شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاةصفحات 464-503

الناس فيه ويغتسلون فيه من الوسطاني والجواني وبين المسلخ وهو الموضع الذي توضع فيه الثياب بل كل ما دخل في مسمى الحمام لا يصلى فيه ويدخل في ذلك كل ما اغلق عليه بابه وكذلك اتون الحمام لا تجوز الصلاة فيه لأنه مزبلة هذا تعليل القاضي وغيره فعلى هذا إذا علم أنه لا يوقد فيه إلا وقود طاهر فهو كالمزبلة التي علم أنه لا يوضع فيها إلا شيء طاهر وجعل ابن عقيل وغيره الاتون داخلا في مسمى الحمام فيكون النهي فيه لعلتين.
وقيل تجوز الصلاة فيما ليس مظنة للنجاسة من الحمام كالمسلخ ونحوه تعليلا للحكم بكون البقعة مظنة النجاسة فإذا تيقن طهارتها زال سبب المنع.
والأول المذهب للنصوص المتقدمة فإن اسم الحمام يشمل الجواني والبراني فلا يجوز التفريق بينهما في كلام الشارع ولأن العلة لو كانت مجرد النجاسة المتبقية لم يكن فرق بين الحمام وغيره ولو كانت مظنة النجاسة أو توهمها لوجب أن تحرم الصلاة في كل بقعة شككنا في نجاستها إذا أمكن نجاستها.
وقد تقدم أن العلة التي اوما الشارع إليها كونها محتضرة من الشياطين وهذا القدر يعمها كلها ثم لو كانت العلة مجرد أنها مظنة النجاسة فالصور النادرة قد لا يلتفت الشارع إلى استثنائها الحاقا للنادر بالغالب كما هو في أكثر المواضع التي تعلق الأحكام بالمظان.

وأما الحش فهو المكان المعد لقضاء الحاجة فلا تصح الصلاة في شيء من مواضع البيت المنسوب إلى ذلك سواء في ذلك موضع التغوط أو موضع الاستنجاء أو غيرهما فأما المطاهر التي قد بني فيها بيوت للحاجة والاغتسال أيضا وبرانيها للوضوء فقط وللوضوء والبول فينبغي أن تكون نسبة برانيها كنسبة براني الحمام إليها ولا يصلى فيها بل هي أولى بالمنع من الحمام لأنها أولى بالنجاسة والشياطين من الحمام ووجود ذلك في الخارج منها أظهر من وجوده في الخارج من الحمام.
فأما ما ليس مبنيا للحاجة وإنما هو موضع يقصد لذلك كما في البر والقرى ومنه ما قد اعتيد لذلك ومنه ما قد فعل ذلك فيه مرة أو مرتين فينبغي أن يكون من الحشوش أيضا فإن الحش في الأصل هو البستان وإنما كنوا عن موضع التغوط به لأنهم كانوا ينتابونها للحاجة ولأن العرب لم يكونوا يتخذون الكنف قريبا من بيوتهم وإنما كانوا ينتابون الصحراء فعلم أن تلك الأمكنة داخلة في كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم فإذا طهر المكان وقطعت عنه هذه العادة لم يكن حشا.
فصل.
وأما أعطان الإبل فالمنصوص عن أحمد أنها الاماكن التي تقيم بها الإبل وتأوي اليها.

ومن أصحابنا من قال هي المواضع التي تصدر إليها بعد أن ترد الماء وذلك أن الإبل بعد أن ترد الماء فإنها تناخ بمكان لتسقى بعد ذلك عللا بعد نهل فإذا استوفت ردت إلى المراعي.
وعبارة بعضهم أنه المواضع التي بقرب النهر فتناخ فيه الإبل حتى ترد الماء فجعلها مناخها قبل الورود.
والعبارة الأولى اجود لأن هذا تفسير أهل اللغة قالوا أعطان الإبل مباركها عند الماء لتشرب عللا بعد نهل يقال عطنت الإبل تعطن وتعطن إذا رويت ثم تركت فهي ابلا عاطنة وعواطن وقد ضربت بعطن أي بركت ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم في ذكر رؤياه: "ثم اخذها ابن الخطاب فاستحالت غربا لم ار عبقريا من الناس يفري فريه حتى ضرب الناس بعطن كأنهم امتلؤا من تلك البئر ثم صدروا رواء كهيئة الإبل إذا رويت ومنه استقا رواء وقولهم فلان واسع العطن والبلد واعطن الرجل بعيره إذا لم يشرب فرده إلى العطن ينتظر به قال لبيد.
عافتا الماء فلم نعطنهما إنما يعطن من يرجو العلل.
وتوسعوا في ذلك حتى قالوا لمرابض الغنم حول الماء معاطن.
والصواب أن الاماكن التي تقيم بها مراد من الحديث كما نص أحمد لأن في بعض الفاظ الحديث أن السائل قال انصلي في مبارك

