شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاةصفحات 344-383

إلا أن ما يعفى عنه من العورة المخففة أكثر مما يعفى عنه من المغلظة لأنه يفحش من هذا في العرف أكثر مما يفحش من هذا.
وقال القاضي وغيره هما سواء في مقدار العفو.
وعن أحمد ما يدل على أنه لا يعفى عن يسير العورة كما لا يعفى عن يسير طهارة الحدث ولأنه يجب ستره عن العيون فاشترط ستره في الصلاة.
وعنه التوقف في ظهور جميع العورة إذا أعاد الستر بسرعة.
وحكي عنه أن اليسير إذا طال زمانه ابطل وأن لم يبطل الكثير إذا قصر زمانه وقال أبو الحسن التميمي أن بدت عورته وقتا واستترت وقتا فلا إعادة عليه ولم يقيده بالزمن اليسير لظاهر حديث عمرو بن سلمة.
والأول هو المشهور لما روى عمرو بن سلمة في قصة إسلام قومه لما ذكر أنه صلى بقومه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وكانت علي بردة إذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي إلا تغطوا عنا أست قارئكم فقطعوا لي قميصا" رواه البخاري ومن احتج بهذا قال هذه قضية جرت لهؤلاء الصحابة ولا يكاد مثلها يخفى على النبي صلى الله عليه وسلم وسائر أصحابه ولم ينكر فصارت حجة من جهة إقراره ومن جهة أن أحدا من

الصحابة لم ينكر ذلك ولا يقال فانتم تقولون بهذا في إمامة الصبي في الفرض لانا سنتكلم عليه أن شاء الله تعالى في موضعه ولأنه قد صح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال للنساء: "لا ترفعن رؤوسكن حتى يستوي الرجال جلوسا لا ترين عورات الرجال" من ضيق الأزر وكانوا يعقدون أزرهم على أكتافهم ولولا أن يسير العورة يعفى عنه لأمر الرجال بإعادة الصلاة منه كما أمر النساء بغض أبصارهن عنه أو لأمر بذلك من كان يمكنه الاتزار بإزار واسع ولأمرهم بالائتزار على وجه لا يؤدي إلى كشف شيء من العورة بان يأتزروا على العورة فقط كما ذكره في الإزار الضيق فإن ستر العورة أهم من ستر المنكب فإن الناس قائلان قائل يقول يجب عليه أن يستر العورة ويسجد وقائل يقول يستر المنكب ويصلي جالسا مومئا فأما أن يستر المنكب ويسجد مكشوف السوءة فليس بجائز وفاقا وأيضا فإن ذلك يشق عموم الاحتراز منه فإن المأزر والسراويلات تنحط في العادة عن السرة قليلا والمرأة يبدوا أطراف شعرها ورسغها كثيرا وأكثر الفقراء لا تسلم أثوابهم من يسير فتق أو خرق وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لما سئل عن الصلاة في الثوب الواحد أولكلكم ثوبان" فلم يوجب من السترة إلا ما يجده عامة الناس دون ما يجده ذوو اليسار وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يبدو بعض فخذه" فعلم أنه ليس بمحرم ولأنه لما عفي عن الكثير في الزمن

اليسير فكذلك اليسير في الزمن الكثير ولأنه شرط للصلاة ليس له بدل فعفي عن يسيره كاجتناب النجاسة وطرده القبلة في الانحراف اليسير والنية في تقدمها بالزمن اليسير ولأنه إخلال بيسير من الشرائط يشق مراعاته في الجملة فعفي عنه كيسير النجاسة وطرده طهارة الحدث عفي فيها عن باطن الشعور الكثيفة لما شقت مراعاتها بخلاف البشرة الظاهرة فإنه لا يشق غسلها ولأن الصلاة تصح مع كثيرها للضرورة فجاز أن تصح مع يسيرها مطلقا كالعمل الكثير والمناسبة في هذه الاقيسة ظاهرة.
وحد اليسير ما لا يفحش في النظر في عرف الناس وعادتهم إذ ليس له حد في اللغة ولا في الشرع وأن كان يفحش من الفرجين ما لا يفحش من غيرهما.
فصل.
والعراة يصلون جماعة ويقف أمامهم وسطهم لأنهم من أهل الجماعة وهي واجبة عليهم ولأن الجماعة مشروعة في الخوف مع ما فيها من العمل الكثير وفراق الإمام وغير ذلك فلان تشرع هنا أولى ويؤمر كل واحد منهم بغض بصره كما " أمر النبي صلى الله عليه وسلم النساء بغض أبصارهن عن الرجال".
ويصلون صفا واحدا أن أمكن وأن ضاق المكان عنهم فقيل:

يصلون جماعتين.
وقيل بل يصلون صفوفا وهو أصح.
وإن كانوا رجالا ونساء والمكان واسع صلى كل نوع لأنفسهم وأن كان ضيقا صلى الرجال واستدبرهم النساء ثم صلى النساء واستدبرهن الرجال.
وإن بذلت سترة واحدة للعراة فقال أصحابنا: يصلون فيها واحد بعد واحد لأن مصلحة الستر أهم من مصلحة الجماعة إلا أن يخافوا ضيق الوقت فيستتر بها أحدهم ويصلي الباقون عراة.
وقيل يصلون فيه واحد بعد واحد وأن فات الوقت لأن المحافظة على الشرط مع إمكانه أولى من إدراك الوقت كما لو وجد ماء لا يمكنه استعماله إلا بعد فوات الوقت أو سترة يخاف فوات الوقت أن تشاغل بالمشي إليها والاستتار بها.
والأول مذهب لأن من خوطب بالصلاة في أول الوقت وهو عاجز عن شرط أو ركن في الحال قادرا على تحصيله بعد الوقت لم يجز له تأخير الصلاة عن وقتها ولو جاز هذا لكان من عجز عن الطهارة أو السترة أو الركوع أو السجود وغير ذلك من الشرائط والأركان يؤخر الصلاة إلى أن يقدر على ذلك إذا علم أو غلب على ظنه أنه يقدر على ذلك وهذا خلاف الكتاب والسنة والإجماع فإن رعاية الشرع للوقت أعظم من رعايته

