شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاةصفحات 544-583

ينسخ وهذا لأن الأصل جواز استقبال الوجه إلى جميع الجهات لكن إذا لم يكن بد من الصلاة إلى واحدة منها عين الله سبحانه لنا استقبال أحب الوجوه إليه واوجب ذلك فإذا تعذر ذلك بالجهل وبالعجز سقط هذا الوجوب حينئذ لأن الايجاب حينئذ محال.
وأيضا ما روى عن عاصم بن عبيد الله عن عبد الله بن عامر بن ربيعة عن ابيه قال كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في السفر في ليلة مظلمة فلم يدر اين القبلة فصلى كل رجل منا على حياله فلما اصبحنا ذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فنزل ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ " رواه ابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن ليس اسناده بذلك لا نعرفه إلا من حديث اشعث السمان واشعث يضعف في الحديث قلت وقد رواه أبو داود الطيالسي في مسنده عن اشعث بن سعيد وعمر بن قيس عن عاصم بن عبيد الله وهو يقوي رواية اشعث ويزيل تفرده به.

وقد روي هذا المتن من حديث جابر من حديث محمد بن سالم ومحمد بن عبيد الله العرزمي عن عطاء عن جابر قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في مسير فاصابنا غيم فتحيرنا فاختلفنا في القبلة فصلى كل رجل منا على حدة وجعل احدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا فذكرنا ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يامرنا بالاعادة وقال قد اجزات صلاتكم" رواه الدارقطني وغيره وقال هما ضعيفان.
ورواه الباغندي والحسن بن علي المعمري وغيرهما عن أحمد ابن عبيد الله بن الحسن العنبري قال وجدت في كتاب أبي ثنا عبد الملك ابن أبي سليمان العرزمي عن عطاء بن أبي رباح عن جابر قال: "بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية كنت فيها فاصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة فقالت طائفة منا القبلة ههنا قبل الشمال فصلوا وخطوا خطأ وقال بعضنا القبلة ها هنا قبل الجنوب وخطوا خطأ فلما اصبحنا وطلعت الشمس أصبحت

تلك الخطوط لغير القبلة فقدمنا من سفرنا فاتينا النبي صلى الله عليه وسلم فسالناه عن ذلك فسكت وانزل الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ " وهو اسناد مقارب.
وبعض هذه الطرق مما يغلب على القلب أن الحديث له أصل وهو محفوظ فإن المحدث إذا كان إنما يخاف عليه من سوء حفظه لا من جهة التهمة بالكذب فإذا عضده محدث اخر أو محدثان من جنسه قويت روايته حتى يكاد احيانا يعلم أنه قد حفظ ذلك الحديث لا سيما إذا جاء به محدث اخر عن صحابي اخر فإن تطرق سوء الحفظ في مثل ذلك إلى جماعة بعيد لا يلتفت إليه إلا أن يعارض حديثهم ما هو أصح منه وقد روى أصحاب التفسير عن ابن عباس رضي الله عنهما قال خرج نفر من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر وذلك قبل تحويل القبلة إلى الكعبة فأصابهم الضباب وحضرت الصلاة فتحروا القبلة وصلوا فمنهم من صلى قبل المشرق ومنهم من صلى قبل المغرب فلما ذهب الضباب استبان لهم أنهم لم يصيبوا فلما قدموا سالوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فنزلت هذه الآية فهذا وأن لم يكن مما يحتج به منفردا فإنه يشد تلك الروايات ويقويها وقد استدل أحمد بهذه الآية وتاولها على ذلك قال إذا تحرى القبلة ثم صلى فعلم بعدما صلى أنه صلى لغير القبلة مضت فتأول بعض

قول أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فاينما تولوا فثم وجه الله.
وقال في موضع اخر في الرجل يصلي لغير القبلة لا يعيد فاينما تولوا فثم وجه الله وهذا دليل على أن الصحابة تأولوها على حال التحري كما ذكرنا ويشبه والله أعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكن معهم تلك الليلة وإنما كان قد سراهم سرية فلما اصبحوا لقوه وقد قفلوا من وجوههم ذلك هكذا تدل عليه الروايات.
فإن قيل ففي حديث ابن عمر أن هذه الآية نزلت في صلاة التطوع في السفر.
قلنا لا منافاة بين هذين فإن الآية الجامعة العامة تنزل في أشياء كثيرة أما أن يراد به جميع تلك المعاني بإنزال واحد وأما أن يتعدد الإنزال أما بتعدد عرض النبي صلى الله عليه وسلم القران على جبريل عليه السلام أو غير ذلك وفي كل مرة تنزل في شيء غير الأول لصلاح لفظها لذلك كله على أن قول الصحابة نزلت الآية في ذلك قد لا يعنون به سبب النزول وإنما يعنون به أنه اريد ذلك المعنى منها وقصد بها وهذا كثير في كلامهم وأيضا فإن المصلي استقبل غير القبلة جاهلا بها جهلا يعذر به فلم تجب عليه الإعادة كاهل قباء فانهم لما بلغهم الخبر في اثناء الصلاة استداروا إلى جهة الكعبة ولم يستانفوا الصلاة إلى الكعبة ولم يامرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالاعادة مع أن القبلة كانت قد حولت بعد دخولهم في الصلاة ولا فرق بين عدم العلم

بوجود الاستقبال لتجدد النسخ وعدم العلم بالجهة الواجبة إذا كان في كلا الأمرين معذورا ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها وهذه الدلالة اعتمدها أحمد رضي الله عنه في غير موضع من مسائله.
وقد ذكر عن عطاء وقتادة أن النجاشي كان يصلي إلى بيت المقدس إلى أن مات وقد مات بعد نسخ القبلة بسنين متعددة فلما صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم بقي في انفس الناس لأنه كان يصلي إلى غير الكعبة حتى انزل الله هذه الآية وهذا والله أعلم بأنه قد كان بلغه أن النبي صلى الله عليه وسلم يصلي إلى بيت المقدس فصلى إليه ولهذا لم يصل إلى المشرق الذي هو قبلة النصارى ثم لم يبلغه خبر النسخ لبعد البلاد فعذر بها كما عذر أهل قباء وغيرهم فإن القبلة لما حولت لم يبلغ الخبر إلى من بمكة من المسلمين ومن كان بارض الحبشة من المهاجرين مثل جعفر وأصحابه ومن كان قد اسلم ممن هو بعيد عن المدينة إلى مدة طويلة أو قصيرة ولم يامر النبي صلى الله عليه وسلم احدا منهم باعادة ما صلاه إلى بيت المقدس قبل علمه بالناسخ وما ذلك إلا لأنه معذور لعدم العلم وأنه كان متمسكا بشريعة فلما لم يبلغه نسخها لم يثبت في حقه حكم النسخ لأن الله لا يكلفه علم الغيب فكذلك من اجتهد واستفرغ وسعه أو عميت عليه الأدلة لا يكلفه الله إلا وسعه ولأن القبلة المعينة تسقط بالعجز حال المسايفة وكذلك بالجهل حال الاشتباه لأن كلاهما معذور في ذلك ولأنه فعل ما أمر به كما أمر به فلم تلزمه الإعادة كالمصلي إلى القبلة وذلك أن السماء إذا اطبقت بالغيوم وهو

