الله تعالى عنهم منهم أبو ذر وأبو موسى وابن عباس وغيرهم وعن عمرو بن شعيب عن ابيه عن جده: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عام غزاة تبوك قام من الليل يصلي فاجتمع وراءه رجال من أصحابه يحرسونه حتى إذا صلى وانصرف اليهم قال لهم: "لقد اعطيت الليلة خمسا ما أعطيهن أحد قبلي أما انا فأرسلت إلى الناس كلهم عامة وكان من قبلي إنما يرسل إلى قومه ونصرت على العدو بالرعب ولو كان بيني وبينه مسيرة شهر لملىء مني رعبا واحلت لي الغنائم كلها وكان من قبلي يعظمون اكلها كانوا يحرقونها وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا أينما أدركتني الصلاة تمسحت وصليت وكان من قبلي يعظمون ذلك إنما كانوا يصلون في كنائسهم وبيعهم والخامس: ة هي ما هي قيل لي سل فإن كل نبي قد
سأل فاخرت مسألتي إلى يوم القيامة فهي لكم ولمن شهد أن لا اله إلا الله" رواه أحمد بإسناد جيد وقد تقدم قوله في حديث حذيفة وجعلت لنا الأرض كلها مسجدا وتربتها لنا طهورا إذا لم نجد الماء.
الفصل الثاني.
في المواضع المستثتاة التي نهى عن الصلاة فيها وقد عد أصحابنا عشرة مواضع المقبرة والمجزرة والمزبلة والحش والحمام وقارعة الطريق واعطان الإبل وظهر الكعبة والموضع المغصوب والموضع النجس.
فأما الموضع النجس والمغصوب فقد ذكرنا حكمه.
وأما ثلاثة منها فقد تواطأت الأحاديث واستفاضت بالنهي عن الصلاة فيها وهي المقبرة واعطان الإبل والحمام وسائرها جاء فيها من الأحاديث ما هو دون ذلك.
اما المقبرة والحمام فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" رواه الخمسة إلا النسائي وإسناده صحيح وعن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "اجعلوا من
صلاتكم في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا" رواه الجماعة وعن أبي مرثد الغنوي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها" رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه وعن جندب بن عبد الله البجلي قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس وهو يقول: " إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك" رواه مسلم.
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد" وعن ابن عباس وعائشة أن
النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لما نزل به لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد" وعن عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم كنيسة رأينها في الحبشة فيها تصاوير فقال: "أن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شر الخلق عند الله يوم القيامة" متفق على هذه الأحاديث وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: "لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم زائرات القبور والمتخذين عليها مساجد والسرج" رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي وعن ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ان من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء ومن يتخذ القبور مساجد".
وفي لفظ: "والذين يتخذون قبورهم مساجد" رواه أحمد بإسناد صحيح.
والأحاديث في هذ المعنى كثيرة يذكر بعضها أن شاء الله في الجنائز والحج مثل قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور انبيائهم مساجد" وقوله عليه السلام: "لا تتخذوا قبري عيد"ا.
وأما أعطان الإبل فقد تقدم في باب نواقض الوضوء النهي عن الصلاة فيها من حديث جابر بن سمرة وهو في صحيح مسلم وتقدم أيضا حديث البراء بن عازب واسيد بن خضير وذي
الغرة وفي حديث البراء لا تصلوا فيها فإنها من الشياطين وهو حديث صحيح وعن أبي هريرة رضي الله عنه فال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل" رواه أحمد والترمذي وصححه وفي رواية لاحمد وابن ماجه إذا لم تجدوا إلا مرابض الغنم ومعاطن الإبل فصلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في معاطن الإبل.
وعن عبد الله بن المغفل قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلوا في مرابض الغنم ولا تصلوا في أعطان الإبل فإنها خلقت من الشياطين" رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وفي رواية لأحمد: "إذا حضرت الصلاة وأنتم في
مرابض الغنم فصلوا وإذا حضرت وانتم في أعطان الإبل فلا تصلوا فإنها خلقت من الشياطين" وفي رواية له: "لا تصلوا في عطن الإبل فإنها من الجن خلقت إلا ترون عيونها وهيئتها إذا نفرت".
وأما قارعة الطريق فعن جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصلوا على جواد الطريق ولا تنزلوا عليها فإنها ماوى الحيات والسباع ولا تقضوا عليها الحوائج فإنها من الملاعن" رواه أحمد وابن ماجة وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى أن يصلي على قارعة الطريق أو يضرب الخلا عليها أو يبال فيها" رواه ابن ماجة.
وأما سائرها فروى ابن ماجه من حديث أبي صالح كاتب الليث حدثني الليث حدثني نافع عن ابن عمر عن عمر بن الخطاب أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "سبع مواطن لا تجوز الصلاة فيها ظاهر بيت الله
والمقبرة والمزبلة والمجزرة والحمام وعطن الإبل ومحجة الطريق" وعن زيد بن جبيرة عن داود بن الحصين عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "نهى أن يصلى في سبع مواطن في المجزرة والمزبلة والمقبرة وقارعة الطريق وفي الحمام وفي معاطن الإبل وفوق ظهر بيت الله" رواه عبد بن حميد وابن ماجة والترمذي وقال ليس اسناده بذلك القوي وقد تكلم في زيد بن جبيرة من حفظه قال وقد روى الليث ابن سعد هذا الحديث عن عبد الله بن عمر العمري عن نافع عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله قال وحديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أشبه واصح من حديث الليث بن سعد وعبد الله بن عمر ضعفه بعض أهل
الحديث من قبل حفظه منهم يحيى بن سعيد القطان.
وهذا الكلام لا يوجب رد الحديث لوجهين.