لجميع الشرائط والأركان المعجوز عنها ولهذا لا يجوز تأخير الصلاة عن وقتها البتة للعجز عن بعض الأركان ومتى ضاق وقت الوجوب عن تحصيل الشرط والفعل قدم الفعل في الوقت بدون الشرط وإنما تكون المحافظة على الشرط أولى إذا كان الوجوب في آخر الوقت مثل نائم يستيقظ آخر الوقت فإن الصلاة واجبة عليه حينئذ فعلها بشروطها كما لو استيقظ بعد الوقت.
وأما أن وجد سترة يخاف فوت الصلاة بالمشي إليها والتشاغل بالاستتار فإن كانت الصلاة قد أمر بها في أول الوقت أو وسطه والسترة بعيدة بحيث لا يصل إليها إلا بعد فوت الوقت فهذا يجب عليه أن يصلي عريانا وهذه مسألة العراة المتقدمة فإنه ما من عار إلا وهو يرجو الكسوة فيما بعد فإن أحدا من الناس لا يكاد يبقى عاريا على الدوام وهذا لأن وقت الصلاة يتسع للاستتار والفعل على الوجه المعتاد لو كانت السترة مكنة فإذا تعذرت سقطت.
وكذلك أن استيقظ آخر الوقت والسترة بعيدة عنه بعدا لا يجب عليه طلبها منه فأما أن استيقظ آخر الوقت والسترة قريبة منه بحيث لا تجوز صلاته إلا بها فهنا لا يتسع ما بقي من الوقت للسترة والفعل على الوجه المعتاد فلا تكون السترة متعذرة فيكون الوقت متسعا لشرائط الصلاة وأفعالها بخلاف مسألة الواحد بعد الواحد فإن الوقت متسع للسترة لو كانت ممكنة وإنما السترة متعذرة وفرق بين تعذر ينشا من ضيق الوقت وتعذر ينشا من تعذر الشرط فإن نشأ من ضيق الوقت وسعه الشارع وأن نشا من تعذر الشرط على الوجه المعتاد أسقطه الشارع ولهذا لو كانوا في

سفينة أو موضع ضيق لا يمكن جميعهم الصلاة قياما صلى واحد بعد واحد إلا أن يخافوا فوت الوقت فيصلي واحد قائما والباقون قعودا تقديما للصلاة في الوقت على ركن القيام وقد تقدم مثل هذا الكلام في الطهارة وسيجيء مثله في استقبال القبلة أن شاء الله.
وإن كانت السترة ملكا لبعضهم لم تصح صلاته إلا فيها وينبغي له أن يعيرها لسائرهم ليصلوا فيها كما تقدم إلا أن يضيق الوقت فينبغي أن يعيرها لمن هو أحق بالإمامة وأن أعارها لغيره جاز.
وإن بذل الثوب لهم مطلقا وقد ضاق الوقت اقرع بينهم فمن قرع فهو أحق به إلا أن يكون أحدهم أولى بالإمامة فهو أولى به وأن كانوا رجالا ونساء فالنساء أحق ومتى لم يستتروا إلا واحد لضيق الوقت أو لعدم الإعارة فإنه يؤمهم الكاسي ويتقدم إمامهم قال بعض أصحابنا: يستحب ذلك وقياس المذهب أن إمامته واجبة لأنه الجماعة واجبة على جميعهم وهي لا تمكن إلا كذلك إلا أن يكون أميا فإنه يصلي وحده لأنه لا يجوز أن يؤمهم لأنه أمي وهم قراء أو أحدهم ولا يأتم لأنه كاسي وهم عراة.
فصل.
يكره السدل في الصلاة وهو أن يطرح على كتفيه ثوبا ولا يرد أحد طرفيه إلى كتفه الآخر

وقال الآمدي وابن عقيل السدل هو إسبال الثوب بحيث ينزل عن قدميه ويجره فيكون من باب إسبال الثوب.
والتفسير الأول هو الصحيح وهو المنصوص عنه.
وعنه إنما يكره على الإزار أما على القميص فلا حملا للنهي على اللباس الذي كانوا يعتادونه وهو الارتداء فوق المآزر وتعليلا للنهي بخشية انكشاف المنكب وذلك مأمون على المتقمص ونحوه وقد روى أبو الزبير قال رأيت ابن عمر يسدل في الصلاة فيحمل هذا على أن عليه قميصا.
ووجه الكراهة ما روى عطاء عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن السدل في الصلاة" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وإسناده حسن وعن أبي عبيدة بن عبد الله بن مسعود أن أباه كره

السدل في الصلاة قال أبو عبيدة وكان أبي يذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عنه" ورواه عبد الرزاق عن بشر بن رافع عن يحيى بن أبي كثير عنه وعن علي أنه رأى قوما قد سدلوا فقال ما لهم كأنهم اليهود خرجوا من فهرهم" رواه سعيد ورواه ابن المبارك ولفظه: "رأى قوما قد سدلوا في الصلاة".
وعن ابن عمر أنه: "كان يكره السدل في الصلاة" وقال إبراهيم: "كانوا يكرهون السدل في الصلاة" رواهما سعيد وعن ابن مسعود كراهته ذكره ابن المنذر وعلى هذا فإنه يكره السدل سواء كان تحته ثوب أو لم يكن.
فان صلى سادلا قال أبو بكر أن لم تبد عورته فلا يعيد باتفاق وقال ابن أبي موسى في الإعادة روايتان أظهرهما لا يعيد.

فصل ويكره اشتمال الصماء لما روى أبو هريرة قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يحتبي الرجل الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء وأن يشتمل الصماء بالثوب الواحد ليس على أحد شقيه يعني منه شيء" متفق عليه وعن أبي سعيد قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبستين واللبستان اشتمال الصماء والصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب واللبسة الأخرى احتباؤه بثوبه وهو جالس ليس على فرجه منه شيء" رواه البخاري وعن جابر بن أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا ترتدوا الصماء في ثوب واحد" رواه أحمد واشتمال الصماء عند أحمد وأصحابه أن يضطبع بالثوب وهو أن يجعل وسطه تحت عاتقه الأيمن وطرفيه فوق عاتقه الأيسر أو بالعكس لأنه كذلك جاء مفسرا في الحديث أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه ليس عليه ثوب" وفي الآخر: "ليس على أحد شقيه منه شيء".