الإبل قال والمبارك التي يكثر بروكها فيها والمواضع التي تقيم بها أولى بهذ الاسم من مصادرها ولأنه قابل بين معاطن الإبل ومراح الغنم ومرابضها فعلم أن المعاطن للابل بمثابة المراح والمرابض للغنم ومراح ما تقيم فيه وتاوي إليه فكذلك معاطن الإبل ولأنه إذا نهي عن الصلاة في المواضع التي تقيم بها ساعة أو ساعتين فالمواضع التي تبيت بها وتأوي إليها أولى بهذا الحكم.
فأما أن يكون الحكم اريد في مبيتها بطريق الفحوى والتنبيه أو يكونوا قد توسعوا في العطن حتى جعلوه اسما لكل ماوى لها كما توسعوا فيه حتى جعلوا للغنم اعطانا وللناس اعطانا فإذا قلنا أنه لا تجوز الصلاة فيما تقيم فيه وتاوي إليه كما نص عليه جازت في مصادرها عند الشرب فيما ذكره من رجح هذا القول من أصحابنا.
والصحيح أن المعاطن تعم هذا كله على ظاهر كلام أحمد فإنه قال هي الاماكن التي تقيم بها وتاوي إليها وعلى هذا فسواء اوت بالليل أو النهار وهذا لأن لفظ المعاطن والمبارك يعم هذا كله كما تقدم فلا وجه لإخراج شيء منه من الحديث وهذا لأن اللفظ إذا توسع أهل العرف فيه حتى صار معناه عندهم اعم من معناه في اللغة لم يخرج ذلك المعنى اللغوي عن اللفظ بل يصير بعضه ولأنه مكان تعتاده الإبل وتاوي إليه فاشبه مبيتها وهذا لأن العطن الذي يكون عند البئر أو الحوض أو النهر قد اعد لمقام الإبل وبروكها فيها فكان من مبركها كما لو اعد لمقامها فيه نهارا

دون الليل.
قال أصحابنا: ولا فرق بين أن تكون الإبل في المعاطن أو أن لا تكون ولا فرق بين أن تكون قائمة حال الصلاة أو غير قائمة لأن النهي تناول الموضع.
وقال ابن حامد والقاضي وسائر أصحابنا فأما مكان نزولها في سيرها أو مكان مقامها لتتنقل عنها أو مكان علفها أو ورودها لتسقى الماء فالصلاة فيه جائزة لأنه لا يسمى عطنا.
وقد قال الأثرم سمعت ابا عبد الله يسئل عن موضع فيه ابعار الإبل نصلي فيه فرخص ثم قال إذا لم يكن من معاطن الإبل التي نهي عن الصلاة فيها التي تاوي إليها الإبل وذلك لأن هذه الاماكن ليست معدة لمقام الإبل وإنما مقامها فيه عارض فلا يتناولها النهي لفظا ولا معنى ولأن النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه إنما كانوا يرتحلون في أسفارهم في الحج والعمرة والغزو وغير ذلك على الإبل ومع هذا فكانوا يصلون في مناخ ابلهم وكانوا يصلون عليها واليها وهذا ظاهر مشهور في سيرهم ولأن تلك الأمكنة ليست اخص ب الإبل من الناس الذين نزلوا بها والكراهة إنما نشأت لسبب في المكان الذي انفردت به أو غلبت عليه والله أعلم.

فصل.
وأما المجزرة فقال أصحابنا: هي الموضع الذي يذبح فيه الحيوان معروفا بذلك للقصابين والسوابين ونحوهم ولا فرق بين أن يكون الموضع نظيفا من الدماء والارواث أو غير نظيف لأن النهي تناول الموضع والعلة كونه مظنة النجاسة ومحلا للشياطين وهذا عام وهذا هو المشهور وعلى الوجه الذي يعلل الحكم فيه بحقيقة النجاسة تجوز الصلاة في الموضع الذي تيقنت طهارته.
وأما المزبلة فقالوا هو الموضع الذي تجمع فيه الزبالة مثل المواضع التي في الطرقات ونحوها ولا فرق بين أن يكون عليها نجاسة من الزبالة أو تكون طاهرة.
ولفظ بعضهم لا فرق بين أن يرمى فيها زبالة طاهرة أو نجسة وهذا لأن المكان معد لالقاء الزبالات النجسة والطاهرة فخلوه بعض الاوقات عن النجاسة لا يمنعه أن يكون معدا لها كالحمام الذي غسلت ارضه وإذا كان معدا لها تناوله النهي لفظا ومعنى ومن علل بوجود النجاسة فإنه يجوزه إذا تيقنت طهارة المزبلة.

فصل.
وأما قارعة الطريق فقال أصحابنا: هي الجادة التي قد صارت محجة وسواء في ذلك طريق الحاضر والمسافر فطريق الحاضر مثل الشوارع المستطرقة بين الدروب والاسواق وطريق المسافر هي الجادة التي قد صارت محجة سميت جادة من قولهم أرض جدد وهي الصلبة وفي المثل من سلك الجدد امن العثار واجد الطريق صار جددا فالجادة هي الطريق التي اشتدت وصليت بوطئ الناس والدواب وتسمى قارعة لكثرة قرع الارجل لها فأما أن تكون سميت بذلك لأنها تقرع الأرجل إذا قرعتها الأرجل أو يكون المعنى ذات قرع أو فاعلة بمعنى مفعولة.
والمحجة هي الجادة سميت بذلك لأن الحج هو القصد والطريق هي موضع قصد الناس إلى حوائجهم.
قال أصحابنا: وقارعة الطريق هي التي تسلكها السابلة والمارة وليس المراد بذلك كل ما سلك لأن المواضع لا تخلوا من المشي عليها في الجملة قالوا ولا بأس بالصلاة فيما خرج عن قارعة الطريق يمنة ويسرة لأن النهي إنما ورد عن الصلاة في محجة الطريق وفي جواد الطريق والمحجة الوسط والجواد ما صلب بالمشي.
ومنهم من رخص الرخصة بجوانب طرقات المسافرين لأن أحمد

