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صلاة وعتاقة وصلة هل فيها من اجر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أسلمت على ما سلف لك من خير" متفق عليه فإذا كان الكفر المقارن
للعمل لا يحبط إلا بشرط الموت عليه فإنه لا يحبط الكفر الطارئ إلا بشرط الموت أحرى وأولى لأن بقاء الشيء أولى من ابتدائه وحدوثه والدفع أسهل من الرفع ولهذا قالوا الردة والإحرام والعدة تمنع ابتداء النكاح دون دوامه كيف وتلك الأعمال حين عملت عملت لله سبحانه وقد غفر الله ما كان بعدها من الكفر بالتوبة منه.
ومن أصحابنا من قال يحبط العمل مطلقا لكن قال الإحباط هو إحباط الثواب لا إبطال العمل في نفسه بدليل أنه لا ينقض ما قبل الردة من الأمور المشروطة بالإسلام كالحكم والولاية والإرث والإمامة والذبح فلا تبطل صلاة من صلى خلفهم ولا يحرم ما ذبحه قبل الردة ولا يلزم من بطلان ثوابه مما فعله سقوط الواجب الذي لم يفعله فإن الردة تناسب التشديد لا التخفيف.
ثم نقول فعل المكتوبة له فائدتان إحداهما: أنه يقتضي الثواب.
والثانية: أنه يمنع العقاب الواجب بتقدير الترك فإذا ارتد ذهبت فائدة واحدة وهي الثواب وبقيت الأخرى وهي منع العذاب على الترك بحيث لا يعذب من فعل ويحبط عمله على نفس ما فعله من الخير وإنما يعذب على الكفر المحبط كما يعذب من لم يفعل وهذا الخلل يتعين جبره وإلا عوقب على الترك وهذا معنى ما يجيء في كثير من الأعمال الواجبة أنها غير مقبولة أي لا ثواب فيها وأن أبرأت الذمة بحيث لولا الفعل لكان مكلفا ولولا السبب المانع من القبول لكان فيها ثواب ولهذا قلنا إذا أتى قبل الردة ما يوجب الحد من زنى أو سرقة وغيرهما فإنه يقام عليه الحد بعد الإسلام الثاني نص عليه بخلاف من أقيم عليه الحد قبل
الردة فإنه لا يقام عليه الحد ثانية فلو فرضنا أن لا فائدة أصلا فيما فعله قبل الردة فإنما ذلك فيما يفعله دون ما يوجب عليه ولم يفعله فإنه الآن قادر على فعله على وجه يبرئه فيجب عليه كما يجب عليه قضاء الحقوق التي كانت واجبة قبل الردة ويثاب على قضائها وأن كان قد بطلت فائدة ما قضاه قبل الردة.
وأما ما قبل الإسلام فإنه لم يخاطب به ابتداء وإنما يخاطب أولا بالإسلام فلا يجب قضاؤه كالكافر الأصلي فإن الموجب للسقوط في أحدهما: موجود في الآخر وقد ارتد جماعة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر ومكث منهم طائفة على الردة برهة من الدهر ولم ينقل أن أحدا منهم أمر بالقضاء ولأن الترك هنا كان في ضمن الاعتقاد فلما غفر له الاعتقاد غفر له ما في ضمنه ولأن إيجاب القضاء هنا قد يكون فيه تنفير عن الإسلام لا سيما إذا كثرت أعوام الردة وكانت الأموال كثيرة فإنه قد يعجز عن القضاء فيصر على الكفر فرارا من القضاء.
فأما ما فعله قبل الردة فلا يجب عليه قضاؤه بحال لأن الذمة برئت منه حتى الحج في إحدى الروايتين.
وعنه إيجاب قضاء الحج فمن أصحابنا من علل ذلك بأن العمل الماضي حبط بالردة فيجب عليه ما يجب على الكافر الأصلي فعلى هذا يجب إعادة ما صلى إذا اسلم ووقته باق وهذه طريقة ابن شاقلا وأبي الخطاب وغيرهما.
وقال القاضي والآمدي وأكثر أصحابه مثل الشريف أبي جعفر يجب إعادة الحج مع القول بأن العمل لم يحبط لأن هذا إسلام جديد والإسلام مبني على خمس فلا بد فيه من جميع المباني بخلاف ما تكرر وجوبه من الصلاة والزكاة والصوم ولأن الاحتساب له بذلك الحج لا يمنع أن يجب عليه حج ثان بالإسلام كالكافر الحربي لو حج ثم أسلم لزمه حج ثان مع أن ذلك الحج محسوب له وكذلك العبد والصبي لو حجا قبل الوجوب كتب لهما ثوابه ثم يلزمهما بالوجوب حج ثان.
وإذا اسلم لزمه قضاء ما تركه بعد الإسلام وأن لم يعلم وجوبه.
