شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاةصفحات 144-183

الشرط الأول: الطهارة

مسألة: (وهي ستة).
شرائط الصلاة ما يجب لها قبلها ويستمر حكمه إلى انقضائها وكذلك كل متقدم على الشيء يسمى شرطا كشروط الطلاق ومنه أشراط الساعة.
وقد ذكر الشيخ رحمه الله أنها ستة يعني شرائط المكتوبات وهي الطهارتان والاستقبال والوقت والنية.
وبعض أصحابنا يضم إلى ذلك الموضع لأن الصلاة لا تصح إلا في موضع مستقر ولأن الأماكن المنهي عن الصلاة فيها لا تصح الصلاة فيها على ظاهر المذهب مع طهارتها ولعل الشيخ ترك ذلك لأن المكان غير المستقر في الغالب يمنع تكميل الصلاة فتكون العلة نقص الأركان وكذلك الأماكن المنهي عنها معللة عنده بكونها مظنة النجاسة فيدخل في قسم الطهارة.

مسألة: (أحدهما: الطهارة من الحدث لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا صلاة لمن احدث حتى يتوضأ").
وقد مضى ذكرها.
أما الطهارة من الحدث فهي شرط لجميع الصلوات فرضها ونفلها ولما يجري مجرى الصلاة وهو الطواف ولمس المصحف ووجوبها ثابت بالكتاب والسنة والإجماع وقد تقدم ذلك.

الشرط الثاني: الوقت

مسألة: (الثاني الوقت).
المذكور هنا هو شرط للصلوات المكتوبات خاصة فأما سواها فمنها ما يصح في كل وقت كركعتي الطواف والفوائت ومنها ما يصح في غير أوقات النهي كالنوافل المطلقة ومنها ما هو مؤقت أيضا كالرواتب والضحى ومنها ما هو معلق بأسباب كصلاة الكسوف والاستسقاء ومعنى كونه شرطا للصلاة أن الصلاة لا تصح قبله ولا ينتقض هذا بالمجموعة إلى ما قبلها والجمعة إذا صليت في صدر النهار فإن ذلك وقت لها أي وقت لجواز فعلها.
ومع كون الوقت شرطا فإنه موجب للصلاة فإن الصلاة لا تجب قبله وليس في الشرائط ما هو سبب لوجوب الصلاة إلا الوقت.
لكن الوقت الموجب للصلاة قد يكون هو الوقت المشروط لصحتها كالزوال للظهر والغروب للمغرب وقد يكون غيره كالزوال للجمعة ومصير الظل مثل الشخص للعصر في حق المعذور فإن هذا الوقت ليس شرطا للصحة وهو سبب الوجوب والوقت شرط مع العلم والجهل والعمد والنسيان فمتى صلى قبل الوقت لزمته الإعادة في الوقت لكن أن كان معذورا مثل المطمور والمغيم عليه فلا إثم عليه وأن فعل ذلك عمدا أثم.

مسألة: (وقت الظهر من زوال الشمس إلى أن يصير ظل كل شيء مثله).
بدأ الشيخ رحمه الله بالظهر وكذلك جماعة من أصحابنا منهم الخرقي والقاضي في بعض كتبهم لأن جبريل لما أقام للنبي صلى الله عليه وسلم المواقيت بدأ بها وكذلك تسمى الأولى ولأنه بدأ بها في حديث عبد الله ابن عمرو وأبي هريرة فأقتدي به في ذلك.
وقال بعض أصحابنا: هي أول ما فرض الله من الصلوات ولان الله سبحانه بدأ بها في قوله: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾.
ومنهم من يبدأ بالفجر كابن أبي موسى وأبي الخطاب والقاضي في بعض كتبه وهذا أجود أن شاء الله لأن الصلاة الوسطى هي صلاة العصر وإنما تكون وسطى إذا كانت الفجر الأولى ولان النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المغرب وتر النهار فأوتروا صلاة الليل" رواه أحمد من حديث ابن عمر فجعل جميع الصلوات موتورة فلو كانت الظهر هي الأولى لخرجت الفجر عن أن تكون داخلة في وتر النهار أو وتر الليل وذلك لا يجوز ولان الفجر هي

المفعولة في أول النهار فحقيقة الابتداء موجود فيها.
ولان النبي صلى الله عليه وسلم لما بين المواقيت في المدينة بفعله في حديث أبي موسى وبريدة وجابر ووصيته لمعاذ بدأ بالفجر وهذا متأخر عن حديث جبريل وناسخ له إذ كان بمكة وفي هذا جواب عن الاحتجاج بقصة جبريل ولان بيان جبريل للمواقيت كان صبيحة ليلة الإسراء وهو صلى الله عليه وسلم لم يخبر الناس بها حتى أصبح وفات الفجر فلعله أخر البيان إلى وقت الظهر ليعلم المسلمون ويأتموا برسول الله صلى الله عليه وسلم حيث كان يأتم هو بجبريل ولأن أكثر آيات القرآن بدأت بالفجر مثل قوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾ وقوله: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾.
وإنما بدأ بالظهر تارة كما بدا في المغرب في قوله تعالى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ الآية فتارة يبدأ أول النهار وتارة بأوسطه وتارة بأول الليل ولان النائم إذا استيقظ بأول النهار كان بمنزلة الخلق الجديد فإن الانتباه حياة بعد الموت ونشور بعد السكون فما فعله حينئذ كان أول أعماله وبهذا يتبين أن

