استثناه ولأن الكفار لو استولوا على مساجد الله واتخذوها معابد لدينهم الذي لم يأذن به الله لم تكره الصلاة فيها لذلك.
فأما أن كان فيها صور فمن أصحابنا من لم يكره الصلاة فيها أيضا قال لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما كان يوم الفتح دخل إلى البيت فصلى فيه وكانت فيه تماثيل.
والمذهب الذي نص عليه عامة الأصحاب كراهة الصلاة فيها بلا كراهة الدخول إلى كل موضع فيه تصاوير فالصلاة فيه أشد كراهة من دخوله.
فان كانت الصورة قد مثلت في بيوت العبادة فالصلاة هناك اقبح وأشد كراهة حتى قد قال أحمد فيمن صلى وفي كمه منديل حرير فيه صور اكرهه قال القاضي لأن التصاوير في الثوب المحرم فكأنه حامل لشيء محرم فجرى مجرى جلوسه في بيت فيه صور وذلك مكروه وهذا هو الصواب الذي لا ريب فيه ولا ينبغي أن يشك فيه لظهوره في دين الاسلام فإن الذين نقل عنهم الرخصة في الصلاة في الكنائس من الصحابة شرطوا ذلك بأن لا تكون بها تماثيل وقد ذكرناه عن ابن عباس وذكر ابن المنذر عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال لنصراني انا لا ندخل بيعكم من أجل الصور التي فيها وعن مقسم قال: "كان ابن عباس لا يصلي في بيت فيه تماثيل" وعنه عن ابن عباس أنه: "قال لا يصلي فى كنيسة فيها
تماثيل وأن صار أن يخرج فيصلي في المطر" رواهما سعيد ولأن النبي صلى الله عليه وسلم لما ذكرت له الكنيسة التي بارض الحبشة وما فيها من التصاوير قال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك التصاوير أولئك شرار الخلق عند الله" وكل واحد من اتخاذ القبور مساجد ومن التصاوير فيها محرم فالصلاة فيها تشبه الصلاة في المسجد على القبر ولأنه بعث عليا رضي الله عنه على أن لا يدع تمثالا إلا طمسه ولا قبرا مشرفا إلا سواه فإذا كان طمسها واجبا لأنها بمنزلة الأوثان فالصلاة في المكان الذي فيه الصور كالصلاة في بيوت الأوثان فهل يقول أحد أن هذا جائز بلا كراهة من غير ضرورة وقد قال صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه صورة" فكيف لا تكره الصلاة في مكان تمنع الملائكة من الدخول إليه دائما ولأن الصور قد تعبد من دون الله وفيها مضاهاة لخلق الله فالصلاة عندها تشبه بمن يعبدها ويعظمها لا سيما أن كانت الصورة في جهة القبلة فإن السجود إلى جهتها يشبه السجود لغير الله.
وأما صلاة النبي صلى الله عليه وسلم في الكعبة فهو حجة أيضا قوية لما روى عن ابن عباس قال: "دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت فوجد فيه صورة إبراهيم وصورة مريم فقال: أما هم فقد سمعوا أن الملائكة لا تدخل بيتا فيه صورة هذا إبراهيم
مصور فما له يستقسم" وفي رواية لما رأى الصور في البيت لم يدخل حتى أمر بها فمحيت وراى إبراهيم وإسماعيل بايديهما الأزلام فقال: "قاتلهم الله والله أن استقسما بالأزلام قط" وفي رواية لما قدم أبى أن يدخل البيت وفيه الآلهة فامر بها فاخرجت واخرجوا صورة إبراهيم وإسماعيل في ايديهما الأزلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قاتلهم الله والله قد علموا أنهما لم يستقسما بها قط فدخل البيت فكبر في نواحيه ولم يصل" رواه البخاري.
فهذا نص في أنه امتنع من الدخول حتى محيت الصور فكيف يقال أنه صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة والتماثيل فيها وقد روى الازرقي: "أنه صلى الله عليه وسلم لما دخل البيت أرسل الفضل بن عباس فجاء بماء زمزم ثم أمر بثوب فبل بالماء وأمر بطمس تلك الصور فطمست" وروي من غير وجه: "أنه لم يدخل حتى محيت الصور" ثم لو قدر أنه قد دخل قبل الطمس فإنه لم يدخل حتى طمست أو شرع في طمسها كما يدل عليه ظاهر بعض الروايات ولو كان قد صلى بعد الأمر بطمسها فهو قد شرع في إزالة المنكر فلا يشبه هذا من صلى في موضع الصور فيه مستقرة ولهذا جاز للرجل أن يحضر الوليمة التي فيها منكر إذا قصد أن ينكر وأن كان الحضور قبل الإنكار.
فصل.
ولا يصلى في مواضع الخسف نص عليه في رواية عبد الله واحتج بما رواه بإسناده عن حجر بن عنبس الحضرمي قال خرجنا مع علي بن أبي طالب إلى النهروان حتى إذا كنا ببابل حضرت صلاة العصر فقلت الصلاة فسكت مرتين فلما خرج منها صلى ثم قال: "ما كنت اصلي بارض خسف بها ثلاث مرات".
وروى أبو داود في سننه عن عمار بن سعد المرادي عن أبي صالح الغفاري أن عليا رضي الله عنه مر ببابل وهو يسير فجاءه المؤذن يؤذن بصلاة العصر فلما برز منها أمر المؤذن فاقام الصلاة فلما فرغ قال: "أن حبيبي نهاني أن اصلي في المقبرة ونهاني أن اصلي في أرض بابل فإنها ملعونة" ولأن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن الدخول إلى المساكن الذين ظلموا
انفسهم وسن أن اجتزنا بها الاسراع" فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم لما مر بالحجر قال: "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا انفسهم إلا أن تكونوا باكين فإن لم تكونوا باكين فلا تدخلوا عليهم أن يصيبكم مثل الذي أصابهم ثم قنع رسول الله صلى الله عليه وسلم راسه واسرع السير حتى أجاز الوادي" متفق عليه.
وقد قيل أنه صلى الله عليه وسلم اسرع السير بوادي محسر صبيحة مزدلفة وسن للحجيج الاسراع فيه لأنه المكان الذي نزل على أهل الفيل فيه العذاب وحسر فيلهم فيه أي انقطع عن الحركة إلى جهة مكة ويقال أنه يخسف بقوم فيه فإذا كان المكث في مواقع العذاب والدخول إليها لغير حاجة منهي عنه فالصلاة بها أولى ولا يقال فقد استثنى ما إذ كان الرجل باكيا لأن هذا الاستثناء من نفس الدخول فقط فأما المكث بها والمقام والصلاة فلم ياذن فيه بدليل حديث علي ولأن مواضع السخط والعذاب قد اكتسبت السخط بما نزل ساكنيها وصارت الأرض ملعونة كما صارت مساجد الأنبياء مثل مسجد إبراهيم ومحمد وسليمان صلى الله عليهم مكرمة لاجل من عبد الله فيها واسسها على التقوى فعلى هذا كل بقعة نزل عليها عذاب لا يصلى فيها مثل أرض الحجر وارض بابل المذكورة ومثل مسجد الضرار لقوله تعالى: ﴿لا تَقُمْ فِيهِ أَبَداً﴾.
