الأجابة إليها إلا بعد الوقت.
فصل.
الآذان من أفضل الأعمال فإنه ذكر الله على وجه الجهر ويفتح أبواب به السماء وتهرب منه الشياطين وتطمئن به القلوب وهو إظهار لشعار الإسلام وأعلام للناس بوقت الصلاة ودعاء إليها ومراعاة الشمس والقمر والظلال لذكر الله قال الإمام أحمد الآذان أحب إلي من الإمامة لأن الإمام ضامن لصلاة من خلفه والمؤذن يغفر له مد صوته وهذا اختيار أكثر أصحابنا.
وروي عنه أن الإمامة أفضل وهذا اختيار أبي عبد الله ابن حامد وأبي الفرج ابن الجوزي لأن الإمامة تولاها صلى الله عليه وسلم هو بنفسه وكذلك خلفاؤه الراشدون ووكلوا الآذان إلى غيرهم وكذلك ما زال يتولاها أفاضل المسلمين علما وعملا ولأن الإمامة يعتبر لها من صفات الكمال أكثر مما يعتبر للإذان ولأن الإمامة واجبة في كل جماعة والآذان إنما يجب مرة في المصر وقد روي عن داود بن أبي هند قال حدثت أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال مرني بعمل أعمله قال: "كن إمام قومك قال فإن لم أقدر قال:
فكن مؤذنهم" رواه سعيد.
والأول أصح لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن اللهم ارشد الأئمة واغفر للمؤذنين" ومنزلة الأمانة فوق منزلة الضمان والمدعو له بالمغفرة أفضل من المدعو له بالرشد لأن المغفرة نهاية الخير ولهذا أمر الله رسول الله صلى الله عليه وسلم بالاستغفار بقوله: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر وكان ذلك خصوصا خصه به دون سائر الأنبياء وندب قوام الليل إلى الاستغفار بالأسحار والرشد مبتدأ الخير فإنه من لم يرشد يكن غاويا والغاوي المتبع للشهوات المضيع للصلوات ولأن الآذان له خصائص لا توجد في الإمامة.
منها أنه يغفر له مد صوته.
وأنه يستغفر له كل رطب ويابس.
وأنه لا يسمع صوت المؤذن جن ولا أنس ولا شيء إلا شهد له يوم القيامة وقد تقدم ذلك وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لا يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه" متفق عليه وعن معاوية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤذنون
أطول الناس أعناقا يوم القيامة" رواه أحمد ومسلم وعن البراء بن عازب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المؤذن يغفر له مد صوته ويصدقه من يسمعه من رطب ويابس وله مثل اجر من صلى معه" رواه أحمد والنسائي وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أذن محتسبا سبع سنين كتبت له براءة من النار" وعن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أذن اثنتي عشرة سنة وجبت له الجنة وكتب له بتأذينه كل يوم ستون حسنة وفي كل إقامة ثلاثون حسنة" رواهما ابن ماجة ولم يجئ في فضل الإمامة مثل هذا ولأن الإمامة من باب الإمامة والولاية إذ هي الإمامة الصغرى ولذلك قال عثمان لابن عمر: "اقض بين الناس فاستعفاه وقال لا أقضي بين اثنين ولا أؤم رجلين" رواه أحمد وهي فتنة لما فيها من الشرف والرئاسة حتى ربما كان طلبها مثل طلب الولايات والإمارات الذي هو من إرادة العلو في الأرض وهذا مضر بالدين وقد روى كعب بن مالك عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسد لها من حرص
المرء على المال والشرف لدينه" قال الترمذي حديث حسن صحيح ولأنه يخاف على صاحبها انتفاخه بذلك واختياله وأن يفتن باشتهاره ولذلك صلى حذيفة بن اليمان مرة إماما ثم قال: "لتصلن وحدانا أو لتلتمسن لكم إماما غيري فإني لما أممتكم خيل إلي أنه ليس فيكم مثلي" وقيل لمحمد بن سيرين في بعض المرات إلا تؤم أصحابك فقال: "كرهت أن يتفرقوا فيقولوا أمنا محمد بن سيرين" ولأن الإمام يتحمل صلاة المأمومين الذي دل عليه حديث الضمان والآذان سليم من هذه المخاوف كلها بل ربما زهد الشيطان فيه وثبط عنه حتى يفوض إلى أطراف الناس ولذلك قال عمر رضي الله عنه لبعض العرب من يؤذن لكم قالوا عبيدنا قال ذلك شر لكم وأما إمامته صلى الله عليه وسلم وإمامة الخلفاء الراشدين رضي الله عنهم فمثل الإمارة والقضاء وذلك أن الولايات وأن كانت خطرة لكن إذا أقيم أمر الله فيها لم يعدلها شيء من الأعمال وإنما يهاب الدخول فيها أولا خشية أن لا يقام أمر الله فيها لكثرة نوائبها وخشية أن يفتن القلب بالولاية لما فيها من الشرف والعز ويكره طلبها لأنه من حب الشرف وإرادة العلو في الأرض يكون في الغالب ولأنه تعرض للمحنة والبلوى فإذا ابتلي المرء بها صار القيام بها فرضا عليه وكذلك إذا تعينت عليه فإمامته وإمامة الخلفاء الراشدين كانت متعينة عليهم فإنها
وظيفة الإمام الأعظم ولم يمكن الجمع بينها وبين الآذان فصارت الإمامة في حقهم أفضل من الآذان لخصوص أحوالهم وأن كان لأكثر الناس الآذان أفضل ولهذا قال عمر رضي الله عنه: "لولا الخليفي لأذنت" رواه سعيد وهذا كالإمارة نفسها وكما أن مقامهم بالمدينة لكونها دار هجرتهم كان أفضل من مقامهم بمكة بل كان يحرم عليهم استيطان مكة وهذا الوصف مفقود في غيرهم وكذلك صوم يوم وفطر يوم هو أفضل الصيام وكان النبي صلى الله عليه وسلم يصوم غيره لأنه كان يضعفه عما هو أفضل منه فصار قلة الصوم في حقه أفضل ونظائر هذا كثيرة نعم نظير هذا أن يكون في القوم رجل لا يصلح للإمامة إلا هو وهو أحقهم بالإمامة ومن يصلح للإذان كثير فتكون إمامته بهم إذا قصد وجه الله بها وإقامته هذا الفرض واتقى الله فيها أفضل لما ذكرناه وعلى هذا يحمل حديث داود بن أبي هند وقد روى عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة على كثبان المسك يوم القيامة عبد أدى حق الله وحق مواليه ورجل أم قوما وهم به راضون ورجل ينادي بالصلوات الخمس في كل يوم وليلة" رواه الترمذي وقال حديث حسن غريب".