أعمال النهار سابقة لأعمال الليل وأن أعمال النهار فواتيح وأعمال الليل خواتيم وأن كان الليل هو المتقدم على النهار خلقا وإبداعا.
فصل.
الظهر أربع ركعات بالنقل العام المستفيض والإجماع المستيقن في حق المقيم فأما المسافر فيذكر أن شاء الله في موضعه.
وتسمى الظهر والهجير والأولى وأول وقتها هو زوال الشمس عن كبد السماء وهذا مما أجمعت عليه الأمة وجاءت به السنة المستفيضة من ذلك ما روى جابر بن عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم: "جاءه جبريل فقال قم فصله فصلى الظهر حين زالت الشمس ثم جاءه العصر فقال قم فصله فصلى العصر حين صار كل ظل شيء مثله ثم جاء المغرب فقال قم فصله فصلى المغرب حين وجبت الشمس ثم جاءه العشاء فقال قم فصله فصلى العشاء حين غاب الشفق ثم جاء الفجر فقال قم فصله فصلى الفجر حين برق الفجر أو قال سطع ثم جاءه من الغد للظهر فقال قم فصله فصلى الظهر حين صار ظل كل شيء مثله ثم جاءه العصر فقال قم فصله فصلى حين صار ظل كل شيء مثليه ثم جاءه المغرب وقتا واحدا لم يزل عنه ثم جاءه العشاء حين ذهب نصف الليل أو قال ثلث الليل فصلى العشاء ثم جاءه حين أسفر جدا فقال قم فصله فصلى الفجر ثم قال: "ما بين هذين وقت".

رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال البخاري هو أصح شيء في المواقيت وعن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أمني جبريل عند البيت مرتين فصلى الظهر في الأولى منهما حين كان الفيء مثل الشراك ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس وافطر الصائم ثم صلى العشاء حين غاب الشفق ثم صلى الفجر حين برق الفجر وحرم الطعام على الصائم وصلى المرة الثانية الظهر حين صار ظل كل شيء مثل لوقت العصر بالأمس ثم صلى العصر حين صار ظل كل شيء مثليه ثم صلى المغرب لوقته الأول ثم صلى العشاء الآخرة حين ذهب ثلث الليل ثم صلى الصبح حين أسفرت الأرض ثم التفت إلى جبريل فقال يا محمد هذا وقت الأنبياء من قبلك الوقت فيما بين هذين الوقتين" رواه أحمد وأبو داود والترمذي وقال:

حديث حسن وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ وقوله: ﴿وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَطْرَافَ النَّهَارِ﴾.
ومعنى زوال الشمس أن تحاذي رأس المصلي ثم تميل عنه يقال زالت وزاغت ودلكت ودحضت ويعرف ذلك بازدياد الظل بعد كمال نقصانه وذلك أن الشمس ما دامت مرتفعة في رأي العين فإن الظل ينقص ويتقلص فإذا وقفت في رأي العين فإن الظل يبقى على حاله فإذا أخذت في الانحطاط أخذ الظل في الزيادة فإذا جئت إلى شاخص من جبل أو شجر أو جدار أو نصبت عودا وأعلمت رأس ظله ثم نظرت بعد ذلك فإن وجدته قد نقص فالشمس لم تستوي ولم تزل وأن وجدته قد زاد فقد زالت الشمس.
وكذلك أن وجدته على حاله لأنه يكون قد تكامل نقصه ثم أخذ في الزيادة فعاد إلى حاله الأولى لأن الشمس لا تقف أبدا.
وقد ذكر بعض أهل العلم قدر ظل الإنسان حين تزول الشمس بالإقدام في شهور السنة وهذا مع أنه تقريب إذ الزوال لا يكون في يومين متواليين على حد واحد ولا يستمر في جميع الأمصار وإنما ضبط في الأصل لبعض البلدان كالكوفة والبصرة.
وأما آخر وقتها فإنه بصيرورة ظل كل شخص مثله بعد ظله حين الزوال

فمن صلاها بعد ذلك من غير نية جمع كان قاضيا لا مؤديا وهذا لما تقدم من حديث جبريل فإن معنى قوله: "في اليوم الثاني فصلى بي الظهر حين صار ظل كل شيء مثله" أي فرغ منها حين صار ظل كل شيء مثله.
ومعنى قوله في العصر في اليوم الأول أنه صلاها حين صار ظل كل شيء مثله أنه ابتدأها حينئذ لأن المراد تحديد الوقت وضبطه وإنما يقع حد آخره بوقوع حد آخر الصلاة فيه كما يقع حد أوله بوقوع أول الصلاة فيه وقد جاء ذلك مفسرا فيما رواه عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "وقت الظهر إذا زالت الشمس وكان ظل كل شيء كطوله ما لم تحضر العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس ووقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت العشاء إلى نصف الليل الأوسط ووقت الفجر من طلوع الفجر ما لم تطلع الشمس" رواه أحمد ومسلم وهذا أتم أحاديث المواقيت بيانا لأنه من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس بحكاية فعل وقد روي نحوه من حديث الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أن للصلاة أولا وآخرا وأن أول وقت صلاة الظهر حين تزول الشمس وآخر وقتها حين يدخل وقت العصر وأن أول وقت العصر حين يدخل وقتها وأن آخر وقتها حين تصفر الشمس وأن أول وقت المغرب حين تغرب الشمس وأن آخر وقتها حين

يغيب الأفق وأن أول وقت العشاء حين يغيب الأفق وأن آخر وقتها حين ينتصف الليل وأن أول وقت الفجر حين يطلع الفجر وأن آخر وقتها حين تطلع الشمس" رواه أحمد والترمذي إلا أن محمد بن فضيل رواه عن الأعمش هكذا وغيره يرويه عن الأعمش عن مجاهد مرسلا ومراسيل مجاهد حسنة لا سيما وقد روي مسندا من وجوه صحيحة وكذلك أيضا في حديث السائل عن مواقيت الصلاة قد بين أنه آخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر وقال لما ناموا عن الصلاة " ليس في النوم تفريط إنما التفريط في اليقظة" أن تؤخر صلاة حتى يدخل وقت الأخرى.
فهذا كله يبين أنه إذا صار الظل مثل الشاخص خرج وقت الظهر ودخل وقت العصر وإنما يعتبر مساواة الظل لشخصه بعد فيئه حين الزوال لأن الظل حين الزوال قد يكون مثل الشاخص أو أطول لا سيما في البلاد الشمالية في زمن الشتاء فلو اعتبر أن يكون الظل مثل الشاخص مطلقا لتداخل الوقتان أو استحال ذلك وإنما أطلق في الأحاديث لأنه قصد أن يبين أن وقت الظهر بزيادة الظل عن مثل شخصه ولأن الظل وقت