فان صلى فهل تصح صلاته فعلى ما ذكره طائفة من أصحابنا تصح لأنهم جعلوا هذا من القسم الذي تكره الصلاة فيه ولا تحرم لأن أحمد كره ذلك ولأنهم لم يستثنوه من الأمكنة التي لا يجوز الصلاة فيها ولأصحابنا في الكراهة المطلقة من أبي عبد الله وجهان.
أحدهما: أنه محمول على التحريم وهذا أشبه بكلامه واقيس بمذهبه لأنه قد قال في الصلاة في مواضع نهي النبي صلى الله عليه وسلم عنها يعيد الصلاة وكذلك عند القاضي والشريف أبي جعفر وغيرهما طرد الباب في ذلك بان كل بقعة نهي عن الصلاة فيها مطلقا لم تصح الصلاة فيها كالأرض النجسة.
وهذا ظاهر فإن الواجب الحاق هذا بمواضع النهي لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عنه كما نهى عن الصلاة في المقبرة ونهى الله نبيه أن يقوم في مسجد الضرار ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الدخول إلى مساكن المعذبين عموما فإذا
كان الله نهى عن الصلاة في الاماكن الملعونة خصوصا ونهى عن الدخول إليها خصوصا وعمل بذلك خلفاؤه الراشدون وأصحابه مع أن الأصل في النهي التحريم والفساد لم يبق للعدول عن ذلك بغير موجب وجه لا سيما والنهي هنا كان مؤكدا ولهذا لما عجنوا دقيقهم بماء ال ثمود امرهم أن يعلفوه النواضح ولا يطعموه فأي تحريم ابين من هذا قوم مجاهدون في سبيل الله في غزوة العسرة التي غلب عليهم فيها الحاجة وهي غزوة تبوك التي لم يكن يحصي عددهم فيها ديوان حافظ وخرجوا في شدة من العيش وقلة من المال ومع هذا يامرهم أن لا ياكلوا عجينهم الذي اعز اطعمتهم عندهم فلو كان إلى الاباحة سبيل لكان أولئك القوم احق الناس بالاباحة فعلم أن النهي عن الدخول والاستقاء كان نهي تحريم ثم أنه قد قرن بين الصلاة في الأرض الملعونة والصلاة في المقبرة ثم جميع الاماكن التي نهى عن الصلاة فيها إذا صلي فيها لم تصح صلاته فما بال هذا المكان يستثنى من غير موجب إلا عدم العلم بالسنة فيه.
فصل.
قال الآمدي وغيره تكره الصلاة في الرحا ولا فرق بين علوها واسفلها والسطح هكذا روى جماعة من السلف هكذا ذكروا لعل هذا
لما فيها من الصوت الذي يلهي المصلي ويشغله ولذلك كره رفع الصوت في المسجد وكانوا يكرهون رفع الصوت في الذكر.
فصل.
السنة أن يكون موضع الصلاة مستقرا مع القدرة فإن لم يصل على مكان مستقر مثل أن يقوم على الارجوحة التي ترجحه وهو يصلي وهو معلق بالهواء أو يسجد على متن الماء أو الطين أو على منتن الهواء بان يقف على سطح ويسجد على الهواء المسامت له أو يسجد على ثلج أو قطن أو حشيش ونحو ذلك من الاجسام المنتفشة ولا يجد حجمه لم تصح صلاته لأن القيام والقعود والركوع والسجود واجب وإنما تتم هذه الأركان على المكان المستقر ولهذا لا يجوز أن يسجد بالايماء وأن بلغ إلى حد يجزيه لو كان هناك ما يسجد عليه فعلم أن المقصود لا يتم إلا بالاستقرار.
فان وضع يديه أو رجليه على غير مستقر فإن قلنا السجود على الاعضاء السبعة واجب وهو المشهور فهو كالجبهة وأما أن كانت اعضاؤه على مكان مستقر وتحته هواء لم يضر ذلك.
فان صلى في سفينة واتى بجميع أركان الصلاة من القيام والاستقبال وغيرهما أو على راحلة بان تكون معقولة وفوقها مقعد واسع أو يكون في
محفة كبيرة أو محمل واسع فهل تصح صلاة الفرض لغير عذر على روايتين.
أشهرهما عند أصحابنا أنها تصح قالوا وسواء كانت الدابة والسفينة سائرتين أو واقفتين.
وفي الأخرى لا تصح لأن مكانه ليس بمستقر لأنها أن كانت سائرة فهو تابع لها في الحركة وأن لم يكن في نفسه متحركا فهو كالمصلي في الارجوحة وأن كانت واقفة فهي في مظنة الحركة.
ومن أصحابنا من حكى الروايتين في السفينة وقال في الراحلة لا تجوز الصلاة عليها رواية واحدة إلا لعذر كما سياتي أن شاء الله تعالى.
ووجه الأول ما روى عبد الله بن عتبة قال: "سافرت مع أبي الدرداء وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد الله وأبي هريرة وناس من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فصلوا من السفينة قياما وامهم بعضهم بمقدمهم قال ولو شئنا أن نخرج إلى الحد الاخر خرجنا والحد هو الشاطىء" رواه سعيد ولأنه مكان معتاد للتمكن عليه اتى فيه بجميع الشرائط والأركان فصحت صلاته عليه كالسرير.
وأما كون المصلي متحركا فليس بصحيح لأنه في نفسه ساكن مستقر وانما يوصف بالحركة على سبيل التبع لأن مستقره متحرك لكن تلك الحركة لا أثر لها في صلاته فإنه لا فرق بين الجلوس في السفينة والجلوس
على الأرض.
وأما الصلاة على العجلة فقال ابن عقيل لا تصح الصلاة على العجلة قال وهي خشبة على بكر تسير على تلك البكر لأن ذلك ليس بمكان مستقر عليه فاشبه الارجوحة وعد غيره من أصحابنا الصلاة فيها كالصلاة في السفينة تصح في ظاهر المذهب وهذا اجود.
فصل.