وفي لفظ لأبي سعيد من رواية أحمد وأبي داود: "واللبستان اشتمال الصماء يشتمل في ثوب واحد يضع طرفي الثوب على عاتقه الأيسر ويبرز شقه الأيمن والأخرى أن يحتبي في ثوب واحد ليس عليه غيره يفضي بفرجه إلى السماء" وفي رواية: "أن يجعل وسط الرداء تحت منكبه الأيمن ويرد طرفيه على منكبه الأيسر" وهذا مكروه في الصلاة وخارج الصلاة إذا لم يكن عليه إلا الثوب الذي اشتمل به فإن كان عليه ثوب آخر من سراويل أو إزار وقميص ففي الكراهة روايتان.
إحداهما: يكره وهي اختيار ابن أبي موسى لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أحدكم أن يشتمل في إزاره إذا ما صلى إلا أن يخالف بطرفيه على عاتقه" رواه أحمد وذكر أحمد عن ابن عباس أنه: "كرهه وأن كان عليه قميص" وقد روى سعيد عن ابن عباس أنه: "كان يكره اشتمال الصماء في الصلاة" وفي لفظ: "كان يكره أن يلتحف الرجل بثوبه في الصلاة فيخرج يده من قبل صدر"هـ ولأنه تخصيص لأحد العضوين المتشابهين باللباس فكره كالمشي في نعل واحد.
فإن قيل الحديث المشهور مقيد بالثوب الواحد فيحمل هذا المطلق عليه ولأن الاضطباع لبسة المحرم فكيف تكون مكروهة.

فيقال الاضطباع في الثوب الواحد أشد محذورا لأن فيه إبداء المنكب ويخشى معه من ظهور العورة ولا يحصل معه مقصود اللباس ولهذا لا يشرع الاضطباع للطائف طواف القدوم إلا أن يكون تحته ثوب قال أحمد في رواية حنبل الاضطباع إذا كان عليك إزار أو قميص وإذا لم يكن عليك إزار ولا قميص ففعلت ذلك كانت لبسة الصماء تبين شقة الأيسر وفرجه.
بل هذه اللبسة محرمة تبطل الصلاة معها قال ابن أبي موسى وغيره أن اضطبع بثوب كان تحته غيره أجزأته صلاته مع الكراهة وأن لم يكن تحته غيره أعاد الصلاة وهذا المعنى معنى قول أحمد كانت لبسة الصماء تبين شقه الأيسر وفرجه وذلك لأن هذا تبدو معه العورة غالبا ويظهر من غير أن يشعر اللابس بذلك.
والحكمة إذا كانت غالبة غير منضبطة علق الحكم بالمظنة وأقيمت مقام الحقيقة لوجودها معها غالبا ولعدم انضباطها كما أقيم النوم مقام الحدث ولأن الله أمر بالزينة عند الصلاة ومن لبس هذه اللبسة لم يتزين لله في الصلاة.
وأما اضطباع المحرم فذلك موضع مخصوص من النهي لما كان فيه أولا من إظهار الجلد ثم صار سنة وشعارا ولهذا لا يشرع إلا في أول طواف يطوفه الأفقي خاصة ولهذا فإنه إذا أراد أن يصلي ركعتي الطواف سوى ردائه.

والرواية الأخرى إنه لا يكره إلا إذا كان عليه ثوب واحد قال الآمدي وغيره هو الصحيح لأن الأحاديث الصحاح المفسرة إنما هي في الثوب الواحد وقد علله في الحديث يبدو أحد شقيه وهذا مفقود في الثوبين.
ومن أصحابنا من قال يكره الاضطباع على المئزر ولا يكره على القميص وهذا قول قوي فإن الأغلب على القوم كان الارتداء فوق المآزر وقد نهوا عن الاشتمال ولأن في ذلك كشفا للمنكب في الصلاة وهو مكروه أو مبطل لما تقدم وقد نص أحمد على كراهته ولأن الذي في الحديث كراهة بروز الشق الأيمن ولو لم يكن تحته مئزر لكانت العورة قد تظهر من الناحية اليسرى فكان التعليل بكشف العورة أولى من التعليل ببروز الشق فقط.
فإن قيل فقد قال أبو عبيد اشتمال الصماء عند العرب أن يشتمل الرجل بثوب يجلل به جسده كله ولا يرفع منه جانبا تخرج فيه يده كأنه يذهب به إلى أنه لعله يصيبه شيء يريد الاحتراس منه ولا يقدر عليه.
وتفسير الفقهاء أن يشتمل بثوب واحد ليس عليه غيره ثم يرفعه من أحد جانبيه فيضعه على منكبه فيبدو منه فرجه قال والفقهاء أعلم بالتأويل.

وقد ذكر أبو عبد الله السامري من أصحابنا مثل ما حكاه أبو عبيد عن العرب فقال اشتمال الصماء هو أن يلتحف بالثوب ويرفعه إلى حد جانبيه فلا يكون ليده موضع تخرج منه فلذلك تسمى الصماء قال بعض الفقهاء يحتاج أن يخرج يده من صدره فتبدو عورته.
والتفسير الذي ذكرتموه مخالف لهذين قلنا.
أما التفسير الذي ذكرناه فهو منصوص مفسر في الحديث والتفسير الذي حكاه أبو عبيد عن الفقهاء يدل عليه الحديث أيضا لأنه قال الصماء أن يجعل ثوبه على أحد عاتقيه فيبدو أحد شقيه وهذا يعم ما إذا اضطبع بالثوب من الناحية الأخرى أو لم يضطبع فإنه إذا اضطبع أبدى منكبه الأيمن وستر منكبه الأيسر وبقي شقه الأيسر غير مستور والصورة التي ذكر أبو عبيد يكون المنكب الأيمن مستورا والمنكب الأيسر لكن الشق الأيسر باديا وظهور العورة فيه أشد لكن المنكبين مستوران وهذا أيضا مما يحرم وتبطل الصلاة معه بلا ريب واشتمال الصماء يعمهما.
وأما الذي نقل عن ابن عباس أنه: "يخرج يده من قبل صدره" فإن أخرجها من فوق حاشية الرداء صار مضطبعا وأن أخرجها من تحت الرداء فهو الذي ذكره أبو عبيد وأما التفسير المحكي عن العرب فهو أشبه بالاشتقاق لأن الصخرة الصماء التي لا منفذ فيها ومنه الأصم وهو الذي لا ينفذ الصوت إليه ويؤيده ما روى أبو بكر بإسناده عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يلبس الرجل ثوبا واحدا يأخذ.

