الصلاة عن طلوع الفجر قليلا بحيث يتمكن الناس من الطهارة والسعي إلى المسجد ونحو ذلك وهذا القدر لا يخل بالتقديم المستحب عندنا فإذا كان يوم مزدلفة صلاها حين برق الفجر.
وقد قيل اسفروا بالفجر أراد به إطالة القراءة فيها حتى يسفر الفجر فإن إطالتها أعظم للأجر فإنه يستحب من إطالة القراءة فيها ما لا يستحب في سائر الصلوات فيكون الأسفار بفعلها والخروج منها لا بنفس الابتداء فيها كما كان الخلفاء الراشدون يفعلون.
ويحتمل أن يكون ذلك خطابا لمن يتأخر من المأمومين عندهم كزمان الصيف كما جاء مفسرا في حديث معاذ بن جبل.
فصل.
والتغليس أفضل من الأسفار مطلقا في إحدى الروايتين عنه لما تقدم ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يغلس بها دائما مع أنه كان يراعي حال المأمومين في العشاء فدل على افتراقهما.
والرواية الثانية التغليس أفضل إلا أن يشق على المأمومين ويكون
الأسفار ارفق بهم فإنه يسفر بحيث يجتمعون فقط وهذا أبين عنه واصح عند أكثر أصحابه لما تقدم من وصية النبي صلى الله عليه وسلم معاذ بن جبل حين بعثه إلى اليمن " إذا كان الشتاء فصل صلاة الفجر في أول الفجر ثم اطل القراءة على قدر ما يطيق الناس ولا تملهم وتكره إليهم أمر الله وإذا كان الصيف فأسفر بالصبح فإن الليل قصير وأن الناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوها" وقال الإمام أحمد كان عمر إذا اجتمع الناس عجل وإذا لم يجتمعوا آخر وقد روى عن النبي صلى الله عليه وسلم نحو ذلك فروى أحمد في المسند عن أبي الربيع قال قلت لابن عمر إني صليت معك ثم التفت فلا أرى وجه جليسي ثم أحيانا تسفر قال كذلك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي واحب أن اصليها كما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصليها ولعل قوله: "اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" عنى به هذا ولأنه قد صح عنه في العشاء أنهم كانوا إذا اجتمعوا عجل وإذا ابطؤا آخر فعلم أنه كان يراعي حالهم وأنه إنما كان يغلس بها لأن أصحابه كانوا يغسلون ولا يشق عليهم التغليس.
ولان استحباب تأخير العشاء أكد من تأخير الفجر فإنه لم تختلف الأحاديث فيه ولا اختلف الناس فيه إلا اختلافا شإذا ومع ذلك استحببنا تقديمها إذا شق على المأمومين فكذلك الفجر لكن مشقة التأخير في العشاء أكثر من مشقة التغليس بالفجر إلا أن هذا لا يمنع رعاية المشقة عند حصولها ولان التغليس بالفجر مع أسفار الجيران يفوت فضيلتين.
إحداهما: كثرة الجمع وهي المطلوبة لما روي أبي بن كعب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلات الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل وما كثر فهو أحب إلى الله" رواه أحمد وأبو داود.
والثانية تحصيل الجماعة للمصلي فإن النبي صلى الله عليه وسلم سماها صدقة فقال: "إلا رجل يتصدق على هذا فيصلي معه" ولان في ذلك تفويتا للجماعة عليهم والنبي صلى الله عليه وسلم قد أمر الإمام بالتخفيف خشية التنفير وإن
كان طول القنوت مستحبا في نفسه ولذلك كان يخفف الصلاة إذا سمع بكاء الصبي لما يعلم من وجل أمه به وكان يطيل الركعة الأولى حتى لا يسمع وقع قدم ولأنه يستحب انتظار الداخل في الركوع كل ذلك رعاية لحال المأمومين ولان التأخير إذا كان لمصلحة راجحة مثل الصلاة بوضوء والصلاة جماعة أو أن يكون امتثالا لأمر أبيه أو سيده أو شبه ذلك كان أفضل من التقديم وهي هنا كذلك لما تقدم.
فإن قيل فما الفرق بين الفجر والعشاء وسائر الصلوات.
قلنا الفجر والعشاء يكون النوم في بعض أوقاتهما فيشق فعلهما في وقت النوم وأما غيرهما من الصلوات فإن جميع أوقاتها سواء فكان التقديم متعينا بل ربما كان في الصلاة آخر الوقت أو وسطه مشقة عليهم حتى لا ينضبط فأما هنا فإن الأسفار وقت منضبط حتى لو كان جماعة في مكان قد تهيا بعضهم لصلاة الظهر أو العصر أو المغرب وبعضهم لم يتهيأ استحببنا التأخير بحيث يتهيأ الجميع طردا للقاعدة.
وبين الفجر والعشاء فرق وهو العشاء المستحب فيها التأخير وإنما تقدم إذا شق على المصلين تأخيرها والغالب حصول المشقة بذلك والفجر المستحب فيها التقديم وإنما يؤخر إذا شق على المأمومين تقديمها وليس الغالب حصول المشقة بذلك وفرق بين الاستحباب
الناشىء من نفس الوقت والاستحباب الناشىء من مصلحة المصلين والله أعلم.
فصل.
تجب الصلاة بأول الوقت إذا كان من أهل الوجوب حينئذ ويستقر الوجوب بذلك في الذمة عند أكثر أصحابنا وهو المنصوص عنه وقال ابن بطة وابن أبي موسى لا يستقر الوجوب حتى يمكنه الأداء وهو قياس إحدى الروايتين في الزكاة والحج والصوم وصورة ذلك أن تزول الشمس على امرأة طاهر فتحيض أو على عاقل فيجن وأن كان بعد التمكن من فعل الصلاة وجب القضاء قولا واحدا وكذلك أن كان قبل التمكن من القضاء على المشهور.
وعلى القول الآخر لا يجب لأن هذا لم يقدر على الصلاة ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
ووجه الأول أن دخول الوقت سبب للوجوب فوجب أن يتعلق به ويستقر كسائر الأسباب والتمكن إنما تعتبر في لزوم الأداء لا في نفس الوجوب في الذمة بدليل ما لو دخل الوقت على نائم ولم يستيقظ حتى خرج الوقت الوقت فإنه يجب عليه القضاء وأن لم يمكنه الأداء في الوقت.