إنما نص على ذلك قال بعضهم: ولا بأس بالصلاة في الطرقات التي يقل سالكوها كطريق الابيات اليسيرة وبكل حال فيجوز أن يصلى في الطرقات التي يكثر لها الجمع كالجمع والاعياد والجنائز لأن الحاجة تدعوا إلى ذلك.
الفصل السادس:.
في علو هذه الأمكنة وسطوحها قال كثير من أصحابنا منهم القاضي وأكثر أصحابه كالآمدي وابن عقيل وغيرهم لا فرق في الحمام والحش وأعطان الإبل بين سفلها وعلوها لأن الاسم يتناول الجميع والحكم معلق بالاسم.
قال الآمدي وابن عقيل علو المجزرة كسفلها ولم يذكره القاضي في المواضع المنهي عنها ولم يعدها ولا في المنهي عنه علو المزبلة.
ومن أصحابنا طائفة طردوا الحكم في علو جميع المواضع المنهي عنها على طريقة هؤلاء لأنهم منعوا من الصلاة في علو الاتون مع تعليله بأنه مزبلة قالوا ويدخل في كل موضع منها ما يدخل فيه مطلق البيع والهبة من حقوق من سفله وعلوه اعتبارا بما يقع عليها الاسم عند الاطلاق ولأن الحكم تعبد فيناط بما يدخل في الاسم.
والفرق بين علو المزبلة وغيرها على ما ذكره الأولون أن علو المزبلة لا يسمى مزبلة لأن المزبلة المكان المعد لوضع الزبالة في الطريق ونحوه ومعلوم أن علو تلك البقعة لا يسمى مزبلة بخلاف الاعطان والحشوش

والمجازر فإنها ابنية تبنى لشيء يقصد ستره ويجعل سقفه تابعا لقراره فيتناوله الاسم.
وأما أبو الخطاب فلم يمنع من هذه السطوح إلا من سطح الحش والحمام خاصة وهذا اجود مما قبله لأن الحش والحمام اسم لبناء على هيئة مخصوصة لا تتخذ إلا لما بني له حتى لو اريد لاتخاذه لغير ذلك لغير عن صورته فكان الاسم متناولا لجميعه وهو قد عد لشيء واحد بخلاف العطن فإنه اسم لما تقيم فيه الإبل وتاوي إليه لا يختص ببناء دون بناء حتى لو اتخذ عطنها مراحا للغنم جازت الصلاة فيه مع أن صورته باقية وعلو العطن ليس متخذا للابل ولا مبنيا لذلك بناء يخصه فلا يلحق به.
وكذلك المجزرة والمزبلة أنها تصير مجزرة ومزبلة بالفعل فيها لا بنفس بنائها فليس العلو تابعا للسفل في القعل ولا في البناء المختص بذلك.
ومن أصحابنا من قال بجواز الصلاة على علو جميع هذه المواضع وهو ظاهر كلام كثير من أصحابنا لأن ما فوق سقف الحش والحمام قد لا يدخل في النهي لفظا ولا معنى لأن الاسم قد لا يتناوله فإنه لو حلف لا يدخل حشا ولا حماما لم يحنث بصعود على سطح حش أو حمام بخلاف من حلف لا يدخل دارا لأن الحش والحمام ونحوهما اسماء لاماكن معدة لامور معلومة وظهورها ليست من ذلك في شيء وكونها مظنة النجاسة أو مظنة الشياطين لا يتعدى إلى ظهورها والهواء تبع للقرار

في الملك ونحوه أما انه يتبعه في كل شيء فليس كذلك فإن كل أحد يعلم أن هواء المزبلة ليس مزبلة وهواء الحش الذي فوق سطحه ليس حشا.
فأما أن كان العلو قد اتخذ لشيء اخر بحيث لا يتبع السفل في الاسم فإنه تصح الصلاة فيه قال أحمد في رواية أبي داود إذا بنى رجل مسجدا فاراد غيره هدمه وبناءه فابى عليه الأول فإنه يصير إلى قول الجيران ورضاهم إذا احبوا هدمه وبناه وإذا ارادوا أن يرفعوا المسجد ويعمل في اسفله سقاية فمنعهم من ذلك مشايخ ضعفى وقالوا لا نقدر نصعد فإنه يرفع ويجعل سقاية لا أعلم بذلك بأسا وينظر إلى قول أكثرهم فقد نص على بناء المسجد على ظهر السقاية قال في رواية حنبل لا ينتفع بسطح المسجد فإن جعل السطح مسجدا انتفع بأسفله وأن جعل اسفله مسجدا لا ينتفع بسطحه وكذلك قال القاضي وغيره فإن كانت المساجد مغلقة على حوانيت أو سقاييات فالصلاة فيها جائزة لأن ما تحتها ليس بطريق وقال أبو محمد المقدسي صاحب الكتاب رحمه الله أن كان المسجد سابقا وجعل تحت طريق أو عطن أو غيرهما من مواضع النهي أو كان في غير مقبرة فحدثت المقبرة حوله لم يمنع بغير خلاف لأنه لم يتبع ما حدث بعده وهذا يقتضي أنه جعل من صور الخلاف ما إذا احدث المسجد على عطن ونحوه من أمكنة النهي.