في صحراء من الأرض قد عميت عليه سبل الأدلة وانحسمت مسالك الاجتهاد فمن المحال أن يؤمر باستقبال جهة الكعبة.
ولأن الطهارة ابلغ من الاستقبال ولو اجتهد في طلب الماء ثم تبين أنه كان مدفونا تحت الأرض التي هو عليها لم تجب عليه الإعادة حيث لم يقصر في الطلب فالمجتهد في القبلة أولى ولهذا حيث اوجبنا الإعادة على من اخل ببعض الشرائط ناسيا أو جاهلا اوجبناها لأنه في مظنة التقصير.
فصل.
وأما دلائل القبلة فقد جرد الناس التصنيف فيها من أهل الفقه والحساب فإنها تختلف باختلاف البلاد فاهل كل ناحية يخالف وجه استدلالهم وجه استدلال الناحية الأخرى والاشتباه له سببان.
أحدهما: أن لا تعرف الجهات لغيم السماء ونحو ذلك ولو علم الجهات لعلم اين مكة منه لعلمه بانها يماني بلده أو شامي بلده ونحو ذلك وهذا هو الاشتباه الذي يعرض كثيرا فمتى قدر هذا على معرفة جهة القبلة فقد اجزاته صلاته وأن قلنا أن الفرض تحري عينها مع القدرة لأنه عاجز عن ذلك في هذه الحالة.
الثاني: أن يعلم الجهات لكن لا يدري اين مكة منه فهذا لا يكاد يشتبه عليه جهة القبلة وإنما يشتبه عليه عينها وصلاته أيضا مجزئة إلى الجهة إذا لم يمكنه أكثر من ذلك قولا واحدا وقد يقع هذا كثيرا لمن قرب

من مكة وهو سائر لا يعرف الأرض إذا وقع في طرقات مشيه.
والأدلة العامة ثلاثة أصناف سمائية وهوائية وارضية كل منها مبني على مقدمتين.
إحداهما: أن يعلم النسبة التي بين مكان الصلاة التي يريد معرفة قبلته وبين الكعبة أن قصدت الاستدلال على العين أو بينه وبين جهة الكعبة أن قصدت الاستدلال على الجهة.
والثانية: أن يعلم النسبة التي بين الدليل أو بين الكعبة أو جهتها فإذا علمت هاتين المقدمتين علمت النسبة التي يجب أن يكون المصلي إلى ذلك الدليل.
مثال ذلك إذا اردت الاستدلال على قبلة أهل الشام والعراق وما بينهما من الجزيرة فقد علمت أن جهة الكعبة من هؤلاء الجهة اليمانية وأما العين فإن أهل الشام يستقبلون ما بين الركن الشامي والميزاب وأهل العراق يستقبلون ما بين الركن الشامي والباب واهل نجران ونحوهم يستقبلون نفس الركن الشامي والعلم بهذا ونحوه من مسامتات الأرض بعضها بعضا تحريره لأهل الحساب.
والمقدمة الثانية العلم بجهة المشرق والمغرب وهذا ظاهر وأما العين فإن تعلم أن القطب يحاذي الركن الشامي ويواجهه وحينئذ تعلم أن الشامي إذا جعل القطب بين اذنه اليسرى ونقرة القفا فقد استقبل ما بين الركن الشامي والميزاب وأن العراقي إذا جعل القطب بين اذنه اليمنى ونقرة القفا فقد استقبل قبلته.
فأما دلائل السماء فمنها الشمس إذ هي أظهر والاستدلال بها أيسر

فانها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب فمن كانت قبلته الركن الذي يلي الحجر من ناحية المشرق ويسمى الركن الشامي والركن الاخر الذي يلي الحجر الركن الغربي ويسميان جميعا الركنين الشاميين وقد يسمى الأول الركن العراقي والثاني: الركن الشامي وركن الحجر الأسود الركن البصري وأما الركن الرابع: فإنه يسمى اليماني بلا اختلاف في العبارة ويسمى هو وركن الحجر الأسود الركنين اليمانيين فمن كانت قبلته هذا الركن الذي يسمى العراقي والشامي وما يليه من ناحية الباب وما يليه من ناحية الحجر من أهل لمدينة والشام والجزيرة والعراق وخراسان وما وراء هذه البلاد إذا جعلوا المغرب عن ايمانهم والمشرق عن شمائلهم فقد استقبلوا جهة القبلة وفي ذلك جاءت الاثار المتقدمة.
قال أبو عبد الله رحمه الله بين المشرق والمغرب قبلة ولا يبالي مغرب الصيف ولا مغرب الشتاء إذا صلى بينهما فصلاته جائزة إلا انا نستحب أن يستقبل القبلة ويجعل المغرب عن يمينه والمشرق عن يساره فيكون وسطا من ذلك وأن هو صلى فيما بينهما وكان إلى أحد الشقين اميل فصلاته جائزة إذا كان بين المشرق والمغرب ولم يخرج من بينهما.
ومنها القمر فإنه يستدل بطلوعه في النصف الاخر من الشهر فإنه يطلع من المشرق لا سيما اواخر الشهر فإنه يطلع اخر الليل من المشرق وأما النصف الأول فإنه يستدل بغروبه فإنه يغرب في ناحية المغرب لا سيما ليالي الاهلال فإنه يغرب ويطلع في المغرب وليلة السابع: يكون أول الليل

في وسط السماء بين المشرق والمغرب وليلة احدى وعشرين يكون اخر الليل في وسط السماء.
ويستدل أيضا باستواء الشمس وقت الزوال لمن يعرفه بزيادة الظل فإنها تكون حينئذ بين المشرق والمغرب والظل بعد يميل إلى جهة المشرق فمتى جعلها على رأسه أو تجاهه والفيء عن يساره كان مستقبلا جهة القبلة وكذلك القمر ليلة سابعة وقت المغرب وليلة احدى وعشرين وقت المشرق يكون في وسط الفلك فمن جعله فوق راسه أو تجاهه فقد استقبل القبلة.
فصل.
ومنها النجوم قال الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا فِي ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ﴾ وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "تعلموا من النجوم ما تعرفون به القبلة والطريق في رواية عنه تعلموا من النجوم ما تهتدون في بركم وبحركم ثم امسكوا" رواه حرب.
وعن علي رضي الله عنه قال: "أيها الناس اياكم وتعلم النجوم إلا ما

تهتدون بها في ظلمات البر والبحر" رواه أبو حفص ولذلك استحسن أحمد معرفة منازل القمر وأن يتعلم بها كم مضى من الليل وكم بقي وذكر أنه تعلمها من أهل مكة.
والنجوم اقسام.
إحداها: منازل القمر الثمانية والعشرون فالاستدلال بها كالاستدلال بالشمس والقمر سواء لأنها تطلع من المشرق وتغرب في المغرب وهي السرطان والبطين والثريا والدبران والهقعة والهنعة والذراع والنثرة والطرف والجبهة والزبرة والصرفة والعواء والسماك والغفر والزباني والأكليل والقلب والشولة والنعايم والبلدة وسعد الذابح وسعد بلع وسعد الاحبية وسعد السعود والفرع المتقدم والفرع المؤخر وبطن الحوت فمن عرف كل منزل منها بعينه أمكنه الاستدلال بها فإن الاربعة عشر الأول هي شامية تميل في طلوعها إلى جهة الشمال والاربعة عشر الاواخر يمانية تميل في طلوعها إلى ناحية الجنوب ومن عرف المتوسط منها وقت طلوع الفجر وراه متوسطا استدل به كما يستدل بتوسط الشمس والقمر.
وأثبت الأدلة على نفس الكعبة القطبان الشمال والجنوبي والقطب الشمالي هو الظاهر في عامة المسكون من الأرض مثل أرض الشام والعراق وخراسان والمشرق ومصر والمغرب وهذان القطبان هما قطبا الفلك المذكور في قوله سبحانه: ﴿وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾

قالوا فلكه مثل فلكة المغزل ويقرب من القطب الشمالي نجم صغير يسميه الفقهاء القطب وهو كوكب خفي يمتحن الناس به ابصارهم يرى إذا لم يكن في السماء قمر وحوله انجم دائرة كفراشة الرحا في أحد طرفيها الفرقدان وفي الاخر الجدي وهو كوكب نير معروف إذا جله المصلي خلفه كان مستقبلا القبلة في الشام والجزيرة العراق وخراسان.
وقال أبو عبد الله في غير موضع الجدي يكون على قفاه ويطلع من قبل المشرق وقال أيضا قبلتنا نحن وقبلة أهل المشرق كلهم واهل خراسان الباب وقد قال مرة اخرى وقيل له اين تحب أن يكون الجدي من الإنسان إذا قام إلى القبلة فقال أما الجدي فلم يرد في الجدي شيء إنما يروى إذا جعلت المشرق عن يسارك والمغرب عن يمينك فما بينهما قبلة وقيل له أيضا قبلة أهل بغداد على الجدي فجعل ينكر الجدي وقال ليس الجدي ولكن على حديث ابن عمر ما بين المشرق والمغرب قبلة ومعنى كلامه هذا أنه لا يجب على المصلي أن يتحرى الجدي ولا القبلة معلقة باستدباره كما يقول من يعتبر استقبال العين وإنما الواجب استقبال الجهة ويكفي في ذلك ما بين المشرق والمغرب لأن السائل كان غرضه أن ذلك كان واجبا فانكر أحمد رضي الله عنه ذلك فأما المستحب فهو تحري الجدي كما نص عليه في موضع اخر لأنه اقوم استقبالا وبه يخرج من الشبهة والخلاف ثم أن أهل الشام ينحرفون إلى

الشرق قليلا فيكون القطب بين الاذن اليسرى وصفحة العنق وكلما امعن في المغرب كان الانحراف أكثر.
واهل العراق ينحرفون إلى المغرب أكثر من ذلك فيكون القطب محاذيا لظهر الاذن اليمنى وكلما امعن في المشرق كان الانحراف أكثر وما كان بحران وسميساط وما كان على سمتها بين المشرق والمغرب محاذيا لمكة شرفها الله فإنه يجعل القطب خلف نقرة القفاء ولهذا يقولون اعدل القبل قبلة حران لكون القطب الذي هو أثبت الدلائل وابينها يجعل خلق القفا بلا انحراف فيتيقن اصابة العين لكون البلدة محاذية للركن الشامي بعدها عن المشرق والمغرب كبعد مكة ولهذا يجعل الشام من المغرب حتى فسروا قول النبي صلى الله عليه وسلم: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين" بأنهم أهل الشام ويجعل العراقي من المشرق لأن الأرض إذا قسمت قسمين قسما شرقي مكة وقسما غربي مكة كانت الشام في الجانب الغربي والعراق في الجانب الشرقي وحران وما كان على سمتها على مسامته مكة بين الجانب الشرقي والجانب الغربي فالمستقبل لعين الكعبة في البلاد الشرقية والغربية لا بد له من انحراف وقد لا ينضبط ذلك غاية الضبط لما

في رعايته من الكلفة ولأن قدر الانحراف قد لا يتحقق والا فلا بد لكل بلاد من قبلة معتدلة وأن شق ضبطها وهذا القدر من الإنحراف معفو عنه بالإجماع وأن قلنا يجب استقبال العين.
ومتى كان الجدي عاليا والفرقدان تحته أو بالعكس فالقطب بينهما فاستدبارهما كاستدباره وأن كان أحدهما: في المشرق والاخر في المغرب فالقطب بينهما وهو إلى الجدي اقرب وبكل حال فإذا استدبر الجدي أو الفرقدين أو بنات نعش فهو مستقبل للجهة بكل حال وهو كافيه فإذا أراد مراعاة التحديد انحرف إلى ناحية القطب قليلا.
فصل.
وأما الدلائل الهوائية فهي الرياح ومهابها أربع تخرج من زوايا الأرض الاربعة ويقال أن الكعبة مبنية على مهابها فجدر الكعبة الاربعة مستقبلة لمهاب الريح واركان الكعبة مستقبلة بجهات الأرض الاربعة.
احداهن الصبا سميت بذلك لأنها تصبو إلى الكعبة وهي تهب إلى وجهها ما بين مطلع الثريا ومطلع الجدي.
والدبور تجاهها تهب إلى دبر الكعبة ما بين مطلع سهيل ومغرب الثريا.
والجنوب تهب إلى جانب الكعبة اليماني ما بين مطلع الثريا ومطلع سهيل.
والشمال تجاهها ما بين مطلع الجدي ومغرب الثريا فهذه الرياح من عرف خواصها وصفاتها أمكنه أن يستدل بها إذا كان في فضاء من

الأرض حيث تجري الريح على سنها ثم نسبة المصلي إليها تختلف باختلاف مكانه ولهذا تختلف عبارة أصحابنا العراقيين والشاميين وغيرهم في نسبة الرياح والشمس والقمر والجدي إلى المصلي لأن كل قوم وصفوا دلائل قبلة ارضهم خاصة على سبيل التحديد.
فصل.
وأما دلائل الأرض فقد قال بعض أصحابنا: أن ذلك لا ينضبط انضباطا عاما لكن من كان في موضع قد علم جهات ما فيه من الجبال والأنهار والابنية ونحو ذلك أمكنه الاستدلال.
فأما بدون ذلك فإن الجبال والأنهار ليست كلها على وجهة واحدة حتى يحكم عليها بحكم عام.
وقال كثير من أصحابنا يستدل بالجبال والأنهار الكبار.
اما الجبال فإن لها وجوها يعرفها سكانها ولذلك لكل شيء وجه يعرف بالمشاهدة قالوا ووجوه الجبال جميعها إلى جهة بيت الله سبحانه وتعالى.
اما الأنهار فقالوا أكثر الأنهار الكبار التي خلقها الله سبحانه وتعالى لم يحتفرها الناس لاغراضهم تجري من مهب الريح الشمال إلى مهب الريح

الجنوب مثل الفرات ودجلة قالوا إلا نهرين أحدهما: بالشام يسمى العاصي والاخر بخراسان يسمى جيحون يسمى كل واحد منهما المقلوب فإذا كانت هذه الأنهار تجري من يمنة المصلي إلى يسرته وقرب كتفه الايمن من الماء وبعدها اليسرى منه إذا كان الماء امامه وأن كان الماء خلفه فبالعكس فقد استقبل جهة الكعبة والنهران المقلوبات يجعلهما بالعكس جاريين من ميسرته إلى ميمنته وهذا والله أعلم في قبلة أهل العراق وخراسان ومن قاربهم من أهل الشام ونحوهم والا فنيل مصر يجري من الجنوب إلى الشمال ونهر الاردن بالشام يجري إلى ناحية الجنوب وهي ناحية القبلة.