فصل.
وأما المجنون فلا يجب عليه قضاء على ما في ظاهر المذهب نص عليه في رواية صالح وأبي داود وغيرهما.
وقد روى حنبل عنه أن المجنون يقضي الصلاة والصيام إذا أفاق كالمغمى عليه.
وحمله بعض أصحابنا على الجنون العارض دون المطبق لقرب شبهه بالإغماء.
وقال في رواية أنه يحتمل الحال كالمبرسم بعد الصلاة وأن طال ذلك شهرا أو أكثر.
والأول هو المذهب لما روي عن علي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "رفع القلم عن ثلاثة عن النائم حتى يستيقظ وعن الصبي حتى يحتلم وعن المجنون حتى يفيق" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وهذا الحديث ينفي القضاء والأداء لكن وجب القضاء على النائم لقوله: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" فبقي المجنون على الإطلاق كالصبي.
وأما من زال عقله بغير جنون فيجب عليه القضاء سواء كان السبب مباحا أو محرما من فعله أو من غير فعله كالسكران ببنج أو خمر والنائم والمغمى عليه لمرض أو شرب دواء أو غير ذلك.
وقال القاضي أن كان الإغماء بشرب دواء مباح لم يجب القضاء لأنه
لو وجب القضاء لامتنع من شرب الدواء بخلاف إغماء المريض.
والمباح هو ما تحصل معه السلامه في اغلب الأحوال وأن كان سما في أقوى الوجهين.
وفي الآخر لا يجوز شرب السم بحال.
والأول المذهب لأنها عبادة تسقط بالإغماء.
وقيل أن كان عقله يزول بالدواء ويطول فهو كالمجنون وأن كان لا يدوم كثيرا فهو كالإغماء في الصيام وسائر العبادات.
قال الإمام أحمد أغمى على عمار بن ياسر ثلاثا وروي نحو ذلك عن سمرة بن جندب وعمران بن حصين وهذا لأن هذه الأسباب هي بين محرم لا يعذر في شربه وبين مباح تقصر مدته غالبا فأشبه النوم ويفارق الجنون فإنه يطول غالبا وينافي أهلية التكليف ويوجب الولاية على صاحبه ولا يجوز على الأنبياء ولأن الإغماء والنوم ونحوهما يزيل الإحساس الظاهر والعقل الظاهر وإلا فيجوز أن يرى رؤيا ويوحي إليه في حال نومه وإغمائه ويكون زوال العقل تبعا لزوال حس الظاهر بخلاف المجنون فإن حسه وإدراكه باق والعقل زائل فهو في ذلك ليس كالنائم ولهذا النائم والمغمى عليه يندر منهما القول والعمل بخلاف المجنون.
فصل.
وأما الصبي فلا تجب عليه في أشهر الروايتين.
وعنه أنها تجب عليه إذا بلغ عشرا اختارها أبو بكر والتميمي لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "مروا أبناءكم بالصلاة لسبع واضربوهم عليها لعشر سنين وفرقوا بينهم في المضاجع" رواه أحمد وأبو داود وعن سبرة الجهني قال قال رسول الله: "مروا الصبي بالصلاة إذا بلغ سبع سنين وإذا بلغ عشر سنين فاضربوه عليها" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن فقد أمر بالعقاب على تركها وما يعاقب على ترك شيء إلا الواجب لا سيما مع رأفة
النبي صلى الله عليه وسلم ورحمته بأمته ولأنه يفهم الأمر ويقدر على الامتثال فوجب عليه كالبالغ وهذا لأن عمدة الوجوب إنما هي العقل الذي به يعلم والقدرة التي بها يفعل وكلاهما موجود ولأن العشر مظنة الاحتلام وأول سببه فجاز أن تقوم مقامه ويحمل حديث رفع القلم على ما يفعله من الذنوب لا على ما يتركه من الواجب ويؤيد هذا أن المأمورات تصح منه فجاز أن تجب عليه ولهذا صح منه الإسلام وهو يلزم لأحكام كثيرة في الدنيا والآخرة وأما المنهيات فإنها تقع منه باطلة إذا كانت تقبل البطلان فلا تحرم عليه ولهذا لا تصح تصرفاته بغير إذن من نكاح وبيع وهبة ويقع كفره وقذفه وزناه وسرقته غير موجب للحد والعقوبة ومن قال هذا صحح إسلامه دون ردته كإحدى الروايات وهذا لأن فعل البر أسهل من ترك الإثم ولهذا قال سهل بن عبد الله أعمال البر يفعلها البر والفاجر ولا يصبر عن الآثام إلا صديق ومن قال هذا التزم وجوب الصيام إذا أطاقه.
