شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاةصفحات 184-223

وقال بعض أصحابنا: إذا أسفر ذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الشمس كالعصر والعشاء لأن جبريل عليه السلام لما صلى بالنبي صلى الله عليه وسلم صلى به في اليوم الثاني حين أسفرت الأرض وقال الوقت فيما بين هذين الوقتين.
والأول أصح لأن في حديث عبد الله بن عمرو وقت الفجر ما لم تطلع الشمس وفي لفظ: "ما لم يطلع قرن الشمس الأول" هذا لفظ مسلم وقد تقدم وكذلك في حديث أبي هريرة أن آخر وقتها حين تطلع الشمس ولا يجوز حمل هذا على وقت الإدراك والضرورة لأنه إنما ذكر فيه وقت الاختيار إذ الإطلاق يقتضي ذلك وكذلك قال في العصر ما لا تصفر الشمس وفي العشاء إلى نصف الليل فلم يدخل وقت الضرورة في هذا الحديث ولأن في حديث السائل أنه انصرف من الفجر في اليوم الثاني والقائل يقول طلعت الشمس أو كادت وقد تقدم من رواية أبي موسى ولم يتبين إلا أوقات الاختيار ولأن الشمس تغرب بين قرني شيطان فإذا اصفرت أخذت في الغروب فلذلك.

أمر أن لا تؤخر الصلاة إلى ذلك الوقت عمدا وفي الفجر لا يقارنها الشيطان حتى يطلع حاجبها فإذا لم تطلع فالوقت مبقى على حاله فلا وجه للكراهية فيه وحديث جبريل قد جاء فيه أنه أسفر جدا وظاهره أنه سلم قبيل طلوع الشمس فتحمل الرواية الأخرى على ذلك وأن كان قد سلم قبل بساعة فهو حديث متقدم قد تبين فيه الأفضل كما مضى.
فصل.
إذا نام قبل العشاء ولم يوكل به من يوقظه كره له ذلك لأنه يخاف أن يدوم النوم فيفضي إلى فوت الوقت أو فوت الجماعة وأن وكل به من يوقظه لم يكره.
فصل.
وأما الحديث بعدها فإن كان وحده أو كان يتحدث مع غيره في علم أو مصلحة لم يكره ولإيناس الضيف وأن كان حديثا لا فائدة فيه كره له ذلك.

مسألة: (ومن كبر للصلاة قبل خروج وقتها فقد أدركها).
أما إذا صلى ركعة بسجدتيها قبل خروج الوقت فإنه يكون مدركا للصلاة من غير خلاف في المذهب وسواء في ذلك الفجر وغيرها لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من أدرك من ركعة الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدرك الصبح ومن أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدرك العصر" رواه الجماعة إلا الترمذي.
وإن صلى دون الركعة مثل أن يكبر ويركع أو يركع ويسجد سجدة أو يكبر للإحرام فقط فهل يكون مدركا للصلاة على روايتين.
إحداهما: يكون مدركا كما ذكره الشيخ وهي اختيار أكثر أصحابنا لما روت عائشة رضي الله عنها قالت قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك من العصر سجدة قبل أن تغرب الشمس أو من الصبح قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها" رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة.
وللبخاري في حديث أبي هريرة: "إذا أدرك أحدكم سجدة من صلاة العصر قبل أن تغرب الشمس فليتم صلاته وإذا أدرك سجدة من صلاة الصبح قبل أن تطلع الشمس فليتم صلاته" وهذا المنطوق أولى من ذلك

المفهوم ولأن بعض الصلاة قد وجد في الوقت حقيقة فلا يمكن أن نجعلها فائتة كما لو صلى ركعة.
والرواية الثانية لا يكون مدركا هذا قولي الخرقي وابن أبي موسى وهو أشبه بالحديث المفهوم حديث أبي هريرة وقوله في الرواية الأخرى سجدة المراد به الركعة بكمالها وهذا كثير في الحديث تسمى السجدة الثانية ركعة تعبيرا عنها بركنها وذلك أنه لا يصح حتى يقع الركوع وسجدتان فإذا قيل قد صلى ركعة أو سجدة علم أنه قد كمل ركعة بسجدتيها ومنه قول زيد لمروان ألم أرك قصرت سجدتي المغرب يعني ركعتي الجهر رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ فيها بالأعراف وقول عائشة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي بعد الوتر سجدتين" تعني فيها الركعتين اللتين كان يصليهما وهو قاعد وقول علي كان إذا قام من السجدتين رفع يديه كذلك وكبر وفي حديث أبي هريرة إذا قام من الركعتين وفي حديث أبي حميد: "حتى إذا قام من السجدتين كبر ورفع يديه حتى يحاذي بهما منكبيه كما صنع حين افتتح الصلاة" وهذا كما تسمى

الصلاة قياما تعبيرا عنها بركنها.
وتسمى قرآنا تعبيرا عنها بركنها ولا يجوز حمله على السجدة الأولى من الركعة إذ ليس في تعليق الحكم بها فائدة أصلا حيث لا فرق بين إدراكها وإدراك الركوع وحده أو الركوع والاعتدال ولو أريدت السجدة بعينها لم يدل على ثبوت الإدراك بما دونها ولأنه إدراك للصلاة فلم يتعلق بما دون الركعة كالجمعة ولمن نصر الأولى أن يقول تقييد الحكم بالركعة لا يمنع ثبوته بما دونها كما أنه لما قيد بالفجر والعصر لم يمنع أن يثبت في ذلك المغرب والعشاء والله أعلم إنما قيده بذلك لأن آخر وقت الفجر والعصر محدود ومرئي بالعين والركعة جزء من الصلاة معلوم بخلاف ما دون ذلك فإنه لا ينضبط فعله قبل خروج الوقت والمسألة محتملة.
وإذا أدرك بعض الصلاة في الوقت فبعضها المفعول خارج الوقت هل يكون أداء أو قضاء على وجهين.
أشهرهما تكون أداء لظاهر قوله فقد أدركها فمن زعم أن بعضها أو كلها يقع قضاء لم يكن قد أدركها كلها عنده وهو خلاف النص ولأن المشهور في المذهب أن الجمعة تفعل بعضها بعد خروج الوقت مع أنها لا تكون قضاء.
والثاني: تكون قضاء لأن حقيقة القضاء ما فعل بعد الوقت وهذا كذلك ولأن مدرك الجمعة والجماعة يكون منفردا بعد سلام الإمام حقيقة وحكما وأن كان قد أدرك فضل الجماعة في الجملة فكذلك هذا.