ثم القضاء إنما يجب إذا أمكن وإذا لم يمكن فلا شيء عليه وقد روى حرب بإسناده عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال للنساء لا تنمن عن العتمة مخافة أن تحضن.
فأما المسلم إذا ارتد بعد دخول الوقت فمن أصحابنا من يلحقه بالعاقل إذا جن ومنهم من لا يلحقه به.
وحقيقة المذهب أنا أن قلنا لا يجب عليه القضاء ما تركه قبل الردة فلا قضاء عليه بحال وأن أوجبنا عليه قضاء ما تركه في الردة وقبلها فليس من هؤلاء وأن قلنا بالمشهور أنه يقضي ما تركه قبل دون ما تركه فيها وكانت الردة بعد التمكن من الفعل لزمه القضاء لاستقرار الوجوب في الذمة وأن كانت قبل التمكن فكذلك أيضا على المشهور ففي ظاهر المذهب يجب القضاء على المرتد بكل حال.
وتجب الصلاة أيضا بادراك آخر جزء من الوقت فإذا أسلم الكافر أو طهرت الحائض أو النفساء في آخر جزء من وقت صلاة ولو أنه بقدر تكبيرة فعليهما فعلها أداء أن أمكن وألا فقضاء من غير خلاف في المذهب
لأنهما أدركا بعض الوقت على وجه يصح بناء ما بعده عليه فأشبه من أمكنه فعل الجميع في الوقت وكذلك أن بلغ الصبي وعقل المجنون وقلنا لا صلاة عليهما.
وإن كان الإدراك في وقت الثانية من المجموعتين وجبت الأولى أيضا لما ذكره الإمام أحمد وغيره عن عبد الرحمن بن عوف وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قالا إذا طهرت الحائض قبل مغيب الشمس صلت الظهر والعصر وإذا رأت الطهر قبل أن يطلع الفجر صلت المغرب والعشاء.
وروى حرب عن أبي هريرة قال إذا طهرت قبل أن يطلع الفجر صلت المغرب والعشاء وهذا لأن مواقيت الصلاة خمسة في حال الاختيار وثلاثة في حال العذر والضرورة بدليل قوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وأن السنة مضت بذلك في حال
العذر حتى جاز أن يصلي الظهر والعصر ما بين الزوال إلى غروب الشمس ويصلي المغرب والعشاء ما بين الغروب إلى طلوع الفجر وهو الجمع بين الصلاتين إذا آخر الأولى بنية الجمع ثم حدث له عذر أخرهما بسببه إلى وقت الضرورة وهذا وقت الضرورة فلذلك كان مدركا للأولى بما أدرك به الثانية.
وإن كان الإدراك في وقت الأولى بأن تحيض المرأة في وقت الظهر أو المغرب أو يجن الرجل فهل يجب عليهما قضاء العصر والعشاء على روايتين.
إحداهما: يجب القضاء لأن وقتهما واحد.
والثانية لا يجب وهي المنصورة عند أصحابنا لأن وقت الأولى إنما يكون وقتا للثانية إذا فعل الأولى فتكون الثانية تابعة لها بخلاف وقت الثانية فإنه يكون وقتا للأولى فعلها أو لم يفعلها.
فصل.
ومن لم يصل المكتوبة حتى خرج وقتها وهو من أهل فرضها لزمه القضاء على الفور لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها لا كفارة لها إلا ذلك" متفق
عليه وفي رواية لمسلم: "إذا رقد أحدكم عن الصلاة أو غفل عنها فليصلها إذا ذكرها فإن الله يقول: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ لِذِكْرِي﴾ وفي لفظ: "من نسي صلاة أو نام عنها فكفارتها أن يصليها إذا ذكرها" وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه" رواه مسلم وغيره وعن أبي قتادة في قصة نومهم عن الصلاة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ليس في النوم تفريط فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها" رواه الجماعة إلا البخاري فأوجب صلى الله عليه وسلم القضاء على الفور مع التأخير لعذر فمن التأخير لغير عذر أولى.
فإن قيل تخصيص الحكم بالناسي دليل على أن العامد بخلافه وقد قال ابن مسعود رضي الله عنه أن للصلاة وقتا كوقت الحج وهذا يدل على أن لا تفعل في غير الوقت.
قلنا إنما خص النائم والناسي إذ لا إثم عليهما في التأخير إلى حين الذكر والانتباه بخلاف العامد فكان تأخيرها عن وقتها من الكبائر ومعنى قول ابن مسعود أنه لا يحل له أن يؤخرها عن وقتها ولا يقبل منه إذا آخرها
كما قال الصديق رضي الله عنه أن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار وحقا بالنهار لا يقبله بالليل وذلك أن الله تعالى أوجب عليه أن يصلي وأن يفعل ذلك في الوقت فالإخلال بالوقت لا يوجب الإخلال بأصل الفعل بل يأتي بالصلاة ويبقى التأخير في ذمته أما أن يعذبه الله أو يتوب عليه أو يغفر له ولم يرد أن الصلاة كالحج من كل وجه فإن الحج لا يفعل في غير وقته سواء أخر لعذر أو لغير عذر والصلاة بخلاف ذلك ومثل هذا ما روي: "أن من افطر يوما من رمضان لم يقض عنه صيام الدهر كله وأن صامه" يعني من أجل تفويت عين ذلك اليوم مع أن القضاء واجب عليه.
ويدل على ذلك أن عمر وابن مسعود وغيرهما من السلف جعلوا ترك الصلاة كفرا وتأخيرها عن وقتها إثما ومعصية وفسروا بذلك قوله تعالى: ﴿عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿أَضَاعُوا الصَّلاةَ﴾ فلو كان فعلها بعد الوقت لا يصح بحال كالوقوف بعرفة بعد وقته لكان وجود تلك الصلاة كعدمها وكان المؤخر كافرا كالتارك " وقد اخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن الأمراء
الذين يؤخرون الصلاة حتى يخرج وقتها وأمر أن يصلي خلفهم" ولو كانت الصلاة فاسدة لم تصح الصلاة خلفهم كالمصلي بغير وضوء.