فأما المعذور فمن لم يمكنه الخروج من السفينة أما لبعده عن الساحل أو لخوفه من عدو أو نحو ذلك فإنه يصلي فيها على حسب حاله فإن أمكنه القيام والاستقبال لزمه ذلك سواء كانت سائرة أو واقفة لما روى ابن عمر قال سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم كيف اصلي في السفينة قال: "صل فيها قائما إلا أن تخاف الغرق" رواه الدارقطني والحاكم في صحيحه ولأن أركان الصلاة يجب فعلها مع القدرة عليها لما نذكره أن شاء الله من ادلة وجوبها.
وإذا دارت السفينة فقال ابن أبي موسى وغيره يستقبل القبلة في الفرض ويدور إليها كلما دارت السفينة ويعذر في النفل أن لا يدور إلى
القبلة إذا دارت السفينة وهذا يشبه الراكب في العمارية والمحمل ونحوهما.
وفي وجوب الاستدارة عليه في النفل إذا أمكنه وجهان.
وان لم يمكنه القيام في السفينة بان يخاف الغرق أو يهيج به الموج فيمرض ونحو ذلك لصغرها وسيرها أو تكون مسقوفة ولا يمكنه الصعود إلى الطبقة العليا أو يخاف أن يراه عدو يؤذيه ونحو ذلك صلى جالسا وسجد على ما فيها من الاحمال والثياب والامتعة وغيرها أن أمكنه ولا بد من استعلاء عجيزته على رأسه مع القدرة فإن عجز اوما ايماء.
فان أمكنهم أن يصلوا قياما فرادى واحد بعد واحد ولم يمكنهم أن يصلوا جميعا إلا بجلوس بعضهم فقال جماعة من أصحابنا يصلون وحدانا مع اتساع الوقت ولا يسقط القيام هنا للجماعة بخلاف المريض الذي لا يمكنه القيام في الجماعة ويمكنه في الانفراد فإنه يصلي في الجماعة أن شاء لأن حكم العجز لا يثبت لغير معين ولهذا قلنا في العراة أنهم يصلون في الثوب واحد بعد واحد وعلى هذا فإذا خافوا خروج الوقت بالصلاة قياما صلى بعضهم قاعدا كما في العراة وقال ابن أبي موسى لم يختلف قوله أنه أن قدر جميعهم على القيام جاز أن يصلوا جماعة في السفينة فإن عجزوا عن القيام فهل يصلون جماعة أم لا؟ على
روايتين أجاز ذلك في إحداهما: ومنع منه في الأخرى واختياري أن ذلك جائز.
وقال غيره أن أمكن أن يقوم بعضهم دون بعض صلى من أمكنه القيام ثم قعدوا أو صلى الاخرون وأن ضاق بهم الوقت صلى كل واحد بحسب امكانه.
وان عجزوا عن القيام فهل يصلون جماعة على روايتين.
وظاهر ما اختاره ابن أبي موسى من الروايتين هو قياس المذهب وهو أن يصلوا جماعة مع قعودهم أو قعود بعضهم ثم أن كان موضع القيام واحدا قام فيه الامام وأن كان أكثر من واحد صلوا على المقاعد التي كانوا عليها قبل الصلاة لأن من اصلنا جواز القعود خلف الامام إذا صلى قاعدا لأن فضل الجماعة اسقط القيام وكذلك المريض له أن يصلي جماعة مع قعوده وأن أمكنه الصلاة وحده قائما ولأن الجماعة مع الخوف فيها مما يفسد الصلاة في الجملة أعظم من ترك القيام ثم احتمل ذلك لاجل الجماعة ومن تأمل الشريعة علم أن الشارع يحافظ على صلاة الجماعة كيفما أمكن ولا يبالي ما فات في ضمن الجماعة ولأن من أصلنا أن الجماعة واجبة والقيام واجب أيضا لكن القيام ركن خفيف يسقط في النوافل مطلقا ويسقط في الفرائض في مواضع وأما الجماعة فلم نجد الشارع اسقطها إذا أمكنت من غير ضرر قط.
فصل.
وأما العذر في الراحلة فثلاثة اسباب الخوف والوحل والمرض.
فأما الخوف فمثل الذي يخاف في نزوله من عدو أو من انقطاعه عن الرفقة الذين لا يحتبسون له أو لا يمكنه النزول لكونه على مركوب لا ينزله عنه إلا انسان وليس هناك من ينزله عنه أو يمكنه النزول ولا يمكنه الصعود ولا يقدر على المشي أو يخاف انفلات الدابة بنزوله ونحو ذلك مما يخاف في نزوله ضررا في نفسه أو ماله فإنه يصلي على حسب حاله كما يصلي الخائف من العدو على ما سنذكره أن شاء الله تعالى لعموم قوله سبحانه: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أو رُكْبَاناً﴾.
وفي حديث ابن عمر فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا ركبانا ورجالا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها لا سيما إذا قلنا أن طالب العدو يصلي على الدابة إذا خاف من فوته فإن ما يخافه في هذه المواضع قد يكون أشد ضررا مما يخافه من فوت العدو يخاف في النزول ضررا فجاز أن يصلي على الدابة كالخائف نم العدو ولأن القيام والاستقبال من اخف فروض الصلاة يسقطان في التطوع فإذا كانت الطهارة والسترة تسقط بمثل هذا الخوف فسقوط القيام والتوجه أولى هكذا ذكر طائفة من أصحابنا.
وقال ابن أبي موسى لم يختلف قوله أن التوجه إلى القبلة في المكتوبة في سائر الأحوال من شرط صحة الصلاة إلا في حال المسايفة خاصة.
السبب الثاني: الوحل فإذا خاف التأذي في بدنه أو ثيابه بالوحل والمطر والثلج بان لا يمكنه بسط شيء عليه أما لكثرته وإذاه للبسط أو لعدم البسط ولا يمكنه الوقوف عليه إلا بضرر فإنه يصلي على الراحلة بان يستقبل القبلة ويقف أن كان مسيره إلى غير قبلة.
وان كان جهة مسيره إلى القبلة فقال أصحابنا: يصلي في حال سير الدابة كما يصلي في السفينة هذه احدى الروايتين.
وعنه يلزمه النزول إلى الأرض والسجود على متن الطين نقلها حنبل.
وكذلك الروايتان فيمن كان في ماء أو طين فعلى الرواية الأولى يومىء إلى الحد الذي لو زاد عليه تلوث وهذه الرواية اختيار الخرقي وأكثر أصحابنا.
وعلى الرواية الأخرى يسجد على متن الماء أو الطين وهو اختيار أبي بكر.
وقال ابن أبي موسى اختلف قوله في الغريق يصلي في الماء والطين على روايتين قال في إحداهما: يومىء بالركوع والسجود.
وقال في الأخرى يسجد على متن الماء.