الزوال يكون مستقيما فإذا انحرف بقدر الشاخص فهو آخر وقت الظهر ولأنه في الصيف في أرض الحجاز يكون الظل وقت الزوال شيئا يسيرا لا عبرة به فبمجرد كون الظل مثل الشاخص يكفي في التقريب ولهذا قال في الحديث: "لما كان الفيء مثل الشراك".

مسألة: (ووقت العصر وهي الوسطى من آخر وقت الظهر إلى أن تصفر الشمس ثم يذهب وقت الاختيار ويبقى وقت الضرورة إلى غروب الشمس).
في هذا الكلام ثلاثة فصول.
أحدها: أن العصر هي الصلاة الوسطى المعنية في قوله تعالى: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وهذا مما لا يختلف المذهب فيه قال الإمام أحمد تواطأت الأحاديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وعن أصحابه أن صلاة العصر هي الصلاة الوسطى وقال أيضا أكثر الأحاديث على صلاة العصر وخرج فيها نحوا من مائة وعشرين حديثا وذلك لما روى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "يوم الأحزاب ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى حتى غابت الشمس" متفق عليه وفي لفظ لأحمد ومسلم وأبي داود: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر" وعن عبد الله بن مسعود.

رضي الله عنه قال حبس المشركون رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صلاة العصر حتى احمرت الشمس واصفرت فقال: "شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر ملأ الله أجوافهم وقبورهم نارا أو حشا الله اجوافهم وقبورهم نارا" رواه أحمد ومسلم وابن ماجة وعنه أيضا قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "صلاة الوسطى صلاة العصر" رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وعن سمرة بن جندب عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "في الصلاة الوسطى صلاة العصر" رواه الترمذي وقال حديث حسن صحيح وفي رواية لأحمد أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ وسماها لنا أنها صلاة العصر وعن البراء بن عازب قال نزلت هذه الآية: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَصَلاَةَ الْعَصْرِ﴾ فقرأناها ما شاء الله ثم نسخها الله فنزلت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى﴾ فقال رجل فهي أذن صلاة العصر فقال قد أخبرتك كيف نزلت وكيف نسخها الله والله أعلم" رواه أحمد ومسلم وهذا يدل على أنها العصر لأن تخصيصها بالأمر بالمحافظة متيقن بالقراءة الأولى وتبديل اللفظ لا يوجب المعنى إذا أمكن أن يكون معنى اللفظين واحد فلا يزول اليقين بالشك.

فإنه قيل فقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قرأت ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى وَصَلاَةَ الْعَصْرِ وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ وقالت سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم" رواه الجماعة إلا البخاري وابن ماجة وهذا يقتضي أن يكون غيرها لأن المعطوف غير المعطوف عليه.
قلنا العطف قد يكون للتغاير في الذوات وقد يكون للتغاير في الأسماء والصفات كقوله: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى﴾ وهو سبحانه واحد وإنما تعددت أسماؤه وصفاته فيكون العطف في هذه القراءة لوصفها بشيئين بأنها وسطى وبأنها هي العصر وهذا أجود من قول طائفة من أصحابنا أن الواو تكون زائدة فإن ذلك لا أصل له في اللغة عند أهل البصرة وغيرهم من النحاة وإنما جوزه بعض أهل الكوفة وما احتج به لا حجة فيه على شيء من ذلك.
فإن قيل فقد قال: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ والقنوت إنما هو في الفجر.
قلنا القنوت هو دوام الطاعة والثبات عليه وذلك واجب في جميع الصلوات كما قال تعالى: ﴿يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي﴾.

مفقودة

يوجب الاعتناء بها والتحذير من تضييعها والعصر محفوفة بذلك لما روى أبو بصرة الغفاري قال: "صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم العصر بالمخمص فقال أن هذه الصلاة عرضت على من قبلكم فضيعوها فمن حافظ عليها كان له أجره مرتين ولا صلاة بعدها حتى يطلع الشاهد والشاهد النجم" رواه أحمد ومسلم والنسائي وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه هي الصلاة التي عقر سليمان الخيل من اجلها لما فاتته فبين صلى الله عليه وسلم أن من قبلنا ضيعوها وما هذا شأنه فهو جدير أن يؤمر بالمحافظة عليه وأن لنا اجرين بهذه المحافظة وهما والله أعلم الأجران المشار إليهما بقوله تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ﴾ وفي المثل المضروب لنا ولأهل الكتاب وهو ما رواه الجماعة من الصحابة منهم ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما بقاؤكم فيما سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس ومثلكم ومثل أهل الكتابين كمثل رجل استأجر أجراء فقال من يعمل لي من غدوة إلى نصف النهار على قيراط فعملت اليهود ثم قال من يعمل لي من نصف النهار إلى صلاة العصر فعملت النصارى ثم قال من يعمل لي من العصر إلى مغيب الشمس على قيراطين فأنتم هم فغضبت اليهود والنصارى قالوا كنا أكثر عملا واقل عطاء قال هل نقصتكم من حقكم قالوا لا قال فذلك فضلي