أحدهما: أن رواته عدول مرضيون وإنما يخاف على بعضهم من سوء حفظه وذلك إنما يؤثر في رفع موقوف أو وصل مقطوع أو اسناد مرسل أو زيادة كلمة أو نقضصاخرى أو اختلاط حديث بحديث وشبه ذلك مما يؤتى الإنسان فيه من جهة تغير حفظه أما حديث كامل طويل يحدد فيه أشياء ويحصيها جملة وتفصيلا فلا يؤتى الإنسان في مثل هذا من جهة حفظه إلا أن يكون اختلقه ولهذا إنما اختلفت الرواية في كونه عن ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أو عن ابن عمر عن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم وإلى ذلك أشار الترمذي في كون عبد الله بن عمر تكلم فيه من جهة حفظه لكونه ادخل في اسناده عمر والأحاديث الصحاح المشاهير قد يقع فيها أكثر من هذا على أن رواية ابن ماجه قد صرح فيها بان الليث سمعه من نافع والاسناد إليه صالح إلا أن يكون قد وقع فيه وهم ومن الممكن أن يكون ابن عمر سمعه من ابيه فكان تارة يؤثره عنه وتارة يذكر النبي صلى الله عليه وسلم من غير واسطة فإن ابن عمر على خصوصه وغيره من الصحابة لهم من هذا الجنس أحاديث كثيرة.
الوجه الثاني: أن علة الحديث إذا كانت من جهة الخوف من سوء حفظ الراوي فإذا كان قد روي من وجهين مختلفين عن رجلين عدلين ادى كل منهما مثل ما ادى الاخر كان ذلك دليلا على أن كلا منهما حفظ ما حدثه ولم يخنه حفظه في هذا الموضوع ولهذا لما خشي النبي صلى الله عليه وسلم أن
لا يكون ذو اليدين ضبط ما قاله استشهد بغيره من الحاضرين وكذلك أبو بكر الصديق رضي الله عنه في طلبه شاهدا اخر مع محمد بن مسلمة على ميراث الجدة حتى شهد المغيرة بن شعبة.
وعمر رضي الله عنه في طلبه شاهدا مع أبي موسى على حديث الاستئذان لم يكن ذلك خشية أن يكون المحدث كذب فإن مقادير هؤلاء عندهم كانت أجل من أن يتوهم فيهم الكذب وإنما هو خشية النسيان وعدم الضبط فإذا اعتضدت رواية برواية اخرى دل ذلك على الحفظ والضبط وقد قال سبحانه لما أمر باستشهاد امراتين ﴿أَنْ تَضِلَّ إحداهما: فَتُذَكِّرَ إحداهما: الآخْرَى﴾ واخبر النبي صلى الله عليه وسلم أن نقص عقلهن اوجب أن يكون شهادة امراتين كشهادة رجل واحد فعلم أن الضلال
الذي هو النسيان ونقص العقل الذي هو عدم الضبط ينجبر بانضمام المثل إلى المثل لا سيما إذا كان المحدث جازما بما حدثه وليس الحديث مما يتوهم دخول الغفلة فيه ولم يعارضه ما يخالفه ولا قامت امارة على عدم حفظه بل قامت الشواهد على صحته أما بنصوص اخرى أو بقياس وقول الترمذي ليس اسناده بذلك قوي لاجل ما تكلم في حفظ زيد بن جبيرة وقد تقدم القول في مثل هذا وذكرنا أن الكلام في الحديث تعليلا وتضعيفا شيء وأن العمل به والاحتجاج به شيء اخر وأن أهل الحديث يريدون بالضعيف كثيرا ما لم يكن قويا صحيحا وأن كانت الحجة توجب العمل به وعبارته إنما تدل على أنه ليس بتام القوة وهذا صحيح لكن إذا انجبر هذا الضعيف بالطريق الأخرى صار بمنزلة القوي هذا كله أن كان بين الليث وبين نافع فيه العمري وأن كان قد سمعه منه فالليث حجة امام.
الفصل الثالث:
في الصلاة في المواضع المنهي عن الصلاة فيها وفيها روايتان.
إحداهما: وهي ظاهر المذهب أنها لا تصح ولا تجوز.
والثانية: أنها تكره وتستحب الإعادة ومن أصحابنا من يحكي هذه الرواية بالتحريم مع الصحة ولفظ أحمد فيها هو الكراهة وقد يريد بها تارة التحريم وتارة التنزيه ولذلك اختلفوا في كراهيته المطلقة على
وجهين مشهورين ومن أصحابنا من يقول الروايتان في الجاهل بالنهي كم سيأتي أما أن علم بالنهي لم تصح صلاته رواية واحدة.
والصحيح أن في العالم بالنهي خلافا عنه وقد جاء ذلك صريحا عنه.
فان قلنا تصح فلعموم الأحاديث الصحيحة بان الأرض كلها مسجد كما تقدم ولو كان ذلك يختلف لبينه لأن تاخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز ويحمل على النهي عن هذه المواضع على الكراهة جمعا بينهما ولأن علة النهي في بعضها كونها مظنة النجاسة وفي بعضها كونها محلا للشياطين وأن بها ما يشغل قلب المصلي ويخاف أن يفسد عليه صلاته وذلك أكثر ما يوجب الكراهة ولأنه موضع طاهر لا يحرم المقام فيه فاشبه الاصطبلات.
والأول أصح لأن قوله الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام إخراج لها عن أن تكون مسجدا والصلاة لا تصح إلا في مسجد اعني فيما جعله الله لنا مسجدا وهذا خطاب وضع واخبار فيه أن المقبرة والحمام لم يجعلا مسجدا ومحلا للسجود كما بين أن محل السجود هو الأرض الطيبة فإذا لم تكن مسجدا كان السجود واقعا فيها في غير موضعه فلا يكون معتدا به كما لو وقع في غير وقته أو إلى غير جهته أو في أرض خبيثة وهذا الكلام من ابلغ ما يدل على الاشتراط فإنه قد يتوهم أن العبادة تصح مع التحريم
إذا كان الخطاب خطاب أمر وتكليف أما إذا وقعت في المكان أو في الزمان الذي بين أنه ليس محلا لها ولا ظرفا فإنها لا تصح اجماعا وأيضا فإن نهيه عن صلاة المقبرة واعطان الإبل والحمام مرة بعد مرة اوكد شيء في التحريم والفساد لا سيما وهو نهي يختص الصلاة بمعنى في مكانها فإن الرجل إذا صلى في مكان نهاه الله ورسوله أن يصلي فيه نهيا يختص الصلاة لم يفعل ما أمره الله به فيبقى في عهدة الأمر بل قد عصى الله ورسوله وتعدى حدوده.