والقائم في الماء والطين العاجز عن الخروج عنه يصلي ويومىء في الركوع والسجود في ماء قولا واحدا وفرق بين الماء والطين وهو فرق حسن فإن قلنا يجب النزول ويجب السجود على الطين فلما روى أبو سعيد قال رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في الماء والطين حتى رأيت أثر الطين في جبهته.
وعن عطاء قال سالت عائشة هل رخص للنساء أن يصلين على الدواب قالت ما رخص لهن في شدة ولا رخاء" رواه أبو داود.
ووجه الأول ما روى يعلى ابن امية: "أن النبي صلى الله عليه وسلم انتهى إلى مضيق هو وأصحابه وهو على راحلته والسماء من فوقهم والبلة من أسفل منهم فحضرت الصلاة فامر المؤذن فاذن واقام ثم تقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم على راحلته فصلى بهم يومئ ايماء يجعل السجود اخفض من الركوع" رواه أحمد والترمذي وعن أنس بن مالك: "أنه صلى بهم المكتوبة على
دابته والأرض طين" ذكره أحمد وغيره وقد رواه الدارقطني مرفوعا إلا أنه قال المحفوظ عن أنس فعله غير مرفوع ولم ينقل عن صحابي خلافه.
السبب الثالث: المرض فعنه أنه ليس بعذر في الصلاة على الراحلة نص عليه مفرقا بينه وبين الوحل لأن ابن عمر رضي الله عنه روى عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يوتر على راحلته ويسبح عليها ولا يصلي عليها المكتوبة" متفق عليه.
وكان ابن عمر ينزل مرضاه فيصلون بالأرض ذكره أحمد فعلم أنه فهم من فعل النبي صلى الله عليه وسلم استواء الصحيح والمريض في هذا الحكم ولأن المريض لا ضرر عليه في صلاته بالأرض بل ذلك اهون عليه من صلاته على الدابة وإنما قد يشق عليه حركة النزول فقط وهذا يعارضه حركة هز الدابة.
وعنه أن المريض يصلي على الدابة لأن المشقة عليه في نزوله أعظم من مشقة التلوث بالطين ثم من أصحابنا من اطلق الروايتين وعلى هذه الطريقة فقد اختار جدي رحمه الله أن تضرر بنزول أو لم يكن له من ينزله فإنه يصلي على الدابة وأن لم يتضرر فهو كالصحيح.
ومن أصحابنا من جوز ذلك فقال أن كان النزول يزيد في مرضه أو لا
يقدر على الركوب إذا نزل أو لا يجد من ينزله جازت صلاته على الراحلة رواية واحدة وأن لم يكن عليه مشقة في النزول وجب عليه النزول رواية واحدة وأن شق عليه النزول من غير زيادة في المرض فهو على الروايتين وهذه الطريقة اصوب والله أعلم.
مسألة: (
الشرط الخامس: استقبال القبلة
إلا في النافلة على الراحلة للمسافر فإنه يصلي حيث كان وجهه والعاجز عن الاستقبال لخوف أو غيره فإنه يصلي كيف ما أمكنه ومن عداهما لا تصح صلاته إلا مستقبل الكعبة).
الكلام في فصلين.
أحدهما: أن استقبال الكعبة البيت الحرام شرط لجواز الصلاة وصحتها وهذا مما اجمعت الأمة عليه.
والأصل فيه قوله سبحانه وتعالى: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ الآيات واستدل بعض أصحابنا من القران على ذلك بقوله أيضا: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إبراهيم مُصَلّىً﴾.
وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم والمسلمون يصلون إلى بيت المقدس وكان صلى الله عليه وسلم يجعل الكعبة بينه وبينها محبة منه لقبلة إبراهيم فلما هاجر صلوا إلى بيت المقدس ستة عشر شهرا وبعض اخر ثم حولت القبلة إلى الكعبة فعن
ابن عمر رضي الله عنهما قال: "بينما الناس بقباء في صلاة الصبح إذ جاءهم آت فقال أن النبي صلى الله عليه وسلم قد انزل عليه الليلة قرآن وقد أمر أن يستقبل القبلة فاستقبلوها وكانت وجوههم إلى الشام فاستداروا إلى الكعبة".
والأحاديث في ذلك مشهورة متواترة وقال صلى الله عليه وسلم للأعرابي المسيء في صلاته: "إذا قمت إلى الصلاة فأسبغ الوضوء ثم استقبل القبلة فكبر" متفق عليه وعن أنس بن مالك قال قال رسول اله صلى الله عليه وسلم: "من صلى صلاتنا واستقبل قبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم له ذمة الله ورسوله فلا تخفروا الله في ذمته" رواه البخاري.
الفصل الثاني: ان استقبال القبلة يسقط مع العلم بجهتها في موضعين.
أحدهما: إذا عجز عن استقبالها لخوفه أن استقبلها من عدو أو سيل أو سبع بان يهرب من العدو المباح هربه منه.
أو يسايفه العدو الذي يباح له أن يسايفه.
وأما أن يكون مربوطا إلى غير القبلة.
أو يكون بين حائطين ولا يمكنه الاستدارة إلى القبلة.
وأما بان يكون مريضا لا يجد من يديره فإنه في هذه الحال لا يتعين عليه استقبال جهة الكعبة بل أي جهة قدر على الصلاة إليها فهي قبلته لأن في حديث ابن عمر فإن كان خوف وأشد من ذلك صلوا قياما على اقدامهم أو ركبائهم مستقبلي القبلة وغير مستقبليها قال نافع: "لا أرى عبد الله ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم هكذا" رواه البخاري ورواه ابن ماجة مرفوعا إلى النبي صلى الله عليه وسلم من غير تردد ولأن عبد الله بن انيس لما بعثه النبي صلى الله عليه وسلم لقتل خالد بن سفيان الهذلي صلى ماشيا بالايماء إلى غير الكعببة وهذا لأن الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وهذه الآية تعم جميع المصلين لكن نسخ منها أو خص منها القادر فيبقى حكمها في العاجز كما جاء في الحديث ولأن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها فإذا تضرر باستقبال القبلة الكعبة كان أن يصلي إلى جهة اخرى أولى من تفويت الصلاة.
فإن قيل فهلا اوجبتم الإعادة على المربط ونحوه لأنه ترك الشرط لعذر نادر غير متصل كمن صلى بلا ماء ولا رتاب وكالعاجز عن إزالة النجاسة.
قلنا قد قال ابن أبي موسى من كان مصلوبا على خشبة مستدبر
القبلة أو محبوسا في موضع نجس لا يجد وضوءا ولا يقدر على التيمم صلى على حاله يومىء ايماء ويعيد إذا قدر على الوضوء في احدى الروايتين فقد جعلهما سواء.