أوتيه من أشاء" رواه أحمد والبخاري والترمذي وصححه وذلك إنما استحققنا الأجربين بحفظ ما ضيعوه وهو صلاة العصر ولأن المسلمين كانوا يعرفون فضلها على غيرها من الصلوات حتى علم منهم الكفار ولهذا: "لما صلى النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه صلاة الظهر بعسفان قال المشركون قد كانوا على حالة لو أصبنا غرتهم قالوا يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم فأنزل الله عز وجل صلاة الخوف" فكانت صلاة العصر هي السبب في تزول صلاة الخوف اليسير لما خافوا من تفويتها في الجماعة ولأن في تفويتها من الوعيد ما ليس في غيرها فروى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الذي تفوته صلاة العصر كأنما وتر أهله وماله" رواه الجماعة وعن أبي بكرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "من ترك صلاة العصر حبط عمله" رواه

أحمد والبخاري ولأن أول الصلوات هي الفجر كما تقدم فتكون العصر هي الوسطى وكذلك قال بعض السلف وامسك أصابعه الخمس فوضع يده على الخنصر فقال هذه هي الفجر ثم وضعها على البنصر وقال هذه الظهر ثم وضعها على الوسطى وقال هذه الوسطى وكذلك أهل العبارة يعتبرون الأصابع الخمس بالصلوات الخمس على هذا الوجه ولأن الصلوات غيرها يقع في وقت الفراغ فإن الفجر تكون عند الانتباه والعشائين يكونان عند السكن والرجوع إلى المنازل وانقطاع الشغل والظهر في وقت القائلة وإنما يقع الشغل أول النهار وآخره لكن ليس في صدر النهار صلاة مفروضة فيقع العصر وقت اشتغال الناس ولذلك ضيعها أهل الكتاب ولأن آخر النهار أفضل من أوله فإن السلف كانوا لآخر النهار أشد تعظيما منه لأوله وهو وقت تعظمه أهل الملل كلها ولذلك أمر الله بتحليف الشهود بعد الصلاة يعني صلاة العصر ولأن آخر النهار وقت ارتفاع عمل النهار واجتماع ملائكة الليل والنهار وإنما الأعمال بالخواتيم فتحسين خاتمة العمل أولى من تحسين فاتحته وصلاة الفجر وأن كان يرفع عندها عمل الليل لكن ليس في عمل الليل من الذنوب والخطايا في الغالب ما يحتاج إلى محو مثل عمل النهار ولهذا والله

اعلم جعل تركها موجبا لحبوط العمل يعني والله أعلم عمل يومه فإن الأعمال بالخواتيم ولأن وقتها ليس متميزا في النظر تمييزا محدودا مثل مواقيت سائر الصلوات فإن وقت الفجر يعرف بظهور النور ووقت الظهر يعرف بزوال الشمس ووقت المغرب يعرف بغروبها ووقت العشاء بمغيب الشفق وأما العصر فإن حال الشمس لا تختلف بدخول وقتها اختلافا ظاهرا وإنما يعرف بالظلال أو نحو ذلك فلما كان وقتها قد يشتبه دخوله كان التضييع لها أكثر نت التضييع لغيرها فكان تخصيصها بالأمر بالمحافظة عليها مناسبا لذلك.
الفصل الثاني.
أنها أربع ركعات في حق المقيم بالنقل العام الذي توارثته الأمة خلفا عن سلف.
ووقتها من حين يصير ظل كل شيء مثله فإذا صار ظل الشخص مثله وزاد أدنى زيادة فقد دخل وقت العصر ويمتد وقتها إلى أن يتغير لون الشمس وتصفر على هذا أكثر الروايات عن أبي عبد الله.
وعنه أنه يمتد إلى أن يصير ظل كل شيء مثليه فقط وهي اختيار الخرقي وطائفة من أصحابنا لما تقدم من إمامة جبريل بالنبي صلى الله عليه وسلم فإنه

صلى العصر في اليوم الثاني حين صار ظل كل شيء مثليه وقال الوقت ما بين هذين.
والأول أصح لما تقدم من قوله صلى الله عليه وسلم: "وقت العصر ما لم تصفر الشمس" من رواية عبد الله بن عمرو وغيره ولما روى أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "أتاه سائل سأله عن مواقيت الصلاة فلم يرد عليه شيئا وأمر بلالا فأقام الفجر حين انشق الفجر والناس لا يكاد يعرف بعضهم بعضا ثم أمره فأقام الظهر حين زالت الشمس والقائل يقول انتصف النهار أو لم ينتصف وكان أعلم منهم ثم أمره فأقام العصر والشمس مرتفعة ثم أمره فأقام المغرب حين وقعت الشمس ثم أمره فأقام العشاء حين غاب الشفق ثم آخر الفجر من الغد حتى انصرف منها والقائل يقول طلعت الشمس أو كادت وآخر الظهر حتى كان قريبا من وقت العصر بالأمس ثم آخر العصر فانصرف منها والقائل يقول احمرت الشمس ثم آخر المغرب حتى كان عند سقوط الشفق وآخر العشاء حتى كان ثلث الليل الأول ثم أصبح فدعا السائل فقال الوقت فيما بين هذين" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والنسائي وهذه الأحاديث أولى من حديث جبريل عليه السلام لوجوه:

أحدها: أن فيه زيادة منطوقة فتقدم على ما ليس فيه تلك الزيادة وإنما تنفيها بطريق المفهوم.
الثاني: أنها متأخرة لأنها كانت بالمدينة فإن السائل الذي سأله إنما كان بالمدينة وبلال يؤذن له بل رواتها أبو موسى وعبد الله بن عمرو وأبو هريرة وبريدة بن الحصيب وكل هؤلاء لم يصحبوه إلا بالمدينة وأبو موسى وأبو هريرة إنما صحباه بعد خيبر وحديث جبريل كان قبل الهجرة بأكثر من سنة وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه يكون هو الناسخ للأول أن كان بينهما تعارض.
الثالث: أن حديث عبد الله بن عمرو وأبي هريرة قول مبين وهو أتم تحديدا وأصرح دلالة من حكاية الفعل.
الرابع: أنها أكثر واصح من حديث جبريل.
الخامس: أن فيها زيادات في وقت العصر والمغرب والفجر وفي بعضها العشاء وقد وجب العمل بها في تلك المواضع لما صاحبها من الدلائل فكذلك ها هنا.
السادس: أن الله تعالى قال: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وكذلك قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ لكن إذا تغير لون الشمس فقد أخذت الشمس في التحول والغروب فيبقى ما قبل ذلك على عموم الآية.