وبكل حال فيجب عليه أن يفعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت كما تقدم ومتى آخر شيئا منها عن الوقت عمدا إثم بذلك لأن النصوص المتقدمة في المواقيت تدل على وجوب فعل جميع الصلاة قبل خروج الوقت.

مسألة: (والصلاة في أول الوقت أفضل إلا عشاء الآخرة وفي شدة الحر الظهر).
هذا الكلام فيه فصلان لأن الكلام في تعجيل الصلوات أما أن يكون على سبيل الإجمال أو على سبيل التفضيل.
الفصل الأول.
إن الأصل في الصلاة في أول الوقت أفضل من آخره إلا لمعنى يقتضي استحباب التأخير لأن الله تعالى قال: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ وقال تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿سَابِقُوا إلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ وقال تعالى: ﴿أولئك يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ﴾ وقال: ﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ﴾ أي إلى الأعمال الصالحة في الدنيا هم السابقون إلى الدرجات في الجنة وقال تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ﴾ وقال تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ

الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ} وقال عن نبيه موسى ﴿وَعَجِلْتُ إِلَيْكَ رَبِّ لِتَرْضَى﴾ وهذه الآيات تقتضي أن المسارعة إلى الخيرات مأمور بها وأن فاعلها مستوجب لثناء الله ورضوانه ولذلك يقتضي الاستباق إلى الخيرات وإلى أسباب المغفرة أمرا بها وثناء على أهلها وتفضيلا لهم على غيرهم والصلاة من أفضل الخيرات واعظم أسباب المغفرة وعن محمد ابن عن أبيه عن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث يا علي لا تؤخرهن الصلاة إذا أتت والجنازة إذا حضرت والايم إذا وجدت لها كفؤا".

رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن غريب وما أرى إسناده بمتصل لكن هذا الانقطاع هو من رواية ولده ومثل ذلك يكون من أقوى المراسيل فانهم أعلم بحديثهم وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة لوقتها الآخر حتى قبضه الله" رواه أحمد والترمذي ورواه الدارقطني فقال إلا مرتين وعن أم فروة أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إن أحب العمل إلى الله تعجيل الصلاة لأول وقتها" رواه الترمذي وإسناده كإسناد الذي قبله متقاربان فيهما لين

وعن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن الرجل ليصلي الصلاة لوقتها وقد ترك من وقتها الأول ما هو خير له من أهله وماله" رواه الدارقطني وقد روى الترمذي والدارقطني عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "الوقت الأول من الصلاة رضوان الله والوقت الأخير عفو الله" وروى الدارقطني عن أبي محذورة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أول الوقت رضوان الله وأوسط الوقت رحمة الله وآخر الوقت عفو الله".
وهي أحاديث لينة قال الإمام أحمد لا اعرف شيئا في أوقات الصلاة أولها كذا وآخرها كذا يعني مغفرة ورضوان إلا أن هذا لا يمنع.

العمل بها في الفضائل لا سيما مع تعدد طرقها.
فإن قيل فالعفو إنما يكون عن المسيء ولا إساءة في التأخير.
قلنا العفو قد يكون عن الذنب بعد وقوعه وقد يكون عن أصل الإيجاب مع انعقاد سبب الوجوب أو التحريم كقوله صلى الله عليه وسلم: "عفوت لكم عن صدقة الخيل والرقيق" وقوله صلى الله عليه وسلم: "ما سكت الله عنه فهو مما عفا عنه" فالعفو عن الصلاة في آخر الوقت بمعنى أنه رفع الحرج والعقوبة عمن صلى فيه وقد كان يمكن أن يضيق الوقت ولأن الصلاة تجب بأول الوقت وجوبا موسعا كقوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ ففي المبادرة إلى فعلها إبراء لذمته عن الواجب كالمبادرة إلى فعل الواجبات.

المطلقة من الحج وغيره وتحصل المبادرة المشروعة بأن يشتغل عقب دخول الوقت بالوضوء والصلاة لأن الله تعالى أمر بالوضوء عند القيام إلى الصلاة وأن توضا قبل الوقت فهو مبادر أيضا هذا ما لم يشق على غيره كما سيأتي.
الفصل الثاني.
في تفضيل الصلوات أما الظهر فإن الأفضل أن يصليها عقب الزوال لما روى أبو برزة الاسلمي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "كان يصلي الهجيرة التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس ويصلي العصر ثم يرجع أحدنا إلى رحله في أقصى المدينة والشمس حية ونسيت ما قال في المغرب وكان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها وكان ينتفل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه ويقرا فيها بالستين إلى المائة" متفق عليه وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "ما رأيت أحدا أشد تعجيلا للظهر من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من أبي بكر ولا من عمر" رواه الترمذي وقال حديث حسن وعن