فأما الحج فلا يجب عليه قبل الاحتلام قولا واحدا لقوله: "أيما صبي حج به أهله ثم احتلم فعليه حجة أخرى" وهذا يروى مرسلا وموقوفا عن
ابن عباس وكذلك لو بلغ بالسن أو الإنبات ولم يحتلم لم يجب عليه ولو حج بعد البلوغ بالسن ثم احتلم لزمه إعادة الحج في رواية منصوصة على ظاهر الحديث الوارد فيه ولأن السن والإنبات ليس هو حقيقة الإدراك لأن الله إنما علق الأحكام ببلوغ الحلم بقوله تعالى: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ﴾ وقوله تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ﴾ وقول النبي صلى الله عليه وسلم: "رفع القلم عن الصبي حتى يحتلم" لكن لما كان بلوغ الحلم خفيا عن غير المحتلم وكان ذلك غالبا يكون مع بلوغ خمسة عشر وإنبات شعر العانة جعل مظنته علامة قائمة مقامه في الأحكام التي تتعلق بغير هذا البالغ من الحدود والقصاص والجهاد والحجر وغير ذلك إذ كانوا لا يطلقون على الحقيقة غالبا فأما ما بينه وبين الله فإنه يعلم وقت احتلامه ولأن هذه الأمور تتكرر قبل الاحتلام وبعده فجاز أن يجعل ما يقارب الاحتلام في حكمه احتياطا وعموما بخلاف الحج فإنه لا يتكرر ولأنه احرم لحجه قبل الاحتلام لكان قد فعل الحج قبل كمال قواه وبلوغ أشده ولذلك يعيده إذا بلغ.
والرواية الأخرى اختيار أكثر أصحابنا حتى جعلها القاضي رواية واحدة وكذلك ابن بطة تأول الرواية الأولى لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "رفع
القلم عن الصبي حتى يحتلم" وهذا يعم حكم الإثم الحاصل بفعل محرم أو ترك واجب كما شاركه في ذلك المجنون ولأنها عبادة بدنية فلم تجب قبل البلوغ كالحج والجهاد وهذا لأن الصبي في الأصل لما كان مظنة نقص العقل وضعف البنية جعل الشرع بلوغ الأشد حدا للتكليف لأن مظنة استكمال شرائطه غالبا ولأنها لو وجبت عليه لقتل بتركها كالبالغ ولكان الإمام هو الذي يقيم عليه الحد ولم يكتف بضربه ولم يفوض ذلك إلى الوالي وبهذا يعلم أن ضربه عليها ليتمرن عليها ويعتادها وقد يجب لمصالحه وأن لم تكن واجبة عليه كما تضرب البهيمة تأديبا لها ودواء وكما يضرب المجنون لذلك وكان ابن عباس يقيد عكرمة على حفظ القرآن والسنة وقال رجل للنبي صلى الله عليه وسلم مم اضرب يتيمي قال مما كنت ضاربا منه ولدك وكما يضرب على الكذب وفعل المحرمات ليكف عنها ويعتاد تعظيم المحرمات وأن كان قلمه مرفوعا إجماعا.
وعلى الروايتين فيؤمر بها إذا بلغ سبع سنين.
قال أصحابنا: ويهدد على تركها ويضرب عليها إذا بلغ العشر كما في الحديث وذلك واجب على وليه وكافله نص عليه وكما تقدم في
الحديث فإن الأمر من النبي صلى الله عليه وسلم يقتضي الوجوب وقد قال الله تعالى: ﴿وأَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً﴾ قال علي عليه السلام علموهم وأدبوهم.
وإهمال ذلك سبب مصيره إلى النار ولأن هذا من مصالحه فوجب مراعاته كما يجب حفظ ماله ومنعه من جميع الفواحش والمعاصي ويؤمر مع ذلك بالطهارة ونحوها مما يشترط للصلاة لأن الصلاة لا تصح بدونها.
فإن بلغ في أثناء الوقت لزمته الصلاة وأن كان قد صلاها أو هو فيها لأنها حينئذ وجبت عليه وما تقدم كان نفلا فلم يمنع الإيجاب كما لو حج قبل البلوغ ثم بلغ.
ولو بلغ في أثنائها ثم خرج الوقت لم تجب عليه لزوال وقت الوجوب هذا هو المذهب المنصوص حتى لو احتلم في أثناء الليل وقد صلى المغرب والعشاء أعادهما نص عليه.
ولو قيل إنه صلاها مرة لم تجب عليه ثانية لكان وجيها لأن تعجيل الصلاة والزكاة قبل وجوبها إذا كان مشروعا منع الوجوب كما لو صلى الثانية من المجموعتين في وقت الأولى أو فعل الجمعة قبل
الزوال وكذلك لو عجل زكاة ماله قبل وجوبه والنفل قد يمنع وجوب الفرض كما لو صلى العيد أول النهار سقطت عنه الجمعة ولأن العادة الغالبة أن الصبيان يحتلمون بالليل ولم ينقل عنهم أنهم كانوا يؤمرون بإعادة المغرب والعشاء.