مسألة: (وان اختلف مجتهدان لم يتبع أحدهما: صاحبه وتبع الأعمى والعامي اوثقهما في نفسه).
وجملة ذلك أن المجتهد في القبلة هو العالم بدلائلها القادر على الاستدلال بها سواء كان فقيها أو لم يكن.
فأما الأعمى أو البصير الذي لا يعلم ادلتها أو يعلمها اسما ووصفا ولا يعلمها عينا فليس بمجتهد سواء كان فقيها أو لم يكن لأن المجتهد في كل فن هو القادر على الاستدلال على مطالبه بسهولة فأما المجتهد ففرضه العمل بما اداه اجتهاده إليه سواء خالفه غيره أو وافقه وسواء كان أعلم منه أو لم يكن وسواء اجتهد أو لم يجتهد إذا كان الوقت متسعا للاجتهاد كما قلنا في المفتي والقاضي وكما في الاجتهاد في امور الدنيا وغيرها.
قال أصحابنا: وأن أمكنه أن يتعلم دلائل القبلة ويستدل بها قبل أن يضيق الوقت لزمه ذلك لأنه قادر على التوجه بالاجتهاد فلم يجز له التقليد كالعالم بالأدلة وذلك لأن مؤنة تعلم ادلة القبلة يسيرة لا تشغل الإنسان عن مصالحه فاشبه تعلم الفاتحة وصفة الوضوء وغيرها من فرائض الصلاة بخلاف تعلم ادلة الأحكام الشرعية وطريق الاجتهاد فيها فإن تكليف العامة ذلك يشغلهم عن كثير من مصالحهم التي لا بد منها لهم منها.
فان ضاق الوقت عن تعلم الأدلة والاستدلال بها فهو بمنزلة العاجز عن

تعلم الأدلة يقلد غيره فإن تعذر عليه الاجتهاد مع قدرته عليه لكونه محبوسا في ظلمة صار فرضه التقليد بمنزلة المقلد الذي لا يحسن الاستدلال هكذا ذكر القاضي وغيره من أصحابنا وذكروا أن أحمد اوما إليه ومن أصحابنا من قال هذا بمنزلة المقلد الذي لا يجد من يقلده يصلي على حسب حاله.
والصواب أن هذا الاطلاق يجب أن يحمل على ما إذا لم يجد من يقلده والا فلا فرق بين المحبوس في ظلمة وبين الأعمى.
وان ضاق الوقت عن الجتهاد مع علمه بالأدلة فخاف أن اشتغل به أن يفوته الوقت فإنه يصلي بالتقليد عند جماهير أصحابنا.
ومنهم من قال يصلي على حسب حاله وهو كالذي قبله وقال أبو محمد المقدسي صاحب الكتاب رحمه الله بل يجتهد لأن الاجتهاد في حقه شرط صحة الصلاة فلم يسقط بخروج الوقت كسائر الشرائط ولأنه مجتهد لا يجوز له التقليد مع سعة الوقت فلا يجوز له مع ضيقه كالمجتهد في الأحكام الشرعية مفتيا وقاضيا.
والأول هو الصواب لأن الصلاة في الوقت بالتقليد خير من الصلاة بعد خروج الوقت بالاجتهاد كمن يقدر على تعلم الأدلة لكن يخاف أن اشتغل بتعلمها فوات الوقت ولأن الصلاة في الوقت الحاضر فرض فلم يجز

تفويتها للاشتغال باسباب الشرائط كمن يعلم أنه يقدر على الماء أو على الثوب بعد الوقت ولأن الاجتهاد ليس هو الشرط وإنما هو الطريق إلى معرفة الشرط فلم يجز تفويت الصلاة بسببه كطلب الماء ولأن التقليد طريق صحيح وهو يدل على الاجتهاد فوجب العمل به عند خشية الفوات كالتيمم عند الماء ولا نسلم أن الاجتهاد هو الشرط كما تقدم ثم ينتقض بمن يعلم أنه يجد الماء بعد الوقت أو تتبين له القبلة أو يجد السترة أو يقدر على إزالة النجاسة بعد الوقت ولأنه لو أدركته الصلاة حال المسايفة وجب عليه أن يصلي في الحال إلى غير القبلة وأن كان بقتاله مجتهدا في الامن الذي يقدر به على استقبال القبلة.
فإن قيل أما أن كان زمن الاجتهاد يطول فما ذكرتموه ظاهر أنه قد تقدم أن الشروط كلها متى كان الاشتغال بتحصيلها من أول الوقت تفوت معه الصلاة لم يجز تفويت الصلاة لاجلها وأما أن كان زمن الاجتهاد قريبا مثل رجل استيقظ قبيل طلوع الشمس فقد قلتم في مثل هذا أنه يشتغل باسباب التوضىء واللبس وأن فات الوقت لأن ذلك وقته.
قلنا الخلاف في هذه الصورة اقرب والفرق بين القبلة وغيرها أن امرها خفيف يسقط في حال الخوف وفي صلاة التطوع في السفر من غير إعادة بالإجماع ويسقط بالجهل كاهل قباء ومن تحرى فاخطا ولأن المقلد عامل بطريق وأن كان اضعف الطريقين ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وأما المفتي والحاكم فليس للإجتهاد به وقت

محدود في الشرع ولم يتعين على هذا الحاكم والمفتي ومتى تبين له أنه خالف النص نقض حكمه وفتياه ولا يجوز له العمل بخلاف النص في وقت من الاوقات واستقبال الكعبة يسقط بالجهل والعجز من غير إعادة وفي القبلة إذا استوت عنده الجهات صلى إلى أي جهة شاء والعالم إذا استوت عنده الاقوال لم يجز له أن يفتي أو يحكم بشيء وذلك لأن العالم قد أخذ عليه أن لا يقول إلا بعلم والتقليد له طريق إلى العلم الذي أمر به فيسكت كما لو لم يكن مجتهدا والصلاة لا بد له من فعلها أما باجتهاد أو تقليد.
وفي الحقيقة لا فرق بين الموضعين لأن الوقت إذا ضاق عن الاجتهاد صار المجتهد كالقاضي في الموضعين والعامي يصلي بالتقليد في الموضعين ويحرم عليه أن يفتي أو يقضي بالتقليد.
فصل.
وان استوت الجهات كلها في نظر المجتهد لتعارض الأدلة في نظره أو لعدمها بان تكون السماء مطبقة بالغيوم ولا دليل له يستدل به فهذا أيضا كالعاجز عن الاستدلال لكونه محبوسا في ظلمه ونحوه.
قال بعض أصحابنا: يصلي على حسب حاله إلى أي جهة شاء.
وعلى ما ذكره سائر أصحابنا فإنه يقلد غيره أن وجد من يقلده لأن استواء الجهات في نظره تلحقه بالعامي فيقلد كما يقلد العامي

فأما إذا تعذر التحري على المجتهد لاستواء الجهات في نظره أو لكونه ممنوعا من رؤية العلامات أو لضيق الوقت على المشهور أو ضاق الوقت عن التعلم على من يمكنه التعلم وتعذر عليهم التقليد أيضا كالجاهل بدلائل القبلة إذا تعذر عليه التقليد وكالأعمى إذا تعذر عليه التقليد وجماع ذلك أن تستوي الجهات عند المكلف فلا يترجح بعضها على بعض باجتهاد ولا تقليد فهذا يصلي على حسب حاله إلى أي جهة شاء ويسقط عنه فرض استقبال جهة معينة هذا هو المذهب.
وعلى الوجه الذي ذكره أبو بكر الدينوري عليه أن يصلي أربع صلوات إلى أربع جهات.
وعلى المذهب هل يستحب أن يصلي أربع صلوات قال ابن عقيل الاحوط أن يصلي أربع صلوات وظاهر كلام أحمد وأكثر أصحابنا أن هذا لا يستحب بل يعيد قال أبو بكر فيه قولان يعني روايتين.
أحدهما: لا يعيد لأنه لم يكلف غير هذا.
والثاني: يعيد لأنه دخل في الصلاة بغير دليل ولذلك خرجها القاضي على الروايتين فيمن عدم الماء والتراب وقال ابن حامد أن أخطأ اعاد وأن اصاب فعلى وجهين.