أنس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي صلاة الظهر في أيام الشتاء وما يدري أيما ذهب من النهار أكثر أو ما بقي منه" رواه أحمد وكتب عمر إلى أبي موسى أن صل الظهر حين تزيغ أو تزول الشمس قال الترمذي هو الذي اختاره أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ومن بعدهم.
فإن قيل ففي حديث جبريل أنه صلى الظهر حين كان الفيء مثل الشراك وكال عمر يؤخرها حتى يصير الفيء ذراعا وكتب إلى عماله بذلك.
قلنا أما حديث جبريل ففي رواية جابر أنه صلى حين زالت الشمس فعلم أن ذلك الفيء هو فيء الزوال لا سيما والفرض يتبين أول الوقت وأما حديث عمر فلعله أمر بذلك في شدة الحر ليقصد الابراد بها أو

في أوقات وأمكنه يكون الفيء فيها قدر ذراع حين الزوال ولا يقال الفيء هو الظل بعد الزوال وما قبل ذلك إنما يسمى ظلا لا فيئا لأن الشمس إذا زالت فلا بد أن يفيء الظل أدنى الفيء فيسمى الظل كله حينئذ فيئا ولا يصح أن يراد الفيء الزائد على فيء الزوال لأن ذلك لا يتميز وليس في الحديث ما يدل عليه ثم أن ذلك إنما يصير قريبا من انتصاف الوقت ومثل ذلك لا يكون هو الأفضل في غير الحر بلا تردد فصل.
فأما في شدة الحر فإن الأفضل الابراد بها لما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة فإن شدة الحر من فيح جهنم" رواه الجماعة وللبخاري عن ابن عمر وأبي سعيد الخدري مثله وعن أنس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كان الحر ابرد بالصلاة وإذا

كان البرد عجل" رواه النسائي والبخاري بمعناه وسواء كان المصلي منفردا أو في جماعة.
وسواء كان في مسجد الجماعة الذي ينتابه الناس من البعد أو من القرب وسواء كان المصلون مجتمعين أو منفردين هذا الذي دل عليه قول أحمد وفعله وهو قول القاضي أخيرا وأكثر أصحابنا لعموم الحديث فإنه أمر بالابراد أمرا عاما معموما مقصودا وعلله بعلة عامة توجد حال الصلاة وحال السعي إليها في الحر فإن فيح جهنم يصيب المصلي كما يصيب الذاهب إلى الصلاة مع علمه صلى الله عليه وسلم أن أكثر المساجد إنما يصلي فيها جيرانها فلا يجوز حمل هذا الكلام على المساجد التي ينتابها الناس من البعد خاصة لأن هذه صور قليلة بالنسبة إلى غيرها فحمل العام عليها يكون حملا لها على الأقل دون الأكثر منه غير أن يكون في الكلام ما يدل عليه وذلك لا يجوز ولأنه على هذا التقدير تكون العلة بأذى الناس بالمشي في الحر وهذه علة تنفس الحر سواء كان من فيح جهنم أو لم يكن فلما قال: "فإن شدة الحر من فيح جهنم" وعلل بعلة تعلم بالوحي علم أنه قصد معنى يخفى على أكثر الناس وهو كراهة إيقاع الصلاة حال تسعير

النار كما كره إيقاعها وقت مقارنة الشيطان لها وكره الصلاة وقت الغضب من الله كما كره الصلاة في مكان الغصب لأن القلوب لا تقبل على العبادة وقت تلك الساعة كل الإقبال ولا ينزل من الرحمة ما ينزل في غير ذلك الوقت.
وأيضا ما روى أبو ذر رضي الله عنه قال: "كنا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر فأراد المؤذن أن يؤذن للظهر فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "أبرد ثم أراد أن يؤذن فقال له ابرد حتى رأينا فيء التلول فقال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن شدة الحر من فيح جهنم فإذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" متفق عليه فهذا ابراد مع اجتماع المصلين وهو نص في المسألة ولأن سبب الإبراد إنما هو في شدة الحر من فيح جهنم وتنفسها وهذا كما أنه يؤذي الناس في حال بروزهم إلى المسجد فكذلك في حال صلاتهم بل أولى كما تقدم وكما أنه يؤذي من يصلي في الجماعة فإنه يؤذي المصلي وحده.
وقال القاضي في المجرد وأبو الحسن الآمدي وطائفة من أصحابنا إنما يستحب الابراد لمن يصلي في مساجد الجامعات سواء كان المسجد ينتابه البعيد منه أم لا لأن الخروج إلى المسجد في الجملة مظنة المشقة في وقت القائلة فاستحب التأخير لتكثير الجماعة بخلاف المصلي وحده أو في بيته أو في القوم المجتمعين.

والأول هو الصحيح لما تقدم.
وإنما يستحب الابراد في البلاد التي لها حر في الجملة سواء كان شديدا أو قليلا كبلاد الحجاز والعراق والشام واليمن ومصر.
فأما البلاد الباردة التي لا حر فيها وإنما حرها في منزلة الربيع في غيرها مثل البلاد الشمالية وبلاد خراسان فإنه لا يستحب الإبراد فيها هكذا ذكره القاضي وغيره من أصحابنا لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا اشتد الحر فأبردوا بالصلاة" وقال: "فان شدة الحر من فيح جهنم".
وهناك لا يشتد الحر ولا يتنفس بالبرد فيظهر هناك زمهريرها كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إن النار اشتكت إلى ربها وقالت أكل بعضي بعضا فأذن لها بنفسين نفس في الشتاء ونفس في الصيف فأشد ما تجدون من الحر من حر جهنم وأشد ما تجدون من البرد من زمهرير جهنم" متفق عليه وقد حكى بعض أصحابنا وجها أنه لا فرق بين البلاد الحارة والباردة.
ووجها بأن ذلك مخصوص بالبلاد التي يشتد فيها الحر.
والذي قدمناه أصوب فإن الحر والبرد لا بد من وجودهما في جميع الأرض المعمورة ولولا وجودهما لما عاش الحيوان ولا نبت الشجر ولا بد أيضا أن يكون الحر في القيظ أشد منه في فصل الصيف والربيع الذين