مسألة: (فمن جحد وجوبها بجهله عرف ذلك وأن جحدها عنادا كفر).
هذا أصل مضطرد في مباني الإسلام الخمسة وفي الأحكام الظاهرة المجمع عليها من مكلف أن كان الجاحد لذلك معذورا مثل أن يكون حديث عهد بالإسلام أو قد نشأ ببادية هي مظنة الجهل بذلك لم يكفر حتى يعرف أن هذا دين الإسلام لأن أحكام الكفر والتأديب لا تثبت إلا بعد بلوغ الرسالة لا سيما فيما لا يعلم بمجرد العقل قال الله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾ وقال تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً﴾ وقال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾ وقال تعالى: ﴿لأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ﴾ فالإنذار لمن بلغه القرآن بلفظه أو معناه فإذا بلغته الرسالة بواسطة أو بغير واسطة قامت عليه الحجة وانقطع عذره.
فأما الناشئ بديار الإسلام ممن يعلم أنه قد بلغته هذه الأحكام فلا
يقبل قوله أي لم أعلم ذلك ويكون ممن جحد وجوبها بعد أن بلغه العلم في ذلك فيكون كافرا كفرا ينقل عن الملة سواء صلاها مع ذلك أو لم يصلها وسواء اعتقدها مستحبة أو لم يعتقد وسواء رآها واجبة على بعض الناس دون بعضا أو لا وسواء تأول في ذلك أو لم يتأول لأنه كذب الله ورسوله وكفر بما ثبت أن محمدا صلى الله عليه وسلم بعث به ولهذا اجمع رأي عمر والصحابة في أن الذين شربوا الخمر مستحلين لها أنهم أن اقروا بالتحريم خلوا وأن أصروا على الاستحلال قتلوا وقالوا وكذلك من تأول تأويلا يخالف به جماهير المسلمين.
وكذلك لو اقر أن الله أوجبها وصدق الرسول في الرسالة وامتنع من قبولها بالإيجاب وأبى أن يلتزمه وينقاد لله ورسوله فهو كإبليس فإنه لم ينكر الإيجاب وإنما استكبر عن القبول فإنه يكفر بذلك ويقال له كافر ولا يقال مكذب.
مسألة: (ولا يحل تأخيرها عن وقتها إلا لناو جمعها أو مشتغل عنها بشرطها).
أما فعلها في الوقت المضروب لها ففرض وتأخيرها عنه عمدا من الكبائر لقوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ والمحافظة عليها فعلها في الوقت لأن سبب نزول الآية تأخير الصلاة يوم الخندق دون تركها لأن السلف فسروها بذلك ولأن المحافظة خلاف الإهمال والإضاعة ومن أخرها عن وقتها فقد أهملها ولم يحافظ عليها.
وقوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ وأضاعتها تأخيرها عن وقتها كذلك فسرها ابن مسعود وإبراهيم والقاسم بن محمد والضحاك وغيرهم من غير مخالف لهم قال ابن مسعود إضاعتها صلاتها لغير وقتها لأن الشيء الضائع ليس هو معدوما إنما هو مهمل غير محفوظ وقوله تعالى: ﴿فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ والمشهور منها إضاعة الوقت كذلك فسر هذه المواضع جماهير الصحابة والتابعين وهو معقول من الكلام وقال تعالى: ﴿إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً﴾ وأمر سبحانه الخائف أن يصلي مع الإخلال بكثير من الأركان وكذلك المتيمم ونحوه ولو جاز التأخير لما احتاج ذلك إلى شيء من ذلك وسائر
الآيات الموجبة فعلها في الوقت المحدود مثل قوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ دليل مفصل على ذلك وكذلك الأحاديث.
عن أبي ذر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يا أبا ذر أنها ستكون عليكم أئمة يميتون الصلاة فإن ادركتموهم فصلوا الصلاة لوقتها واجعلوا صلاتكم معهم نافلة" رواه أحمد ومسلم وعن أبي قتادة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة إلى وقت الصلاة الأخرى" رواه مسلم والنصوص في ذلك كثيرة وهو مجمع عليه.
وأما الذي يؤخرها ينوي جمعها إلى التي بعدها حيث يجوز ذلك فهذا في الحقيقة قد صلاها في وقتها وكذلك يصليها أداء لأن الوقت للصلاة هو الذي حده الله سبحانه لجواز فعلها وإنما استثناه الشيخ لسببين.
أحدهما: أنه ليس هو الوقت المطلق وإنما هو وقت في حال العذر خاصة وقد لا يفهم هذا من مطلق الوقت.