والذي صرح به الأصحاب هو ما ذكرناه وهو منصوص أحمد والفقه فيه ظاهر فإن العلو إذا اتخذ لشيء اخر غير ما اتخذ السفل له لم يكن أحدهما: بان يجعل تابعا للاخر باولى من العكس وإنما يجعل تابعا له عند الاطلاق إلا ترى أنه لو قال بعتك هذا الحش وفوقه مسكن أو مسجد لم يدخل في مطلق البيع بخلاف ما لو كان ظهره خاليا ولأن الهواء إنما يتبع القرار في العقود عند الاطلاق فإذا قيد العقد بان قيل بعتك التحتاني فقط لم يدخل واتخاذ العلو لامر اخر غير ما اتخذ له السفل بمنزلة إخراجه عن كونه تابعا له في القول وتقييد له بصيغة توجب الانفراد ولو حلف لا يدخل حشا أو عطن أو مزبلة أو حماما فدخل مسجدا مبنيا على ظهور هذه الأشياء لم يجز أن يقال أنه يحنث في يمينه.
فصل.
وأما علو المقبرة فإن كان قد بني على المقابر بناء منهي عنه كالمسجد أو بناء في المقبرة المسبلة كانت الصلاة عليه صلاة في موضع محرم أما البناء في المقبرة المسبلة فإن الصلاة عليه صلاة على مكان مغصوب والصلاة في علو المسجد صلاة في مسجد في القبور وأيضا فإن الصلاة على ظهر البناء المذكور اتخاذ للقبور مساجد ودخول في لعن النبي صلى الله عليه وسلم أهل الكتاب عليه فانهم لما اتخذوا الابنية على قبور انبيائهم وصالحيهم لعنوا على ذلك سواء صلوا في قرار المبنى أو علوه.

وان كان الميت قد دفن في دار واعلاها باق على الاعداد للسكنى فعلى ما ذكره أصحابنا تجوز الصلاة فيه لأن ذلك ليس من المقبرة اصلا ولا تبعا إلا أن نقول بالحاق العلو بالسفل مطلقا على الوجه الذي تقدم في علو العطن والحش إذا كان مسجدا وأن لم يبق معدا للسكنى ونحوها فهو كما لو دفن في أرض مملوكة ثم بني عليه بناء لم يعد للسكنى.
فعلى ما دل عليه كلام أحمد وأكثر أصحابه لا يصلى فيه لأن هذا البناء منهي عنه وهو تابع للقرار في الاسم فيقال هذه التربة وهذه المقبرة للعلو والسفل ولأن الصلاة في علو هذا المكان بالنسبة للميت كالصلاة في اسفله ولأن حكمة النهي عن الصلاة عند القبر هو ما فيه من التشبه بعبادة الأوثان والتعظيم المفضي إلى اتخاذ القبور اوثانا وهذه الحكمة موجودة بالصلاة في قرار الابنية وعلوها سواء قصد المصلي ذلك أو تشبه بمن يقصد ذلك وخيف أن يكون ذلك ذريعة إلى ذلك ومن أجاز هذا البناء من أصحابنا ولم يجعل العلو تابعا للقرار فإنه يلزمه أن يجوز الصلاة فيه.
فصل.
وأما علو الطريق مثل السوابط والاجنحة سواء كانت مساجد أو مساكن فالمشهور عنه أنه لا يصلي على المساجد المحدثة على الطرقات والأنهار التي تجري فيها السفن وقال في رواية عبد الله وجعفر بن محمد:

مفقود

وهذا مفقود في العلو ولأن الصلاة على يمنة الطريق ويسرته تجوز لكونها ليست من الجواد والمحجة فالعلو ابعد عن الجادة والمحجة من ميمنتها وميسرتها.
ولو كان غصب الميمنة والميسرة لا يجوز ولو صلى فيها وهو غاصب لها لم تصح صلاته ولأن العلو إنما يتبع القرار في حكمه إذا لم يميز عن السفل بل يجعل سقفا له فقط فأما إذا اعد لشيء غير ما اعد له السفل لم يكن طريقا البتة كالمسكن والمسجد المبني على ظهر السقاية ونحوها فإنه ليس بسقاية ولأن الصلاة في السفينة وعلى الراحلة تجوز في الجملة مع مسيرها في الطريق فالصلاة على سقف الطريق أولى أن لا يكون صلاة في الطريق واولى بالجواز.
قال بعض أصحابنا: ولأنه لو كان المنع في علو الطريق كونه تبعا له لجازت الصلاة في الساباط على النهر لأنه موضع للصلاة في الجملة بدليل ما لو جمد ماؤه أو كان في سفينة وهذا ضعيف لأنه إذا جمد لم يبق طريقا للسفن فإن مر الناس فيه واتخذوه طريقا لم تجز الصلاة فيه.
وأما الصلاة في السفينة فهي كالصلاة على الراحلة تجوز مع مسيرها في الطريق فثبت أن علة المنع أنه بناء في هواء الطريق وهذا غير جائز لما سنذكره أن شاء الله تعالى في موضعه فيكون كما لو بنى جناحا أو ساباطا في ملك غيره فإنه يكون غاصبا بذلك وتكون الصلاة فيه صلاة في مكان مغصوب فعلى هذا أن كان الساباط جائزا مثل الساباط المبني على درب غير نافذ باذن اهله فإنه جائز بلا تردد وكذلك أن كان الساباط لا يضر