بجوانبه على منكبه فتدعى الصماء".
وروى أحمد عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى عن الصماء اشتمال اليهود" واليهود تلتحف ولا تضطبع وهذه الصورة مكروهة أيضا لما يخاف معها من انكشاف العورة وهي السدل المتقدم وربما عرض الشيء فلا يستطيع أن يخرج يده إلا أن تبدو سوءته وهذه اللبسة مكروهة في الصلاة وخارج الصلاة.
فظهر أن اشتمال الصماء يعم هذا كله لكن منه ما يحرم ويبطل ومنه ما يكره فقط ومنه ما اختلف فيه كما تقدم.
فصل.
يكره للمصلي تغطية الوجه سواء كان رجلا أو امرأة فيكره النقاب والبرقع للمرأة في الصلاة لأن مباشرة المصلي بالجبهة والأنف أما واجب أو مؤكد الاستحباب ولأن الرجل إذا قام إلى الصلاة فإن الله تعالى قبل وجهه وأن الرحمة تواجهه فينبغي له أن يباشر ذلك بوجهه من غير وقاية وقد كره له تغميض العين فتغطية الوجه أولى وقد روى الفقهاء في كتبهم عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه رأى رجلا غطى لحيته في الصلاة فقال: "اكشف

لحيتك فإن اللحية من الوجه".
ويكره التلثم على الفم لما روى عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه نهى أن يغطي الرجل فاه في الصلاة" رواه أبو داود وابن ماجة ولأنه تشبه بفعل المجوس في عبادة النيران ويخاف معه من ترك تجويد القراءة والذكر والدعاء لا سيما والملك يضع فاه على فيه.
وهل يكره التلثم على الأنف على روايتين.
إحداهما: يكره لأن ابن عمر كره تغطية الأنف ولأنه عضو في الوجه يسجد عليه فأشبه الجبهة ولأن مباشرته إذا قلنا بوجوب السجود عليه واجبة أو سنة مؤكدة فإن سجد على الحائل كان مكروها وأن حسر اللثام احتاج إلى عمل ولأنه ربما حصلت معه غنة في الحروف ولأنه من الوجه وهو ابلغ من اللحية.
والثانية: لا يكره تغطيته لأن النهي إنما جاء في الفم وقد روى أحمد بإسناده عن قتادة حدثني عكرمة عن ابن عباس كان يغطي انفه يعني في الصلاة قال قتادة وكان سعيد بن المسيب وعطاء يكرهان

ذلك ولأنه يمكن الإفصاح بحروف القران والذكر معه هذه طريقة الجماعة.
وأما الآمدي فقال روي عنه هو ما كان على الفم والأنف.
وروي عنه على الأنف فحسب فعلى قوله إذا كان على الفم وحده لم يكره وهذا غلط على المذهب.
فصل.
ويكره شد الوسط بالزنار والخيط ونحو ذلك مما يشبه زي أهل الذمة في أشهر الروايتين لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن التشبه بأهل الكتاب في عدة مواضع.
وعنه لا يكره لحديث الحزام ولأنه لم يرد في ذلك نهي.
وأما ما لا يشبه شدهم كالحبل والمنديل والمنطقة التي تسميها العامة الحياصة فلا يكره نص عليه وعليه أصحابنا.
وقال ابن عقيل والسامري يكره بالزنار والحياصة ونحوها وليس بشيء بل يستحب لمن ليس تحت قميصه مئزر ولا سراويل أن يحتزم لما روى أبو سعيد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "لا يصلي أحدكم إلا وهو محتزم".

احتج به أحمد وعن أبي هريرة قال: "نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع الغنايم حتى تقسم وعن بيع النخل حتى يحرز من كل عارض وأن يصلي الرجل بغير حزام" رواه أبو داود وذكر أحمد عن ابن عمر أنه: "كان يصلي وعليه القميص يأتزر بالمنديل فوقه" وعن الشعبي قال: "كان يقال شد حقويك في الصلاة ولو بعقال وعن يزيد بن الأصم مثله" رواهما الخلال وقد روى حرب قال قلت لأحمد الرجل يشد وسطه بخيط ويصلي قال على القباء لا بأس به وكرهه على القميص وذهب لما أنه من زي اليهود فذكرت له السفر وأنا أشد ذلك على الوسط فرخص فيه قليلا أما المنطقة والعمامة ونحو ذلك فلم يكرهه إنما كره الخيط وقال هو أشنع فقد كره ما وافق زي أهل الكتاب وهو الخيط على القميص ونحوه ولم يكره على القباء لأنه ليس من زيهم ولم يكره ما سوى الخيط ونحوه ورخص في الخيط على القميص عند الحاجة.
وكذلك ذكر القاضي قال نص أحمد على كراهة الخيط على القميص لما فيه من التشبه بأهل الكتاب لأن من عادتهم شد الوسط بالزنار

ولم يكره شد القباء والمنطقة لأن هذا عادة المسلمين.
وأطلق جماعة من أصحابنا الكراهة على عموم كلامه في سائر الروايات.
فصل.
ويكره إسبال القميص ونحوه إسبال الرداء وإسبال السراويل والإزار ونحوهما إذا كان على وجه الخيلاء وأطلق جماعة من أصحابنا لفظ الكراهة وصرح غير واحد منهم بان ذلك حرام وهذا هو المذهب بلا تردد.
قال أبو عبد الله لم احدث عن فلان كان سراويله شراك نعله وقال ما أسفل من الكعبين في النار والسراويل بمنزلة الإزار لا يجر شيئا من ثيابه.
فأما أن كان على غير وجه الخيلاء بل كان على علة أو حاجة أو لم يقصد الخيلاء والتزين بطول الثوب ولا غير ذلك فعنه أنه لا بأس به وهو اختيار القاضي وغيره وقال في رواية حنبل جر الإزار وإرسال الرداء في الصلاة إذا لم يرد الخيلاء لا بأس به وقال ما أسفل من الكعبين في

النار والسراويل بمنزلة الرداء لا يجر شيئا من ثيابه.
ومن أصحابنا من قال لا يحرم إذا لم يقصد به الخيلاء لكن يكره وربما يستدل بمفهوم كلام أحمد في رواية ابن الحكم في جر القميص والإزار والرداء سواء إذا جره لموضع الحسن ليتزين به فهو الخيلاء وأما أن كان من قبح في الساقين كما صنع ابن مسعود أو علة أو شيء لم يتعمده الرجل فليس عليه من جر ثوبه خيلاء فنفى عنه الجر خيلاء فقط.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَلا تَمْشِ فِي الأرض مَرَحاً﴾ وقال سبحانه: ﴿كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَراً وَرِئَاءَ النَّاسِ﴾.
فذم الله سبحانه وتعالى الخيلاء والمرح والبطر وإسبال الثوب تزينا موجب لهذه الأمور وصادر عنها وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" فقال أبو بكر: "إن أحد شقي إزاري يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه فقال انك لست ممن يفعل ذلك خيلاء" متفق عليه وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بينما رجل يجر إزاره من الخيلاء خسف به فهو يتجلجل في الأرض إلى يوم