فان قلنا يعيد مطلقا فلأنه ترك المفروض عليه في الاستقبال بعذر نادر غير متصل فاشبه الحائض إذا تركت الصوم ومن عدم الماء والتراب لأنه وأن اصاب فذاك على وجه البحث والاتفاق وذلك لا يكفي.
وان قلنا يعيد أن أخطأ فقط فلان المقصود استقبال القبلة وقد حصل وانما يعيد إذا قدر على التحري وصلى بغير تحر وأن اصاب لأنه ترك المفروض عليه وهذا فعل ما أمر به.
وان قلنا لا يعيد مطلقا وهو الصحيح وهو الذي يدل عليه كلام أحمد واستدلاله قال في رواية محمد في الرجل يصلي لغير القبلة لا يعيد ﴿وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وهو الذي تقتضيه اصوله خصوصا في مسائل القبلة.
والقولان الاخران بعيدان على المذهب فإن القبلة إذا لم يمكن العلم بها صارت جميع الجهات له قبلة كما نص عليه أحمد ولهذا لم يختلف قوله أنه لا إعادة على المخطىء وذلك لأن الله سبحانه قال: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ وقد تقدم أنها نزلت في الجاهل بالقبلة والعاجز عنها وكذلك الحديث المذكور ظاهره أن القوم لا يترجح عندهم جهة القبلة فصلى كل رجل على حسب حاله وجميع الأدلة المذكورة في مسألة: (من اجتهد فاخطا يعم هذا الموضع لأن سقوط الاصابة عن المجتهد والمقلد لكونه غير قادر عليها كسقوط

الاجتهاد والتقليد عن العاجز عنهما ولأن القبلة شرط من الشروط فسقط بالجهل به على وجه يعذر به كسائر الشروط والتعليل بالندرة ضعيف كما تقدم وبتقدير صحته فالقبلة اخف من غيرها كما تقدم وسر المسألة ان المصلي إلى أي الجهات توجه فثم وجه الله وقبلته لكنه سبحانه عين اشرف الجهات عند العلم والقدرة فإذا تعذر ذلك استوت الجهات كلها والله سبحانه أعلم هذا فيمن كان بدار الاسلام.
فأما من كان بدار الحرب ولا طريق له إلا إلى العلم بالقبلة فقال أبو بكر لا إعادة عليه هنا قولا واحدا بخلاف من هو في دار الاسلام لأن العذر يكثر ويطول في اسارى المسلمين المحبوسين في مطامير الكفار وقصة النجاشي تؤيد هذا.
فصل.
فان ترك الاجتهاد مع قدرته عليه أو التقليد مع قدرته عليه أو صلى إلى غير الجهة التي أمر من قلده بها فإنه يعيد بكل حال اصاب أو أخطأ في ظاهر المذهب لأنه فعل ما لم يؤمر به فلم تنفعه الاصابة اتفاقا كمن افتى بغير علم أو قضى للناس على جهل أو قال في القران برايه أو شهد بما لا يعلم فإن هؤلاء لا ينفعهم الاصابة في نفس الأمر لأنهم لم يعلموا أنهم مصيبون وعكس هؤلاء من اجتهد فاخطا في قضاه أو فتياه أو حلف على

شيء يظنه كما حلف عليه أو اجتهد أو قلد في القبلة فأخطا فإن الخطأ عن هؤلاء محطوط لأنهم فعلوا ما يقدرون عليه.
فصل.
وأما الأعمى والجاهل بادلة القبلة الذي لا يمكنه التعلم أو الذي يضيق وقته عن التعلم فإنه إذا اختلف عليه مجتهدان فإنه يتبع اوثقهما عنده علما بدلائل القبلة وورعا في تحريها وذلك واجب عند أكثر أصحابنا فإن قلد المفضول لم تصح صلاته.
وقال بعض أصحابنا: يجوز تخريجا على أن للعامي أن يقلد من شاء من المفتين فإن فيه روايتين أشهرهما جوازه لأنه أخذ بدليل يجوز العمل به منفردا فكذلك إذا كان معه غيره كما لو استويا فانهما إذا استويا قلد من شاء منهما وحكى الحلواني في هذه المسألة روايتين أيضا وقدم رواية التخيير كالروايتين في الاستفتاء.
والأول اقيس لأنه إنما جاز له أن يقلده حال النفراد لعدم المعارض كما يعمل في خبر الواحد والقياس والعموم مع عدم المعارض فإن غلبة الظن بمعرفة المجتهد تزول إذا خالفه من هو أعلم منه ولأن أمر

القبلة مبني على العمل بالأقوى فلم يجز العمل بالاضعف كما لو تعارضت الأدلة عند المجتهد فإنه يجب عليه العمل باقواها وكما لو اخبر المحبوس والأعمى رجلان كل مهما يزعم أنه يخبره عن علم بجهة القبلة واختلفا فإنه يجب عليه أن يعمل باصدقهما واوثقهما ولأنه عمل بالمرجوح فيما لم يبن على التوسعة والرخصة فلم يجز كالعمل بالدلالة الضعيفة.
وأما تقليد المفتين فإن ابن عقيل وغيره سووا بينهما في وجوب تقليد اوثقهما في نفسه وهو احدى الروايتين طردا للقياس قالوا لأن الحق في جهة واحدة وعلى المكلف أن يطلبه بأقوى الأدلة في نفسه واقوال المفتين للعامي كالأدلة الخاصة للمجتهد وله نوع اجتهاد فيمن يقلده فكما وجب على المجتهد رايه في ادلة الأحكام أن يتبع أقوى الدلالتين كذلك يجب على المجتهد رايه في اقوال المفتين أن يتبع اوثق القائلين وأكثر أصحابنا جوزوا له تقليد من شاء وهو أشهر الروايتين إذا لم يكن من أحد الجانبين نص ونحوه.
ثم أن طائفة من أصحابنا منهم ابن عقيل وأبو بكر الدينوري ذكروا رواية عن أحمد أن كل مجتهد مصيب بناء على اذنه لبعض من استفتاه أن يقلد غيره من المفتين إذا افتاه بخلاف قوله وصنف رجل كتابا سماه كتاب الاختلاف فقال سمه كتاب السعة ولا تسمه كتاب الاختلاف وقال لا ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه قال ولو كان يعتقد أنهم على خطأ لما دل عليهم وأمر بالاستفتاء لهم وبنى الدينوري على

هذا أن المصلي إلى القبلة باجتهاده مصيب لما عند الله وأن استقبل غير جهة الكعبة وعلى هذا فيظهر تخيير العامي في تقليد من شاء في القبلة وأيضا فلا فرق بل يقال التخيير في القبلة أولى من التخيير بين اعيان المفتين لأن من استوت عنده الجهات صلى إلى حيث شاء ومن تكافات عنده الدلالات امسك عن الفتيا حتى يتبين له الحق وذلك لأن ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ﴾ ولا يجوز أن يقال أي شيء قلتم فهو حكم الله ولأن التخيير بين الجهات لا تناقض فيه بل هو كالتخيير بين انواع القراءات في التشهد بخلاف التخيير بين اعتقاد التحليل والتحريم ونحو ذلك فإنه متناقض والمنصوص عنه في غير موضع وهو مذهب معروف أن الحق عند الله واحد وعلى المكلف أن يطلبه والمصيب له واحد وليس هذا موضع استقصاء في ذلك ولا ريب أن كون الحق عند الله واحدا في باب الأحكام ابلغ في باب الاستقبال ونحوه لأن المختلفين في القبلة وأن كان يعلم أن بعضهم مستقبل غير القبلة فجعل جهة غير القبلة قبلة أمر معهود في الشرع في حال الخوف والتطوع على الراحلة وهو في هذه الحال مستقبل القبلة التي شرعها الله له ظاهرا وباطنا فكذلك في حال الجهل بها للاشتباه أي جهة ولاها فثم وجه الله بخلاف حكم غير الحكم الذي حكم الله فإنه لا يجوز أن يكون هو حكم الله ظاهرا وباطنا بالنسبة إلى أحد من المكلفين كما هو مقرر في موضعه وأن قلنا هو مصيب في اجتهاده مخطىء بحكم الله أو قلنا هو مخطئ فيهما جميعا لكن الفرق بين التقليد في القبلة والتقليد في الأحكام أن تقليد الاوثق فيه