وأيضا لعنته صلى الله عليه وسلم من يتخذ القبور مساجد ووصيته بذلك في اخر عمره وهو يعالج سكرات الموت بعد أن نهى عن ذلك قبل موته بخمس وبيانه أن فاعلي ذلك شرار الخلق من هذه الأمة ومن الامم قبلها بيان عظيم لقبح هذا العمل ودلالة على أنه من الكبائر وأنه مقارب للكفر بل ربما كان كفرا صريحا وأيضا فإن قوله لا تجوز الصلاة فيها صريح في التحريم والتحريم يقتضي الفساد خصوصا هنا ولذلك لا يصح أن يقال هنا بالتحريم مع الصحة وأن قلنا به في الدار المغصوبة لأن النهي هناك ليس عن خصوص الصلاة وقد يقال أنه ليس لمعنى في المنهي عنه وهنا النهي عن نفس الصلاة في المكان المخصوص لمعنى في نفس المنهي عنه وأيضا فقوله لا يجوز دليل على أنه لا يجزىء لأن العبادة الجائزة هي الماضية النافذة وضدها الموقوفة المردودة وإذا كانت
الصلاة موقوفة محبوسة مردودة لم تكن مجزية بل قوله لا تجوز ابلغ من قوله لا تجزىء لأن هذا يعم الفرض والنفل وذاك يختص النفل وأيضا فإن الصلاة في المكان النجس فاسدة مع أنه لم ينطق كتاب ولا سنة بانها فاسدة ولا أنها غير مجزئة وإنما فهم المسلمون ذلك من نهي الشارع عن الصلاة فيها وتخصيص الاباحة بالأرض الطيبة فهذه المواضع التي سلبت اسم المسجد وترادفت اقاويل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن الصلاة فيها أولى أن لا تجزئ الصلاة فيها.
فإذا قيل أن الصلاة على مكان فيه قطرة بول أو خمر أو في بعض مساقط ثوب المصلي لا تصح اعتمادا على قوله جعلت لي كل أرض طيبة مسجدا وطهورا واستنباطا من تخصيصه وتعليله مع أنه فهم حسن وفقه صحيح فما هو ابين منه واصرح من النهي الصريح والاستثناء القاطع مع كونه أصح واشهر وهو عن السلف أظهر وأكثر واولى أن يعتمد عليه فإن هذا كالإجماع من الصحابة قال أنس: "كنت اصلي وبين يدي قبر وانا لا اشعر فناداني عمر القبر القبر فظننت أنه يعني القمر فرفعت راسي إلى السماء فقال رجل إنما يعني القبر فتنحيت عنه" رواه سعيد وابن ماجه وغيرهما وذكره البخاري في صحيحه.
وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه لا تصل في حمام أو عند
قبر وقال جابر بن سمرة رضي الله عنه: "لا تصل في أعطان الإبل" وكذلك روي عن ابن عمر رضي الله عنهما ذكر ذلك ابن حامد وعن ابن عمر وابن عباس كراهة الصلاة في المقبرة وهذا أولى أن يكون صحيحا مما ذكره الخطابي عن ابن عمر أنه: "رخص في الصلاة في المقابر" فلعل ذلك أن صح أراد به صلاة الجنازة وعن علي رضي الله عنه مرفوعا وموقوفا قال: "من شرار الناس من يتخذ القبور مساجد" رواه عبد الرزاق وعن عبد الله بن عمرو أنه سأله رجل انصلي في مناخ الإبل قال: "لا ولكن صل في مرابض الغنم" رواه مالك وغيره وعن عبد الله بن عمرو قال: "تكره الصلاة إلى حش وفي حمام وفي مقبرة" وقال إبراهيم: "كانوا لا يصلون التطوع فإذا كانوا في جنازة فإن حضرت صلاة مكتوبة تنحوا عن القبور فصلوا" رواهما سعيد وقد قدمنا عن عمر وغيره من الصحابة أنهم نهوا عن قراءة القران في الحمام" فكيف
بالصلاة التي لا بد فيها من القراءة والتي يشترط لها ما لا يشترط لمجرد القراءة.
وهذه مقلالات انتشرت ولم يعرف لها مخالف إلا ما روى عن يزيد ابن أبي مالك قال: "كان واثلة بن الأسقع يصلي بنا صلاة الفريضة في المقبرة غير أنه لا يستتر بقبر" رواه سعيد وهذا محمول على أنه تنحى عنها بعض التنحي ولذلك قال لا يستتر بقبر أو لم يبلغه نهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها فلما سمع النبي صلى الله عليه وسلم ينهى عن الصلاة إليها تنحى عنها لأنه هو راوي هذا الحديث ولم يبلغه النهي عن الصلاة فيها عمل بما بلغه دون ما يبلغه.
وأما الأحاديث المشهورة في جعل الأرض مسجدا فهي عامة وهذه الأحاديث خاصة وهي تفسر تلك الأحاديث وتبين أن هذه الأمكنة لم تقصد بذلك القول العام ويوضح ذلك أربعة أشياء.
أحدها: أن الخاص يقضي على العام والمقيد يفسر المطلق إذا كان الحكم والسبب واحدا والامر هنا كذلك.
الثاني: أن قوله جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا بيان لكون جنس الأرض مسجدا له وأن السجود عليها لا يختص بان تكون على صفة مخصوصة كما كان في شرع من قبلنا لكن ذلك لا يمنع أن تعرض للأرض
صفة تمنع السجود عليها فالأرض التي هي عطن أو مقبرة أو حمام هي مسجد لكن اتخاذها لما وجد له مانع عرض لها إخراجها عن حكمها ولو خرجت عن أن تكون حماما أو مقبرة لكانت على حالها وذلك أن اللفظ العام لا يقصد به بيان تفاصيل الموانع كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ أن تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ وقد علم أن العقد لا بد فيه من عدم الإحرام وعدم العدة ولا بد له من شروط واركان.
الثالث: أن هذا اللفظ العام قد خص منه الموضع النجس اعتمادا على تقييده بالطهارة في قوله عليه السلام كل: أرض طيبة وتخصيصه بالاستثناء المحقق والنهي الصريح أولى وأحرى.