السابع: أن من الناس من يقول لا يدخل وقت العصر حتى يصير ظل كل شيء مثليه فإن لم يكن فعلها في ذلك الوقت هو الأفضل خروجا من الخلاف فلا أقل من أن يكون جائزا من غير كراهة.
الثامن: أن التحديد بالشمس نفسها أولى من مقدار الظل بدليل سائر الصلوات وإنما ترك في أول صلاة العصر إذ ليس في الشمس علامة ظاهرة بخلاف آخره.
الفصل الثالث:.
إن وقت الضرورة يبقى إلى أن تغيب جميع الشمس ومعنى ذلك أن أهل الضرورة والعذر الذين لا يمكنهم الصلاة قبل تغير الشمس مثل الحائض تطهر والمجنون والمغمى عليه يفيقان والنائم ينتبه والصبي يبلغ بعد اصفرار الشمس يصلونها أداء في هذا الوقت من غير إثم وكذلك الكافر يسلم لأن المنع من صحة الصلاة كان موجودا فيه وأن كان على الحقيقة ليس بذي بعذر ولكن الحق بهم لأنه غفر له تأخيرها إذ الإسلام يجب ما قبله فأما من تمكنه الصلاة قبل هذا الوقت فلا يجوز له تأخيرها البتة فإن آخرها وصلاها فهي أداء مع كونه إثما فأما المريض يبرا فقد الحق بالقسم الأول وهذا أشهر لأن من يقدر على الصلاة فإنه لا يحل له تأخيرها عن وقت الاختيار إلا أن يكون مغلوبا على عقله كما قالوا في المسافر لا يجوز له تأخيرها إلى حين الاصفرار إذا علم أنه يجد الماء

حينئذ بل يصلي وقت الاختيار بالتيمم.
أما أنه لا يحل له تأخيرها البتة لمن يقدر على الصلاة فلأن النبي صلى الله عليه وسلم بين المواقيت في حديث جبريل عليه السلام والسائل وذكرها بكلامه وفي جميعها: "أن وقت العصر ما لم تصفر الشمس أو ما لم يصر ظل كل شيء مثليه" وقال الوقت فيما بين هذين فلو جاز تأخيرها عن ذلك لبينه وقد ذم من يؤخرها عن ذلك فيما رواه أنس قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس حتى إذا كان بين قرني الشيطان قام فنقرها أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا" رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصححه والنسائي ولا يقال إنما ذمه على النقر وقلة ذكر الله لأنه إنما ذمه على المجموع ولو لم يكن للتأخير مدخل في استحقاق الذم لما ذكره كمن نقرها في أول الوقت.
وأما كون وقت الإدراك والضرورة باقيا فلما روى أبو هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من العصر قبل أن تغرب الشمس فقد أدركها ومن أدرك ركعة من الفجر قبل أن تطلع الشمس فقد أدركها" متفق عليه

وقال: "ملأ الله قبورهم وبيوتهم نارا كما شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر حتى غابت الشمس" متفق عليه وقوله: "إنما التفريط في اليقظة أن يؤخر صلاة حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى" هذا مع ظاهر قوله تعالى: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ وقد فسرها النبي صلى الله عليه وسلم بصلاتي الفجر والعصر في حديث جرير حديث الرؤية وقوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ يدل على بقاء الوقت وحصول الإدراك بالصلاة فيه وأنها لا تفوت حتى تغيب الشمس فالمعذور صلاها في الوقت فلا يلحقه ذم والقادر لحقه الذم كما تقدم.
فإن قيل كيف يكون مؤديا لها في الوقت مع أنه مذموم.
قلنا كما يمدح إذا قضاها بعد خروج الوقت وهو معذور لنوم أو نسيان وذلك لأن الأداء فعل العبادة في الوقت المضروب لها في الجملة وكونه في بعض الأوقات والقضاء فعلها بعد خروج الوقت المضروب لها وأن لم يقدر على غيره.
وقال الآمدي يكره أن يؤخرها إلى وقت الضرورة من غير عذر وظاهر هذا أنه مكروه غير محرم والمذهب ما قدمناه

مسألة: (ووقت المغرب من الغروب إلى مغيب الشفق الأحمر).
المغرب ثلاث ركعات بإجماع الأمة ونقلها العام المتوارث خلفا عن سلف سواء في ذلك المقيم والمسافر فإنها وتر صلاة النهار فلو ثنيت أو ربعت لبطل معنى الوتر وتسميتها بالمغرب أفضل من العشاء فإن سميت العشاء أحيانا مع تقييدها بما يدل على أنها المغرب فلا بأس ما لم يهجر اسم المغرب لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى العشاء الآخرة في حديث جبريل وحديث: "اثقل صلاة على المنافقين" واقر على تسميتها بذلك لسائل سأله وسماها أصحابه بذلك في عدة أحاديث وقولهم الآخرة دليل على العشاء الأولى وإنما كان تسميتها المغرب أفضل لما روى عبد الله بن مغفل أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم المغرب قال والأعراب تقول هي العشاء" متفق عليه ولأن الله تعالى قال: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ وأراد بذلك صلاة العتمة فعلم أن العشاء المطلقة هي العشاء الآخرة ولأن تسميتها بالعشاء دائما يشعر