الثاني أن التأخير إليه لا يجوز إلا بنية العزم على الفعل فلو قصد تركها في الوقت ولم يقصد فعلها فيما بعد إثم بذلك.
فأما تأخيرها عن أول الوقت إلى آخره فيجوز وهل يشترط له العزم
ليكون بدلا عن التعجيل فيه وجهان.
أحدهما: يشترط قاله القاضي وابن عقيل وغيرهما لأن الصلاة تجب في أول الوقت وجوبا موسعا واعتقاد الوجوب واجب على الفور ومتى وجب الاعتقاد وجب العزم لأنه لو جاز التأخير من غير بدل عنه لبطل معنى الوجوب في اأول الوقت ولأن العزم على الترك حرام فإذا لم يكن ذاهلا أو ناسيا فلا بد من العزم على الفعل.
والثاني: لا يشترط قاله أبو الخطاب وغيره وذكره القاضي في بعض المواضع لأن النصوص الدالة على جواز التأخير ليس فيها شرط العزم فاشتراطه تحكم ولان العزم لو كان بدلا عن الفعل فينبغي أن لا يجب الفعل وأن كان بدلا عن تعجيله فالتعجيل ليس بواجب ولان الإنسان إذا دخل وقت الصلاة فإن لم يعلم به بنوم أو غيره فلا إثم عليه اتفاقا وأن علم الوقت وعزم على الترك أثم اتفاقا لكن لنفس العزم على المعصية كما لو عزم على الترك قبل الوقت وأن لم يعزم على واحد منهما أو هم بالترك وحدث به نفسه فهذا مورد الوجهين أنه لا يجب تأثيمه لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "إن الله تجاوز لامته عما حدثت به أنفسها ما لم تتكلم أو تعمل به" متفق عليه.
فصل.
وإنما يجوز التأخير من أول الوقت إلى آخره إذا لم يغلب على ظنه الفوات بالتأخير فأما أن غلب على ظنه الفوات بالتأخير أو حدوث أمر يمنع منها أو من بعض فروضها قبل خروج الوقت كمرض يغلب على ظنه الموت أو من يقدم للقتل أو امرأة عادتها تحيض في أثناء الوقت أو غير ذلك أو أعير سترة في أول الوقت ولم يمهل إلى آخره أو متوضئ عادم للماء في السفر لا تبقى طهارته إلى آخر الوقت ولا يرجوا وجود الماء لم يجز له التأخير إلى الوقت الذي يغلب على ظنه فوت ذلك كالتأخير إليه لأنه يفضي إلى تفويت واجب فإنه إذا أخرها في هذه المواضع فمات مات عاصيا.
وإن تخلف ظنه أثم وكانت الصلاة أداء لأنه تبين أن الوقت الشرعي باق والقضاء فعل العبادات بعد الوقت المحدود بالشرع فلهذا لو نام عنها أو نسيها حتى خرج الوقت صلاها قضاء وأن لم يجب عليه فعلها إلا في ذلك الوقت ولهذا فإن ما تقضيه الحائض ونحوها من الصوم يكون قضاء وأن لم يجب فعله إلا بعد خروج الوقت ومثل هذه الصورة العبادة الواجبة على الفور فإنها لو أخرت عن أول أوقات الإمكان كانت أداء وأن أثم بالتأخير إذ لم يوقت لها الشرع وقتا عاما ومما يكون أداء مع الإثم صلاة العصر بعد الإصفرار والعشاء في النصف الثاني من الليل.
ولو أخرها تأخيرا جائزا ومات قبل الفعل فقيل يموت عاصيا لأن التأخير إنما جاز بشرط سلامة العاقبة.
والمشهور أنه لا إثم عليه لأن اشتراط ما لا يعلم ولا دليل عليه غير جائز والتأخير هنا له حد ينتهي إليه بخلاف الواجب المطلق أن جوزنا تأخيره فإنا نؤثمه إذ ليس للتأخير حد مؤقت.
وأما قوله أو مشتغل بشرطها فمثل أن يستيقظ فيخاف أن توضأ أو لبس ثوبه أو أن أزال عنه نجاسة طلعت الشمس فإن هذا يفعلها بشروطها وأركانها إذ لا يقدر على أكثر من ذلك وليس تضييعا ولا تفريطا إذ ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة.
وكذلك الكافر إذا اسلم والمجنون إذا أفاق والحائض إذا طهرت والصبي إذا بلغ وقد ضاق الوقت عنها وعن شرائطها فإنهم يشتغلون بشرطها وأن خرج الوقت لأنه حينئذ أمر بإقامة الصلاة وقد أمر الله بالوضوء عند القيام إلى الصلاة وهذا هو الوقت الذي وجب فعلها فيه وأن كان بعد خروج الوقت المحدد في الأمر العام وكذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها".