الرابع: أن تلك الأحاديث إنما قصد بها بيان اختصاص نبينا صلى الله عليه وسلم وامته بالتوسعة عليهم في مواضع الصلاة دون من قبلنا من الأنبياء وأممهم حيث حظرت عليهم الصلاة إلا في المساجد المبنية للصلاة فذكر صلى الله عليه وسلم أصل الخصيصة والمزية ولم يقصد تفصيل الحكم واعتضد ذلك بان هذه الأماكن قليلة بالنسبة إلى سائر الأرض فلما اتفق قلتها وأنه لم يتمحض المقصود لبيان اعيان اماكن الصلاة ترك استثناءها.
فأما أحاديث النهي فقصد بها بيان حكم الصلاة في اعيان هذه الاماكن وهذا بين لمن تامله وما ذكروه من تعليل النهي فسنتكلم عليه إن شاء الله.
إذا ثبت ذلك فمن صلى فيها غير عالم بالنهي فهل تجب عليه الإعادة على روايتين شبيهتين بالروايتين بالتوضىء من لحم الإبل لغير العالم وكثير من متأخري أصحابنا ينصرون البطلان مطلقا للعمومات لفظا ومعنى والذي ذكره الخلال أن لا إعادة وهذه أشبه لا سيما على قول من يختار منهم أن من نسي النجاسة أو جهلها لا إعادة فيكون الجهل بالحكم فيها كالجهل بوجود النجاسة إذا كان ممن يعذر ولأن النهي لا يثبت حكمه في حق المنهي حتى يعلم فمن لم يعلم فهو كالناسي واولى ولأنه لو صلى صلاة فاسدة لنوع تاويل مثل أن يمس ذكره أو يلبس جلود السباع ويصلي ثم يتبين له رجحان القول الاخر لم تجب عليه الإعادة مع سمعة للحجة فالذي لم يسمع الحجة يجب أن يعذر لذلك إذ لا فرق بين أن يتجدد له فهم لمعنى لم يكن قبل ذلك أو سماع لعلم لم يكن قبل ذلك إذا كان معذورا بذلك بخلاف من جهل بطلان الصلاة في الموضع النجس فإن هذا مشهور.
ولو صلى في موضع لم يعلم أنه مقبرة ثم تبين له أنه مقبرة فهنا ينبغي أن يكون كما لو صلى في موضع نجس لا يعلم بنجاسته ثم علم بعد ذلك وقد تقدم قول عمر لأنس القبر القبر ولم يأمره بالاعادة لأنه لم يكن يعلم أن بين يديه قبرا.
الفصل الرابع:
أن أكثر أصحابنا لا يصححون الصلاة في شيء من هذه المواضع ويجعلونها كلها من مواضع النهي ومنهم من لم يعد مواضع النهي إلا أربعة فقط وهي المقبرة والحش والحمام وأعطان الإبل سوى الموضع النجس والمغصوب وهذا هو الذي ذكره الشيخ رحمه الله وهو مقتضى كلام الخرقي وغيره لوجهين.
أحدهما: أن النهي إنما صح في المقبرة والحمام وأعطان الإبل والحش اسوا حالا منها فالحق بها وسائر الأمكنة مدارها على حديث ابن عمر واسناده ليس بالقوي ولا يعارض عموم الأحاديث الصحيحة لا سيما وقد استثنى في حديث أبي سعيد المقبرة والحمام خاصة دون غيرهما وقال الأرض كلها مسجد.
الثاني أن النهي إنما كان لأنها مظنة النجاسة وهذه العلة يمكن الاحتراز عنها غالبا في تلك المواضع فلا تبطل الصلاة مع تيقن اجتناب النجاسة غالبا والأول أظهر لوجهين.
أحدهما: الحديث المذكور وقد تقدم الجواب عن تضعيفه لا سيما والحديث الذي يسميه قدماء المحدثين ضعيفا مثل هذا خير من القياس
والمجمل اعني ما ذكر فيه الحكم جملة وأن كان بصيغة العموم وهو احق أن يتبع منه على ما هو مستوفي في مواضعه من اصول الفقه فكيف إذا لم يعارضه إلا عموم ضعيف لكونه مخصوصا بصور كثيرة أو قياس ضعيف ثم أن بعض تلك المواضع قد جاء فيها نصوص اخرى مثل جواد الطريق ومثل ظهر بيت الله الحرام فإن فيه اثارا عن الصحابة.
والمزبلة والمجزرة أولى بالمنع من الطريق والحمام فصار ذلك الحديث معتضدا بالآثار التي توافقه وبفحوى الخطاب الذي يطابقه وقوله صلى الله عليه وسلم في حديث أبي سعيد: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" يشبه والله أعلم أن يكون إنما استثنى ما على هيئة مخصوصة لا يصلح أن تكون إلا على الوجه المنهي عنه فإن المقبرة والحمام لهما هيئة مخصوصة يتميزان بها عن سائر البقاع واعطان الإبل والمزبلة ونحو ذلك فإنها لا تتميز بنفس هيئة الأرض وإنما تتميز بما يكون فيها.
الوجه الثاني: القياس في المسألة وذلك فيه ثلاثة مسالك.
أحدها: وهو مسلك كثير من أصحابنا منهم أبو بكر والقاضي وغيرهما أن الحكم ثبت تعبدا يتعلق بنفس الأسماء ومفهومها من غير زيادة ولا نقص وإذا قال بعض الفقهاء هذا الحكم تعبد فله تفسيران:
أحدهما: أن يكون الحكم شرع ابتلاء وامتحانا للعباد ليتميز المطيع عن العاصي ويثاب المطبع على محض الطاعة والانقياد والاسلام كما يعاقب العاصي على محض المعصية والمخالفة وأن لم يكن في نفس العمل لولا الأمر معنى يقتضي العمل ومثل هذا أمر الله خليله بذبح ابنه وتحريمه على على أصحاب طالوت أن يطعموا من النهر إلا غرفة واحدة وكثير من الأحكام من هذا النمط وهذا التعبد حق واقع في الشريعة عند أهل السنة خلافا للمعتزلة ونحوهم إلا أن الصلاة في هذه الاماكن ليست والله أعلم من هذا القبيل لأنه قد اشير منها إلى التعليل ولأن مواضع الصلاة مبنية على التوسعة والاطلاق في شريعتنا ولا تناسب الحجر والتضييق ولأنه لا بد أن تشتمل هذه الاماكن على معان اقتضت المنع عن الصلاة فيها امتازت بتلك المعاني عن غيرها والا كان النهي عنها دون غيرها تخصيصا بغير مخصص ولأن من امعن النظر علم اشتمالها على معان انفرت بها عن غيرها.