بالمارة وقد اذن فيه الامام فإنه جائز فيما ذكره أصحابنا وأن كان بدون اذن الامام لم يجز في المشهور.
وحكي رواية اخرى بالجواز.
فأما ما يضر بالمارة فإنه ممنوع رواية واحدة.
وأما المسجد المبني في الطريق فإن كان يضيق الطريق لم يجز لأنه غصب للطريق.
وان كان الطريق واسعا بحيث لا يضر المارة بناؤه فيه فعنه يجوز.
وعنه لا يجوز.
وعنه إنما يجوز باذن الامام خاصة فإذا جاز احداثه في جانب الطريق فاحداثه في هوائه إذا لم يكن فيه ضرر أولى بالجواز ولهذا لا يجوز لاحد أن يبني في جانب الطريق الواسع لنفسه بناء وأن جاز أن يبني فيه مسجد للناس وقد يجوز أن يبني لنفسه ساباطا إذا اذن فيه الامام وقد روى محمد بن ماهان السمسار عن أحمد أنه تجوز الصلاة في الساباط المحدث على الطريق دون الساباط المحدث على النهر فعلله بعض أصحابنا بان الطريق محل للصلاة في الجملة إذا اتصلت الصفوف في الجمع والاعياد بخلاف النهر الكبير ويحتمل أن تكون علته أن في اتخاذ الساباط على الطريق منفعة لابناء السبيل أنه يسترهم من الحر والمطر والثلج بخلاف الساباط على النهر فإنه لا منفعة فيه لأحد.

فصل.
وأما الصلاة إلى هذه المواضع فقد نص أحمد في مواضع على كراهة الصلاة إلى المقبرة والحش والحمام قال في رواية الأثرم إذا كان المسجد بين القبور لا تصلى فيه الفريضة وأن كان بينها وبين المسجد حاجز فرخص أن يصلى فيه على الجنائز ولا يصلى فيه على غير الجنائز وذكر حديث أبي مرثد عن النبي صلى الله عليه وسلم لا تصلوا إلى القبور وقال اسناده جيد وقال في رواية الميموني وقد سئل عن الصلاة إلى المقابر والحش فكرهه وقال في رواية أبي طالب وقد سئل عن الصلاة في المقبرة والحمام والحش وكرهه وقال لا يعجبني أن يكون في القبلة قبر ولا حش ولا حمام وأن كان يجزيه ولكن لا ينبغي قال أبو بكر في الشافي يتوجه من الإعادة قولان.
أحدهما: لا يعيد بل يكره وهذا هو المنصوص منصوص في رواية أبي طالب وهو اختيار القاضي.
والثاني: يعيد لموضع النهي قال أبو بكر وبه اقول قال ابن عقيل نص أحمد على حش في قبلة مسجد لا تصح الصلاة فيه وكذلك قال ابن حامد لا تصح الصلاة في المقبرة والحش ولم يذكر الحمام

وقال كثير من أصحابنا منهم المدي لا تجوز الصلاة إلى القبر وصرح جماعة منهم بان التحريم والابطال مختص بالقبر وإنما كرهت الصلاة إلى هذه الأشياء لما تقدم عن أبي مرثد الغنوي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تصلوا إلى القبور".
وكذلك حديث عمر وغيره في النهي عن الصلاة إلى القبر وعن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه: "أنه كان يكره الصلاة في مسجد قبالته نتن أو قذر" رواه البخاري في تاريخه وعن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: "تكره الصلاة إلى حش" رواه سعيد وعن إبراهيم النخعي: "كانوا يكرهون ثلاثة أبيات أن يكون قبلة الحمام والحش والقبر" رواه حرب.
وذهبت طائفة من أصحابنا إلى جواز الصلاة إلى هذه المواضع مطلقا من غير كراهة وهو قول ضعيف جدا لا يليق بالمذهب.
ومنهم من لم يكره ذلك إلا في القبر خاصة لأن النهي عن النبي صلى الله عليه وسلم إنما صح في الصلاة إلى القبور كما تقدم ولأنها هي التي يخاف أن تتخذ اوثانا فالصلاة إليها شبيهة بالصلاة بين يدي صنم وذلك أعظم من الصلاة بينها ولهذا كانوا يكرهون من الصلاة إلى القبر ما لا يكرهونه من الصلاة إلى المقبرة وهذه حجة من رأى التحريم والإبطال مختصا