ويجوز تأخير القضاء شيئا يسيرا لغرض صالح مثل اختيار بقعة على بقعة وانتظار جماعة يكثر بهم جمع الصلاة بل يستحب له إذا نام عنها في موضع أن ينتقل عنه إلى غيره للقضاء نص عليه واختاره بعض أصحابنا إذا نام عنها في منزل في السفر وذلك كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم لما فاتته صلاة الفجر في السفر وقال: "هذا منزل حضرنا فيه الشيطان".
لأن الصلاة في مظان الشياطين كالحمام والحش لا تجوز فالتي عرض الشيطان فيها أحسن أحوالها أن يستحب ترك الصلاة فيها.
ولا يجب عليه القضاء أكثر من مرة واحدة لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقض يوم الخندق ويوم نام عن الفجر أكثر من مرة واحدة وقد احتج أحمد على ذلك بما رواه في المسند بإسناد جيد عن عمران بن حصين قال: "ثم أمر بلالا فأذن ثم صلى الركعتين قبل الفجر ثم أقام فصلينا
فقالوا يا رسول الله إلا نعيدها في وقتها من الغد فقال: "أينهاكم ربكم عن الربا ويقبله منكم" وهذا لأن الواجب في الذمة صلاة واحدة فلو أمر بصلاتين لكان ربا.
فإن قيل ففي حديث أبي قتادة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أما أنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى فمن فعل ذلك فليصلها حين ينتبه لها فإذا كان الغد فليصلها عند وقتها" رواه أحمد ومسلم وفي رواية ابن ماجة: "فإذا نسي أحدكم صلاة أو نام عنها فليصلها إذا ذكرها ولوقتها في الغد".
قلنا معناه والله أعلم فليصلها حاضرة وأكد الأمر بالمحافظة لئلا يتوهم أن الرخصة لغير المعذور وليتحفظ من تفويت مرة أخرى وقد رواه أبو داودولفظه: "من أدرك معكم في غد صلاة فليقض معها مثلها" وهذا والله أعلم توهم من بعض الرواة بما فهم من المعنى وقد علل البخاري هذه الرواية.
فصل
فإن كثرت عليه الفوائت وجب عليه أن يقضيها بحيث لا يشق عليه في نفسه أو أهله أو ماله لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا أمرتكم بأمر فآتوا منه ما استطعتم" فإن خاف في بدنه ضعفا أو مرضا أو انقطاعا عن معيشة أو تضرر أهله أو ضياع ماله بالمداومة على القضاء فرق القضاء بحسب طاقته.
وإذا شك في قدر الفوائت فإن لم يعلم كم وجب عليه بأن يقول لم أصل منذ بلغت أو أن صليت بعد بلوغي سنة وهو لا يعلم متى بلغ ثم تركت وجب عليه أن يقضي ما يتيقن وجوبه إذ الأصل براءة ذمته مما زاد على ذلك لكن الأحسن أن يحتاط فيقضي ما يتيقن به براءة ذمته.
وإن علم قدر الواجب عليه وشك بقدر ما فاته منه مثل أن يقول بلغت منذ سنة وصليت بعضها وتركت الباقي فإنه يجب عليه أن يقضي حتى يعلم أنه قضى جميع الفوائت لأنه متيقن لوجوب الصلاة عليه شاك في براءة ذمته منها.
وكذلك من شك في فعل الصلاة في الوقت أو بعد خروج الوقت وقد أطلق طائفة من أصحابنا فيمن لم يعلم ما عليه في أنه يقضي حتى يتيقن براءة ذمته لان أحمد قال فيمن ضيع الصلاة يعيد حتى لا يشك أنه قد
صلى ما ضيع وقال فيمن فرط في صلاة يوم الظهر ويوم العصر صلوات لا يعرف عينها قال يعيد حتى لا يكون في قلبه شيء وكلام أحمد إنما هو فيمن يتيقن الوجوب كغالب الخلق لما قدمناه.
فصل.
يجوز أن يقضي الفوائت بسننها الرواتب وبدونها لأنها متأكدة ولهذا يفعلها العبد والأجير لأنها تابعة للصلاة فأشبهت السورة في الأوليين وما زاد على المرة من التسبيح والاستغفار ثم أن كانت كثيرة فالأولى أن يقتصر على الفرائض لأن المبادرة إلى براءة الذمة أولى ولذلك لما قضى النبي صلى الله عليه وسلم الأربع يوم الخندق قضاهن متواليات ولم ينقل أنه قضى بينهن شيئا إلا ركعتي الفجر فإن الأولى أن يقضيهما لتأكدهما والوتر أن شاء قضاه وأن شاء لم يقضه وأن كانت الصلاة أو صلاتين فالأولى أن يقضي كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم يوم فاتته الصبح فإنه قضاها بسنتها وكذا ينبغي أن يجوز له الاشتغال بالسنن المؤكدة كسننن الحاضرة وصلاة الكسوف والاستسقاء والتراويح قبل الفوائت وأن كان الأولى المبادرة إلى الفرائض.
فأما غير الرواتب من النوافل المطلقة فلا يجوز أن يشتغل بها عنه قضاء الفوائت.
وهل تنعقد على روايتين مومئ إليهما.
إحداهما: تنعقد قال الآمدي وهو ظاهر المذهب لأن النهي عنه لمعنى في غيره ولهذا تكمل فريضة العبد يوم القيامة من تنفلاته.
والثانية: لا يصح لأن النهي يقتضي الفساد وقد قال أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه في وصيته لعمر واعلم أن الله لا يقبل النافلة حتى تؤدى الفريضة وذكره الإمام أحمد في الرسالة فقال وقد جاء الحديث لا يقبل الله النافلة حتى تؤدى الفريضة وكذلك كل نافلة تشغل عن فريضة كالنفل بعد الشروع فيه بعد إقامة الصلاة والتنفل بعد ضيق وقت الحاضرة.
فأما ما كان النهي عنه لمعنى في الوقت كالنافلة عند الطلوع والغروب فلا تنعقد النية وقد روي ما يدل على انعقادها كما يذكر أن شاء الله تعالى في موضعه.