التفسير الثاني أن يعني بالتعبد أن المكلف لم يطلع على حكمه الحكم جملة ولا تفصيلا مع أن العمل يكون مشتملا على وصف لاجله علق به الحكم سواء كان الوصف حاصلا قبل نزول الشريعة وارسال نبينا صلى الله عليه وسلم أو إنما حصل بعد الرسالة والحكم المعلق به قد يطلق على نفس خطاب الله الذي هو الأمر والنهي والاباحة وعلى موجب الخطاب الذي هو الوجوب والحرمة والحل والأول اضافة إلى الفعل والثاني: صفة ثابتة
للفعل لكنها صفة أثبتها الشارع له وقد يطلق الحكم على التعليق الذي بين الخطاب وبين الفعل وقد يعنى بالحكم أيضا صفة ثابتة للفعل قبل الشرع اظهرها الشرع كما يقوله بعض أصحابنا منهم التميمي وأبو الخطاب وأكثرهم لا يثبت حكما قبل الشرع وإنما كان ثابتا عندهم بعض علل الأحكام فمن قال أن الحكم في هذه المواضع تعبد بهذا التفسير فقد ذكر أنه لم يظهر له حكمة الحكم على وجه منضبط فادار الحكم على الاسم فهذا مسلك شديد في نفسه وأن لم يكشف فقه المسألة والمسلك الثاني: مسلك طائفة من أصحابنا وغيرهم عللوا الصلاة بالمقبرة بان التراب يختلط بصديد الموتى ورطوباتهم فيتنجس ومن قال هذا من أصحابنا قال لما كانت المقبرة في الجملة مظنة النجاسة علق الحكم وأن تخلفت الحكمة إلى احاد الصور لأن المذهب لا يختلف عندنا أنه لا فرق بين المقبرة الحديثة والعتيقة وأن كان بعض الفقهاء يجوز الصلاة في المقبرة الجديدة لزوال هذه المفسدة وكذلك عللوا
الصلاة في الحمام بأنه مصب الاقذار والأوساخ من البول والدم وما تولد منه والقيء وغير ذلك وهذا في الحش والمزبلة والمجزرة ظاهر وكذلك الطريق هو مظنة ارواث الدواب وابوالها.
وما أعطان الإبل فعللها بعض الناس بنجاسة ابوالها.
وأجاب أبو بكر وغيره عن ذلك بأنه لو كان كذلك لم يكن فرق بين أعطان الإبل وبين مرابض الغنم لأن فيها ابوالها أيضا وحكم بول الإبل والغنم واحد.
وعلل ذلك بعضهم بان فيها شموسا ونفورا فربما نفرت فافزعت المصلي وقت صلاته وخبطته وهذا المعنى معدوم في الغنم لضعف حركتها وسكونها.
وأجاب إسحاق بن شاقلا وغيره عن ذلك بأنه لو كان كذلك لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم إلى البعير ولما صلى عليه وأيضا لو كان كذلك لما صلى بين الإبل في السفر وهو خلاف سنة المسلمين وخلاف ما كان يفعله
رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه وأيضا فلو كانت هذه العلة لكان النهي عن الصلاة عندها سواء كان في اعطانها أو غير اعطانها ولم يكن النهي عن الصلاة في مباركها واعطانها سواء كانت حاضرة أو غائبة.
وقال بعضهم: أن مواضعها مناخ الركبان وكانوا يبولون ويتغوطون في أمكنتهم ثم يرتحلون فنهي أن يصلي في أمكنتها لموضع ابوال الناس.
وقال بعضهم: معنى الحديث أنه كره الصلاة في السهول من الأرض لأن الإبل إنما تأوي إليها وتعطن فيها والغنم إنما تبوء وتراح إلى الأرض الصلبة قال والمعنى في ذلك أن الأرض الخوار التي يكثر ترابها ربما كانت فيها النجاسة فلا يبين موضعها ولا يامن المصلي أن تكون صلاته فيها على نجاسة فأما العزاز الصلب من الأرض فإنه ضاح بارز لا يخفى موضع النجاسة إذا كانت فيه وهذا تكلف بارد.
فان الأول يقتضي أن النهي عن مواضعها في الاسفار وليس بشيء فإن الصلاة في تلك المواضع جائزة بالسنة الماضية ولأن المعطن أما بوقوفها عند صدرها عن الشرب أو المكان الذي تاوي اليه.
الثاني يقتضي كراهة الصلاة في كل موضع سهل وهو باطل ثم هو خلاف تعليل الشارع صلى الله عليه وسلم أن ما ذكره الفرق بين معاطن الإبل ومرابض الغنم ليس بمضطرد بل ربما كان الأمر بخلاف ذلك.
المسلك الثالث: تفسير النهي عن الصلاة في هذه المواضع وتوجيهه بما دل عليه كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم.
فأما القبور فإن الصلاة عندها تعظيم لها شبيه بعبادتها وتقرب بالصلاة عندها إلى الله سبحانه أما من يقصد هذا فظاهر مثل من يجيء إلى قبر نبي أو رجل صالح فيصلي عنده متقربا بصلاته عنده إلى الله سبحانه وهذا نوع من الشرك وعبادة الأوثان بل هو أحد الاسباب التي عبدت بها الأوثان.
قيل أنهم كانوا يصلون عند قبور صالحيهم ثم طال العهد حتى صوروا صورهم وصلوا عندها وعكفوا عليها وقالوا إنما نعبدهم ليقربونا إلى الله زلفى ولما كان النصارى قد ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ كان العكوف عند القبور والتماثيل فيهم أكثر ولهذا قال صلى الله عليه وسلم عن الكنيسة التي أخبر عنها: "أن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة" وقال: "اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد واشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور انبيائهم مساجد" وقال عليه السلام: "أن من كان قبلكم اتخذوا قبور انبيائهم وصالحهم مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فاني انهاكم عن ذلك" فإنما نهى عن ذلك لأن الصلاة
عندها وواتخاذها مساجد ضرب من عبادة الأوثان وسبب إليه لأن عبادة الأوثان ما كانوا يقولون أن تلك الحجارة والخشب خلقتهم وإنما كانوا يقولون أنها تماثيل اشخاص معظمين من الملائكة والنجوم أو البشر وانهم بعبادتهم يتوسلون إلى الله فإذا توسل العبد بالقبر إلى الله فهو عابد وثن حتى يعبد الله مخلصا له الدين من غير أن يجعل بينه وبينه شفعاء وشركاء كما أمر الله تعالى بذلك في كتابه ويعلم أنه ليس من دون الله ولي ولا شفيع كما اخبر تعالى.