فصل.
وإذا تشاح نفسان في الآذان قدم أكملهما في الخصال المطلوبة في المؤذن وهي الصوت والأمانة والعلم بالأوقات بأن يكون أندى صوتا أو أعلم بالأوقات ويقدم أكملهما في عقله ودينه لما تقدم فإن استويا في ذلك قدم أعمرهما للمسجد وأكثرهما مراعاة له وأقدمهما تأذينا فيه.
ولا يقدم أحدهما بكون أبيه كان هو المؤذن فإن استويا في ذلك قدم من يرتضيه الجيران أو أكثرهم فإن انقسموا طائفتين متساويتين أو لم يختاروا أحدهما أو لم يكن للمسجد جيران اقرع بينهما لقوله: "لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه" ولأن الناس تشاحوا في الآذان بالقادسية فاقرع بينهم سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه ذكره الإمام أحمد وغيره.
والأول أصح لأن ذلك اقرب لرضاهم وانتظام أمرهم ولذلك اعتبر ذلك في الإمامة.
فصل.
قال القاضي يستحب الاقتصار على مؤذنين وأن اقتصر على واحد أجزاه إقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان له مؤذنان بلال وابن أم مكتوم وكذلك قال الآمدي يستحب أن لا ينقص في مسجد الجماعة عن اثنين لدعوى الحاجة إليهما كالواحد في غير مسجد الجماعة ومعنى هذا أنه يرتب للمسجد مؤذنان أن غاب أحدهما: حضر الآخر وأما تأذين واحد بعد واحد فعلى ما ذكره القاضي يستحب وعلى ما ذكره غيره لا يستحب ذلك إلا في الفجر.
قال القاضي ولا يستحب أن يزيد على أربعة يعني أن ترتيب الأربعة ورزقهم جائز من غير كراهة بخلاف الزيادة على الأربعة وكذلك قال الآمدي لا يرزق أكثر من أربعة لأن عثمان رضي الله عنه اتخذ أربعة من المؤذنين ولأنه إذا زاد على أربعة فأذن واحد بعد واحد فات فضيلة أول الوقت فلا يزاد على الإثنين إلا لحاجة.
وإذا احتيج إلى أكثر من أربعة كانت الزيادة مشروعة وهذا ظاهر المذهب ذكر أبو بكر عن أحمد أنه قال في رواية أحمد بن سعيد ويقيم الإمام من المؤذنين ما أراد ويرزقهم من الفيء.
فصل.
وإذا أذن جماعة فالأفضل أن يؤذن واحد بعد واحد أن كان المسجد صغيرا والإبلاغ يحصل بذلك لأن مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يؤذن أحدهما: بعد الآخر.
فان أذنوا جميعا من غير حاجة فقال الآمدي يكره وذلك لما فيه من اختلاط الأصوات على المستمع حتى لا يفهم ما يقولون مع ما فيه من مخالفة السنة وأن كان المسجد كبيرا لا يحصل التبليغ بآذان الواحد والمقصود إسماع أماكن لا يبلغهم صوت الواحد فلا بأس بآذانهم جميعا نص عليه وقال إذا أذن في المنارة عدة فلا بأس لأن المقصود بالآذان الإبلاغ وذلك يحصل باجتماع الأصوات ما لا يحصل بتفريقها.
وإن أذنوا في وقت واحد متفرقين فإن كان كل واحد يستمع آذانه أهل ناحية بأن يؤذن أحدهما في طرف والآخر في طرف بعيد منه فهو حسن.
وإن أدنوا في مكان واحد فهذا أولى بالكراهة من آذانهم جميعا في المكان الصغير لما فيه من اختلاط الأصوات قال بعض أصحابنا: وأن خافوا من تأذين واحد بعد واحد فوات أول الوقت أذنوا دفعة واحدة.
ولا يؤذن قبل تأذين المؤذن الراتب إلا أن يغيب ويخاف فوت وقت التأذين فأما مع حضوره فلا.