بالصلاة إلى القبر وأن كره الصلاة إلى تلك الأشياء وهو قول قوي جدا وقد قاله كثير من أصحابنا.
ووجه الكراهة في الجميع ما تقدم عن الصحابة والتابعين من غير خلاف علمناه بينهم ولأن القبور قد اتخذت اوثانا وعبدت بالصلاة إليها يشبه الصلاة إلى الأوثان وذلك حرام وأن لم يقصده المرء ولهذا لو سجد إلى صنم بين يديه لم يجز ذلك والحش والحمام موضع الشياطين ومستقرهم وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالدنو إلى السترة خشية أن يقطع الشيطان على المصلي صلاته وقال: "تفلت علي البارحة شيطان فاراد أن يقطع علي صلاتي" وقال: "الكلب الأسود يقطع الصلاة" ووجه ذلك بأنه شيطان وتبين بذلك أن مرور الشيطان بين يدي المصلي يقدح في صلاته فالصلاة إلى مستقره ومكانه مروره مظنة بين يدي المصلي ولأن الصلاة إلى الشيء استقبال له وتوجه إليه وجعل له قبلة فإن ما يستقبله المصلي قبلة له كما أن البيت قبلة له يبين هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن النخامة في القبلة" والاستقبال داخل في حدود الصلاة ولهذا أمرنا أن نستقبل في صلاتنا اشرف البقاع واحبها إلى الله وهو بيته العتيق فينبغي للمصلي أن يتجنب استقبال الأمكنة الخبيثة والمواضع الردية إلا ترى انا نهينا أن نستقبل القبلة بغائط أو بول فكيف إذا كان البول والغائط والشياطين ومواضع ذلك في القبلة وقت الصلاة.

قال القاضي ولأن القبر والحش مدفن النجاسة وقد بينا كراهة الصلاة إلى النجاسة.
قال ويكره الصلاة إلى قوم من أهل الذمة نص عليه في رواية عبد الله في ملاحين مجوس يكونون بين يدي القوم في السفينة بنجوفهم ويصلون وقال في رواية أبي طالب هو نجس وكرهه قال وإنما كره ذلك لأن من الناس من يقول أنهم انجاس وقد كره للانسان أن يصلي مستقبلا لنجاسة لأن قبلته جهة رحمته ولهذا منع القاضي أن يستقبل القبلة بغائط أو بول فأولى أن يكره للمصلي ذلك.
وقال غير القاضي لا نكره الصلاة إلى شيء من النجاسات.
ولا فرق عند عامة أصحابنا بين أن يكون الحش في ظاهر جدار المسجد أو في باطنه واختار ابن عقيل أنه إذا كان بين المصلي وبين الحش ونحوه حائل مثل جدار المسجد لم يكره كما لو كان بينه وبين المار حائل.
والأول هو الماثور عن السلف وهو المنصوص حتى قال في رواية أبي طالب في رجل حفر كنيفا إلى قبلة المسجد يهدم وقال في رواية المروذي في كنيف خلف قبلة المسجد لا يصلى إليه وقيل له أن الدار لايتام والحائط لهم ترى أن يضرب على الحائط ساج أو شيء قال أن كان وصيا غير الكنيف أو حوله وأن كانوا صغارا لم يرخص لهم أن يضربوا عليه الساج وقال يعجبني أن يكون بينهما اذرع فقيل له: يضيق

المسجد فقال وأن ضاق قال القاضي فقد نص على إزالة الحش من ظهر القبلة وبين أنه إذا جعل بينه وبين المسجد حائل بالساج لا يزيل الكراهة حتى يفصل بين الحش وبين قبلة المسجد قال ابن حامد وغيره ومتى كان بين الحش وبين حاط المسجد حائط اخر جازت الصلاة اليه.
فأما المقبرة إذا كانت قدام حائط المسجد فقال الآمدي وغيره لا تجوز الصلاة إلى المسجد الذي قبلته إلى المقبرة حتى يكون بين حائطه وبين المقبرة حائل اخر وذكر بعضهم أن هذا منصوص أحمد لقوله المتقدم في رواية الأثرم.
وقال القاضي إذا لم يكن يعني المصلي في أرض المقبرة بل كانت المقبرة امامه فقال شيخنا أن كان بينه وبينها حاجز جازت الصلاة لأنه ليس يصلي فيها ولا إليها وأن لم يكن بينه وبينها حاجز لم تجز الصلاة كما لو كان في ارضها فإن كان بينه وبين هذه الأشياء عدة اذرع لم تكره الصلاة على ما نص عليه في رواية المروذي.
فصل.
وأما الصلاة في سائر المواضع المنهي عنها فقال القاضي تكره الصلاة إليها كما تكره إلى هذه المواضع فتكره الصلاة إلى الطريق واعطان الإبل والمجزرة لأن النص على واحد منها تنبيه على غيرها ولأنها مظان النجاسات وقال كثير من أصحابنا لا تكره الصلاة إلى بقية

المواضع وهذا هو المنصوص عن أحمد في بعضها قال في رواية ابن هانىء وقد سئل عن الصلاة إلى شط النهر والطريق امامه ارجو أن لا يكون به بأس ولكن طريق مكة يعجبني أن يتنحى عنه ونحو ذلك نقل المروذي وذلك لأن الاثر لم يرد بذلك ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان تنصب له العنزة فيصلي إليها والناس يمرون بين يديه وقال: "إذا صلى أحدكم فليجعل بين يديه مثل اخر الرحل ثم لا يضره ما مر امامه" ولم يفرق بين الطريق وغيرها مع العلم بان المرور أكثر ما يكون في الطرقات وهذه المسائل وما يشبهها تناسب باب القبلة والسترة وإنما هذا استطراد.
فصل.
وأما الصلاة في الكعبة فالنفل فيها اخف من الفرض فإذا صلى النافلة في جوف الكعبة صحت صلاته هذا هو المعروف والمشهور عن أحمد وأصحابه.
وحكي عنه رواية أنه لا يصح النفل فيها.