ولهذا جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين محق التماثيل وتسوية القبور المشرفة إذ كان بكليهما يتوسل بعبادة البشر إلى الله قال أبو الهياج الاسدي: "قال لي علي رضي الله تعالى عنه إلا ابعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تدع تمثالا إلا طمسته ولا قبرا مشرفا إلا سويته" رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجه وأخبر النبي صلى الله عليه وسلم: "أن هذه الأمة ستتبع سنن من كان قبلها حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا حجر ضب لدخلوا معهم قالوا يا رسول الله اليهود والنصارى قال فمن" واخبر: "أنه لا تقوم الساعة حتى تعبد اللات والعزى وحتى تضطرب اليات دوس حول ذي الخلصة صنم كان لهم في الجاهلية" ولهذا قال أصحابنا: وغيرهم من العلماء لا يجوز
أن يبنى مسجد على قبر ولا فيما بين القبور والواجب في المساجد المبنية على ترب الأنبياء والعلماء والشيوخ والملوك وغيرهم أن لا تتخذ مساجد بل يقطع ذلك عنها أما بهدمها أو سدها أو نحو ذلك مما يمنع أن تتخذ مسجدا ولا تصح الصلاة في شيء منها ولا يجوز الوقف عليها ولا اسراج ضوء فيها سواء كان بدهن أو شمع ولا يصح النذر لها بل هو نذر معصية فتجب فيه كفارة يمين لأنه صلى الله عليه وسلم لعن من يتخذ القبور مساجد ولعن من يتخذ عليها السرج ونهى عن اتخاذها مساجد وسيأتي أن شاء الله تعالى تفصيل القول في ذلك.
وام من يصلي عند القبر اتفاقا من غير أن يقصده فلا يجوز أيضا كما لا يجوز السجود بين يدي صنم والنار وغير ذلك مما يعبد من دون الله لما فيه من التشبه بعباد الأوثان وفتح باب الصلاة عندها واتهام من يراه أنه قصد الصلاة عندها ولأن ذلك مظنة تلك المفسدة فعلق الحكم بها لأن الحكمة قد لا تنضبط ولأن في ذلك حسما لهذه المادة وتحقيق الاخلاص والتوحيد وزجرا للنفوس أن يتعرض لها بعبادة وتقبيحا لحال من يفعل ذلك ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة عند طلوع الشمس لأن الكفار
يسجدون للشمس حينئذ ونهى أن يصلي الرجل وبين يديه قنديل أو نحوه وكان إذا صلى إلى سترة انحرف عنها ولم يصمد لها صمدا كل ذلك حسما لمادة الشرك صورة ومعنى كما نهى سعدا أن يدعو باصبعين وقال أحد أحد وأن يقول الرجل ما شاء الله وشاء فلان وأن يحلف الرجل بغير الله وقال: "من حلف بغير الله فقد
أشرك".
ولعل بعض الناس يخيل إليه أن ذلك كان في أول الأمر لقرب العهد بعبادة الأوثان وأن هذه المفسدة قد امنت اليوم وليس الأمر كما تخيله فإن الشرك وتعلق القلوب بغير الله عبادة واستعانة غالب على قلوب الناس في كل وقت إلا من عصم الله والشيطان سريع إلى دعاء الناس إلى ذلك وقد قال الحكيم الخبير ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ وقال امام الحنفاء ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أن نَعْبُدَ الأصنام رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فإنه مِنِّي﴾ وقد قال الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين عقيب فتح مكة اجعل لنا لنا ذات انواط فقال: "الله أكبر قلتم كما قال قوم موسى لموسى اجعل لنا الها كما لهم الهة أنها السنن لتتبعن سنن من قبلكم وسيعود الدين غريبا كما بدأ" ويصير الصغير كبيرا فكيف تؤمن المفسدة بل هي واقعة كثيرة فهذه هي العلة المقصودة لصاحب الشرع في النهي عن الصلاة في المقبرة واتخاذ القبور مساجد لمن تأمل الأحاديث ونظر فيها وقد نص الشارع على هذه العلة كما تقدم.
فأما أن كان التراب نجسا فهذه العلة اخرى قد تجامع الأولى لكن تكون المفسدة الناشئة من اتخاذها اوثانا أعظم من مفسدة نجاسة التراب فإن تلك تقدح في نفس التوحيد والاخلاص الذي هو أصل الدين وجماعه وراسه والذي بعثت به جميع المرسلين كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ﴾ وقال: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ ولهذا كانت فاتحة دعوة المرسلين من نوح وهود وصالح وشعيب وغيرهم ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ وقد تفارق الأولى إذا كان بينه وبين التراب حائل من البساط ونحوه أو كانت المقبرة جديدة لا سيما المسجد المبني على قبر نبي أو رجل صالح فإن تربته لم يدفن فيها غيره فلا نجاسة هناك البتة مع ما فيه من نهي الشارع.
وأما أعطان الإبل فقد صرح النبي صلى الله عليه وسلم في توجيه ذلك بانها من الشياطين وبانها خلقت من الشياطين وفي رواية أنها جن خلقت من جن وفي حديث آخر.
"على ذروة كل بعير شيطان".