يسميان الربيع والخريف في كل أرض بحسبها لكن إذا كان في شدة الحر في بعض البلاد بحيث لا تكره الشمس ولا يؤذى الجالس في الصبح فليس هذا بحر شديد فلا يستحب الابراد في مثل هذه البلاد البتة وإذا كان الحر يؤذي فيها فقد اشتد الحر وأن لم يكن في أرض الحجاز.
وينبغي أن يقصد في الابراد بحيث يكون بين الفراغ منها وبين آخر الوقت فصل لأن المقصود من الابراد يحصل بذلك ولهذا فإن في حديث أبي ذر حتى رأينا فيء التلول وقال عبد الله بن مسعود: "كانت صلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الصيف ثلاثة أقدام إلى خمسة أقدام" رواه أبو داود ولأن الإبراد الشديد يخاف معه أن يفعل بعض الصلاة بعد خروج الوقت.
وأم الجمعة فالسنة أن تصلى في أول وقتها في جميع الأزمنة لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصليها في أول الوقت شتاء وصيفا ولم يؤخرها هو ولا أحد من أصحابه بل ربما كانوا يصلونها قبل الزوال وذاك لأن الناس يجتمعون لها إذ السنة التبكير إليها ففي تأخيرها إضرار بهم وقد روي أن جهنم

تسجر كل يوم إلا الجمعة" فالسبب الذي من اجله سن الابراد يكون مفقودا يوم الجمعة.
وهل يستحب تأخير الظهر في غير شدة الحر على روايتين.
إحداهما: لا يستحب التأخير إلا في الحر والأفضل التعجيل إذا تيقنا دخول الوقت قال أبو عبد الله في رواية كثير من أصحابه أنا اختار فيها كلها التعجيل إلا الظهر في الصيف وعشاء الآخرة أبدا وهذا اختيار الخرقي وهو الذي ذكره الشيخ وذلك لأن الصلاة في أول الوقت أفضل كما تقدم وإنما خولف في شدة الحر لمعنى يختصه فيبقى فيما سوى ذلك على استحباب التعجيل ولأن ما تقدم من تعجيل النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الظهر مطلقا وتعجيله إياها في الشتاء من غير تفريق بين حالي الغيم والصحو دليل على أنهم لم يفهموا من حاله رعاية ذلك مع أن الشتاء مظنة الغيوم.
والرواية الثانية يؤخرها في الغيم أيضا وهذه أصرح عنه قال رضي الله عنه يؤخر الظهر في يوم الغيم ويعجل العصر ويؤخر المغرب ويعجل العشاء وقال أيضا في يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر والمغرب يؤخرها حتى يعلم انه سواد الليل ويعجل

العشاء وهذا اختيار أكثر أصحابنا لما روى سعيد في سننه عن إبراهيم النخعي قال كانوا يؤخرون الظهر ويعجلون العصر ويؤخرون المغرب في اليوم المغيم.
وهذا إخبار عن أهل الكوفة من أصحاب علي وعبد الله ومن بين ظهرانيهم من الصحابة ومن علم حالهم علم أنهم لم يكونوا يتحرون ذلك إلا تلقيا له عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن الصلاة تتكرر في كل وقت فأمر الوقت بها لا بد أن يتقدم فيه سنة واثر ولا يجوز أن يتحروا مخالفة ما ظهر من السنة وقال ابن المنذر روينا عن عمر أنه قال إذا كان يوم غيم فعجلوا العصر وأخروا الظهر ولأن الغيم مظنة المطر وغيره من الموانع للخروج فإذا آخر الظهر وعجل العصر وأخر المغرب وعجل العشاء اكتفى لهما بخروج واحد للمشقة ولهذا قال القاضي لا يستحب التأخير لمن يصلي في بيته وقال غيره بل يستحب على ظاهر كلامه وعلل بعض

أصحابنا هذه المسألة بأن الغيم في الجملة مظنة اشتباه الوقت فأخرنا الظهر والمغرب لنتيقن دخول الوقت فانهما لا يفعلان قبل وقتهما بحال وفعلهما بعد خروج الوقت جائز للعذر وهذا عذر في الجملة بخلاف العصر والعشاء فانهما يصليان قبل وقتهما في حال العذر وهذا عذر في الجملة ولا يصليان بعد وقتهما بحال وأما الفجر فلما لم يجز بحال تقديمها ولا تأخيرها استوى في حال الإشتباه الأمران ولذلك استحببنا أن نجعل الثانية من صلاتي الجمع مع تأخير الأولى ليبقى بمنزلة الجامع بين الصلاتين وأيضا فلما كانت الظهر والمغرب يحذر فعلهما قبل الوقت بكل حال ولا يحذر التأخير في جميع الأوقات والعصر والعشاء بعكس ذلك فيهما كان ما بعد عن المحذور أولى بالمراعاة وكلام أحمد يدل على هذا التعليل لأنه قال في يوم الغيم يؤخر الظهر حتى لا يشك أنها قد حانت ويعجل العصر والمغرب يؤخرها حتى يعلم أنه سواد الليل ويعجل العشاء وقد جاءت الأحاديث باستحباب تعجيل العصر مع الغيم خشية الفوات كما سيأتي أن شاء الله تعالى وهذا يدل على أن الذي يحذر من تفويت العصر في الغيم لا يخاف مثله في الظهر وعلى أن مثل هذه الحال بخلاف الظهر.
وعلى هذا فلا فرق بين المصلي وحده أو في جماعة مجتمعين أو مفترقين وعلى هذا المنصوص فإنه يستحب تأخير المغرب وتعجيل العشاء