وأما غيره فلم يوجب الإعادة بحال أما على احدى الروايتين فإن جميع الشرائط تسقط بالعجز من غير إعادة وأما على الرواية الأخرى فإن القبلة أشبه بالسترة منها بالطهارة ولهذا فرق فيها بين الفرض والنفل كما فرق في السترة عندنا فإذا سقطت السترة فالقبلة الأولى لأنها اخف فإن سائر الجهات عوض عن جهة الكعبة عند العجز عنها بدليل قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ والشرط إذا كان له بدل لم تجب الإعادة بالعجز عنه كالوضوء ولأن الطهارة اوكد الشروط واستقبال الكعبة اخف الشروط لهذا سقطت في النافلة على الراحلة فصارت بمنزلة القيام في الأركان فلا يصح الحاق أحدهما: بالاخر.
الموضع الثاني في صلاة النافلة في السفر وهو مجمع عليه لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يسبح على راحلته قبل أي وجه توجه ويوتر عليها غير أنه لا يصلي عليها المكتوبة" متفق عليه وعن ابن عمر قال: "كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي على راحلته تطوعا اينما توجهت به وهو جاي من مكة إلى المدينة وقرا ابن عمر هذه الآية: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وقال ابن عمر في هذا أنزلت هذه
الآية" رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي صححه.
وعن عامر بن ربيعة قال: "رايت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على راحلته يسبح يومىء برأسه قبل أي وجه توجه ولم يكن يصنع ذلك في الصلاة المكتوبة" متفق عليه وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصلي على راحلته تطوعا حيث توجهت به في السفر فإذا أراد أن يصلي المكتوبة نزل فاستقبل القبلة" رواه أحمد والبخاري وهذا في الحقيقة يعود إلى المعنى الأول لأن المسافر أكثر اوقاته سائر وإذا كان سائرا لا يمكنه التنفل إلى جهة قصده أو أن يبطل سفره وفي ابطال السفر ضرر عليه فصار عاجزا عن النافلة إلا على هذا الوجه بخلاف المكتوبة فإن زمنها يسير ولا فرق في ذلك بين السفر الطويل والقصير لأن احتياج الإنسان إلى التطوع في السفر القصسير كالحتياجه إليه في الطويل.
فأما الراكب السائر في المصر فلا يجوز ذلك في المشهور عنه.
وعنه يجوز له ذلك كما يجوز له في السفر.
ووجه الأول أن ذلك لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا هو في معنى المنقول
عنه لأن المسافر لو لم يجز له التطوع لافضى إلى ترك التنفل فإن اغلب اوقاته يكون سائرا بخلاف المقيم في الحضر فإن اغلب اوقاته المكث فلا يفضي منعه إلى تعطيل التطوع في حقه.
فصل.
ويجوز التنفل على الدابة سواء كانت بعيرا أو فرسا أو بغلا أو حجمارا أو فيلا أو غير ذلك من المراكب وسواء كان طاهرا أو نجسا إذا كان ما يلاقي المصلي طاهرا هذه احدى الطريقتين لأصحابنا.
ومنهم من قال إذا كانت الدابة نجسة نجاسة عينية أو عارضة خرج فيه الروايتيان فيمن فرش طاهرا على نجس لأنه كذلك.
ومن فرق بينهما قال ابدان الدواب غالبا لا تسلم من نجاسة لا سيما والبغل والحمار إذا قلنا هما نجسان فإن الحاجة ماسة إلى ركوبهما فعفي عن ذلك للحاجة وقد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يصلي على حماره وقد تقدم ذلك فلا وجه لخلاف السنة ولا يجوز أن يجعل في هذه الصور خلاف في المذهب لكن يكون من اشترط الطهارة يقول بطهارة الحمار أو يفرق بين الدواب وغيرها أو يفرق بين الفرش على نجاسة رطبة أو يابسة وأما مخالفة عين ما جاءت به السنة فلا يحل بوجه من الوجوه ولذلك لم
يختلف نص أحمد في جواز التطوع على الحمار والبعير وغيرها.
فصل.
وهل يجوز التطوع إلى غير القبلة للماشي حيث يجوز للراكب على روايتين.
إحداهما: لا يجوز وهو مقتضى ما ذكره الخرقي والشيخ المصنف وغيرهما لان ذلك لم ينقل عن النبي إلا في حال الركوب وليس الماشي كالراكب لأن الماشي متحرك بنفسه فهو يعمل في الصلاة عملا كثيرا وذلك مبطل للصلاة إلا إذا كان لضروروة مثل صلاة الخوف ولا ضرورة هنا ولأن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما زالوا يسافرون مشاة والنبي صلى الله عليه وسلم قد كان احيانا يتعقب هو وبعض أصحابه على بعير واحد ومع ذلك لم ينقل أنهم صلوا مشاة.
والثانية: يجوز اختارها القاضي وأبو الخطاب وكثير من أصحابنا وذكره عن أحمد عن عطاء لعموم قوله تعالى: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وقد ذكر ابن عمر أنها نزلت في التطوع في السفر لأن راكبها لا أثر له كما سياتي وذلك المعنى الذي أبيح للراكب الذي يصلي لأجله موجود في
الماشي لأنه مسافر سائر فأما أن يترك التطوع حال سيره أو يترك الاستقبال فقط وكونه يعمل عملا كثيرا يقابله أن الراكب ليس على مكان مستقر فإن كليهما مبطل ويقابله أن الراكب بمنزلة الجالس والماشي قائم والقائم صلاته أفضل من صلاة القاعد.
ويجوز أن يصلي ماشيا طالبا للعدو في المكتوبة كما فعل عبد الله بن انيس رضي الله عنه فكذلك في النافلة في عموم السفر.
فصل.
ويلزم الماشي أن يستقبل الكعبة حين الافتتاح وهو واقف ثم يسير إلى جهة قصده فإذا أراد أن يركع ويسجد ففيه وجهان.
أحدهما: يلزمه أن يقف ويركع ويسجد إلى الكعبة ويسجد بالأرض قاله القاضي وغيره لأن ذلك متيسر عليه فاشبه الافتتاح.
والثاني: له أن يركع ويسجد موميا ماشيا إلى جهة قصده كما في القيام قاله الآمدي وغيره وهو الأظهر لأن الركوع والسجود وما بينهما مكرر في ركعة ففي الوقوقف له وفعله بالأرض قطع لسيره فاشبه الوقوف حالة القيام.
وأما الراكب فإن كان يشق عليه استقبال القبلة حين الاستفتاح مثل أن تكون دابته مقطورة بغيرها ويشق عليه أن يستدبر أو تكون الدابة مستعصية يشق ادارتها إلى الكعبة لم يجب عليه في المشهور في المذهب.