والشيطان: اسم لكل عات متمرد من جميع الحيوانات والشياطين من ذرية ابليس تقارب شياطين الانس والدواب فمعاطنها ماوى الشياطين اعني أنها في انفسها جن وشياطين لمشاركتها لها في العتو والتمرد والنفر وغير ذلك من الاخلاق وأن ذرية ابليس مقترنة بها وإذا كان كذلك فالمواضع التي هي مالف الشياطين ومثواهم نهى الشارع عن الصلاة فيها لما في الصلاة فيها من المفسدة التي تعكس على المصلي مقصوده من العبادة بل هي من ابلغ الاسباب المانعة من صحة العبادة وصلاحها كما فضل الاماكن التي هي مألف الملائكة والصالحين مثل المساجد الثلاثة لما يرجى هناك من مزيد الرحمة والبركة وكمال العبادة ولما يخاف هنالك من نقص الرحمة والبركة ونقص العبادة إلا ترى إلى قوله: ﴿رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أن يَحْضُرُونِ﴾ إلا ترى أن المسجد صين عن كل ما ينفر الملائكة من التماثيل والجنب وارتفاع الاصوات ونحو ذلك فعلم أن مواضع العبادة يقصد أن تكون مما تنزل فيه الرحمة والسكينة والملائكة وأن ما كان محلا لضد ذلك لم يجعل موضع صلاة وهذه العلة التي اوما إليها الشارع هنا أوما إليها في مواضع اخر فانهم لما ناموا عن صلاة الفحر بعد القفول من غزوة خيبر واستيقظوا قال صلى الله عليه وسلم: "ليأخذ كل رجل منكم برأس راحلته فإن
هذا منزل حضرنا فيه الشيطان" مع أمره بصلاة الفائتة حين ينتبه لها وقوله صلى الله عليه وسلم: "لا كفارة لها إلا ذلك".
فعلم أن الصلاة ببقعة يحضرها الشيطان أمر محذور في الشرع واعتبر هذا المعنى في قطع الصلاة بمرور المار فقال لما سئل عن الفرق بين الكلب الأسود والأبيض والأحمر الكلب الأسود شيطان وقال: "إن عفريتا من الجن تفلت علي البارحة ليقطع علي الصلاة فأمكنني الله منه فذعته" الحديث وفي رواية: "مر علي الشيطان فتناولته فأخذته فخنقته" ونحن نقول بجميع هذه السنن ونعلل بما علل به رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه يعلم ما لا نعلم وامره يتبع علمه بأبي هو وامي وحينئذ فيجب طرد هذه العلة فإن الحش مع أنه مظنة النجاسة فإن الشياطين تحضره كما قال صلى الله عليه وسلم: "أن هذه الحشوش محتضرة" وأمر عند دخولها بالتسمية والاستعاذة من الشيطان الرجيم".
وكذلك الحمام فإنه مع أنه مظنة النجاسة فإنه بيت الشيطان كما جاء في الاثر الذي ذكرناه في الطهارة أن الشيطان قال أي رب اجعل لي بيتا قال بيتك الحمام وهو محل للخبث والملائكة لا تدخل بيتا فيه خبث.
وأما المجزرة والمزبلة فهي كالحمام سواء وأسوأ لأنها مظنة النجاسة وهي والله أعلم محتضرة من الشياطين فانهم ابدا يأوون مواضع النجاسات فما خبث من الجمادات والاجساد مقرون ابدا بما خبث من الحيوانات والأرواح وليس اعتبار طهارة البقعة من الاجسام الخبيثة بدون اعتبار طهارتها من الأرواح الخبيثة بل العناية بتطهيرها من هؤلاء الخبيثين والخبيثات من الاماكن أولى ولما كان هذا مغيبا عن عيون الناس علق الشارع الحكم بمظنة ذلك وعلاقته وهو مكان النجاسات.
وأما قارعة الطريق فقد صرح صلى الله عليه وسلم بانها ماوى الحيات والسباع.
وهذا والله أعلم ينزع إلى ذلك لأن الحيات والسباع من اخبث شياطين الدواب وماواها اسوا حالا من ماوى الإبل.
وقد أشار أبو بكر الأثرم إلى نحو من هذه الطريقة فقال لما ذكر حديث زيد بن جبيرة واعتمده وبين الجمع بينه وبين الأحاديث المطلقة فقال قول النبي صلى الله عليه وسلم: "جعلت لي الأرض طهورا ومسجدا" إنما أراد به الخلاف على أهل الكتاب لأنهم لا يصلون إلا في كنائسهم وبيعهم فقال فضلت على الناس بذلك وبغيره ثم استثنى بعد الخلاف عليهم مواضع لمعان غير معاني أهل الكتاب قال الحمام والمقبرة فإن الحمام ليس من بيوت الطهارة لأنه بمنزلة المراحيض الذي يغتسل فيه من الجنابة والحيض والمقبرة أيضا إنما كرهت للتشبه بأهل الكتاب لأنهم يتخذون قبور انبيائهم وصالحيهم مساجد وسائر المواضع التي استثناها إنما كره نجاستها ومعاطن الإبل قال أنها خلقت من الشياطين فقد بين في كل معناه هذا كلام الأثرم وقد تبين بما ذكرناه أن العلة في أكثر هذه المواضع كونها مأوى الشياطين ومألفهم وأن الف الشيطان اياها بسبب النجاسة وغيرها.
فإن قيل فعندكم تجوز الصلاة في الموضع الذي نسي الصلاة فيه وهو موضع شيطان وتجوز في السوق بنص السنة وبها يركز الشيطان
مفقودة
ويريد بها مقابر المشركين العتق مع أن المفهوم عندهم مقابرهم ولا يجوز أن يريد بها ما يتجدد من القبور دون المقابر الموجودة في زمانه وبلده فإن ما يعرفه المتكلم من افراد العام هو أولى بالدخول في كلامه ثم أنه لو أراد القبور المنبوشة وحدها لوجب أن يقرن بذلك قرينة تدل عليه والا فلا دليل يدل على أن المراد هو هذا ومن المحال أن يحمل الكلام على خلاف الظاهر المفهوم منه غير أن ينصب دليل على ذلك ثم أنه نهانا عما كان يفعله أهل الكتابين من اتخاذ القبور مساجد وأكثر ما اتخذوه من المساجد مقبرة جديدة بل لا يكون إلا كذلك ثم هم يفرشون في تلك الأرض مفارش تحول بينهم وبين تربتها فعلم أنه صلى الله عليه وسلم نهانا عن ذلك.
وبالجملة فمن جعل النهي عن الصلاة في المقبرة لاجل نجاسة الموتى فقط فهو بعيد عن مقصود النبي صلى الله عليه وسلم كما تقدم.