وحكي عنه أنه يصح ولا يستحب لما سيأتي في الفرض.
ووجه المذهب ما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: "كنت أحب أن ادخل البيت واصلي في فيه فاخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي فادخلني الحجر فقال صلي في الحجر إذا اردت دخول البيت فإنما هو قطعة من البيت" رواه الخمسة إلا ابن ماجه وصححه الترمذي وعن عثمان بن طلحة رضي الله عنه قال: "قال لي النبي صلى الله عليه وسلم اني كنت رأيت قرني الكبش حين دخلت البيت فنسيت أن امرك أن تخمرها فخمرهما فإنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يلهي المصلي" رواه أحمد وأبو داود وعن سالم عن ابيه قال: "دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت هو واسامة بن زيد وبلال وعثمان بن طلحة فاغلقوا عليهم فلما فتحوا كنت أول من ولج فلقيت بلالا فسالته هل صلى فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: نعم بين العمودين اليمانيين" متفق عليه.
وفي رواية للبخاري عن ابن عمر أنه: "كان إذا دخل الكعبة جعل الباب قبل ظهره ومشى حتى إذا كان بينه وبين الجدار الذي قبل وجهه قريبا من

ثلاثة اذرع صلى يتوخى المكان الذي أخبره بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه وفي رواية لأحمد والبخاري أنه قال لبلال: "هل صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم في الكعبة قال نعم بين الساريتين اللتين عن يسارك إذا دخلت ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين وفي رواية" متفق عليها قال: "جعل عمودا عن يمينه وعمودا عن يساره وثلاثة اعمدة وراءه وكان البيت يومئذ على ستة اعمدة ثم صلى" وفي رواية متفق عليها: "ونسيت أن أسأله كم صلى" وهي أصح فلعل ابن عمر فيما بعد علم أنه صلى ركعتين وعن عبد الرحمن بن صفوان قال: "قلت لعمر بن الخطاب كيف صنع رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دخل الكعبة قال: صلى ركعتين" رواه أبو داود وعن ابن عمر وأبي جعفر عن أسامة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى في الكعبة" رواه احمد.
وعن عثمان بن طلحة رضي الله عنه: "أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى في البيت ركعتين وجاهك حيث تدخل بين الساريتين" رواه أحمد فقد أمر صلى الله عليه وسلم

عائشة بالصلاة في البيت وصلى هو في البيت وأمر بصون البيت عما يلهي المصلي فيه فعلم أن الصلاة فيه جائزة وأنه موضع للصلاة وقوله في الحديث الماضي وظهر بيت الله الحرام دليل على أنه باطنه ليس من مواضع النهي.
فإن قيل فقد روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: "لما دخل النبي صلى الله عليه وسلم البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه" متفق عليه وفي رواية عن ابن عباس عن أسامة نحو ذلك رواه أحمد ومسلم.
قيل أما دخول النبي صلى الله عليه وسلم الكعبة والصلاة فيها فقد ثبت على وجه لا يمكن دفعه وكان ذلك عام الفتح قال ابن عمر اقبل النبي صلى الله عليه وسلم عام الفتح وهو مردف أسامة على القصواء ومعه بلال وعثمان ذكر الحديث اخرجاه وأما حديث ابن عباس فربما ظن أنه كان في حجة الوداع وأن النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ لم يصل فيها إلا أنه قد روي فيه عن ابن عباس ما يدل على أنه أراد دخوله عام الفتح أيضا.

فإن لم يكن حديث ابن عمر وحديث ابن عباس في وقتين متغايرين والا فحديث ابن عمر هو الصواب لأنه مثبت عن بلال شيئا شاهده وعاينه والمثبت أولى من النافي ولأن ابن عباس لم يدخل معهم بل كان إذ ذاك صغيرا له نحو عشر سنين وإنما روى الحديث عن أسامة وقد روى غيره عن أسامة خلافه فإن لم يكونا واقعتين فلعل أسامة كان مشغولا بدعاء وابتهال حين دخول البيت في بعض نواحيه فلم ير النبي صلى الله عليه وسلم يصلي لا سيما والباب موجف عليهم ثم لعله بعد ذلك أخبره أسامة أو عثمان أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فيه.
فصل.
ولا بد أن يكون بين يديه شيء من الكعبة في حال قيامه وركوعه وسجوده فلو سجد على منتهى السطح أو على عتبة الباب لم تصح صلاته لأنه لم يستقبل شيئا من القبلة بل هو مصل إلى غير الكعبة فإن كان الذي بين يديه ليس بشاخص مثل أن يصلي إلي الباب وهو مفتوح وليست له عتبة شاخصة أو يصلي على السطح ولا سترة امامه لم تصح صلاته في المنصوص من الوجهين.
قال في رواية الأثرم إذا صلى فوق الكعبة فلا تجوز صلاته وقال