بتأخيرها بخلاف تسميتها بالمغرب فإنه يشعر بفعلها عند الغروب وعلى الوجه الذي يأتي ذكره يكره تسميتها بالعشاء لظاهر الحديث.
وأول وقتها إذا غاب قرص الشمس وحينئذ يفطر الصائم ويزول وقت النهي ولا أثر لما يبقى في الأفق من الحمرة الشديدة في شيء من الأحكام وكذلك في حديث بريدة الآتي ذكر أنه صلى الله عليه وسلم أمر بالمغرب حين غاب حاجب الشمس.
ويمتد وقتها إلى مغيب الشفق الأحمر لأهل الأعذار وغيرهم فمن صلاها قبل ذلك كان مؤديا بغير إثم من غير خلاف في المذهب لما سبق في حديث عبد الله بن عمرو من قوله صلى الله عليه وسلم: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق" وفي حديث أبي هريرة آخر وقتها حين يغيب الشفق وفي حديث أبي موسى في جواب السائل أنه أخرها في اليوم الثاني حتى كان عند سقوط الشفق وعن بريدة بن الحصيب: "أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن مواقيت الصلاة فقال: "أشهد معنا الصلاة فأمر بلالا فأذن بغلس فصلى بهم الصبح حين طلع الفجر ثم أمره بالظهر حين زالت الشمس عن بطن السماء ثم أمره بالعصر والشمس مرتفعة ثم أمره بالمغرب حين وجبت الشمس ثم أمره بالعشاء حين وقع الشفق ثم أمره الغد فنور بالصبح ثم أمره بالظهر فأبرد ثم أمره بالعصر والشمس بيضاء نقية لم

يخالطها صفرة ثم أمره بالمغرب قبل أن يقع الشفق ثم أمره بالعشاء عند ذهاب ثلث الليل أو بعضه فلما أصبح قال أين السائل قال ما بين ما رأيت وقت" رواه الجماعة إلا البخاري ولأنه قد صح عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه قرأ فيها بالأعراف فرقها في ركعتين" ولا يجوز مد الصلاة إلى أن يخرج وقتها لإيقاع شيء منها خارج الوقت فعلم أن وقتها يمتد بقدر قراءة سورة الأعراف.
وصح عنه من وجوه صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إذا قدم العشاء فابدأوا به قبل صلاة المغرب ولا تعجلوا عن عشائكم" وصح عنه أن أصحابه كانوا يصلون

بحضرته ركعتين بين الآذانين ولو لم يجز تأخيرها عن أول الوقت لم يجز شيء من ذلك ولأنها إحدى الصلوات الخمس فاتسع وقتها كغيرها ولأنها تجمع إلى ما بعدها فاتصل وقتها الذي يليها كالظهر فإن جواز الجمع يجعل الوقتين وقتا واحدا والصلاتين كالصلاة الواحدة والصلاة الواحدة لا يكون لها وقتان متباينان وعكسه الفجر والعصر والعشاء لما لم يجز تأخيرها عمدا إلى وقت التي تليها لم لم تجمع معها.
فإن قيل هذا معارض بحديث جبريل فإنه صلى المغرب في اليومين لوقت واحد حين غربت الشمس وذلك يقتضي أنه يجب المبادرة إليها حين الغروب وروى أبو أيوب أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بادروا بصلاة المغرب قبل طلوع النجم" وعن مرثد بن عبد الله الزني قال: قدم علينا أبو أيوب غازيا وعقبة بن عامر يومئذ على مصر فأخر المغرب فقام إليه أبو أيوب فقال: ما هذه الصلاة يا عقبة قال شغلنا قال: أما والله ما بي إلا أن يظن الناس أنك رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنع هذا أما سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تزال أمتي بخير أو على الفطرة ما لم يؤخروا المغرب إلى أن تشتبك النجوم" رواهما احمد.

وعن عقبة بن عامر مثله رواه أحمد وأبو داود وعن عبد الرحمن الصنابحي قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لن تزال أمتي في مسكة من دينها ما لم يعملوا بثلاث ما لم يؤخروا المغرب انتظار الظلام مضاهاة اليهود وما لم يؤخروا الفجر محاق النجوم مضاهاة النصرانية وما لم يكلوا الجنائز إلى أهلها" رواه أحمد ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "المغرب وتر صلاة النهار" ومعلوم أنها تفعل بعد انسلاخ النهار فيجب تقريبها من النهار وأن تكون عقيبه ليتحقق صعوده مع عمل النهار ولأن المسلمين في جميع الأعصار والأمصار ما زالوا يعجلونها ولو كان تأخيرها جائزا لصنعوا فيها ما يصنعون في غيرها.
قلنا هذا يفيد أن السنة فيها التعجيل وأن المداومة على تأخيرها منهي عنه بخلاف بقية الصلوات وكذلك نقول ولهذا لم ينكر أبو أيوب على عقبة مجرد التأخير لكن خاف أن يظن الناس أن السنة التأخير وقد ورد مثل هذا الكلام أن تعجيل الفطور وتأخير السحور سنة مع أنه ليس بواجب

وهكذا الجواب عن حديث جبريل فإنه لعله قصد تبيين المواقيت التي لا كراهة في المداومة عليها أولا واخرا ثم هو حديث متقدم كان بمكة والأحاديث المدنية الصحاح الصرائح قاطعة في جواز التأخير فإن كان معارضا لها كانت هي الناسخة له كما تقدم ومرجحة بصحة أسانيدها وكثرة رواتها وكونها وتر النهار ولا يمنع تأخيرها فإنها وأن كانت من صلاة الليل كما قد نص عليه الإمام أحمد رحمه الله لكن الحمرة في الأفق هي من توابع الشمس فجاز أن تلحق بالنهار من هذا الوجه كما أن الفجر من صلوات النهار وجهر فيها بالقراءة تبعا لصلاة الليل لبقاء الظلمة قبل طلوع الشمس.
فصل.
ومغيب الشفق يخرج به وقت المغرب لما تقدم من هذه الأحاديث ويدخل به وقت والعشاء لما تقدم من حديث جبريل أنه صلى العشاء حين غاب الشفق وكذلك في حديث السائل أنه صلى العشاء حين غاب الشفق وفي حديث أبي هريرة: "وقت العشاء من حين يغيب الأفق" وكذلك حديث عبد الله بن عمرو لما قال: "وقت المغرب ما لم يغب الشفق ووقت العشاء إلى ثلث الليل" يدل على تواصل الوقتين مع قوله:

"وإنما التفريط في اليقظة وهو أن يؤخر الصلاة حتى يدخل وقت التي تليها" مع أن هذا مما اجمع عليه.
والشفق الشفق شفقان احمر وهو الأول والأبيض وهو الثاني والعبرة بمغيب الشفق الأحمر فإذا غاب دخل وقت العشاء.
واستحب أبو عبد الله أن يؤخر العشاء في الحضر إلى أن يغيب الشفق الأبيض ليستدل بمغيبه على مغيب الشفق الأحمر لأن الحمرة قد تكون باقية ويواريها الجدران فيظن أنها قد غابت وهي باقية ولأن اسم الشفق يقع عليها.
وقد قال بعضهم: أنه البياض فإذا صلى بعد مغيب البياض خرج من الشك والاختلاف.
فان صلى في الحضر بعد أن غاب الأحمر وقبل أن يغيب الأبيض صحت صلاته نص عليه ونص في مواضع كثيرة على أنه لا يصلي إلا بعد مغيب الأبيض فجعل القاضي وأصحابه وكثير من أصحابنا المسألة رواية واحدة بالجواز وحملوا بقية الروايات على الاستحباب لا على الوجوب وقال ابن أبي موسى لم يختلف القول عنه أن الشفق في السفر الحمرة واختلف قوله في الحضر على روايتين.
إحداهما: أنه الحمرة في الحضر والسفر.
والأخرى: أنه البياض في الحضر فإذا غاب فقد وجبت فأما في

السفر فلا شيء يواريها والجمع جائز فيه لصحة الأحاديث أنه كان يصلي العشاء في السفر قبل مغيب الشفق.
وذلك لما رواه الإمام أحمد في مسنده ومسائل ابنه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال سأل رجل النبي صلى الله عليه وسلم عن وقت الصلاة فقال: " صل معي فصلى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصبح حين طلع الفجر ثم صلى الظهر حين زاغت الشمس ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثله ثم صلى المغرب حين وجبت الشمس ثم صلى العشاء قبل غيبوبة الشفق ثم صلى الظهر حين كان فيء الإنسان مثله ثم صلى العصر حين كان فيء الإنسان مثليه ثم صلى المغرب قبل غيبوبة الشفق ثم صلى العشاء قال بعضهم: ثلث الليل وقال بعضهم: شطره" ومعلوم أنه ما صلى العشاء قبل الشفق الأحمر فعلم أنه صلاها قبل مغيب الأبيض وعن عبد الله بن عمرو عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "وقت المغرب ما لم يسقط ثور الشفق" رواه أحمد ومسلم والنسائي وأبو داودولفظه: "فور الشفق وثور الشفق ثوران حمرته وفوره فورانه وسطوعه" وهذا إنما يكون في الشفق الأحمر ولأن الأحمر أظهر في الإستعمالمن الشفق الأبيض قال الفراء سمعت بعض العرب يقول عليه ثوب كأنه الشفق وكان احمر ولهذا فسر أكثر الناس

مفقود

مسألة: (ووقت العشاء من ذلك إلى نصف الليل ويبقى وقت الضرورة إلى طلوع الفجر الثاني).
أما أول وقتها فقد تقدم وأما آخر وقتها في حال الاختيار ففيه روايتان.
إحداهما: إلى ثلث الليل وهو أكثر الروايات عنه واختارها الخرقي والقاضي وغيرهما لأنه كذلك في حديث جبريل وفي حديث السائل أيضا من رواية أبي موسى وبريدة ورواية جابر شك فيها قال بعضهم: ثلث الليل وقال بعضهم: شطره فتحمل رواية من روى على نصف الليل على أنه قال بالتحري والاجتهاد وروى النسائي عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "صلوها ما بين أن يغيب الشفق إلى ثلث الليل" أو أراد مقاربة نصف الليل.
والرواية الثانية: إلى نصفه اختارها طائفة من أصحابنا لأن في حديث عبد الله بن عمرو المتقدم وقت صلاة العشاء إلى نصف الليل الأوسط وهو أبين شيء في المواقيت وكذلك في حديث أبي هريرة وأن آخر وقتها حين ينتصف الليل وعن أبي برزة: "إن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا

يبالي بتأخير العشاء إلى نصف الليل " رواه مسلم وعن أنس قال: " آخر النبي صلى الله عليه وسلم صلاة العشاء إلى نصف الليل ثم صلى ثم قال قد صلى الناس وناموا أما أنكم في صلاة ما انتظرتموها" متفق عليه ولمسلم "حتى كان قريبا من نصف الليل" وعن أبي سعيد الخدري قال: "انتظرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة صلاة العشاء حتى ذهب نحو من شطر الليل فجاء فصلى بنا وقال لولا ضعف الضعيف وسقم السقيم وحاجة ذي الحاجة لأخرت هذه الصلاة إلى شطر الليل" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
وهذا كلام مفسر من النبي صلى الله عليه وسلم يقضي به على ما سواه من الحكايات المحتملة وفي هذه الأحاديث زيادة فيجب الأخذ بالزائد ويحمل قول من روى على ثلث الليل أنه أراد ثلث الليل الممتد إلى طلوع الشمس فإن ما بعد طلوع الفجر قد يجعل ليلا ولهذا يسمى وقت الزوال نصف النهار في كثير من الأحاديث التي تقدمت وإنما يكون نصف النهار إذا كان أوله من حين طلوع الشمس كما يقوله بعض أهل اللغة والحساب والفقه وإذا كان الغالب على لسان الشرع انتهاء الليل إلى طلوع الفجر وابتداء النهار من حينئذ وثلث الليل بهذا الاعتبار أكثر من ثلثه بالاعتبار الأول فإذا انضم إلى