فصل.
ويجب الترتيب بين الفوائت وبين الحاضرة والفوائت لما روى ابن مسعود رضي الله عنه: "إن المشركين شغلوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أربع صلوات يوم الخندق حتى ذهب من الليل ما شاء الله فأمر بلالا فأذن ثم أقام فصلى الظهر ثم أقام فصلى العصر ثم أقام فصلى المغرب ثم أقام فصلى العشاء" رواه أحمد والنسائي والترمذي ولأحمد والنسائي مثله من حديث أبي سعيد إلا أن النسائي لم يذكر المغرب لكنه قد صح من حديث جابر: "وفعله صلى الله عليه وسلم للصلوات يقتضي الوجوب لأنه خرج بيانا وامتثالا للأمر والفعل إذا خرج امتثالا كان حكمه حكم الأمر وعن أبي جمعة بن سباع: "أن النبي صلى الله عليه وسلم عام الأحزاب صلى المغرب فلما خرج قال هل علم أحد منكم إني صليت العصر قالوا يا رسول الله ما صليتها فأمر
بالمؤذن فأقام فصلى العصر ثم صلى المغرب" رواه أحمد وهذا صريح بالإعادة إذا اخل بالترتيب وهذا الحديث فيه ضعف إلا أنه يقويه أن النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ لم يصل المغرب إلا بعد هوي من الليل وبعيد أن يكون نسيها إلى ذلك الوقت فإن وقت المغرب ضيق ولأنه قد قال صلى الله عليه وسلم: " صلوا كما رأيتموني اصلي" على أن كثيرا من أصحابنا يجعل الأصل في جميع أفعاله الوجوب وهو إحدى الروايتين.
ولأن الفائتة يجب قضاؤها على الفور لما تقدم والحاضرة يجوز تأخيرها إلى آخر الوقت فوجب الابتداء بما يجب على الفور كسائر الواجبات ولأن الفائتة الأولى استقرت في ذمته وخوطب بقضائها إذا أدركها قبل الثانية فإذا آخرها عن وقت الذكر إثم بذلك.
وأما الثانية فإنما يجب عليه فعلها بعد الأولى إذ لا يكلف فعلهما معا.
فإن قيل هذا يقتضي وجوب الابتداء أما عدم الصحة فلا يلزم كما لو آخر الواحدة عن حين ذكره.
قلنا يتوجه أن يخرج في انعقاد الثانية قبل الأولى ما خرج في انعقاد
النفل المطلق قبلها وأولى إذ النهي عنها بالمعنى في غيرها وإنما المذهب أنها لا تصح لأن هذا الترتيب مستحق في الصلاة فلم ينعقد مع الإخلال به كترتيب السجود على الركوع ولأنهما صلاتان مكتوبتان فوجب الترتيب بينهما كالمجموعتين ولأنه إذا فعل الثانية قبل الأولى فقد فعلها قبل وقت وجوبها فلم تجزه كما لو صلى الحاضرة قبل وقتها بخلاف النافلة فإنها لا تختص بوقت ولأن الفرائض من جنس واحد مختلف فوجب الترتيب بينها بخلاف النفل ولهذا يجوز له أن يتنفل قبل المجموعتين وليس ببعض بدليل أن المغرب وتر النهار وأن الصلاة الأخرى وتر الليل فإذا قدم بعضها على بعض خرجت الصلوات عن نظمها.
وسواء قلت الفوائت أو كثرت لما ذكر.
فان نسي الترتيب مثل أن يصلي الظهر ثم يذكر أنه لم يصل الفجر أو أنه صلاها بغير طهارة سقط الترتيب عنه في ظاهر المذهب.
وحكي عنه لا يسقط لأنه ترتيب مستحق فلم يسقط بالنسيان كترتيب السجود على الركوع وترتيب ثانيتي الجمع على أولهما وترتيب أعضاء الوضوء ولحديث أبي جمعة المتقدم.
ووجه الأول أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "فليصلها إذا ذكرها" مع علمه أنه قد لا يذكرها إلا بعد عدة صلوات ولم يفصل ولأن المنسية لا يخاطب بأدائها إلا حين ذكرها وذلك هو الوقت المأمور بفعلها فيه والمذكورة يخاطب بها حيث الذكر فلا يجوز أن يبطل ما وجب فعله وهذا بخلاف ترتيب الأركان والوضوء فإن الأول شرط في صحة الثاني وهو مرتبط به بحيث لا يصح إلا بصحته ولا يفسد إلا بفساده فلا يصح أن يتأخر عنه وصلاتا الجمع لا يكاد يعرض فيهما نسيان بخلاف الفوائت.
وأما الجاهل بوجوب الترتيب إذا بدأ بالحاضرة ثم بالفائتة ثم صلى بعد ذلك ثم علم فيجزيه ما صلى بعد الفائتة لأنه صلى معتقدا أن لا صلاة عليه وأما ما صلى قبلها فيعيده لأنه صلاة في غير موضعه ويتوجه أن يكون الجهل كالنسيان.
فان ذكر الفائتة في الحاضرة فالمشهور عنه أن الترتيب لا يسقط.
وعنه يسقط عن المأموم خاصة فيتم الحاضرة ثم يقضي الفائتة فقط لأن الجماعة واجبة للحاضرة وقد دخل وقتها فلا يجوز تفويتها بخلاف الإمام والمنفرد فإنه يمكنهما القطع من غير تفويت شيء.
وقيل يسقط مطلقا لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو في صلاة مكتوبة فليبدأ بالتي هو فيها فإذا فرغ منها صلى التي نسي" رواه الدارقطني فأمر بإتمام الحاضرة ولم يأمر بإعادتها ولأن الحاضرة بالشروع فيها صارت على الفور وتعين إتمامها فأشبه ما لو ضاق وقتها.
وعلى المشهور يتمها المأموم ثم يصلي الفائتة ثم يعيده الحاضرة وقد حكي عنه المأموم يقطعها كالمنفرد.