القبلة ليس فيه عسر ولا حرج إذ الجهات بالنسبة إلى المصلي سواء فيبقى تقليد المرجوح لا وجه له بخلاف الأحكام فإن الزام العامة بقول واحد بعينه في جميع الأحكام فيه عسر وحرج عظيم منفي بقوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾ وقد جعل اختلاف العلماء رحمة وتوسعة على الأمة وما زال المسلمون في كل عصر ومصر يقلدون من العلماء من علم عندهم بالعلم وقد كان الصحابة يعلمون فضل بعضهم على بعض في بعض انواع العلم ثم لم يقصروا العامة على استفتاء ذلك الافضل في ذلك النوع وأيضا فإنه يجب الرجوع إلى قول اوثق الطبيبين والقائفين والمقومين فكذلك في قول اوثق المجتهدين في القبلة لأنها امكور جزئية ولا يشق تعيين الأقوى منها بخلاف الأحكام الشرعية فإنها كثيرة ومتسعة ولربما كان المفضول في كثير من المسائل اوثق من الفاضل ختلاف المطلوبات فيها والمسألة محتملة.
هذا إذا اختلف مجتهدان وعلم اختلافها فأما إذا كانت هناك عدة مجتهدين ولم يدر ايتفقون أم يختلفون.
مثل أن يكون في جيش عظيم أو ركب عظيم فهل له أن يقلد من تيسر عليه منهم أم يجب عليه أن يسال اوثقهم لأصحابنا في الاستفتاء وجهان فكذلك يخرج هنا مثله لكن ظاهر كلامهم هنا أن ذلك لا يجب عليه لأنهم قصروا اتباع الاوثق على حال الاختلاف ولأنه لو كان قريبا منه امارة تدل على القبلة جاز له اتباعها ولم يجب عليه أن يقطع مسافة إلى

امارة اخرى لجواز أن تخالفها ولأن الأصل عدم الاختلاف.
فصل.
وإذا اختلف اجتهاد رجلين لم يجز أن يأتم أحدهما: بصاحبه في المنصوص المشهور ومتى ائتم أحدهما: بالاخر فصلاة الماموم باطلة وفي صلاة الامام وجهان.
وقال بعض أصحابنا: قياس المذهب جوازه كما لو ائتم بمن يخالف اجتهاده في بعض شروط الصلاة كمن يصلي خلف من يصلي في جلود السباع فإنه تصح صلاته في المنصوص عنه ولأن خطأ الامام هنا لا يمنع صحة الصلاة ظاهرا ولا باطنا لأن الامام لا يعيد إذا تبين له الخطا بخلاف ما لو اعتقد الماموم أن الامام محدث.
ووجه الأول ما تقدم من الحديث المذكور فإن الصحابة ضوان الله عليهم حينئذ صلى كل واحد منهم على حدته ولم يصلوا جماعة واحدة ولو كان ذلك جائزا لفعلوا لأن الجماعة واجبة أو سنة مؤكدة ولأن الماموم يعتقد أن الامام يترك شرطا من شرائط الصلاة للعجز عنه فاشبه ما لو كان الامام عاريا أو محدثا وعدم الماء والتراب أو مربوطا إلى غير القبلة أو حاملا لنجاسة لا يقدر على إزالتها أو اميا أو اقطع وأيضا فإنه هنا يتيقن أن

صلاته اشتملت على ترك استقبال القبلة وكل صلاة تيقن أنه ترك فيها استقبال القبلة فهي باطلة لأنه أن كان هو المصيب فصلاته مبنية على صلاة امامه وصلاة امامه على هذا التقدير إلى غير القبلة فتكون صلاته إلى غير القبلة مع القدرة على ترك ذلك.
وان كان امامه هو المصيب فصلاته هو إلى غير القبلة وبهذا يظهر فقه المسألة فان العفو عما يجوز أن يكون صوابا أو خطأ إذا ضم إليه ما يتيقن باجتماعهما حصول الخطا لم يحصل العفو عنهما جميعا كما لو احدث أحد رجلين ولم يعلم عينه وقلنا لكل منهما أن يصلي فليس لأحدهما: أن يأتم بالاخر وكما لو قال رجل أن كان هذا الطائر غرابا فعبدي حر وقال اخر أن لم يكن غرابا فعبدي حر فإذا اجتمع العبدان في ملك واحد حكمنا بعتق أحدهما وبهذا يظهر الفرق بينه وبينما إذا ترك الامام ما يعتقده الماموم ركنا أو شرطا لأنه لا يتيقن اشتمال الصلاتين على مبطل لجواز أن يكون اعتقاد امامه صوابا وحينئذ فتكون صلاة الامام صحيحة في الباطن وكذلك صلاته لأنه لم يترك شيئا ومجرد اعتقاد ايمانه لا يؤثر في صلاته نعم نظير مسألة القبلة أن يفعل أحدهما: شيئا ويتركه الاخر وهو عند أحدهما واجب فعله وعند الاخر مبطل فإنه هنا أن كان واجبا فقد تركه أحدهما: وأن كان مبطلا فقد فعله أحدهما: فالصلاة مشتملة على ترك واجب أو فعل محرم بيقين على أن القياس على مسائل الاجتهاد الفقهية قد فرق بينهما إذا سلم بما تقدم في التي قبلها وذلك أن مسائل الاجتهاد إذا لم يخالف الرجل فيها كتابا ولا سنة ولا اجماعا فإنه لا ينقض حكمه ولا حكم بخطاه ولا يحكم ببطلان صلاته ولا ينهى عن

استفتائه ولا ينهاه أن يعمل باجتهاده بل قد يؤمر باستفتائه أما لأن الحكم يختلف باختلاف الاجتهادات كما يقوله من يعتقد كل مجتهد مصييب ولأن الناس لم يكلفوا إلا ما يقتضيه رأيهم وأن كان في الباطن أشبه كما يقول أصحاب الشبه أو لم يكلفوا إلا طلب ما هو الحق في الباطن سواء اصابوه أو اخطاوه وقد عفي عنهم إذا اخطاوه.
أو لأنه وأن كان مخطئا في اجتهاده وحكمه فإن الله تعالى رفع الحرج فيها عن المخطىء وجعل له اجرا على اجتهاده اقرارا لكل ذي راي على رأيه مع أن الحق عند الله واحد بخفاء مدركها وخفة امرها ومشقة اصابة الحق فيها وعموم الرحمة والمصلحة في تيسير ذلك وتفاقم الفساد من هدم بعض الاجتهادات ببعض وهذان القولان هما اللذان يقولهما أصحابنا وأن كان الأول قد حكي في المذهب أيضا وهذا الواقع في احكام الشريعة لا يلزم مثله في قبله يقع في الدهور مرة ولا يلزم العفو فيما تعم به البلوى العفو عما لا تعم به البلوى.
فان اتفقا على الجهة واختلفا في العين فقال أحدهما: تنحرف يمينا وقال الآخر تنحرف شمالا فقال القاضي في الجامع أن قلنا المطلوب العين لم يجز له أن يتبعه وأن قلنا المطلوب الجهة وهو الصحيح من قوله جاز له أن يتبعه وقال في المجرد وغيره من أصحابنا من يجوز الائتمام هنا مطلقا وهذا أصح لانا أن قلنا المطلوب العين فإن الانحراف اليسير مع الخطا معفو عنه بكل حال بالإجماع والصلاة إلى قبلة واحدة في مثل هذه الحال.