ومسائل هذا الباب منقسمة إلى ما ترجح فيه الوقت والى ما ترجح فيه السبب أي الشرط كما يذكر مفصلا في موضعه بخلاف من ضاق الوقت عن تعلمه الفاتحة والتشهد فإنه يصلي بحسب حاله ولا يتعلم لأن
الأول قادر على نفس الشرط مشتغل بفعله وهذا عاجز عن الركن وإنما يشتغل بتعلمه وليس هو نفس الركن وأيضا فإن محل الشرط ما قبل الصلاة وحكمه مستدام إلى أخرها فإذا اشتغل به في وقته لم يكن آخر الصلاة والقراءة محلها في نفس الصلاة فإذا اشتغل بتعلمها فهو اشتغل في وقت خطابه بالصلاة.
وإذا تعمد تأخير الصلاة حتى ضاق الوقت عن فعل شروطها وأركانها مثل أن تكون عليه نجاسة أو هو جنب وآخر الصلاة بحيث متى اشتغل بالطهارة خرج الوقت فعليه أن يشتغل بالطهارة أيضا وهو آثم بفعلها في غير الوقت لأنه كان يجب عليه الطهارة قبل ضيق الوقت والصلاة فيه فمتى أخر ذلك فعليه أن يفعله كما وجب عليه مع إثمه بالتأخير ولو آخر التيمم بالسفر وهو عادم للماء ثم وجده قبل خروج الوقت فهنا وجهان والفرق بينهما أنه كان قد وجب عليه الصلاة بتيمم ولم يرخص له في التأخير إلى أن يخرج الوقت فمتى صلى بالتيمم فقد فعل ما وجب عليه وقد تقدم هذا فأما أن عجز في الوقت عن بعض الشروط والأركان وعلم أنه يقدر عليه بعد خروج الوقت كعار يعلم أنه يجد الثياب بعد الوقت أو محدث يعلم أنه يجد الماء بعد الوقت أو خائف يعلم أنه يأمن بعد الوقت أو مريض يعلم أنه يصح بعد الوقت ونحوهم فإنه لا يجوز له التأخير بالنصوص الظاهرة في وجوب الصلاة في حال الخوف والمرض والعري والتيمم والى غير القبلة ولا فرق في هذا ولا بين من يشتغل تحصيل الشرط ويعلم أنه يحصله بعد الوقت أو من ينتظر حصوله بعد الوقت لأن
الشرط متى طال زمن حصوله سقط وكانت مصلحة الصلاة في الوقت مقدمة على مصلحة حصوله بخلاف ما زمنه قريب ولأن الشرط هنا معجوز عنه وإنما يريد أن يشتغل بتحصيل القدرة عليه وهذا غير واجب فلا يفوت بسببه واجبا وهو الصلاة في الوقت.
مثل هذا لو دخل عليه الوقت والقبلة مشتبهة لا يعلم جهتها إلا بعد خروج الوقت فإنه ليس له الاشتغال بشرط يستغرق الوقت.
وان كان الاجتهاد ممكنا لكن قد ضاق الوقت بحيث إذا اجتهد فات الوقت فإنه يصلي بالتقليد أيضا في أشهر الوجهين كما لو لم يكن عالما بالدليل والوقت ضاق على التعلم والاجتهاد ولأنه ليس مشتغلا بشرطها وإنما هو طالب للتعلم به فأشبه من طلب العلم بالدلالة.
وفي الآخر عليه أن يجتهد مع ضيق الوقت كما على المفتي والحاكم أن يجتهدا مع ضيق الوقت وسعته.