ثم لا يخلوا أما أن يكون القبر قد بني عليه مسجد فلا يصلى في هذا المسجد سواء صلى خلف القبر أو امامه بغير خلاف في المذهب لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد إلا فلا تتخذوا القبور مساجد فاني انهاكم عن ذلك" وقال: "لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور انبيائهم مساجد" وقال: "أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا" الحديث وقال: "لعن الله
زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج" فعم بالنهي أن يتخذ شيء من القبور مسجدا وخص قبور الأنبياء والصالحين لأن عكوف الناس على قبورهم أعظم واتخاذها مساجد أكثر ونص على النهي عن أن يتخذ قبر واحد مسجدا كما هو فعل أهل الكتاب لذلك أن لم يكن عليه مسجد لكن قصده انسان ليصلي عنده فهذا قد ارتكب حقيقة المفسدة التي كان النهي عن الصلاة عند القبور من اجلها وقد اتخذ القبور مساجد يقصدها للصلاة فيها والصلاة عندها كما يقصد المسجد الذي هو مسجد للصلاة فيه فإن كل مكان اعد للصلاة فيه أو قصد لذلك فهو مسجد بل كل ما جازت الصلاة فيه فهو مسجد كما قال: "جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا" وقال عليه السلام: "الأرض كلها مسجد إلا المقبرة والحمام" وسواء كان في بيت أو مكان محوط وقد بني عليه بناء لاجله أو لم يكن.
وأما أن كان في موضع قبر وقبران فقال أبو محمد لا يمنع من الصلاة هناك لأنه لا يتناولها اسم المقبرة وإنما المقبرة ثلاثة قبور فصاعدا وليس في كلام أحمد وعامة أصحابه هذا الفرق لا بعموم كلامهم وتعليلهم واستدلالهم يوجب منع الصلاة عند قبر من القبور وهذا هو
الصواب فإن قوله صلى الله عليه وسلم: "لا تتخذوا القبور مساجد" أي لا تتخذوها موضع سجود فمن صلى عند شيء من القبور فقد اتخذ ذلك القبر مسجدا إذ المسجد في هذا الباب المراد به موضع السجود مطلقا لا سيما ومقابلة الجمع بالجمع يقتضي توزيع الأفراد على الأفراد فيكون المقصود لا يتخذ قبر من القبور مسجدا من المساجد ولأنه لو اتخذ قبر نبي أو قبر رجل صالح مسجدا لكان حراما بالاتفاق كما نهى عنه صلى الله عليه وسلم فعلم أن العدد لا أثر له وكذلك قصده للصلاة فيه وأن كان اغلظ لكن هذا الباب سوى في النهي فيه بين القاصد وغير القاصد سدا للباب الفساد ولأنه قد تقدم عن علي رضي الله عنه أنه قال لا تصل في حمام ولا عند قبر.
قال أصحابنا: وكل ما دخل في اسم المقبرة من حول القبور لا يصلى فيه فعلى هذا ينبغي أن يكون المنع متناولا لحريم القبر المفرد وفنائه المضاف اليه.
قال أصحابنا: ولا تجوز الصلاة في مسجد بني على المقبرة سواء كان له حيطان تحجز بينه وبين القبور أو كان مكشوفا.
فأما أن لم يكن في أرض المقبرة وكانت المقبرة خلفه أو عن يمينه أو عن شماله جازت الصلاة فيه يعنون إذا لم يكن قد بني لاجل صاحب القبر فأما أن بني لاجل صاحب القبر بأن يتخذ موضعا للصلاة لمجاورته
القبر وكونه في فنائه فهذا هو بعينه الذي نهى عنه رسول صلى الله عليه وسلم.
وأما أن كانت المقبرة امامه فسياتي أن شاء اللله تعالى هذا قول القاضي وغيره.
وقال ابن عقيل أن بني بعد أن تقلبت ارضها بالدفن لم تجز الصلاة فيه وأن بني مسجد في ساحة ظاهرة وجعلت الساحة مقبرة فالمسجد على أصل جواز الصلاة لان أكثر ما فيه أنه في جوار مقبرة فلم يمنع من الصلاة فيه كسائر ما جاورها من الدور والمساجد.
والصحيح أنه لا فرق في بناء المسجد في المقبرة بين أن تكون جديدة أو عتيقة كما تقدم.
وقال جماعة كثيرة من أصحابنا أن بني مسجد في المقبرة لم تصح الصلاة فيه بحال لأن ارضه جزء من المقبرة وأن كان المسجد متقدما فاتخذ ما حوله مقبرة جازت الصلاة فيه إلا أن تكون المقبرة في قبلته وفسروا اطلاق القاضي وغيره بهذا.
فان زال القبر أما بنبش الميت وتحويل عظامه مثل أن تكون مقبرة كفار أو ببلاه وفنائه إذا لم يبق هناك صورة قبر فلا بأس بالصلاة هناك لأن مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت فيه قبور المشركين فامر بها فنبشت لما أراد بناءه.
وان لم يعلم بلاه أو كان ممن يعلم أنه لم يبل لكن قد ذهب تمثال القبر واندرس اثره بحيث لم يبق علم الميت ولا يظهر أن هناك احدا مدفونا فهنا ينبغي أن تجوز فيه الصلاة إذا لم يقصد الصلاة عند المدفون هناك لان هذا ليس صلاة عند قبر ولا يقال لمثل هذا مقبرة.
ولهذا يقال أن إسماعيل وامه هاجر مدفونان في حجر البيت ويقال أن جماعة من الأنبياء مدفونون بمسجد الخيف واخرين مدفونون بين زمزم والمقام مع أن الصلاة هناك جائزة حسنة بالسنة المتواترة والإجماع لأنه لا يتوهم أن تلك الأمكنة مقابر ولا أن الصلاة عندها صلاة عند قبر ولأن الصلاة عند القبور كرهت خشية أن تتخذ اوثانا تعبد فإذا كان هناك تمثال أو علم يشعر بالمدفون كان كصورته المصورة إذا صلى عنده فيصير وثنا أما إذا فقد هذا كله فلا عين ولا أثر وليس فيه ما يفضي إلى اتخاذ القبور وثنا حتى لو فرض خشية ذلك نهي عنه.
فصل.
وما الحمام فقال أصحابنا: لا فرق فيه بين المغتسل الذي يتعرى