وقد قيل أنه يجب عليه ذلك.
فأما أن تعذر ذلك عليه فلا ينبغي أن يكون فيه خلاف.
وان تيسر ذلك عليه وجب عليه في احدى الروايتين المنصوصتين.
وفي الأخرى لا يجب كسائر اجزاء الصلاة لكن يستحب وهذا قول أبي بكر وابن أبي موسى.
وجه الأول وهو اختيار أكثر أصحابنا ما روى أنس بن مالك: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا سافر فاراد أن يتطزع استقبل القبلة بناقته فكبر ثم صلى حيث كان وجه ركابه" رواه أحمد وأبو داود ومدار تطوع الراكب على فعله صلى الله عليه وسلم فإذا كان إنما كان يفتتح الصلاة مستقبلا للكعبة وجب اتباعه في ذلك وحديث أنس قد فسر فعله وسائر الأحاديث لم يتعرض لذلك بنفي ولا اثبات ولأنه قد تيسر عليه الاستقبال حيث الافتتاح فاشبه الماشي.
وأيضا فإن الاستقبال شرط من شروط الصلاة فمتى اتى به في اوله جاز أن يستصحب حكمه إلى اخرها إذا شق استصحاب حقيقته كالنية وإذا
استفتح الصلاة إلى القبلة ثم الصلاة إلى جهة مسيره فإن كان سيره يختلف فينحرف فيه تارة إلى جهة ثم ينحرف عنها إلى جهة اخرى كان على صلاته لأن قبلته جهة سيره فأيهما ولى سيره إليه فذاك قبلته هكذا ذكره القاضي وغيره من أصحابنا وعلى هذا فلا فرق بين راكب التعاسيف وغيره.
ومن أصحابنا من قال لا تباح الصلاة لراكب التعاسيف لأنه ليس له صوب معين.
وإذا عدل راحلته عن جهة سيره فإن كان إلى جهة القبلة لم تبطل صلاته لأنها القبلة الاصلية.
وان عدل إلى غيرها فقال أصحابنا: تبطل صلاته سواء عدلها هو أو عدلت هي فلم يرددها مع قدرته على ذلك لأن جهة سيره هي قبلته وقد تركها عمدا.
وان عدلت لغفلته أو نومه أو عجز عن ضبطها أو عدلها ظنا أنها جهة سيره لم تبطل صلاته سواء تمادى بهخ به أولم يتماد به إلا أن يتمادى به بعد زوال العذر ولا يرددها فإنه تبطل صلاته هذا أشهر الوجهين ولأنه معذور في ذلك قال القاضي وغيره ويسجد للسهو أن تمادى به لأنه ادخل في الصلاة ما ليس منها.
وفي الاخر أن تمادى به ذلك بطلت صلاته بكل حال لأنه عمل كثير في الصلاة لغير ضرورة.
فصل.
وإذا أمكنه السجود على ظهر الدابة بان يكون في محمل وغيره لزمه لأنه ركن مقدور عليه فإن تعسر ذلك عليه أو اذى الدابة اوما وجعل ايماءه بالسجود اخفض من ايمائه بالركوع وقد نص أحمد على ذلك.
وعنه ما يدل على أن السجود في المحمل ونحوه مستحب وليس بواجب.
وقال ابن أبي موسى أن كان في محمل وقدر على الركوع والسجود بحيث لا يشق على البعير ركع وسجد ولم يجزه الايماء وأن كان ذلك يشق على البعير اوما في الأظهر من قوله وانما جاز الايماء لما تقدم من حديث عامر بن ربيعة أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يومىء برأسه قبل أي وجهة توجه وعن جابر رضي الله عنه قال: "رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يصلي وهو على راحلته النوافل في كل جهة ولكن يخفض السجود من الركعة ويومىء ايماء" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.
وان أمكن الراكب الاستقبال في جميع الصلاة كالراكب في المحفة
الواسعة والعمارية لزمه الاستقبال وأن استدبر جهة سيره نص عليه ال مشقة عليه في ذلك على ما تقدم لأنه ركن يقدر عليه فلزمه فعله كالمصلي في السفينة فإنه يجب عليه أن يستقبل القبلة إذا أمكنه ثم أن قدر على الركوع والسجود لزمه والا اوما.
وعنه ما يدل على أن ذلك مستحب وليس بواجب.
وقال ابن أبي موسى في راكب السفينة: يستقبل القبلة في الفرض ويدور إليها كلما دارت السفينة ويعذر في النفل أن لا يدور إلى القبلة إذا دارت السفينة فإذا لم يلزمه الاستدارة إلى القبلة في السفينة فعلى الراحلة أولى وأن شق ذلك على البعير فهو كما لو شق عليه السجود على ظهر الدابة على ما تقدم من الروايتين.
فصل.
ومتى عزم على الاقامة في اثناء صلاته أو صار مقيما بحصوله في وطنه وجب عليه اتمام صلاة مقيم بأن ينزل ويستقبل فإن اجتاز بمدينة ولم يصر مقيما فله التطوع ما دام سائرا فمتى وصل إلى منزله الذي يريد نزوله نزل واتم الصلاة على الأرض مستقبلا لأن الصلاة على الراحلة إلى غير القبلة إنما تجوز ما دام مسافرا سائرا.
فأما المسافر الراكب الذي ليس بسائر وهو الواقف على الدابة فهذا تجوز له الصلاة عليها لكن عليه استقبال القبلة في جميع صلاته هكذا ذكره القاضي الآمدي وغيرهما من أصحابنا لأنه محتاج إلى التطوع عليها لأن ركوبه عليها مظنة حاجته إليه وليس بمحتاج إلى الاعراض عن جهة القبلة فيلزمه استقبالها ومتى لم يمكنه أن يديرها صلى كيف كان ومتى وقفت به الدابة في اثناء سيره لزمه أن يلوي بالزمام أو اللجام إلى جهة القبلة أن أمكنه.
قال الآمدي ومن أصحابنا من قال لا يجوز التطوع على الراحلة إلا للسائر فأما الواقف فلا.
وان كان يصلي نازلا إلى القبلة ثم عرض له السفر فهل يجوز أن يركب ويتم صلاة مسافر على وجهين ذكرهما الآمدي وغيره.
أحدهما: يجوز وهو قول القاضي لأنه بمنزلة الامن إذا خاف.
والثاني: لا يجوز وهو أظهر لأنه يمكنه أن يتم الصلاة بالأرض من غير مشقة بخلاف الخائف فإنه مضطر إلى الركوب.
فصل.
ولا فرق في هذا بين جميع النوافل من الرواتب وركعتي الفجر والوتر وغير ذلك نص عليه في مواضع وقد توقف في موضع عن ركعتي الفجر.