والأول هو الذي نقله عنه الجماعة لما روى أبو يعلى الموصلي وأبو بكر والدارقطني عن ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا نسي أحدكم صلاة فذكرها وهو مع الإمام فليصل مع الإمام فإذا فرغ فليصل الصلاة التي نسي ثم ليعد صلاته التي صلى مع الإمام" والمشهور أنه عن ابن عمر موقوفا ولأنه حين ذكر الفائتة صار ذلك وقتها فوجب فعلها فيه ولم يصح أ , يصلي فيه غيرها كما لو ذكر قبل الشروع لكن
بدخوله مع الإمام صار ملتزما لصلاة فسن تأخيرها إلى انقضاء صلاته كما لو آخرها لسنة راتبة وأولى.
وأما الإمام فإنه يقطعها قال في رواية حرب ينصرف هو ويستأنف القوم الصلاة قال أبو بكر لم ينقلها غيره وبنى أبو بكر ذلك على جواز الاستخلاف وجوز ائتمام المتنفل بالمفترض ومن أصحابنا من حكى في اتمام الإمام إياها روايتين ومنهم من قال صارت نافلة والمأمومون خلفه مفترضون ولا يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل ومن جوزه صحح إتمام الإمام إياها وائتمامهم به فيها وعلى المنصوص قال القاضي يتمها نفلا ثم يقضي الفائتة ثم يصلي الحاضرة وقال الآمدي وأكثر الأصحاب عليه أن يقطعها فإن أتمها فوجهان.
أحدهما: تبطل لأن بقاء الفرض في ذمته يمنع صحة غيره كالمنفرد بخلاف المأموم فإنها صحت تبعا.
والثاني: يتمها نفلا.
ثم بإئتمامهم به فيها وجهان وهذه الطريقة أصح وأشبه بالنص.
وأما المنفرد فهل يقطعها أو يتمها على روايتين.
إحداهما: يتمها وهي اختيار أبي بكر قال الآمدي وهي أصح لأن الشروع يؤكد الإتمام كالسنن الرواتب.
والثانية: يقطعها لأنها نافلة فلا يشتغل بها عن الفرض كالنفل المبتدأ.
وإذا قلنا يقطعها فأتمها فهو جائز نص عليه وكذلك أن قلنا يتمها فقطعها جاز نص عليه لأنه تطوع والتطوع لا يلزم بالشروع وقد نص أحمد على التخيير بين الأمرين ومقتضى ما ذكره بعض أصحابنا أنه يلزمه الإتمام حيث يؤمر به ولنا في الصلاة النافلة هل تلزم الشروع روايتان لكن هنا دخل فيها يعتقد أنها عليه فبان أنها ليست عليه فإلزامه بالإتمام بعيد.
فصل.
فان ضاق الوقت عن فعل الفائتة والحاضرة سقط الترتيب في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى لا يسقط اختارها الخلال وصاحبه لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال:
"فليصلها إذا ذكرها فإن ذلك وقتها" فجعل وقت الذكر وقت الفائتة فلا يجوز أن يصلي فيه غيرها ولأن الصلاة في الوقت فرض وليس بشرط والترتيب فرض مشترط فكانت مراعاته أولى وقد روي في الحديث لا صلاة لمن عليه صلاة لكنه لا يعرف له أصل فعلى هذا يشتغل بقضاء الفوائت متواليات حسب الطاقة والإمكان وأن فاته عدة من الصلوات ثم يصليهن إذا جاءت نوبتهن.
ووجه الأولى وهي الصحيحة عند أكثر أصحابنا أن الوقت وقت الحاضرة فلا يجوز أن تؤخر عنه كسائر المواضع وكما لا يجوز تأخير صوم رمضان لقضاء الزمان الماضي ولأن في ذلك تفويت الصلاتين ولأن الصلاة الحاضرة في وقتها فرض" متفق عليه معلوم قطعا والترتيب مما ساغ فيه الخلاف ولأن تأخير الفائتة لسنة راتبة نوع مصلحة جائز وتأخير الحاضرة عن وقتها لمثل ذلك لا يجوز وقال القاضي المسألة: (رواية واحدة يبدأ بالحاضرة وذكر عن أحمد ما يدل على أن الرواية الأولى مرجوع عنها فيكون في حكايتها مذهبا له الطريقتان المشهورتان.
فان خالف وبدا بالفائتة ففي صحتها وجهان لأنه فعلها على الوجه
المنهي عنه لكن لم يخالف ترتيبا مستحقا كما قلنا فيما إذا صلى قبلها نافلة.
وعلى هذا يجب عليه أن يشتغل بقضاء الفوائت إذا كثرت حتى يضيق وقت الحاضرة لأن الابتداء بالفوائت واجب والصلاة في أول الوقت سنة هذا أشهر الروايتين.
وعنه يجوز أن يصليها في أول الوقت إذا لم يتسع الوقت لفعلها مع الفوائت اختارها أبو حفص العكبري وصاحب الكتاب لأنه لا يمكنه فعل جميع الفوائت قبلها فسقط ترتيبهن عليها كماه لو ضاق الوقت عن فعل الفائتة والحاضرة.
وإذا خاف أن يضيق وقت الحاضرة عن فعلها في وقت الاختيار أو فعل بعضها بحيث لو صلى الفائتة فهو كما لو ضاق عن فعل جميعها فإنه يجب عليه أن يفعلها كلها قبل دخول وقت الضرورة وكذلك لو بقي من وقتها ما لا يتسع إلا لفعل بعض صلاة فإنه يبدأ بالحاضرة لقوله عليه السلام: "إذا أمرتكم بأمر فآتوا منه ما استطعتم".
فأما الجمعة إذا خشي فوتها مثل أن يذكر الفجر وهو فيها أو عند قيامه إليها ويخشى فوتها أن اشتغل بالقضاء فإنه يصليها رواية واحدة.
ثم أن قلنا أن الترتيب يسقط بضيق الوقت اجزأته كغيرها وأولى لأنها لا تقضي جمعة بحال وأن قلنا لا يسقط فإنه يعيدها ظهرا بعد إعادة الفائتة وقد نص علي الروايتين.
فان كان الذي ذكر هو الإمام فإن ذكر وهو فيها فعنه يتمها فتجزئه ومن خلفه جمعة لان تبطيل جمعتهم أعظم من ضيق الوقت ونسيان الفائتة وعنه لا تجزئه ولا من خلفه كما لو ذكر في غير الجمعة فعلى هذا يعيدون جمعة أن اتسع الوقت وألا فظهرا وقياس ما ذكروه في الجماعة أنه يعتبر اتساع الوقت.