مع الغيم أيضا لما تقدم من الأثر والمعنى وعلى الرواية الأول لا يستحب.
وفرق جماعة من أصحابنا فاستحبوا تأخير الظهر مع الغيم ولم يستحبوا تأخير المغرب إذا علم دخول وقتها أو غلب على الظن لأن السنة التبكير فيها ولأن وقت العشاء قريب منها فلا يشق انتظارها ولأن الخروج بعد الغروب قد يشق ولأن العشاء السنة التأخير فيها.
والصحيح المنصوص لما تقدم وقد صح عنه صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يؤخر المغرب ويعجل العشاء" في مواضع تذكر أن شاء الله في باب الجمع ولا تعريج مع السنة على رأي أحد والعشاء وأن كانت السنة فيها التأخير لكن إذا أخرت المغرب فإنه ينبغي أن لا يؤخر العشاء بل يقارب بينهما كما في حال الجمع فصل.
وأما العصر فالسنة تعجيلها بكل حال في المعروف من نصوصه في

عامة جواباته وهو مذهبه الذي لا خلاف فيه بين أصحابه وقد روي عنه صالح آخر وقت العصر ما لم تغير الشمس وقال يؤخر الصلاة أحب إلى آخر الوقت العصر عندي ما لم تصفر الشمس فجعل القاضي وابنه هذه رواية ثانية بتصريحه بان آخر الوقت أحب إليه والاشبه والله أعلم أنه إنما قصد أن القول بجواز تأخير العصر أحب إلى من قول من لا يجوز تأخيرها إلى الاصفرار فإن استحباب تأخير العصر بعيد جدا من مذهبه وله مثل هذا الكلام كثيرا ما يقول هذا أحب إلى وليس غرضه الفعل وإنما غرضه حكم الفعل.
والأصل في ذلك ما تقدم من الأمر الكلي وأيضا ما روى أنس قال: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس مرتفعة حية فيذهب الذاهب إلى العوالي فيأتيها والشمس مرتفعة" أخرجوه.
وفي رواية: "وبعض العوالي من المدينة على أربعة أميال أو نحوه" رواه أحمد والبخاري وعن أنس قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فأتاه

رجل من بني سلمة فقال أنا نريد أن ننحر جوزوا لنا وأنا نحب أن تحضرها قال نعم فانطلق وانطلقا معه فوجدنا الجزور لم تنحر فنحرت ثم قطعت ثم طبخ منها ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس" رواه مسلم والدارقطني وزاد " كنا نصلي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر فيسير الراكب ستة أميال قبل أن تغيب الشمس" وعن رافع بن خديج قال: "كنا نصلي العصر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ننحر الجزور فيقسم عشر قسم ثم يطبخ فنأكل لحما نضيجا قبل مغيب الشمس" متفق عليه وعن أبي مسعود الأنصاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه كان يصلي العصر والشمس بيضاء مرتفعة يسير الرجل حين ينصرف منها إلى ذي الحليفة ستة أميال قبل غروب الشمس" رواه الدارقطني وعن عائشة قالت: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي العصر والشمس طالعة في حجرتي لم يظهر الفيء بعد" متفق عليه وقال البخاري وقال أبو أسامة من قعر حجرتها ولو كان يؤخرها لكانت الشمس قد مالت حتى خرجت من الحجرة وظهر فيها الفيء لأنها ليست كبيرة.

ولأن الله سبحانه أمر بالمحافظة عليها خصوصا وكذلك أمر رسوله بذلك وكمال المحافظة أن يصلي في أول الوقت ولا يعرض للفوات ودخول وقت الكراهة وكذلك وكد التبكير بها مع الغيم كما قد نص عليه أحمد فروى عن بريدة قال: "كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فقال بكروا بالصلاة في اليوم الغيم فإن من فاتته صلاة العصر حبط عمله" رواه أحمد وابن ماجة وروى أحمد والبخاري والنسائي من حديث أبي المليح بن أسامة قال كنا مع بريدة في غزوة في يوم ذي غيم فقال بكروا بصلاة العصر فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك صلاة العصر حبط عمله".
فإن قيل فقد قال تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وإنما يقال قبل الغروب لما كان قريبا منه وفي تأخيرها توسعة لوقت النفل.
قلنا الصلاة المفعولة في أول الوقت هي قبل الطلوع وهي مرادة من الآية بالسنة الصحيحة وبالإجماع كصلاة الفجر المؤداة في أول وقتها هي

قبل الطلوع وقربها من غروب الشمس ليس فيه فضيلة لوجهين.
أحدهما: أن تأخيرها إلى حين الاصفرار لا يجوز مع أنه اقرب إلى غروبها.
الثاني: أن الأمر بالتسبيح قبل الغروب وكلما بعد عن الغروب كان أتم تقديما على الغروب واقرب إلى تحقيق القبلية.
وأما اتساع وقت النفل فيعارضه خشية التفويت وما فيه من المخاطرة بالفرض.
ثم ما حصل له بالصلاة في أول الوقت أحب إليه من جميع النوافل فإن حدود الفرائض المسنونة وتكميل أدائها أولى بالرعاية من أصل النوافل ولهذا كان إدراك تكبيرة الإفتتاح مع الإمام أولى من الاشتغال عنها بالسنن الرواتب.
وفي تعجيلها اتساع وقت ذكر الله المشروع آخر النهار ثم إنا لا نسلم أن توسيع وقت النافلة مقصود بل إذا كان مقصود الشارع في ترك النافلة بعد العصر كان مقصودا مع سعة وقت الترك وكان ذلك أحب إلى الله تعالى.
فصل.
وأما المغرب فالسنة فيها التعجيل وهذا مما أجمعت عليه الأمة وقد روى سلمة بن الاكوع: "أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يصلي المغرب إذا غربت