قال ابن أبي موسى: اختلف قوله في المسافر هل يصلي ركعتي الفجر على الظهر أم لا على روايتين.
اظهرهما أن ذلك جائز قال وله أن يوتر على الراحلة قولا واحدا.
ووجه الفرق أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يصليهما إلا بالأرض ولأنه يتوكد فعلهما في السفر ويفعلان تبعا للفرض فينزل لهما بالنزول له ويفعلان معه على وجه الأرض وبهذا يظهر الفرق بينهما وبين سائر التطوعات لأنها أما أن لا تتوكد في السفر كسنة الظهر والمغرب أو تفعل منفردة كالوتر.
والصحيح التسوية بين الجميع لعموم المعنى لذلك فإنها من جملة التطوع ويجوز أن يصليهما قاعدا فكذلك على الراحلة.
مسألة: (فان كان قريبا منها لزمته الصلاة إلى عينها وأن كان بعيدا فالى جهتها).
وجملة ذلك أن الناس في القبلة على قسمين.
أحدهما: من يمكنه استقبال عين الكعبة وذلك على ثلاثة أوجه.
أحدها: أن يكون بحيث يراها مثل أن يكون داخل المسجد أو خارجا عنه وهو ينظرها فعليه أن يستقبلها بجميع بدنه حتى لا يخرج شيء منه عنها وأن خرج شيء منه عنها لم تصح صلاته نص عليه.
الثاني: أن يعلم ذلك لكونه من أهل البلد وقد نشأ فيه سواء كان بينه وبينها حوائل حادثة أو لم يكن فإنه من طال مقامه بمكان نم مكة علم أين تكون القبلة منه.
الثالث: أن يخبره بذلك ثقة من أهل البلد لكونه غريبا أو بينه وبينها حائل وعلى الحائل من يخبره بذلك فإن الإخبار بالأخبار كالإخبار بدخول الوقت عن علم فإن هذا الخبر لا يدخله الخطا وجواز الكذب من الثقة غير ملتفت إليه في مثل هذا.
قال أصحابنا: وحكم من كان بمدينة النبي صلى الله عليه وسلم حكم من كان بمكة.
لأن قبلته متيقنة الصحة لأنه لا يقر على الخطا.
القسم الثاني البعيد فهذا فرضه الاستدلال والاجتهاد لكن هل الواجب عليه طلب العين أو طلب الجهة على روايتين.
إحداهما: أن فرضه طلب العين فمتى غلب على ظنه أنه مستقبل العين أجزاه ذلك وأن تبين له أنه اخطأها فيما بعد ذلك أو انحرف عنها انحرافا يسيرا وهذا اختيار أبي الخطاب لأن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ﴾ وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ وقد روى ابن عباس: "أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل البيت ثم خرج فركع ركعتين في قبل الكعبة وقال هذه القبلة" متفق عليه وفي حديث اخر أنه عد الكبائر وذكر منها استحلال الكعبة البيت الحرام قبلتكم أحياء وامواتا وإذا كان نفس الكعبة هي القبلة فيجب عليه أن يستدل على قبلته بحسب الامكان ولا يكفيه مجرد التوجه إلى جهتها لأن المستقبل لجهتها قد لا يكون مستقبلا لها ولأنه مخاطب باستقبال الكعبة فوجب عليه أن يقصد عينها حسب الطاقة كالقريب وذلك لأنهما لا يفترقان في
فرض استقبال الكعبة وإنما يفترقان في أن ذلك متيقن للصواب على التحديد وهذا مجتهد في الاصابة على التقريب.
ولأن المسافر يلزمه حين اشتباه الجهات تحري جهة الكعبة فكذلك العالم بجهة الكعبة يلزمه تحري جهة سمت الكعبة حسب الطاقه وأن كان على وجه التقريب والتخمين وعلى هذه الوراية متى تيامن أو تياسر عن صوب اجتهاده لم تصح صلاته لأنه يغلب على ظنه أنه منحرف عن قبلته فاشبه القريب بخلاف ما إذا توسط الجهة وتحرى نفس البيت.
والرواية الثانية: ما ذكره الشيخ رحمه الله أن فرضه اصابة الجهة فلو تيامن أو تياسر شيئا يسيرا ولم يخرج عن الجهة جاز وأكثر الروايات عن أحمد تدل على هذا ولهذا أنكر وجوب الاستدلال بالجدي وقال إنما الحديث ما بين المشرق والمغرب وهذا اختيار الخرقي وجماهير أصحابنا لأن الله سبحانه قال: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ والمسجد الحرام اسم للحرم كله وشطره نحوه واتجاهه فعلم أن الواجب تولية الوجه إلى نحو الحرم والنحو هو الجهة بعينها ثم قال بعد ذلك ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا﴾ والوجهة الجهة فعلم أن الواجب تولي جهة المسجد الحرام وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول
الله صلى الله عليه وسلم: "ما بين المشرق والمغرب قبلة" رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث صحيح وروي ذلك من حديث أبي قلابة عن النبي صلى الله عليه وسلم وروي أيضا مسندا من حديث ابن عمر وغيره وقال صلى الله عليه وسلم: "لا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا".
وهذا بيان لأن ما سوى التشريق والتغريب استقبال للقبلة أو استدبار لها وهذا خطاب لأهل المدينة ومن كان على سمتهم وقريبا من سمتهم أهل الشام والعراق واليمن ونحوهم دون من كانت إلى الركن الأسود أو الركن الغربي وما يقرب منهما من أهل المشرق والمغرب الذين مساكنهم بين شام الأرض ويمنها على مسامتة مكة وما يقارب ذلك ولأن ذلك اجماع الصحابة رضي الله عنهم قال عمر: "ما بين المشرق والمغرب قبلة كله إلا عند البيت" رواه أبو حفص وذكره أحمد وقال ما بين المشرق والمغرب قبلة إلا عند البيت فهذا لا يكون ثم لأنه يأتم بالبيت كيف دار وأن صلى قريبا من الركن فزال عن الركن قليلا ترك القبلة فمكة غير
البلدان وفي رواية إذا توجهت قبل البيت وروى الأثرم عن عمر وعلي وابن عباس أنهم قالوا ما بين المشرق والمغرب قبلة وعن عثمان أنه قال كيف يخطي الرجل الصلاة وما بين المشرق والمغرب قبلة ما لم يتحر المشرق عمدا وروى أبو حفص عن ابن عمر قال إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك فما بينهما قبلة لأهل المشرق يعني به أهل العراق ونحوهم.