وإن ذكر قبل إحرامه فالأولى أن يستخلف ويشتغل في القضاء ثم أن أدرك معهم ما تدرك به الجمعة وألا صلى ظهرا فإن لم يفعل وصلى بهم فعلى الروايتين.
وقيل إذا جاز له الاستخلاف وأمكنه بعد القضاء أن يدرك معهم ما تدرك به الجمعة لزمه ذلك.
فان ذكر الفائتة في الحاضرة وضاق الوقت عن إتمام الحاضرة وإعادة الفائتة والحاضرة سقط الترتيب أيضا كما لو ضاق عن فعل الحاضرة والفائتة.
وقيل إنما يسقط إذا ضاق عن فعل الفائتة وإعادة الحاضرة لأن إتمام الحاضرة نفل فيجب تركه عند ضيق الوقت عنه.
فأما أن أقيمت الجماعة وخشي فوتها بان لا يطمع في إدراكها ولا
إدراك جماعة أخرى أن اشتغل بالقضاء لم يسقط الترتيب لكن يتابع الإمام في صلاته ثم يقضي ثم يعيد كما لو ذكر في أثنائها.
وعنه يسقط أيضا وهي اختيار أبي حفص لأن الجماعة واجبة فأشبهت الجمعة وأن لم يخش فوتها بان يمكنه القضاء ثم يصلي معهم أو مع غيرهم لم يسقط الترتيب قولا واحدا.
فصل.
ومن نسي صلاة من يوم وليلة لا يعلم عينها لزمه أن يصلي خمسا ينوي بكل واحدة أنها هي الفائتة قال ابن أبي موسى يصلي خمس صلوات فجرا وظهرا وعصرا ومغربا وعشاء نص عليه.
وعنه ما يدل على أنه يجزيه أن يصلي فجرا ومغربا وأربع ركعات ينوي بها ما فاته بناء على أن نية التعيين لا تجب للمكتوبة.
والأول هو المذهب لأنه قد ثبت في ذمته صلاة وتعيين النية للمكتوبة هل هي فجر أو عصر أو ظهر واجب والتشهد الأخير والتسليم فرض فلا يتحقق براءة ذمته إلا بخمس صلوات على ما قلنا.
فان فاتته من يوم واحد ظهر وصلاة أخرى لا يعلم هل هي الفجر أو المغرب وجب عليه الصلوات الثلاث ويبدأ بالفجر لأنه أن بدا بالظهر لم يتحقق براءة ذمته مما قبلها كمن شك في وقت الظهر هل صلى الفجر أم لا.
فإن نسي ظهرا من يوم وعصرا من يوم آخر لم يجب عليه إلا ظهر وعصر وأن كان قد يفضي إلى الإخلال بالترتيب في الباطن لأن الترتيب يسقط بالنسيان كما لو نسي نفس الفائتة.
ويتحرى بما يبدأ بما يغلب على ظنه أنها السابقة فإن استويا خير لأن ذلك اقرب إلى رعاية الترتيب في إحدى الروايتين.
وفي الأخرى يبدأ بالظهر كصلاتي اليوم الواحد إذ أكثر ما فيه سقوط الترتيب بالنسيان وتخرج أن يلزمه قضاء ثلاث صلوات ظهرا ثم عصرا ثم ظهرا أو عصرا ثم ظهرا ثم عصرا بناء على أن الترتيب لا يسقط بالنسيان ولا يتيقن الترتيب المستحق إلا بذلك قال بعض أصحابنا: وهذا أقيس كما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها.
والصواب ما تقدم وقد ذكر الفرق.
فصل.
ومن شك في دخول الوقت فلا يصلي حتى يتيقن دخوله برؤية الشمس ونحوها من معرفة الساعات وحسابها فإن تعذر اليقين لتغيم السماء أو لكونه في مطمورة أو أعمى في برية عمل بالاجتهاد بان يستدل على ذلك بأعمال من قراءة أو صناعة أو نحو ذلك فإن اجتهد وهو قادر
على اليقين لم تصح صلاته كمن صلى بالاجتهاد عند حضور الكعبة أو عمل بالقياس مع وجود النص سواء أخطأ أو أصاب هكذا حرره القاضي وابن عقيل وغيرهما من أصحابنا وأطلق أبو الخطاب وغيره أنه يصلي إذا تيقن أو غلب على ظنه دخوله وعلى كل حال فيستحب له أن يؤخر الصلاة حتى يتيقن دخول الوقت ما لم يخف خروجه ويجوز العمل فيه بغالب الظن إذا لم يمكن العلم هذا قول أصحابنا وقد كان أبو عبد الله رحمه الله أحيانا يصلي الفجر في الغيم ثم يتبين له أن الفجر لم يطلع فيعيد كما جاء مثل ذلك عن الصحابة رضي الله عنهم وقد روى عنه حنبل لا يصلي حتى لا يشك في الزوال في السفر والحضر وقال في رواية ابن منصور إذا شك في الزوال وهو في السفر فلا حتى لا يشك ولا يستيقن وهذا فيما إذا لم يمكن اليقين كما تقدم وأن حمل على ظاهره فله وجه.
فإن أخبره ثقة عن علم بالوقت قلده كسائر الأمور الدينية وكذلك المؤذن الثقة إذا أذن في الصحو لغير الفجر أو أذن الفجر وكان من عادته أن
لا يؤذن حتى يطلع الفجر وهذا قول أكثر أصحابنا.
وقال القاضي في موضع لا يرجع إلى قول المؤذن ولا غيره حتى يغلب على ظنه دخول الوقت بمرور الزمان ونحوه إلا الأعمى خاصة فإنه يرجع إلى خبر غيره.
والأول أصح لما تقدم عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "المؤذن مؤتمن" وغير ذلك من الأحاديث ولأن قبول قول العدل الذي لا يتهم يجوز مع إمكان حذف الواسطة كما كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبل بعضهم الرواية من بعض في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع إمكان مراجعته.