الشمس وتوارت بالحجاب" رواه الجماعة إلا النسائي وعن رافع بن خديج قال: "كنا نصلي المغرب مع النبي صلى الله عليه وسلم فينصرف أحدنا وأنه ليبصر مواقع نبله" متفق عليه وقد تقدم القول في كراهة المداومة على تأخيرها وروي أن عمر بن عبد العزيز آخر المغرب ليلة حتى رأى نجمين فأعتق رقبتين.
فأما ليلة الغيم فقد تقدم أن نص الروايتين عنه وأصحهما عند أكثر أصحابنا استحباب تأخيرها كما تقدم في تأخير الظهر.
فأما تأخيرها في غير ذلك فلا يستحب مطلقا واستثنى أبو الخطاب وطائفة معه تأخيرها ليلة جمع للمحرم فإن السنة أن يؤخر المغرب حتى يصليها مع العشاء بالمزدلفة في المناسك عند بعض أهل العلم حتى لم يجوزوا أن يصلي بغير المزدلفة لكن هذا في الحقيقة تأخير الصلاة عن وقتها ونحن إنمانتكلم في تأخيرها إلى آخر الوقت فأما التأخير عن الوقت فهو الجمع بين الصلاتين وفي استحبابه حيث يجوز خلاف وتفصيل يذكر

في موضعه أن شاء الله تعالى ولمن استثناها أن يقول المستحب أن يؤخر ليصلي بمزدلفة سواء جمع بينها وبين العشاء أو لم يجمع حتى لو فرضنا أنه سار سير البريد حتى وافى جمعا قبل مغيب الشفق فإن السنة أن يؤخر المغرب ليصليها فيها ولو كان قبل مغيب الشفق ولمن لم يستثنها أن يقول هذه الصورة نادرة والحكم مبني على الغالب وبالجملة فلا خلاف في المعنى وكلهم قد ذكروها في المناسك.
فصل.
وأما العشاء فإن الأفضل تأخيرها من غير خلاف في المذهب إلا أن يشق التأخير على المصلين إلا ليلة الغيم إذا أخرت المغرب كما تقدم وذلك لما روى ابن عباس قال: "اعتم النبي صلى الله عليه وسلم ليلة بالعشاء حتى رقد الناس واستيقظوا ورقدوا واستيقظوا فقام عمر فقال الصلاة فخرج نبي الله صلى الله عليه وسلم وقال لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم أن يصلوها هكذا" متفق عليه وقال أبو برزة: "كان يستحب أن يؤخر العشاء التي تدعونها العتمة".

متفق عليه وفي لفظ: " كان يؤخر العشاء إلى ثلث الليل" رواه أحمد ومسلم وقال جابر بن سمرة: "كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤخر العشاء الآخرة" رواه أحمد ومسلم والنسائي وعن ابن عمر قال: "مكثنا ليلة ننتظر رسول الله صلى الله عليه وسلم لصلاة العشاء الآخرة فخرج إلينا حين ذهب ثلث الليل أو بعده فقال حين خرج أنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم ولولا أن تثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة ثم أمر المؤذن فأقام الصلاة وصلى" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي.
وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" رواه أحمد وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن صحيح ولأن في تأخيرها فوائد علمنا منها.
إن تصلى في جوف الليل ويقرب من آخره وهو الوقت الذي ينزل الله فيه إلى سماء الدنيا فيقول من يدعوني فاستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فاغفر له وقد روى عبد الله بن مسعود قال: "أخر رسول الله

صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء ثم خرج إلى المسجد فإذا الناس ينتظرون الصلاة فقال أما أنه ليس من أهل هذه الأديان أحد يذكر الله هذه الساعة غيركم فأنزلت هذه الآية: ﴿لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أهل الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ﴾ حتى بلغ ﴿وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالْمُتَّقِينَ﴾ " رواه أحمد والترمذي ولذلك استحب تأخير الوتر إلى آخره قال سبحانه: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ﴾ ومعلوم أنه إذا اشتدت الظلمة وبعد عن النهار كان هذا المعنى ابلغ وإنما لم يشرع والله أعلم تأخيرها إلى النصف الثاني لأنه مضاف إلى اليوم الذي يليه فالتأخير إليه تأخير لما يقرب منه النهار ولأن فيه تغريرا بها إذ كانت السنة أن يصلي قبل النوم لئلا يستمر النوم إلى الفجر ولان الجمع بين استحباب تأخيرها إلى النصف الثاني وبين كراهة النوم قبلها متعذر فإنه يقتضي سهر أكثر الليل وذلك مفض إلى غلبة النعاس وتفويت مقصود الصلاة.
ومنها أنه إذا انتظرها فإن العبد في صلاة ما دامت الصلاة تحبسه وإلى هذا أشار صلى الله عليه وسلم بقوله: "أنكم لتنتظرون صلاة ما ينتظرها أهل دين غيركم" فإن أهل الكتاب ليست لهم صلاة في جوف الليل وإنما يصلون قبل طلوع الشمس وبعد زوالها وبعد غروبها وهذا المعنى لا يحتاج إليه في غيرها فإنه يقدر أن يصليها في أول الوقت ويجلس ينتظر التي

بعدها فإن انتظار الصلاة قبل وقتها لا سيما بعد صلاة أخرى يستحب بخلاف العشاء فإنه لا صلاة بعدها تنتظر.
ومنها أنه إذا آخرها ختم عمله بالصلاة ونام عليها ولم يتحدث بعدها فختم عمله بخير وأمن من كراهة السمر بعدها.
ومنها أن الأصوات تكون قد هدأت والعيون قد رقدت وذلك اقرب إلى نزول السكينة واجتماع الهم على الصلاة والخشوع فيها وبعدها عن الشواغل وما يلهي المصلي.
ومنها أن يبعد العهد بأعمال النهار وحركاته والأفكار والوساوس الحاصلة بسبب ذلك.
ويستحب تأخيرها بكل حال في إحدى الروايتين على ظاهر الحديث المتقدم عن أبي برزة وجابر بن سمرة ولأن قوله في حديث ابن عباس وأبي هريرة: "لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم أن يؤخروا العشاء إلى ثلث الليل أو نصفه" إنما نفي به أمر الإيجاب فإن السنة إنما تحصل بالإيجاب دون الاستحباب وهو يقتضي قوة استحباب التأخير إذ كان المقتضي للوجوب قائما لولا وجود المانع وسواء شق عليهم التأخير أو لم يشق فإن ذلك لا يمنع الاستحباب كما في قوله عليه السلام: "لولا أن اشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة" وقوله: "لولا أن أشق على