هذا احتياط الراوي وإخباره بالمستيقن جاز أن يسمى ما يقارب النصف ثلثا.
فصل.
وأما وقت الإدراك والضرورة فيمتد إلى طلوع الفجر الثاني لما روى يحيى بن آدم عن ابن عباس قال لا يفوت وقت الظهر حتى يدخل وقت العصر ولا يفوت وقت العصر حتى يدخل وقت المغرب ولا يفوت وقت المغرب إلى العشاء ولا يفوت وقت العشاء إلى الفجر وروى الخلال أيضا عن ابن عباس لا يفوت وقت العشاء إلى الفجر وسنذكر أن شاء الله عن عبد الرحمن بن عوف وأبي هريرة وابن عباس أنهم قالوا في الحائض إذا طهرت قبل طلوع الفجر صلت المغرب والعشاء.
ولم ينقل عن صحابي خلافه بل وافقهم التابعون على أن العشاء تجب بالطهر قبل الفجر مع قوله في حديث أبي قتادة لما ناموا: "أما أنه ليس في النوم تفريط إنما التفريط على من لم يصل الصلاة حتى يجيء وقت الأخرى" رواه أحمد ومسلم وأبو داود فإنه يقتضي امتداد كل صلاة

إلى وقت التي تليها وإنما استثنى منه الفجر لظهور وقتها وظاهر القرآن في قوله تعالى: ﴿وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ﴾ وقوله سبحانه: ﴿إِلَى غَسَقِ اللَّيْلِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ﴾ يعم ذلك الجملة.
وتأخير الصلاة إلى هذا الوقت لغير عذر لا يجوز كما تقدم في صلاة العصر.
وهذه الصلاة أربع ركعات بالنقل العام.
وتسمى العشاء لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ بَعْدِ صَلاةِ الْعِشَاءِ﴾ وهو أفضل من تسميتها بالعتمة وأن ميت العتمة لم يكره إلا أن يهجر اسم العشاء لأن في الصحيحين عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: "لو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا" وقد صح من وجوه كثيرة عن أبي موسى وابن عباس وعائشة وجابر بن سمرة أنهم سموها العتمة ولأن ذلك نسبة

إلى وقتها فأشبه المغرب والفجر وإنما كره ترك ذلك الاسم لما روى ابن عمر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم إلا أنها العشاء وهم يعتمون بالإبل" رواه أحمد ومسلم والنسائي وابن ماجة ولمسلم لا تغلبنكم الأعراب على اسم صلاتكم العشاء فإنها في كتاب الله العشاء وأنها تعتم بحلاب الإبل.
وفيه وجه ثان أنه يكره أن تسمى بالعتمة لظاهر الحديث وحملا لأحاديث الرخصة على أنها منسوخة ذكره الآمدي.

مسألة: (ووقت الفجر من ذلك إلى طلوع الشمس).
وتسمى هذه الصلاة الفجر لقوله تعالى: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وقوله: ﴿مِنْ قَبْلِ صَلاةِ الْفَجْرِ﴾ وقوله: ﴿الْخَيْطُ الأبيض مِنَ الْخَيْطِ الأسود مِنَ الْفَجْرِ﴾ والصبح لقول النبي صلى الله عليه وسلم: "من أدرك ركعة من الصبح".
وصلاة الغداة لقوله عليه السلام: "لو يعلم المتخلفون عن صلاة العشاء وصلاة الغداة ما فيهما لأتوهما ولو حبوا" وقال الرجل له إني لأتأخر عن صلاة الغداة من أجل فلان مما يطيل بنا.
والمستحب تسميتها الفجر والصبح ولا يكره تسميتها بالغداة في المشهور.
وفي الآخر يكره لأنه يقال أنها تسمية الأعراب.
وهي ركعتان بنقل الأمة العام المتوارث بينها وهي من صلاة النهار نص عليه وجعلت ركعتان من أجل طول القراءة فيها وكأنه عوض بتطويل القراءة عن تكثير الركعات.

وأول وقتها من طلوع الفجر الثاني كما تقدم في أحاديث المواقيت كلها مع قوله: ﴿طَرَفَيِ النَّهَارِ﴾ وقوله: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ﴾ وقوله: ﴿وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ وقوله: ﴿قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾ وغير ذلك.
وهما فجران فالأول المستدق المستطيل في طول السماء كذنب السرحان وهو الذئب ويسمى الفجر الأول ولا عبرة به في شيء من الأحكام ثم يسود الأفق بعده ثم يطلع الفجر الصادق بعده معترضا في الأفق منتشرا لا ظلمة بعده ولذلك قال صلى الله عليه وسلم: "لا يمنعنكم من سحوركم آذان بلال ولا الفجر المستطيل ولكن الفجر المستطير في الأفق" وقد تقدم وقد روى أبو حفص والدارقطني عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "الفجر فجران فجر تحل فيه الصلاة ويحرم فيه الطعام وفجر تحرم فيه الصلاة ويحل فيه الطعام" أما الذي يكون كذنب السرحان فلا تحل الصلاة فيه ولا يحرم فيه الطعام وأما الذي يذهب مستطيلا في الأفق فإنه يحل الصلاة ويحرم الطعام.
ويمتد وقتها في حال الاختيار والاضطرار إلى طلوع الشمس فإذا بدا حاجب الشمس خرج وقتها هذا ظاهر المذهب وهو المنصوص عنه

جارٍ التحميل