القيامة" رواه البخاري وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الإسبال في الإزار والقميص والعمامة من جر شيئا خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة" رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا ينظر الله إلى من جر إزاره بطرا" متفق عليه وفي رواية لأحمد والبخاري " ما أسفل من الكعبين من الإزار في النار" وعن أبي هريرة قال: "بينما رجل يصلي مسبلا إزاره فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اذهب فتوضأ فذهب فتوضا ثم جاء ثم قال اذهب فتوضا فقال له الرجل يا رسول الله مالك أمرته أن يتوضأ ثم سكت عنه قال أنه كان يصلي وهو مسبل إزاره وأن الله لا يقبل صلاة رجل مسبلا" رواه أبو داود.

وعن ابن مسعود قال: "سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "من أسبل إزاره في صلاته فليس من الله في حل ولا حرام" رواه أبو داود وعن أبي ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاثة لا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب اليم المنان بما أعطى والمسبل إزاره والمنفق سلعته بالحلف الكاذب" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وهذه منصوص صريحة في تحريم الإسبال على وجه المخيلة والمطلق منها محمول على المقيد وإنما أطلق ذلك لأن الغالب أن ذلك إنما يكون مخيلة.
ومن كره الإسبال مطلقا احتج بعموم النهي عن ذلك والأمر بالتشمير فعن أبي جري جابر بن سليم الهجيمي قال: "رأيت رجلا يصدر الناس عن رأيه لا يقول شيئا إلا صدروا عنه قلت من هذا قالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قلت عليك السلام يا رسول الله مرتين قال لا تقل عليك السلام عليك السلام تحية الميت قلت أنت رسول الله قال أنا رسول الله الذي إذا أصابك ضر فدعوته كشفه عنك وأن أصابك عام سنة فدعوته انبتها لك وإذا كنت بأرض قفر أو فلاة فضلت راحلتك فدعوته ردها عليك قال قلت اعهد إلى قال لا تسبن أحدا قال فما سببت بعده حرا ولا عبدا ولا بعيرا

ولا شاة قال ولا تحقرن من المعروف ولو أن تكلم أخاك وأنت منبسط إليه وجهك أن ذلك من المعروف وارفع إزارك إلى نصف الساق فإن أبيت فإلى الكعبين وإياك وإسبال الأزر فإنها من المخيلة وأن الله لا يحب المخيلة وأن امرؤ شتمك وعيرك بما يعلم فيك فلا تعيره بما تعلم فيه فإنما وبال ذلك عليه" رواه الخمسة إلا ابن ماجة وقال الترمذي حسن صحيح.
وعن عبد الله بن عمر قال: " مررت على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي إزاري استرخاء فقال يا عبد الله ارفع إزارك فرفعته ثم قال زد فزدت فما زلت اتحراها بعد فقال له بعض القوم إلى أين قال إلى أنصاف الساقين" رواه مسلم وعن ابن الحنيظلة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نعم الرجل خريم الاسدي لولا طول جمته وإسبال إزاره فبلغ ذلك خريما فعجل فأخذه شفرة فقطع بها جمته إلى أذنيه ورفع إزاره إلى نصف ساقيه" رواه أحمد وأبو داود ولأن الإسبال مظنة الخيلاء فكره كما يكره مظان سائر المحرمات.
ومن لم ير بذلك باسا احتج بقول النبي صلى الله عليه وسلم لأبي بكر: "إنك لست

ممن يفعل ذلك خيلاء" وعن أبي وائل أن ابن مسعود رأى رجلا قد أسبل إزاره فقال له: "ارفع فقال له الرجل وأنت يا ابن مسعود فارفع إزارك فقال عبد الله إني لست مثلك أن لساقي حموشة وأنا أؤم الناس فبلغ ذلك عمر بن الخطاب فاقبل على الرجل ضربا بالدرة وقال أترد على ابن مسعود أترد على ابن مسعود ولأن الأحاديث أكثرها مقيدة بالخيلاء فيحمل المطلق عليه وما سوى ذلك فهو باق على الإباحة وأحاديث النهي مبنية على الغالب والمظنة وإنما كلامنا فيمن يتفق عنه عدم ذلك.
فصل: وبكل حال فالسنة تقصير الثياب وحد ذلك ما بين نصف الساق إلى الكعب فما كان فوق الكعب فلا بأس به وما تحت الكعب في النار لما تقدم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأبي جري وابن عمر ولما روى أبو سعيد قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إزره المؤمن إلى نصف الساق لا حرج عليه فيما بينه وبين الكعبين ما كان أسفل من الكعبين فهو في النار ومن جر إزاره بطرا لم ينظر الله إليه" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة وعن حذيفة

رضي الله عنه قال: "أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعضلة ساقي أو ساقي فقال: "هذا موضع الإزار فإن أبيت فأسفر فإن أبيت فلا حق للإزار في الكعبين" رواه الخمسة إلا أبو داود قال الترمذي حديث حسن صحيح وعن سمرة رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "ما تحت الكعبين من الإزار في النار" رواه أحمد والنسائي.
وأما الكعبان أنفسهما فقد قال بعض أصحابنا: يجوز إرخاؤه إلى أسفل الكعب وأما المنهي عنه ما نزل عن الكعب وقد قال أحمد أسفل من الكعبين في النار وقال ابن حرب سألت أبا عبد الله عن القميص الطويل فقال إذا لم يصب الأرض لأن أكثر الأحاديث فيها ما كان أسفل من الكعبين في النار وعن عكرمة قال رأيت ابن عباس يأتزر فيضع حاشية إزاره من مقدمه على ظهر قدمه ويرفع من مؤخره فقلت لم تأتزر هذه الأزرة قال: "رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتزرها" رواه أبو داود.
وقد روي عن عبد الله أنه قال لم احدث عن فلان لأن سراويله