أمتي لأمرتهم بالوضوء عند كل صلاة".
والرواية الثانية أن المستحب التأخير الذي لا يشق على المأمومين غالبا فإن آخرها تأخيرا يشق عليهم غالبا كره لما روى زيد بن خالد الجهني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لولا أن اشق على أمتي لأخرت صلاة العشاء إلى ثلث الليل" رواه أحمد والترمذي وقال حديث حسن صحيح وكذلك في حديث ابن عمر: "لولا أن تثقل على أمتي لصليت بهم هذه الساعة" وقوله في حديث أبي سعيد: "لولا سقم السقيم وضعف الضعيف وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل" وقد تقدم وكذلك قوله في حديث عائشة: "أنه لوقتها لولا أن اشق على أمتي" فإن هذه الأحاديث تدل على أن وجوه المشقة على المأمومين يمنع استحباب التأخير وشرعه وعلى هذا بنيت قاعدة الصلاة فإن الإمام يكره أن يطول على المأمومين تطويلا يفتنهم به وأن كان التطويل عبادة محضة فالتأخير الذي يفتنهم وتفوتهم الصلاة جماعة أو

توجب أن يصلوها مكثرهين متضجرين أولى أن يكره وما في التأخير من الفضيلة إنما يقصد لو لم يفت ما هو أفضل منه وأن أفضل منه لكثرة الجماعة وتحصيل الجماعة للمصلين ونشاط القلوب للصلاة وتحبيب الله إلى عباده ولأن المشقة قسمان.
أحدهما: في خاصة الإنسان فله أن يحتمل هو المشقة لتحصل فضيلة التأخير وهذه المشقة هي المانعة من الإيجاب.
والثاني: يتعدى إلى المأمومين وليس للإمام أن يحمل الناس مشقة لم تجب عليهم وهذه هي المانعة من استحباب التأخير قال جابر بن عبد الله رضي الله عنهما: "كان نبي الله صلى الله عليه وسلم يصلي الظهر بالهاجرة والعصر والشمس نقية والمغرب إذا وجبت والعشاء أحيانا وأحيانا إذا رآهم اجتمعوا عجل وإذا رآهم قد ابطئوا آخر والصبح كان يصليها بغلس" متفق عليه وروى سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي في مغازيه عن عبد الرحمن بن غنم قال حدثنا معاذ بن جبل قال: "لما بعثني رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى اليمن قال: "اظهر كبير الإسلام وصغيره وليكن من أكثرها الصلاة فإنها رأس الأمر بعد الإقرار بالدين إذا كان الشتاء فصل صلاة الفجر في أول الفجر ثم اطل القراءة على قدر ما يطيق الناس ولا تملهم وتكره إليهم

امر الله ثم عجل الصلاة الأولى قبل أن تميل الشمس وصل العصر والمغرب في فصل الشتاء على ميقات واحد العصر والشمس بيضاء مرتفعة والمغرب حين تغيب الشمس وتوارى بالحجاب وصل العشاء فأعتم بها فإن الليل طويل فإذا كان الصيف فأسفر بالصبح فإن الليل قصير وأن الناس ينامون فأمهلهم حتى يدركوها وصل الظهر بعد أن ينقضي الظل وتحرك الرياح فإن الناس يقيلون فأمهلهم حتى يدركوها وصل العتمة فلا تعتم بها ولا تصلها حتى يغيب الشفق".
ويستحب التأخير إلى نصف الليل إذا قلنا يمتد الوقت إليه على إحدى الروايتين لأن في حديث أبي سعيد لأخرت العشاء إلى نصف الليل وقيل إنما يستحب إلى الثلث على الروايتين لأن ما بعد ذلك مختلف في كونه وقتا فلم يستحب التأخير إليه وأن قلنا أنه وقت خروجا من الخلاف.

فصل وأما الفجر فإن التغليس بها أفضل قال الإمام أحمد التغليس في الفجر مذهبي وكان يأمر ويصلي بأصحابه بغلس أن لم يكن في التغليس مشقة على المأمومين ثم أن كان المأمومون يغلسون أو أمكن أن يعودوا التغليس من غير مشقة أو كان الوقت لا يشق فيه التغليس عليهم ولا على غيرهم أو ليس هناك جماعة تنتظر كالقوم المجتمعين وكالصلاة في المساجد المبنية على الطرقات التي ليست لها جماعة راتبة ونحو ذلك فلا يختلف المذهب أنه هو الأفضل لما روت عائشة رضي الله عنها قالت: "كن نساء المؤمنات يشهدن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة الفجر متلفعات بمروطهن ثم ينقلبن إلى بيوتهن حين يقضين الصلاة لا يعرفهن أحد من التغليس" رواه الجماعة وللبخاري قال: "كان يصلي الصبح بغلس فينصرف نساء المؤمنات لا يعرفن من الغلس ولا يعرف بعضهن