مسألة: (فإن تركها تهاونا استتيب ثلاثا فإن تاب وإلا قتل)
أما ترك الصلاة في الجملة فإنه يوجب القتل من غير خلاف لأن الله تعالى قال: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ فأمر بالقتل مطلقا واستثنى منه ما إذا تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فمن لم يفعل ذلك بقي على العموم ولأنه علق تخلية السبيل على ثلاثة شروط والحكم المعلق بشرط ينعدم عند عدمه ولأن الحكم المعلق بسبب عرف أنه يدل على أن ذلك السبب علة له فإذا كان علة التخلية هذه الأشياء الثلاثة لم يجز أن تخلى سبيلهم دونها ولا يجوز أن يقال إقامة الصلاة هنا المراد له التزامها فإن تخليتهم بعد الالتزام وقبل الفعل واجبة لأنا نقول المراد به التزامها وفعلها لأن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة حقيقة الفعل والالتزام إنما يراد له فإذا التزموا ذلك خليناهم تخلية مراعاة فإن وفوا بما التزموا وإلا أخذناهم وقتلناهم وإنما خليناهم بنفس الالتزام لأنه أول أسباب الفعل كما يخلى من أراد الوضوء والطهارة فإن أتم الفعل وإلا أخذ وحتى لو قيل فإن فعلوا الصلاة فخلوا سبيلهم وأن لم يفعلوها فاقتلوهم ثم قال ألتزم لم يجب تخلية
سبيلهم كما في آية الجزية فإنه مد قتالهم إلى حين الإعطاء فإذا التزموا الإعطاء فهو أول الأسباب بمنزلة الشروع في الفعل فإن حققوا ذلك وإلا قتلناهم ولأنه لو كان المراد مجرد الالتزام وأن عري عن الفعل لم يكن بين الصلاة والزكاة وغيرهما فرق إذ من لم يلتزم جميع الإسلام فإنه يقاتل وأيضا فإن الالتزام قد لا يحصل لقوله: ﴿فَإِنْ تَابُوا﴾ فإن التائب من الكفر لا يكون تائبا حتى يقر بجميع ما جاء به الرسول ويلتزمه ولأن الالتزام أن أريد به اعتقاد الوجوب والإقرار به فليس في اللفظ ما يدل على أنه المراد وحده وأن أريد به الفعل والوعد به فهذا لا يجب إلا إذا وجب قتلهم بالترك وإلا فلو كان قتلهم بالترك غير واجب وقالوا نحن نعتقد الوجوب ولا نفعل لحرم قتلهم وهذا خلاف الآية وأيضا مما هو دليل في المسألة وتفسير للآية ما أخرجاه في الصحيحين عن عبد الله بن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام وحسابهم على الله" وليس في لفظ مسلم إلا بحق الإسلام وعن أنس بن مالك قال: "لما توفي النبي صلى الله عليه وسلم ارتدت العرب فقال عمر يا أبا بكر كيف تقاتل العرب فقال أبو بكر إنما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأني رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة" رواه النسائي فهذا يدل على أن
القتال مأمور به إلى أن يوجد فعل الصلاة والزكاة إذ لو كان مجرد الاعتقاد كافيا لاكتفى بشهادة أن محمدا رسول الله فإنها تنتظم بصدقه بجميع ما جاء به ولم يكن لتخصيص الصلاة والزكاة بالاعتقاد دون غيرهما معنى ثم قوله فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم دليل على أن العصمة لا تثبت إلا بنفس إقام الصلاة وإيتاء الزكاة مع الشهادتين ثم فهم أبو بكر رضي الله عنه منه حقيقة الإتباع بموافقة الصحابة له على ذلك حتى قال لو منعوني عقالا أو عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها ولم يقل على جحدها وتعميمه من منعها جاحدا أو معترفا دليل على أن الفعل مراد.
فإن قيل فقد روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها" متفق عليه.
قلنا هذا الخبر قد روي فيه::ح تى يشهدوا أن لا اله إلا الله وأن محمدا رسول الله ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة ثم قد حرم دماؤهم وأموالهم وحسابهم على الله" رواه ابن ماجة وابن خزيمة في صحيحه فهذا المقيد يقضي على ذلك المطلق ثم لو كان قد قيل مفردا فإن الصلاة والزكاة من حقها كما قال الصديق لعمر ووافقه عمر وسائر الصحابة على ذلك
ويكون صلى الله عليه وسلم قد قال كلا من الحديثين في وقت فقال: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله" ليعلم المسلمون أن الكافر المحارب إذا قالها وجب الكف عنه وصار دمه وماله معصوما ثم بين في الحديث الآخر أن القتال ممدود إلى الشهادتين والعبادتين ليعلم أن تمام العصمة وكمالها إنما تحصل بذلك ولئلا تقع الشبهة فإن مجرد الإقرار لا يعصم على الدوام كما وقعت لبعض الصحابة حتى طلاها الصديق ثم وافقه وتكون فائدة ذلك أنه إذا قال لا اله إلا الله كان قد شرع في العاصم لدمه فيجب الكف عنه فإن تمم ذلك تحققت العصمة وإلا بطلت وعن عبيد الله بن عدي بن الخيار أن رجلا من الأنصار حدثه: "أنه أتى النبي صلى الله عليه وسلم وهو في مجلس فساره فاستأذنه في قتل رجل من المنافقين فجهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "أليس يشهد أن لا اله إلا الله قال الأنصاري بلى يا رسول الله ولا شهادة له فقال أليس يشهد أن محمدا رسول الله قال بلى ولا شهادة له قال أليس يصلي قال بلى ولا صلاة له قال أولئك الذين نهاني الله عن قتلهم" رواه الشافعي واحمد في مسنديهما ولو كانت الشهادتان موجبة للعصمة مع ترك الصلاة لم يسأل عنها ولم يسقها مع الشهادتين مساقا واحدا وقوله بعد ذلك: " أولئك الذين نهاني الله عن
قتلهم يوجب حصر الذين نهي عن قتلهم في هذا الصنف وعن أبي سعيد في حديث الخوارج فقال ذو الخويصرة التميمي للنبي صلى الله عليه وسلم يا رسول الله اتق الله فقال: "ويلك الست أحق أهل الأرض أن يتقي الله" قال ثم ولى الرجل فقال خالد بن الوليد يا رسول الله إلا اضرب عنقه فقال: "لا لعله أن يكون يصلي" قال خالد وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لم أؤمر أن أنقب عن قلوب الناس ولا اشق بطونهم" رواه مسلم فلما نهى عن قتله وعلل ذلك باحتمال صلاته علم أن ذلك هو الذي حقن دمه لا مجرد الإقرار بالشهادتين فإنه قد قال يا رسول الله ومع هذا لم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك وحده موجبا لحقن الدم وعن أم سلمة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون فمن أنكر فقد برىء ومن كره فقد سلم ولكن من رضي وتابع فقالوا يا رسول الله إلا نقاتلهم فقال لا ما صلوا" رواه الجماعة إلا البخاري والنسائي ولأن الصلاة أحد مباني الإسلام الخمسة فيقتل تاركها كالشهادتين.