وإن أخبره ثقة عن اجتهاد ولم يقلده واجتهد كالقبلة فإن أخبره عن علم كالدقائق والساعات أو أذن مؤذن بناء على ذلك أو على إخبار عارف بذلك فهو كالإخبار عن علم.
وإذا سمع الأعمى من يؤذن أو يخبر بالوقت قلده ولم يلزمه أن يسال هل اخبر بذلك عن علم أو اجتهاد لأن الظاهر أنه خبر عن علم.
ومن لا يمكنه الاجتهاد كالمطمور والمستيقظ في يوم غيم لا يدري أي وقت استيقظ يقلد غيره من المجتهدين.
وإن اجتهد ثم تبين أنه صلى في الوقت أو بعده أجزاه ولا يضره وأن كان نواها قضاء فتبينت في الوقت أو نواها أداء فتبينت بعد الوقت لأن الصلاة المنوية هي الواجبة فوصف القضاء والأداء وإنما يقصد به تعيين فرض الوقت.
وإن تيقن أنه صلى قبل الوقت لم يجزه لما صح عن ابن عمر وأبي موسى أنهما صليا يوم غيم صلاة الفجر ثم تبين أنه قبل الوقت فأعادا.
وسواء تبين ذلك في الوقت أو بعد الوقت لأنه فعل العبادة قبل وجوبها فوقعت نفلا ولم يوجد بعد الوجوب ما يبرىء ذمته فبقي في عهده الوجوب وهذا في الفجر والظهر والمغرب ظاهر فأما العصر والعشاء.
وإذا ذكر في أثناء الصلاة أن الوقت لم يدخل لم تبطل صلاته لأن دخول الوقت لا يمنع التنفل بالصلاة وهي قد انعقدت نفلا لأن وصف الفرض إذا الغي بقي مطلق الصلاة ومطلق الصلاة ينصرف إلى النفل وكذلك لو تصدق أو صام يعتقده واجبا فتبين أنه لم يكن عليه فإنه يقع تطوعا.
وقال أبو الحسن الآمدي إذا ذكر في أثناء الصلاة أن الوقت لم يدخل فهل تبطل الصلاة أو تكون نفلا على روايتين مخرجتين على من ذكر فائتة في حاضرة وهو منفرد وكذلك لو أراد أن ينقل الفرض إلى النفل لغرض صحيح وهذا ضعيف لأن ذكر الفائتة كان يمنع الابتداء بهذه الصلاة فلهذا منع استدامتها على هذه الرواية ونقل الفرض إلى النفل إنما منعه من منعه لحرمة الفرض وعدم جواز فسخ نيته وهذا مقصود هنا لأن الابتداء بالنافلة في أول وقت المكتوبة جائز وهذه الصلاة لم تنعقد فرضا قط.
مسألة: (
الشرط الثالث: ستر العورة
بما لا يصف البشرة).
أما ستر العورة عن أعين الناظرين بما لا يصف البشرة فواجب في الجملة في الصلاة وخارج الصلاة وقد تقدم بعض هذا في باب الغسل.
لقوله تعالى: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ وحفظ الفرج يعم حفظة من مس من لا يحل له مسه بجماع وغير جماع ومن النظر إليه بل قد قال بعض التابعين أنه عنى به هنا النظر لأنه قرنه بغض البصر ولأنه ذكر معه استتار النساء عن رؤية الرجال ولقوله سبحانه: ﴿يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما اخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوآتهما﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً﴾ يريد كشف السوءة ونحوه ﴿قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أمرنا بِهَا قُلْ أن اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ﴾ وهذه الآيات كلها تتضمن فرض ستر العورة وذم من يتدين بغير ذلك في حال من الأحوال وقال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاوية بن حيدة القشيري جد بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري: "احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك".
قال القوم يكون بعضهم في بعض قال أن استطعت أن لا يرنيها أحد فلا يرنيها" وأمر من كشف فخذه أن يغطيه وقال: "الفخذ عورة" فعلم أن العورة يجب سترها وفرض على داخل الحمام أن لا يدخل إلا بمئزر وهذا كثير تقدم بعضه.
ويجب سترها في الخلوة وغيرها إلا من حاجة وقال القاضي يكره التعري في الخلوة ولا يحرم ومن أصحابنا من يحكيها على روايتين والأول أبين في كلام أحمد وأشبه بظاهر السنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لمعاوية ابن حيدة: "فالله أحق أن يستحيا منه" لما قال له فإن كان أحدنا خاليا ونهى أن يحتبئ الرجل في ثوب واحد يفضي بفرجه إلى السماء" وفي
لفظ: "ليس على فرجه منه شيء" رواه الجماعة وعن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والتعري فإن معكم من لا يفارقكم إلا عند الغائط وحين يفضي الرجل إلى أهله فاستحيوهم وأكرموهم" رواه الترمذي وعن عتبة بن عبد الرحمن السلمي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا أتى أحدكم أهله فليستتر ولا يتجردا تجرد العيرين" رواه ابن ماجة ولأن الله أحق أن يستحيا منه من الناس وكذلك ملائكته وغيرهم من خليقته فتجب السترة في الخلوة كما تجب عن أعين الناس ولهذا وجبت في الصلاة خلوة وليس الاستتار لأجل الاستخفاء من الله تعالى إذ هو سبحانه بصير لا تخفى عليه خافية وإنما ذلك ظن الذين كفروا والذين اخبر الله عنهم بقوله: ﴿أَلا أنهم يَثْنُونَ صُدُورَهُمْ لِيَسْتَخْفُوا مِنْهُ إلا حِينَ يَسْتَغْشُونَ ثِيَابَهُمْ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ﴾ ولكن يعني الاستحياء منه مبلغ الجهد كما اخبر الله
تعالى عن آدم وحواء حين بدت سوآتهما أنهما طفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة.
وكما كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه يقول أيها الناس استحيوا من الله فإني لأدخل الخلاء فاحني ظهري حياء من ربي وكذلك قال أبو موسى في الاغتسال.
فصل.
وأما التزين للصلاة فأمر زائد على ستر العورة.
والأصل فيه الكتاب والسنة والإجماع.