كان على شراك نعله وهذا يقتضي كراهة ستر الكعبين أيضا لقوله في حديث حذيفة لا حق للإزار بالكعبين وقد فرق أبو بكر وغيره من أصحابنا في الاستحباب بين القميص وبين الإزار فقال يستحب أن يكون طول قميص الرجل إلى الكعبين أو إلى شراك النعلين وطول الإزار إلى مراق الساقين وقيل إلى الكعبين.
ويكره تقصير الثوب الساتر عن نصف الساق قال إسحاق بن إبراهيم دخلت على أبي عبد الله وعلي قميص قصير أسفل من الركبة وفوق نصف الساق فقال ايش هذا وأنكره وفي رواية إيش هذا لم تشهر نفسك وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "حد آزره المؤمن بأنها إلى نصف الساق" وأمر بذلك وفعله ففي زيادة الكشف تعرية لما يشرع ستره لا سيما أن فعل تدينا فإن ذلك تنطع وخروج عن حد السنة واستحباب لما لم يستحبه الشارع.
ويكره إسبال العمامة أيضا قاله أصحابنا لما تقدم من الأحاديث العامة وقد جاء ذكرها مصرحا به في حديث ابن عمر

فصل.
فأما النساء فإن إطالة الذيول لهن سنة نص عليه لما روت أم سلمة أنها قالت: "يا رسول الله كيف يصنع النساء بذيولهن قال: "يرخين شبرا فقالت إذا تنكشف أقدماهن قال يرخينه ذراعا لا يزدن عليه" رواه الخمسة إلا ابن ماجة وقال الترمذي حسن صحيح.
وعن ابن عمر قال: "رخص رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمهات المؤمنين في الذيل شبرا ثم استزدنه فزادهن شبرا فكن يرسلن إلينا فنذرع لهن ذراعا" رواه أبو داود والنسائي وفي رواية لأحمد أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه عن الذيل فقال: "اجعلنه شبرا فقلن أن شبرا لا يستر من عورة فقال اجعلنه ذر فكانت إحداهن إذا أرادت أن تتخذ ذراعا أرخت ذراعا فجعلته ذيلا".
ولهذا قال أصحابنا: أقل ذيل المرأة شبر وأكثره ذراع.
قال بعض أصحابنا: هذا في حق من مشى بين الرجال كنساء العرب اللاتي يمشين بين الحلل والصحراء فأما نساء المدن اللاتي في بيوتهن ولا يراهن رجل أجنبي فيكون ذيلها كذيل الرجل.

فصل.
يكره للرجل الأحمر المشبع حمرة في جميع أنواع اللباس من الثياب والفرش والأكسية وآلات الدواب والأغطية وغير ذلك ولا بأس بذلك للنساء.
والمعصفر المشبع من هذا النوع نص على ذلك في عدة مواضع قال وقد سئل عن لباس المعصفر المشبع اكره لباسه وسئل عن الأكسية المصبوغة كالدم فقال إذا كانت حمرة تشابه المعصفر يكره ذلك وفي موضع آخر أنه كره المعصفر كراهة شديدة للرجال وقال أيضا يكره المعصفر للرجال ولا يكره للنساء وسئل عن المعصفر للنساء فلم ير به باسا وقال المروذي صبغت بطانة جبتي حمراء فقال لم صبغتها حمراء قلت للرقاع التي فيها قال وأي شيء تبالي أن يكون فيها رقاع وقال أول من لبس الثياب الحمر قارون وآل فرعون ثم قرأ: {فَخَرَجَ عَلَى

قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ}.
قال في ثياب حمر قلت له الثوب الأحمر تغطى به الجنازة ترى أن أخذ به قال نعم قال وأمرني أبو عبد الله أن اشتري له تكة لا يكون فيها حمرة قال وأمرني أن اشتري له مدا فقال لا تكون فيه حمرة وقد نقل عنه أحمد بن واصل المقرئ أنه سئل عن كساء اسود له علم احمر فقال لا بأس به قال القاضي فظاهر رواية المروذي أنه كره العلم الأحمر أجراء له مجرى طراز الذهب وظاهر رواية المقرىء أنه لم يكرهه وأجراه مجرى الطراز الحرير.
وهذه الكراهة في الجملة قول عامة الأصحاب وذكر القاضي في موضع من خلافه وبعض من اتبعه أن المعصفر لا يكره للرجال والنساء وأن النهي كان خاصا لعلي لقوله في الحديث لم ينهه ولا إياك وإنما نهاني.
ومن أصحابنا من قال إنما يكره المعصفر خاصة فأما ما صبغ بالحمرة من مدر وغيره فلا بأس به سواء صبغ قبل النسج أو بعده وهذا

اختيار أبي محمد رحمه الله وقد أومأ إليه في رواية حنبل فقال قد لبس النبي صلى الله عليه وسلم بردة حمراء كذلك الترمذي في حديث الرجل الذي سلم على النبي صلى الله عليه وسلم وعليه ثوبان أحمران قال معنى هذا الحديث عند أهل العلم أنهم كرهوا لبس المعصفر ورأوا أن ما صبغ بالمدر أو غير ذلك فلا بأس إذا لم يكن معصفرا وذلك لأن المعصفر صحت في كراهته أحاديث كثيرة في حق علي وغيره للرجال دون النساء فعن عبد الله بن عمرو قال: "رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال أن هذه من ثياب الكفار فلا تلبسها" رواه أحمد ومسلم والنسائي وفي رواية لمسلم: "رأى النبي صلى الله عليه وسلم علي ثوبين معصفرين فقال أمك أمرتك بهذا قلت اغسلهما قال بل احرقهما".
وعن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عليه ريطة مضرجة بالعصفر فقال: "ما هذه قال فعرفت ما كره قال فأتيت أهلي وهم يسجرون تنورهم فقذفتها ثم أتيته فأخبرته فقال إلا كسوتها بعض اهلك فإنه لا بأس بذلك للنساء" رواه أبو داود وابن ماجة وقال هشام بن

الغاز المضرجة التي ليست بمشبعة ولا الموردة وقال الخطابي المضرج الذي ليس صبغه بالمشبع التام وإنما هو لطخ عق به يقال تضرج الثوب إذا تلطخ بدم ونحوه والريطة ملاة ليست بفلقتين إنما نسج واحد وقال الجوهري يقال ضرجت الثوب تضريجا إذا صبغته بالحمرة وهو دون المشبع وفوق الموردة وفي رواية عن عبد الله بن عمرو قال: "رآني النبي صلى الله عليه وسلم وعلي ثوب مصبوغ بعصفر مورد قال: ما هذا فانطلقت فأحرقته فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "ما صنعت بثوبك فقلت أحرقته قال أفلا كسوته بعض اهلك" وعن ابن عمر قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن المقدم وهو المشبع بالعصفر" رواه أحمد وابن ماجة وعن علي بن أبي طالب قال: "نهاني النبي صلى الله عليه وسلم عن التختم بالذهب وعن لباس القس وعن القراءة في الركوع والسجود وعن لباس المعصفر" رواه أحمد ومسلم وفي رواية صحيحة نهاني عن المعصفر المقدم.
قالوا وأما الأحمر غير المعصفر فلا بأس به لما روى البراء بن عازب

قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم عظيم الجمعة إلى شحمة أذنيه ورايته في حلة حمراء لم أر شيئا قط أحسن منه" رواه الجماعة وعن أبي جحيفة قال: "أتيت النبي صلى الله عليه وسلم بالأبطح وهو في قبة له حمراء ثم ركزت له عنزة فخرج وعليه جبة له حمراء أو حلة حمراء فكأني انظر إلى بريق ساقيه قال فصلى بنا إلى العنزة الظهر أو العصر ركعتين" متفق عليه وعن عامر بن أبي هلال المزني قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يخطب بمنى على بغلة وعليه برد احمر وعلي رضي الله عنه أمامه يعبر عنه" رواه أحمد وأبو داود وعن أنس قال: "كان أحب اللباس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الحبرة" متفق عليه.
والأول هو المذهب المعروف المنصوص لما احتج به أحمد من

قوله سبحانه: ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ﴾ الآية قال جابر بن عبد الله في القرمز وقال إبراهيم والحسن في ثياب حمر على لفظ أحمد وقال مجاهد على براذين بيض عليها سروج الأرجوان عليهم المعصفرات وكذلك ذكر قتادة وابن زيد وغيرهما أنه خرج وعلى دوابه وجنده الأرجوان والمعصفرات قال ابن زيد وكان ذلك أول يوم رؤيت المعصفرات فيما كان يذكر لنا ومعلوم أن الله سبحانه وتعالى ذكر هذا في سياق الذم له والعيب لما خرج فيه من الزينة فعلم أن الثياب الحمر معيبة عند الله مذمومة ولا معنى لكراهتها إلا ذلك وعن عبد اله بن عمرو قال: "مر على النبي صلى الله عليه وسلم رجل وعليه ثوبان أحمران فسلم فلم يرد عليه النبي صلى الله عليه وسلم" رواه أبو داود والترمذي وقال حديث حسن وعن رافع بن خديج رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى الحمرة قد ظهرت فكرهها وفي رواية قال: "خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فرأى رسول الله صلى الله عليه وسلم على رواحلنا وعلى ابلنا أكيسة فيها خيوط عهن حمر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ألا أرى هذه الحمرة قد علتكم فقمنا سراعا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نفر ابلنا فأخذنا الاكيسة ونزعناها عنها" رواه أحمد وأبو داود من حديث محمد بن عمرو بن عطاء عن رجل من بني

حارثة عنه وعن حريث بن الابج السليحي أن امرأة من بني أسد قالت: "كنت يوما عند زينب امرأة رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما رأى المعرة رجع فلما رأت ذلك زينب علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كره ما فعلت فأخذت فغسلت ثيابها ووارت كل حمرة ثم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع فاطلع فلما لم ير شيئا دخل" رواه أبو داود وعن عمران بن حصين أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا أركب الأرجوان ولا البس المعصفر ولا البس المكفف" رواه أحمد وأبو داود وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن المياثر الحمر" متفق عليه وعن مالك بن عمير قال كنت قاعدا عند علي قال فجاء صعصعة بن صوحان فسلم ثم قام فقال يا أمير المؤمنين انهنا عما نهاك عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: "عن الدباء والحنتم والمزفت والنقير ونهانا

عن القسي والميثرة وعن الحرير وحلق الذهب" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وعن علي قال: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب وعن لبس القسي والميثرة الحمراء" رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وعن عبيدة عن علي رضي الله عنه قال: "نهى عن مياثر الأرجوان" رواه أحمد وأبو داود بإسناد صحيح وفي رواية عن علي قال: "نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن خاتم الذهب وعن لبس الحمرة" وفي لفظ: "الحمراء وعن القراءة في الركوع والسجود" وفي رواية: "عن لباس القسي والمياثر والمعصفر" رواهما عبد الله بن أحمد في مسند أبيه وعن أبي بردة أن عليا قال: "نهاني النبي صلى الله عليه وسلم أن اجعل خاتمي في هذه أو التي تليها واوما إلى الوسطى والتي تليها ونهاني عن لبس القسي وعن جلوس على المياثر" قال يعني عليا فأما القسي فثياب مضلعة يؤتى بها

من مصر والشام وأما المياثر فشيء كانت تجعله النساء لبعولتهن على الرحل كالقطايف الأرجوان.
فقد نهى صلى الله عليه وسلم: "عن المياثر الحمر" وذلك يقتضي أن تكون الحمرة مؤثرة في النهي والحديث عام في المياثر الحمر سواء كانت حريرا أو لم تكن ولو كان المراد بها الحرير فتخصيصه الحمر بها دليل على أن الأحمر من الحرير أشد كراهة من غيره وذلك يقتضي أن يكون للحمرة تأثير في الكراهة وكذلك قوله في حديث عمران لا اركب الأرجوان وهو الأحمر ولابس المعصفر ودليل على أن الحمرة مؤثرة ثم أحاديث علي في بعضها عن القسي والميثرة الحمر والحرير وفي بعضها عن القسي والمعصفرة وفي بعضها عن القسي والميثرة الحمراء وفي بعضها عن مياثر الأرجوان وهي كلها دليل على أن المياثر هي الحمر وأن لم تكن حريرا وأن مناط الحكم حمرتها لا مجرد كونها حرير وذلك أن الأرجوان هو الأحمر الشديد الحمرة كان اشتقاقه من الأرج وهو توهج رائحة الطيب لأن الأحمر يسطع لونه ويتوقد كما تسطع الرائحة الزكية في الارائج قال أبو عبيد الأرجوان الشديد الحمرة والنهرمان دونه في الحمرة