وعلى هذه الطريقة يقتل تارك المباني الثلاثة.
أما الزكاة فإذا غيب ماله ولم يقدر على أخذها منه.
وأما الصيام فيقتل إذا امتنع منه.
وأما الحج فإذا عزم على الترك بالكلية أو قال لا أحج أبدا بعد وجوبه عليه أو آخره إلى عام يغلب على ظنه موته قبله وهو إحدى الروايتين.
والرواية الأخرى لا يقتل بالحج لأن وجوبه على التراخي عند بعض العلماء ولا بالصيام لأنه يمكن استيفاؤه منه بأن يحبس في مكان ويمنع الأكل والشرب ولأن الآية والأحاديث إنما هي في الصلاة والزكاة ولأن الصلاة تشبه الشهادتين من حيث لا يدخلها الإنسان بنفس ولا مال.
فصل ولا يجوز قتله حتى يدعا إليها فيمتنع لأنه قد يتركها لعذر أو لشبهة عذر أو لكسل يزول قريبا ولهذا أذن النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة خلف الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها نافلة ولم يأمر بقتلهم ولا قتالهم حيث لا يصرون على الترك وأما التأخير فإذا دعي فامتنع من غير عذر في وقت تحقق على الترك.
ويقتل بإصراره على ترك الصلاة واحدة في أشهر الروايتين.
وعنه لا يقتل إلا بترك ثلاث لأن الموجب الترك عن إصرار وربما كان له عذر وكسل في الصلاة أو الصلاتين فإذا تكرر الترك بعد الدعاء إلى الفعل علم أنه إصرار وروى إسحاق بن شاقلا يقتل بترك الواحدة إلا إذا كانت أولى المجموعتين وهي الظهر أو المغرب فلا يقتل حتى يخرج وقت الثانية لأن وقتها وقت الأولى في حال الجمع فصار شبهة.
وجه الأول ما تقدم من الأحاديث فإنها مطلقة وروى معاذ بن جبل
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك صلاة مكتوبة متعمدا فقد برئت منه ذمة الله" رواه أحمد ولأنه إذا دعي إليها في الوقت فقال لا أصلي ولا عذر له فقد ظهر إصراره فيجب قتله زجرا له وحملا على الفعل إذ ليس في تقدير ذلك نص ولا إجماع ولا قياس صحيح واحتمال عوده يقتضي تأخير استيفاء القتل دون عصمة الدم كالمرتد.
فصل.
المنصوص عن أحمد أنه يقتل بترك صلاة واحدة أو بترك ثلاث صلوات.
فمن أصحابنا من اقر ذلك على ظاهره فقال إذا دعي في وقت الأولى فلم يصلها حتى فاتت وجب قتله قال وإنما اعتبر أصحابنا أن يضيق وقت الثانية في موضع دعي إلى الصلاة بعد فوت الأولى وقد صارت فائتة ولا يقتل بترك الفائتة وإنما يقتل في تلك الصورة بترك الثانية وهذا ينتقض باعتبارهم ضيق وقت الرابع: ة مع أنهم ذكروا ذلك إذا دعي في وقت الأولى أيضا وعلى مقتضى هذا القول أنه إذا ضاق وقت الأولى وجب قتله.
وقال بعضهم: بل يقتل بترك الأولى وأن كانت فائتة وكذلك يقتل بترك كل فائتة وقال كثير منهم بل لا بد أن يضيق وقت الثانية والرابعة