أما الكتاب فقوله سبحانه وتعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ أنزله الله سبحانه لما كان المشركون يطوفون بالبيت عراة إلا الحمس ويقولون ثياب عصينا الله فيها لا نطوف فيها إلا الحمس لفضلهم في أنفسهم وهم قريش ومن دان دينها وكان من حصل له ثوب احمسي طاف فيه ومن لم يحصل له ثوب احمسي طاف عريانا فإن طاف في ثوبه حرم عليه فحرم الله ذلك وأمر بأخذ الزينة وهي اللباس ولو كان عباءة وأمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا بكر أن ينادي بالناس عام حج: "ألا لا يطوفن بالبيت
عريان" متفق عليه وكل محل للسجود فهو مسجد وهذا يدل على أن السترة للصلاة والطواف أمر مقصوده التزين لعبادة الله ولذلك جاء باسم الزينة لا باسم السترة ليبين أن مقصوده أن يتزين العبد لا أن يقتصر على مجرد الاستتار.
وأما السنة فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يقبل الله الصلاة حائض إلا بخمار".
وقوله: إذا ما اتسع الثوب فتعاطف به على منكبيك ثم صل وإذا ضاق عن ذلك فشد به حقويك ثم صل من غير رداء وغير ذلك من الأحاديث وسنذكر أن شاء الله تعالى بعضها.
وأما الإجماع: فقال أبو بكر ابن المنذر اجمع أهل العلم على أن على المرأة الحرة البالغة أن تخمر رأسها إذا صلت وعلى أنها إذا صلت وجميع رأسها مكشوف أن عليها إعادة الصلاة وكذلك حكى غيره الإجماع على اشتراط السترة في الجملة.
وإذا كان مقصود السترة في الصلاة أن يتزين العبد لربه في الصلاة لأنه يناجيه فإنه يجب عليه السترة عن نفسه وعن غيره فلو صلى في قميص واسع الجيب ولم يزره ولا شد وسطه بحيث يرى عورته منه في قيامه أو ركوعه لم تصح صلاته وأن كان يجوز أن يرى عورة نفسه ويمسها لما روى سلمة بن الاكوع قال قلت يا رسول الله إني أكون في الصيد واصلي وليس علي إلا قميص واحد قال: "فزره وأن لم تجد إلا شوكة" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وعن أبي هريرة قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي الرجل حتى يحتزم" رواه أحمد وأبو داود ولذلك وجب أن تستر المرأة رأسها وأن كان يجوز أن تقعد خالية مكشوفة الرأس ولذلك وجب ستر المنكبين كما سيأتي أن شاء الله تعالى فليس كل ما جاز كشفه خارج الصلاة جاز في الصلاة إذ هي أشد وسواء سترها بنفسه أو بغيره مثل أن يكون ذو الجيب الواسع عريض اللحية أو غليظ الرقبة لا يرى عورته من جيبه لذلك أو يضع يده على خرق في السترة يستره بيده لأن المقصود السترة وقد حصل.
مسألة: (وعورة الرجل والأمة ما بين السرة والركبة والحرة كلها عورة إلا وجهها وكفيها وأم الولد والمعتق بعضها كالأمة).
في هذا الكلام فصول.
أحدها: أن عورة الرجل ما بين السرة والركبة وهذا أشهر الروايتين والأخرى أنها القبل والدبر لأن ذلك هو مفهوم من قوله تعالى: ﴿لِبَاساً يُوَارِي سَوْآتِكُمْ﴾.
وفي قوله: ﴿وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ﴾ ولما روى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه: "إن النبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر حسر الإزار عن فخذه قال حتى إني لأنظر إلى بياض فخذ النبي صلى الله عليه وسلم" رواه أحمد والبخاري وكذلك روي عنه من حديث عائشة وحفصة رضي الله عنهما: "إن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما دخلا عليه وهو كاشف عن فخذه فلم يغطها فلما دخل عثمان غطاها وقال إلا استحي من رجل والله أن الملائكة لتستحي منه" رواه احمد.
ووجه الأول ما روى جرهد الاسلمي قال مر رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلي
بردة وقد انكشف فخذي فقال: "غط فخذك فإن الفخذ عورة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال حديث حسن وعن علي رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تبرز فخذك ولا تنظر إلى فخذ حي ولا ميت" رواه أبو داود وابن ماجة وعن ابن عباس قال: " مر رسول الله صلى الله عليه وسلم على رجل وفخذه خارجة فقال غط فخذك فإن فخذ الرجل من عورته" رواه أحمد وروى الترمذي قوله الفخذ عورة وقال حديث حسن غريب وروي ذلك من وجوه أخرى يشد بعضها بعضا ولأن ستر العورة إنما وجب لما في كشفها من الفحش والقبح وهذا يشترك فيه الفخذ وغيره ولأن ما حول السوءتين من حريمهما وستره تمام سترهما والمجاورة لها تأثير في مثل ذلك فوجب أن يعطى حكمهما.
وما نقل من كشف فخذه فهو والله أعلم أما أن يكون منسوخا لأن أحاديثنا ناقلة حاظرة أو يكون حصل بغير قصد أو يكون المكشوف أوائل الفخذ من جهة الركبة وفوق ذلك بقليل فإن الركبة والسرة ليستا من العورة
وكذلك ما دون السرة بقليل وفوق الركبة بقليل نص عليه في مواضع.
وحكي عنه أنهما من العورة لأنهما تمام الحد ولا يحصل تمام السترة إلا بهما فوجب سترهما كما وجب غسل جزء من الرأس وإمساك جزء من الليل.
والأول أصح لأن العمدة في ذلك على أحاديث الفخذ وهي لا تتناول الركبة والسرة وقد روى الدارقطني عن أيوب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسفل السرة وفوق الركبتين من العورة" وعن عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين السرة والركبة عورة" وهذا صريح بأنهما ليستا من العورة وقوله هما تمام الحد غير مسلم بل إذا نزل عن السرة قليلا وصعد عن الركبة قليلا جاز نص عليه لأن عادة الصحابة والعرب في زمانه صلى الله عليه وسلم كانت الاكتفاء بالمآزر والعادة انحطاطها عن السرة وقد ذكر الإمام أحمد عن ابن عمر أنه: "كان يشد إزاره