فصل.
إذا صلى بالاجتهاد ثم تبين له في اثناء الصلاة أن جهة القبلة خلاف ذلك عن يقين استقبل القبلة ويبني على صلاته كاهل قباء لأن أولى صلاته كانت صحيحه ظاهرا وباطنا فهو كالعاري إذا وجد السترة في اثناء صلاته.
وان تبين له ذلك باجتهاد انحرف إلى الجهة التي تبين له أنها القبلة نص عليه وهو قول أكثر الأصحاب وقال ابن أبي موسى والآمدي وغيرهما يبنى على صلاته لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد.
والأول أصح لاننا لا ننقض الاجتهاد الأول وإنما نامر أن يتم الصلاة إلى الجهة الأخرى كما لو علم القبلة يقينا وهذا ممكن هنا دون القضايا والفتاوى فإن ذلك لا يمكن فيها إلا في حادثتين ثم أن كان امام فارقه المامومون إذا لم يتغير اجتهادهم واتموا جماعة وفرادى.
وان كان ماموما فارق امامه وبنى ولم يبق اجتهاده إلى تلك الجهة ولم يؤده اجتهاده إلى جهة اخرى وبنى على جهته لأنه لم يتبين له خطاه وقد دخل دخولا صحيحا.
وان صلى بتقليد ثم أخبره في اثناء صلاته مخبر أن القبلة في جهة اخرى فإن كان الثاني ممن لا يقبل خبره ولا اجتهاده أو أخبره باجتهاده وهو عنده مثل الأول لم ينصرف عن قبلته وأن كان الأول أخبره باجتهاده والثاني: عن علم انحرف إلى الجهة التي أخبره بها وأن كان الثاني أخبره

باجتهاد وهو اوثق من الأول فهو كما لو تغير اجتهاده وهو من أهل الاجتهاد فهل ينحرف على وجهين فصل.
وإذا صلى بالاجتهاد ثم حضر صلاة اخرى جدد الاجتهاد فإن تغير اجتهاده صلى بالثاني ولم يعد ما صلى بالأول كالمفتي والحاكم يجدد اجتهاده في قضاياه وفتاويه والاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد لأنه لم يتيقن الخطا فيما فعله اولا مع أنه لو يتيقن ذلك في القبلة لم يعد فاولى أن لا يعيد مع استمرار الشك في الجملة.
فصل.
ولا يتبع دلالة مشرك بحال مثل أن يدخل بلدا فيه محاريب هل هي بناء المسلمين أو المشركين أو يخبره الكفار أنها مبنية إلى القبلة ونحو ذلك.
ولو رأى على المحراب اثار المسلمين وهو في بلد كفار أو في بلد خراب لا يعلم هل هو بلد مسلم أو كافر لم يصل إليه لإحتمال أن يكون الباني له كافرا مستهزئا غارا للمسلمين إلا أن يكون مما يعلم أنه من

محاريب المسلمين.
قال بعض أصحابنا: لو علم قبلة الكفار فله أن يستدل بها على قبلة المسلمين مثل أن يرى قبلة النصارى في كنائسهم وقد علم أنهم يصلون إلى الشرق فإنه يستدل بها على القبلة فيجعله عن يساره وأن كانت هذه قبلته لأن خبرهم عن قبلتهم بمنزلة التواتر وهم لا يتهمون فيه.

مسألة: (

الشرط السادس: النية

للصلاة بعينها).
النية لها ركنان.
أحدهما: أن ينوي العبادة والعمل.
والثاني: أن ينوي المعبود المعمول له فهو المقصود بذلك العمل والمراد به الذي عمل العمل من اجله كما بينه النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "إنما الاعمال بالنيات وإنما لكل امرء ما نوى فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها أو امرأة يتزوجها فهجرته إلى ما هاجر إليه" فميز صلى الله عليه وسلم بين من كان عمله لله ومن كان عمله لمال أو نكاح والذي يجب أن يكون العمل له هو الله سبحانه وحده لا شريك له فإن هذه النية فرض في جميع العبادات بل هذه النية أصل جميع الاعمال ومنزلتها منها منزلة القلب من البدن ولا بد في جميع العبادات أن تكون خالصة لله سبحانه كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ إلا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾.
وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أن أَعْبُدَ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ﴾ وقال

تعالى: ﴿قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي﴾ وقال تعالى: ﴿إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ﴾ وقال سبحانه: ﴿فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾ وقال: ﴿إِلاَّ عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾ في عدة مواضع وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾ وهذه الآيات كما دلت على فرض العبادة ففرضت العبادة وأن تكون لله خالصة وهذه حقيقة الاسلام وما في القران من قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً﴾ وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالآنْسَ إلا لِيَعْبُدُونِ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ إلى غير ذلك من الآيات كلها تدل على هذا الأصل بل جماع مقصود الكتاب والرسالة هو هذا وهو معنى قول لا اله إلا الله وهو دين الله الذي بعث به جميع المرسلين.
وضد هذه النية الرياء والسمعة وهو ارادة أن يرى الناس عمله وأن يسمعوا ذكره وهؤلاء الذين ذمهم الله تعالى في قوله: {فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ

الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ} وقال: ﴿وَإِذَا قَامُوا إلى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ﴾ ومن صلى بهذه النية فعمله باطل يجعله الله هباء منثورا وكذلك من ادى شيئا من الفرائض.
والكلام في هذه النية وتفاصيلها لا يختص بعبادة دون عبادة إذ الفعل بدون هذه النية ليس عبادة اصلا.
الركن الثاني: أن ينوي ما تتميز به عبادة عن عبادة فينوي الصلاة لتتميز عن سائر اجناس العبادات وينوي صلاة الظهر مثلا لتتميز عن صلوات سائر الاوقات وهكذا في كل ما يميز تلك العبادة من غيرها سواء كانت مفروضة أم مستحبة وهذه النية هي التي يتكلم عليها في هذه المواضع إذ الكلام هنا في فروع الدين وشرائعه وتلك النية متعلقة باصل الدين وجماعه والفقه في شرائع الدين وفروعه إنما هو بعد تحقيق اصوله إذ الفروع كمال الأصول واتمامها.
إذا تبين هذا فيجب على المصلي أن ينوي الفعل وهو الصلاة ليتميز قيامه عن قام العادة وكذلك سائر افعاله.
ويجب أن يعين الصلاة مثل أن ينوي صلاة الظهر أو العصر أن كانت ظهرا أو عصرا ونحو ذلك هذا ظاهر المذهب.