والمفدم المشبع حمرة والمضرج دونه ثم المورد بعده ثم قول علي رضي الله عنه في حديث آخر: " نهى عن لبس الحمرة والحمراء وعن الميثرة الحمراء" بدل قوله المعصفر دليل على أن المعصفر إنما نهاه عنه لحمرته فتارة يعبر عنها باسمه الخاص وتارة يعبر عنه بالاسم العام الذي هو مناط الحكم وعن الحسن رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إياكم والحمرة فإنها من أحب الزينة إلى الشيطان" رواه الخلال وعنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الشيطان يحب الحمرة والحمرة من زينة الشيطان".
وعن سعيد بن أبي هند قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الحمرة ويحب الخضرة" وعن ابن عمر أنه: "رأى على ابن له ثوبا معصفرا فنهاه وأبصر على أهله ثيابا معصفرة فلم ينههم" رواهن وكيع وهذان المرسلان من وجهين مختلفين وقد اعتضدا بقول الصحابة وذلك يؤكد الاحتجاج بها ويقتضي تعاضدها على الدلالة وأيضا أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا نهى عن المعصفرة فغيره من الأحمر المشبع أولى بالنهي منه إذ ليس في المعصفر ما يكره منه سوى لونه وليس هو باشدها حمرة فغيره من الأحمر

الذي يساويه في لونه وبريقه أو يزيد عليه أولى أن ينهى عنه والتفريق بينهما تفريق بين الشيئين المتماثلين وذلك غير جائز وأيضا فإن هذا اللون يوجب الخيلاء والبطر والمرح والفخر فكان منهيا عنه كالحرير والذهب ولهذا أبيح هذا للنساء كما أبيح لهن الحرير والذهب.
فأما الخفيف الحمرة مثل المورد ونحوه فقد ذهبت بهجته وتوقده وصار قريبا من الاصفر فلا يكره والأحاديث التي جاءت في الرخصة في الأحمر محمولة على هذا فإنه يسمى احمر وأن كانت حمرته خفيفة وعلى ما يكون بعضه احمر مثل البرود التي فيها خطوط حمر وهذا معنى قولهم حلة حمراء.
وهل هذه كراهة تحريم أو تنزيه فيه وجهان ويبنى على ذلك صحة الصلاة فيه وفيها وجهان.
أحدهما: تصح قاله طائفة من أصحابنا لأنه لم يجيء في ذلك تصريح بالتحريم ولو كان حراما لصرح بتحريمه كما صرح بتحريم الذهب والحرير فإن الفرق بينه وبين الحرير ظاهر في الحديث.
والثاني: لا تصح الصلاة فيه قال ابو بكر يعيد كل من صلى في ثوب نهي عن الصلاة فيه كالمعصفر والأحمر والغصب ونحوه لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن ذلك نهيا مطلقا وموجب النهي التحريم لا سيما وقد قرنه بالقسي وبخاتم الذهب فإن ظاهره يدل على أن المعصفر والحرير والذهب من باب واحد كيف وسبب الكراهة فيها واحد

وقد امتنع من رد السلام على لابسها وإنما يترك رد السلام المفروض على المتلبس بمعصية وقد أمر عبد الله بن عمرو باتلافها ولو كان الانتفاع بها جائزا لم يامره باتلاف ماله فعلم أن ذلك كاراقة الخمر وإنما لم ياذن له في الغسل والله أعلم لأن اللون لا يزول بالغسل مرة أو مرتين.
وأما قوله في الرواية الأخرى لما أخبره أنه حرقها: "هلا كسوتها بعض اهلك فإنه لا بأس بذلك للنساء" فيحتمل أن يكون لما استاذن النبي صلى الله عليه وسلم في غسلها ليلبسها بعد الغسل أراد صلى الله عليه وسلم أن يقطع طمعه في اللبس قبل الغسل وبعده وأن يعرفه أن اتلافه المضرج وإخراجه عن ملكه هو الواجب دون الغسل فلما راه قد سمح بذلك قال فإن كنت كذلك فإن تعطيه بعض اهلك خير من أن تتلفه".
فصل.
فأما الاصفر فلا يكره سواء صبغ بزعفران أو غيره وكذلك الأحمر المورد ونحوه نص عليه في مواضع وقال لا بأس بالمورد ومكان يصبغ بالزعفران وقيل الثوب المصبوغ بالزعفران للرجل فلم ير به بأسا وهول قو أكثر أصحابة حتى جعلها الخلال رواية واحدة.

ونقل صالح عنه أنه سأله أيصلي الرجل وعليه القميص المصبوغ بالنشاستج فقال قد: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يتزعفر الرجل ونهى عن المعصفر" فأما النشاستج والزعفران فإن كان شيئا خفيفا فلا بأس وهذا يقتضي كراهة المزعفر وهو قول أبي الخطاب وأبي محمد لما روى أنس ابن مالك أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى أن يتزعفر الرجل" رواه الجماعة وفي حديث يعلى بن أمية أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "له وقد احرم في جبة وهو متضمخ بخلوق اغسل عنك أثر الخلوق واصنع في عبرتك ما كنت صانعا في حجك" متفق عليه.
والأول هو الصحيح لما روي عن ابن عمر أنه: "كان يصبغ بالصفرة وقال رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبغ بها" متفق عليه.
ولأبي داود والنسائي عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يصبغ ثيابه بالخلوق كلها حتى عمامته" ولفظ أبي داود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يصبغ بها ولم يكن شيء أحب إليه منها وكان يصبغ بها ثيابه كلها حتى عمامته" وفي

رواية لأحمد عنه أنه كان يصبغ ثيابه ويدهن بالزعفران وقال كان أحب الإصباغ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يدهن به ويصبغ به ثيابه وعن قيلة بنت مخرمة: "أنها رأت رسول الله صلى الله عليه وسلم اسمال مليتين كانتا بزعفران وقد نفضتا" رواه الترمذي وقد تقدم جواز صبغة اللحية بالزعفران وقد نهى النبي صلى الله عليه وسلم: "أن يلبس المحرم ثوبا فيه ورس أو زعفران" فدل على أنه لا ينهى عنه غير المحرم وعن يحيى بن عبد الله بن مالك قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصبغ ثيابه بالزعفران حتى العمامة" وعن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير أن الزبير كان عليه يوم بدر عمامة صفراء معتجرا بها فنزلت الملائكة وعليها عمائم صفر" رواهما وكيع في باب اللباس.
وأما نهيه أن يتزعفر الرجل فالمراد به أن يخلق بدنه بالزعفران فإن طيب الرجل ما ظهر ريحه وخفي لونه وكذلك أمره للذي احرم وعليه جبة وهو متضمخ بخلوق: "أن ينزع عنه الجبة ويغسل عنه أثر الخلوق" وقد

جارٍ التحميل