وروى أبو حفص عن المطلب بن حنطب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة إذا وجهت وجهك نحو البيت الحرام" يعني والله أعلم إذا وجهت وجهك قبله وتجاهه وذلك يحصل باستقبال جهته كما في قوله تعالى: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ أي نحوه وتلقاءه واراد أن يبين صلى الله عليه وسلم أنه لا بد من قصد جهتها وأيضا فانهم اجمعوا على صحة صلاة الصف المستطيل الزائد طوله على سمة الكعبة مع استقامته بل على صحة صلاة أهل البلد الذي فيه مساجد كثيرة تصلى كلها إلى جهة واحدة مع أنها يمتنع أن تكون قبلتها على خط مستقيم وهي كلها
على سمت عين الكعبة.
فإن قيل مع البعد تحصل المواجهة والمحإذاة لكل واحد مع كثرة المحاذين وطول صفهم لأن المحاذي مع البعد وأن احتاج إلى تقوس وانحناء فهو مع البعد شيء يسير لا يظبط مثله.
قلنا لو كان المفروض محإذاة نفس العين لوجب مراعاة ذلك الشيء اليسير من الانحناء مع القدرة وأن لا يتعمد تركه كما في القريب فمتى سلم جواز تعمد تركه فلا يعني باستقبال جهة الكعبة إلا ذلك فيرتفع الخلاف وهذا المعنى هو الفارق بين القريب والبعيد فإن البعد إذا طال يكون المستقبل للجهة والعين متقاربين جدا حتى لا يكاد يميز بينهما ومثل هذا يعفى عنه كما عفونا عن سائر الشرائط عما يشق مراعاته مثل يسير النجاسة ويسير العورة والتقدم اليسير بالنية وشبه ذلك فإن الدين ايسر من تكلف هذا.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم من وجهين فيهما أنه قال: "البيت قبلة لأهل المسجد والمسجد قبلة لأهل الحرم والحرم قبلة لأهل الأرض في مشارقها ومغاربها من أمتي".
مسألة: (وان خفيت القبلة في الحضر سأل واستدل بمحاريب المسلمين فإن أخطأ فعليه الإعادة وأن خفيت في السفر اجتهد وصلى ولا إعادة عليه وأن اخطا).
اما الاستدلال بمحاريب المسلمين فلان أهل الخبرة والعلم بجهة الكعبة نصبوها على ذلك وليس فيها خطأ وأن فرض فهو شيء يسير لا يجب مراعاته مع قولنا باستقبال الجهة.
وإذا قلنا يجب استقبال العين فإنه يعفى عن الخطا اليسير مع الجهل.
وكذلك إذا أخبره مخبر ثقة بجهة القبلة عن علم فإنه يقبل خبره وذلك لأن الاخبار عن جهة القبلة ونصب المحراب إليها ليس هو من باب الاجتهاد حتى يكون الرجوع إلى المخبر والثاني: فيه الرجوع إلى تقليد مجتهد وإنما هو من باب الاخبار عن الأمور المعلومة لأن أهل الامصار يعلمون الجهات ولا يخفى ذلك على أحد اصحاء السماء ويعلمون أيضا مكة من جهاتهم فصار ذلك كالعلم بدخول الوقت والعلم بطلوع الشمس من بعض الجهات والراجع إلى المخبر بذلك كالراجع إلى المخبر بدخول الوقت عن علم وبطلوع الشمس من جهة من الجهات.
فان أخطأ في الحضر بان تبين خطأ المخبر أو كذبه أو فساد بناء المحراب أو غير ذلك فعليه الإعادة في المشهور من المذهب وقد نص عليه أحمد فيمن هو في مدينة فتحرى فصلى لغير القبلة يعيد لأن عليه
أن يسأل وقال القاضي في خلافه ظاهر كلام أحمد حكم المكي وحكم غيره سواء في أنه لا يجب عليه الإعادة فإنه قال في رواية صالح قد تحرى فجعل العلة في الاجزاء وجود التحري وهذا موجود في المكي وغيره وإذا كان هذا في المكي ففي المقيم بسائر الامصار اولى.
ووجه المشهور أنه كان قادرا على اليقين فلم يعذر بالجهل وأن جاز له العمل بغالب الظن كمن افطر بخبر انسان عند غروب الشمس ثم تبين أنها طالعة أو صلى بخبره عن دخول الوقت ثم تبين أنه لم يدخل ولقد كان القياس يقتضي انه لا يجوز له العمل بدليل تدخله الشبهة ولو على بعد مع الاقتدار على الاستيقان وإنما جاز لأن احتمال الخطا في ذلك نادر جدا لا يكاد يقع فجعل كالمعدوم فإذا تبين خطأ الدليل لزمته الإعادة في الوقت إلى اخبار المخبر الواحد إذا أمكنه العلم وهذا الباب مثله فعلى ذلك الوجه لا يرجع إلى اخبار واحد بالجهة مع قدرته على اليقين لكن العلم هنا بالجهة لا يمكن بالعيان لمن لم يسافر إلى مكة ويعلم اين هي من بلده وإنما يمكن بالسماع المتواتر وهو مثل العيان ولذلك جاز الرجوع إلى المحاريب.
فصل.
وأما إذا خفيت في السفر فإنه يجتهد بالاستدلال عليها بالأدلة المنصوبة ولا إعادة عليه وأن تبين له الخطا فيما بعد قال أبو بكر: لا
يختلف قول أبي عبد الله رحمه الله في ذلك.
وكذلك أن صلى بتقليد من فرضه ذلك ثم تبين أنه أخطأ فلا إعادة عليه.
وذكر الامام أبو بكر الدنيوري صاحب أبي الخطاب أن بعض المتأخرين قال يجب عند الاشتباه أن يصلي أربع صلوات إلى الجهات الاربع وزعم أنه رواية عن أحمد قال الدنيوري وهو قياس المذهب كما إذا كان معه ثياب طاهرة ونجسة قال الدنيوري وهذا صحيح فإنه قادر على اداء فرضه بيقين من غير ضرر يلحقه في بدنه وماله فيلزمه ذلك كما لو نسي صلاته من يوم لا يعلم عينها وذلك لأنه اشتبه الواجب بغيره فوجب فعل ما يتيقن به فعل الواجب وكما لو نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها وكما لو اشتبهت ثياب طاهرة بنجسة أو اشتبه الموضع الطاهر من ثوبه بالنجس.
وهذا قول شاذ مسبوق الإجماع على خلافه والصواب والمنصوص لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ أن اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ وهذه الآية تدل على جواز استقبال جميع الجهات نسخ ذلك في حق العالم القادر في صلاة الفرد فيبقى في حق الجاهل بالقبلة والعاجز عن استقبالها لخوف ونحوه في حق المتنفل في السفر لم