وعنه ما يدل على أنه يكفيه نية مطلقة إذا تعذر تعيين الصلاة وأمكن الاكتفاء بنية مطلقة بان ينوي فرض الوقت أو تكون عليه فائتة رباعية أما الظهر وأما العصر ينوي الواجب عليه كما قلنا في الزكاة.
والأول المذهب لأن مقصود كل صلاة واسمها ووقتها يخالف الأخرى فلا بد من تمييزها بالنية.
ولهذا لو كانت عليه فوائت فصلى رباعية ينويها عما عليه لم يجزه اجماعا ولو كانت عليه شياه عن ذود وغنم أو صيعان من طعام من صدقة فطر وعشر فاخرج شاة أو صاعا مما عليه أجزاه لأن الواجب ثم لم يختلف اسمه ولا مقصوده وإنما اختلف سبب وجوبه فإن مواقيت الصلاة حدود للصلوات صارت صفات لها فالعبادة المفعولة على غير ذلك الحد والصفة لا تسد مسدها معها كالبعير بالنسبة إلى البقرة ولهذا كانت الصلوات الخمس لا بد أن تخالف كل صلاة الأخرى في بعض واجباتها أو في بعض مستحباتها كما خالفتها في الوقت.
فصل.
وهل يجب عليه في المكتوبة أنها فرض على وجهين.
أحدهما: يجب عليه قاله ابن حامد لأن الظهر قد تكون نفلا كظهر الصبي والظهر المعادة وكما لو صلى الظهر اولا تطوعا قبل أن يصلي

المكتوبة.
والثاني: لا يجب وهو قول الأكثرين لأن الظهر المطلق ممن في ذمته ظهر لا يقع إلا فرضا فإذا نوى الظهر واطلق لم تكن إلا فرضا كما أن الزكاة المطلقة لما لم تقع إلا فرضا لم يجب أن ينوي الفرض وكذلك الوضوء من الحدث وغسل الميت وغسل الجنابة وأن كان مع التقييد قد تكون الزكاة نافلة كما يقال زكاة الحلي عاريته وكما قال صلى الله عليه وسلم: "ليس فيما دون خمسة اوسق صدقة إلا أن يشاء ربها" وكما قد يستحب له إخراج الزكاة في مواضع تذكر أن شاء الله تعالى في مواضعها.
وسبب ذلك أن نية صفات العبادة تندرج في نية العبادة فإذا نوى الظهر اندرج في ذلك أربع ركعات وانها واجبة ونحو ذلك إذا كانت تلك العبادة لا تقع إلا على تلك الصفة أو تنصرف عند الاطلاق إلى تلك الصفة وعلل القاضي وغيره من أصحابنا ذلك بان الظهر الأولى من المكلف لا تقع إلا فرضا فلم يحتمل الفعل وجهين لتميز النية بينهما إلا أن هذا يشكل بمن نوى ظهرا تطوعا قبل المكتوبة كما حملوا عليه حديث معاذ بن جبل فانهم قالوا كان يصلي خلف النبي صلى الله عليه وسلم تطوعا ثم يصلي بقومه المكتوبة وهذا جائز بل مستحب إذا كان لغرض صحيح مثل أن

يكون امام مسجد راتب فتقام الصلاة اولا في غير مسجده فيصلي الظهر معهم والتعليل بالاطلاق اجود.
فأما نية الوجوب في ابعاض الصلاة مثل أن ينوي وجوب قراءة الفاتحة ووجوب الركوع والسجود ونحو ذلك فلا يجب بل يكفي أن ياتي بالواجبات مع اعتقاد وجوب الصلاة في الجملة هكذا ذكره أصحابنا لأن تمييز الواجبات من غيرها إنما يدرك بالظن في كثير من المواضع وفيه من الخلاف والاشتباه ما لا خفاء به فلو كانت هذه النية واجبة لكان لا يصلي أحد صلاة متيقنة الصحة ولا صلاة مجمعا على صحتها ولأن ذلك لو كان واجبا لبينه النبي صلى الله عليه وسلم بيانا قاطعا للعذر كما بين لهم وجوب الصلوات الخمس دون غيرها فلما لم يكن ذلك علم أن هذا ليس واجبا.
فصل.
وهل يحتاج أن ينوي في الحاضرة أنها الحاضرة أو المؤداة أو فرض الوقت وينوي في الفائتة أنها الفائتة أو المقضية أو فرض الوقت الفائت على ثلاثة أوجه.
أحدها: يجب عليه لأن احكام الفائتة تخالف احكام الحاضرة فإنها واجبة في وقت محدود يقتل بتركها ويحرم تأخيرها عن وقتها اجماعا ويشرع لها من الآذان والاجتماع وغير ذلك ما لا يشرع للفائتة وبنى

القاضي هذا الوجه على قول من لا يجيز ائتمام المؤدي بالقاضي فعلى هذا لو كان عليه ظهران فائتة وحاضرة فصلى ظهرا مطلقة لم تجزه عن واحدة منهما وأن لم يكن عليه إلا ظهرا فائتة أو حاضرة وصلى ظهرا لم يخطر بقلبه هل هي صلاة الوقت الحاضرة أو صلاة الوقت الفائتة لم يجزه.
والثاني: لا يجب ذلك بناء على أنهما صلاتان من جنس واحد ولهذا جوز اقتداء المؤدي بالقاضي من لم يجوز اقتداء المفترض بالمتنفل ولأن حاصل ذلك يرجع إلى تعيين الوقت وهو غير واجب لأنه لو كان عليه فائتة لم يحتج أن ينوي يومها اتفاقا وكذلك لو كان عليه فائتتان من جنس كفاه أن يصلي إحداهما: ينوي أنها السابقة وأن لم يعين يومها فعلى هذا يجزئه في الصورة الثانية ويجزئه في الصورة الأولى ويقع عن الفائتة إذا كان ذاكرا لها لأن فعلها قبل الحاضرة واجب إلا أن يكون الوقت قد ضاق فيقع عن الحاضرة.
والوجه الثالث: تعتبر النية للفائتة دون الحاضرة لأن وقت الحاضرة يوجب انصراف النية إليها وأن جاز أن يفعل غيرها بخلاف الفائتة.
فأما أن نوى ظهر يومه معتقدا بقاء الوقت فتبين فواته أو معتقدا فواته فتبين بقاؤه أو غير معتقد شيئا ناويا ظهر يومه من غير أن يخطر بقلبه وصف القضاء أو الاداء أجزاه قولا واحدا وكذلك لو نوى الظهر التي عليه قبل اليوم في الفائتة وشبه ذلك لأنه قد عين الصلاة التي وجبت عليه في وجه

لا تشتبه بغيرها وذلك كاف فإن نية القضاء والاداء تلزم ذلك وكل صفة لازمة لما نواه لا يجب أن ينويها.
ولهذا قلنا لا يجب أن ينوي كونها أربع ركعات إذا كانت حاضرة ولا أن ينوي وصف الاداء إذا قصد فعلها في وقتها ولا أن ينوي وصف القضاء إذا قصد فعلها بعد خروج وقتها قولا واحدا لأن ذلك تابع لازم لما نواه.
ولو كان عليه ظهران فائتة وحاضرة فصلاهما ثم ذكر أنه ترك شرطا من إحداهما: لا يعلم عينها اجزاته صلاة واحدة ينوي بها ما عليه على الوجه الثاني: وعلى الأول والثالث: تلزمه صلاتان.
ولو كانتا فائتتين اجزاته صلاة واحدة قولا واحدا.
وعلى الاقوال الثلاثة إذا نوى صلاة بعينها اداء أو قضاء لم تجزه عن غيرها مثل أن ينوي ظهرا حاضرا وتكون عليه فائتة فإنه لا يجزئه عن الفائتة أو ينوي ظهر امس يعتقد أنها عليه ثم تبين أنها ليست عليه فإنها لا تجزئه ظهر اليوم سواء كانت فائتة أو حاضرة.
ومن أصحابنا من خرج وجها بالاجزاء الغاء لوصف التعيين كما الغينا وصف القضاء والاداء عند الاشتباه لأنهما من جنس واحد وهذا ضعيف لأن هذا نوى الصلاة لم تكن عليه فكيف تجزئه عما هو عليه خلاف وصف القضاء والاداء فإنه لا يخل بعين المكتوبة ولأنه لم يقصد

جارٍ التحميل