بعضا وقد تقدم قول جابر: كان يصلي الفجر بغلس وقول أبي برزة كان ينصرف منها حين يعرف الرجل جليسه ويقرأ فيها بالستين إلى المائة وقال سهل بن سعد: "كنت أتسحر مع أهلي ثم يكون بي سرعة أن أدرك صلاة الفجر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم" رواه البخاري وقال زيد بن ثابت: "تسحرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم قمنا إلى الصلاة قلت كم قدر ما بينهما قال قدر خمسين آية" رواه الجماعة إلا أبا داود.
وعن أبي مسعود الأنصاري: "إن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة الصبح مرة بغلس ثم صلى مرة أخرى فأسفر بها ثم كانت صلاته بعد ذلك التغليس حتى مات لم يعد إلى أن يسفر" رواه أبو داود ولأن التغليس بها عمل الخلفاء الراشدين وغيرهم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم جاء ذلك عن أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وابن

مسعود وأبي موسى وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم أجمعين وما نقل عن بعضهم من الأسفار فلعله كان لعارض ولأن التغليس صلاة في أول الوقت فهو أفضل كما تقدم وفيه من الفوائد ما ذكرناه في تأخير العشاء وغير ذلك من قربها من صلا ة الليل وبعدها عن حركات النهار وانتشار الأصوات وافتتاح يومه بأداء الفرض إلى انتظار الصلاة فإنه يخلفه هنا جلوس المصلي في مصلاه حتى تطلع الشمس ولأن ذلك ادعى إلى الاستيقاظ واتساع ذكر الله المشروع أول النهار ولأن الجهر بقراءتها يلحقها في صلوات الليل فكلما كانت الظلمة أشد كان وقتها إلى الليل اقرب وأن كانت من صلوات النهار كما نص عليه الإمام احمد.
ولأن إطالة القراءة فيها من السنن المؤكدة وهذا إنما يتم بالتغليس ولعل الذين اسفروا بها من الصحابة إنما اسفروا بالخروج منها لإطالة القراءة فقد روى حرب والخلال وغيرهما أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه صلى صلاة الفجر فقرأ سورة البقرة فقالوا كادت الشمس تطلع فقال: لو

طلعت لم تجدنا غافلين وفي رواية سورة آل عمران وكذلك روى السائب بن يزيد قال صليت خلف عمر الصبح فلما انصرفوا استشرفوا الشمس فقال لو طلعت لم تجدنا غافلين.
فإن قيل فقد روى رافع بن خديج قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "اسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر" رواه الخمسة وقال الترمذي حديث حسن صحيح وقال عبد الله بن مسعود: "ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين جمع بين المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها" رواه الجماعة وفي رواية لمسلم بغلس وهذا يقتضي أن عادته كانت الأسفار في غير هذا الموضع إذ المراد به قبل وقتها الذي كانت عادته أن يصليها فيه فإنه لم يصلها يومئذ حتى برق الفجر كما في حديث جابر وهي قبل ذلك لا تجوز إجماعا.

قلنا قال الإمام أحمد الأسفار عندي أن يتيقن الفجر ولم ير الأسفار التنوير يقال للمرأة أسفرت عن وجهها.
وقال أيضا أسفار الفجر طلوعه وهذا لأنه يقال أسفر الفجر أضاء وأسفر وجهه حسنا أي اشرق وسفرت المرأة كشفت عن وجهها وسافر الوجه ما يظهر ومنه السفر والسفر والسفير فهذه المادة حيث تصرفت فإنما معناها البيان والظهور ومعلوم أنه إذا طلع الفجر فقد حصل البيان والظهور ﴿حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر﴾ ويقال أبين من فلق الصبح ومن فرق الصبح ومعنى الحديث على هذا تأخيرها حتى يتيقن الفجر بحيث لا يكون فيه شك لأحد وأن جاز فعلها أول ما يبزغ به بحيث قد يحصل معه شك لبعض الناس لا سيما من يقول أنه يجوز فعلها إذا غلب على الظن دخول الوقت وإنما ذكر هذا في الفجر لأن طلوع الفجر مظنة الاشتباه لا سيما إذا اشتبه ضوءه بضوء القمر في ليالي القمر وكثيرا ما قد يصلي الفجر ثم تبين لهم أن الفجر لم يطلع وقد وقع ذلك لعدد من الصحابة وغيرهم بخلاف زوال الشمس وغروبها ولهذا والله أعلم مد الله الأكل بالليل إلى أن يتبين الفجر وقال: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلى اللَّيْلِ﴾ فجعل

وقت الفجر منوطا بتبينه وظهوره وهو الأسفار الذي اقر النبي صلى الله عليه وسلم به على هذا التفسير ولم يقل ثم أتموا الصيام حتى يتبين لكم الليل لان دخول الليل لا شبهة فيه فإذا أخرت حتى يظهر ضوء الفجر ويتبين كان ابعد عن الشبهة ولعله بهذا أيضا أن يتسحر الناس حتى يتبين لهم الفجر وأن لا يكفوا عن الطعام إذا اشتبه عليهم الحال.
وقد جاء ذلك مأثورا عن الصحابة في قضايا متعددة فكان المؤذن والمصلي إذا لم يتبين طلوع الفجر أعاد الناس ذلك.
وقد قيل أن أولئك القوم لما أمروا بتعجيل الصلوات احتمل أنهم كانوا يصلونها ما بين الفجر الأول والثاني: طلبا للأجر في تعجيلها ورغبة في الثواب فقيل لهم صلوها بعد الفجر الثاني فإنه أعظم للأجر وأن كانت لا تجوز قبل الوقت لكن لما لم يصفوا الفجر ونوره فإن الله يأجرهم على صلاتهم لكن الأجر الذي يسقط من الفرض أعظم وكثيرا ما يفعل الواجب على المحرم كقوله تعالى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ﴾ الآية وقوله: ﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ﴾ وقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إلى اللَّهِ وَالرَّسُولِ أن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾ وهذا كثير وكذلك حديث ابن مسعود فإن عادته صلى الله عليه وسلم كانت تأخير

جارٍ التحميل