في رواية ابن الحارث لا يصلي فوق بيت الله الحرام وقال في رواية الأثرم أما فوق الكعبة فلم يختلفوا أنه لا يجوز واحتج بالحديث لا قبلة له وهذا اختيار الآمدي وابن عقيل وحكي ذلك عن القاضي وعامة أصحابنا.
وفي الثاني تصح وهو اختيار جماعة من المتاخرين وهو الذي ذكره القاضي في المجرد فإنه قال تجوز الصلاة النافلة فيها إذا توجه إلى غير الباب وأن توجهه إلى الباب وهو مغلق أو مردودا أجزاه وأن كان مفتوحا وكان بين يديه من عرصة البيت جاز وأن لم يكن لم يجز قال وأن انهدم البيت وبقية العرصة ولم يبق هناك منها شيء شاخص عن وجه الأرض وصلى بناحية العرصة متوجها إليها أجزاه وأن وقف على العرصة لم تجزئه الفريضة وأن كانت نافلة ولم يكن بين يديه شيء منها كأن وقف اخرها متوجها إلى غيرها لم تجزه وأن وقف على العرصة وبين يديه منها ما يتوجه إليه وسجد أجزاه.
قال ولا تجوز الفريضة على ظهر الكعبة وتجوز صلاة النافلة إذا كان بين يديه شيء منها فإن لم يكن بين يديه شيء منها كأن وقف على السطح بحيث لا يكون بين يديه شيء من أرض السطح لم يجزه إلا أن يكون بين يديه شيء منصوب بناء أو خشبة مسمرة فإن كان فوقه لبن أو اجر معبا بعضه على بعض أو خشبة معروضة غير مسمرة لم تجزه لأنه ليس من البيت بدليل أنه لا يتبعه في البيع وكذلك لو كان حبل ممدود فهذا يبين أن

القاضي إنما اشترط البناء الشاخص في موضع لم يكن بين يديه شيء من العرصة وأن المشروط عنده أحد امرين شيء من أرض السطح أو البناء كما أنه في الصلاة إلى الباب اعتبر أحد أمرين أما اما كون الباب سترة له أو كون شيء من العرصة بين يديه وهذا أيضاح وتبيين لأنه يلزم من كون الباب والسترة بين يديه أن يكون بين يديه شيء من العرصة.
ووجه ذلك أن الواجب استقبال هوائها دون بنائها بدليل المصلي على أبي قبيس وغيره من الجبال العالية فإنه إنما يستقبل الهواء لا البناء بدليل ما لو انتقضت الكعبة والعياذ بالله فإنه يكفيه استقبال العرصة والهواء فعلى هذا إذا صلى في الحجر وهو مستدبر البناء أو مستقبل الممر وقلنا أن استقبال الحجر جائز فيجب أن يجزئه وفيه قبح.
والأول أصح لما تقدم من الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "سبعة مواطن لا تجوز الصلاة فيها وعد منها فوق ظهر بيت الله" وفي لفظ: "ظاهر بيت الله".
وعن عمر رضي الله عنه: "أنه نهى عن الصلاة على ظهر الكعبة" ذكره القاضي فلو لم تجب الصلاة إلى شيء شاخص مرتفع لم يكن بين ظاهر بيت الله وباطنه فرق بل هذا نص في منع الصلاة فوق ظهر بيت الله ولا يجوز أن يحمل على ما إذا سجد على منتهى الكعبة لأن الحديث عام في جميع المواضع التي فوق الظهر عموما مقصودا وهذه الصورة نادرة لا يجوز أن تقصد وحدها من مثل هذا العموم مع غير قرينة يبين بها مراد

المتكلم فإن هذا لو وقع كان تلبيسا ثم أن هذه الصورة امرها ظاهر لا يخفى على أحد فلا تكاد تقصد بالبيان ثم أن مثل هذه الصورة تقع في الصلاة في جوف الكعبة إذا استقبل الباب مفتوحا ثم أنه جميع المواضع التي ذكر أنه لا تجوز الصلاة فيها من المقبرة والحش والحمام لا يصلي في شيء منها كذلك ظهر الكعبة يجب أن لا يصلى في شيء منه وهذا ظاهر لمن تامله وأيضا فإن هذا اجماع عن السلف كما حكاه أحمد رضي الله عنه وكما سيأتي تقريره وأيضا فقول النبي صلى الله عليه وسلم: "هذه القبلة" وفي حديث اخر استحلال الكعبة البيت الحرام قبلتكم أحياء وامواتا دليل على أن القبلة هو الشيء المبني هناك الذي يشار إليه ويمكن استحلاله وتسمى كعبة وبيتا.
وأيضا فإن الله سبحانه قال: ﴿وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقال: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَاماً لِلنَّاسِ﴾ فبين أن الطواف والركوع والسجود إنما هو متعلق بالبيت والبيت أو الكعبة لا يكون اسما إلا للبناء فأما العرصة والهواء فليس هو بيتا ولا كعبة وأيضا فلو كان استقبال هواء العرصة والطواف به كافيا لم يجب بناء البيت ولم يحتج إليه فلما أمر الله إبراهيم خليله ببناء بيته وبدعاء الناس إلى حجه حينئذ

وكان من أشراط الساعة خراب هذه البنية علم أن دين الله منوط ببنية تكون هناك وأن لا يكون وجودها وعدمها سواء وأن هذه البنية إذا زالت زوالا لا تعود بعده فقد اقترب الوعد الحق بما يكون من رفع كتاب الله المنزل من الصدور والمصاحف وقبض ارواح المؤمنين الذين هم أهل دين الله وذلك دليل واضح أنه لا دين يقوم لله إلا بوجود البنية المعظمة المكرمة المشرفة وأيضا فإن النبي صلى الله عليه وسلم سن لكل مصلي أن ينصب بين يديه شيئا يصلي إليه وكره الصلاة إلى الهواء المحض فكيف تكون قبلة الله التي يجب استقبالها هواء محضا.
وأما ما ذكروه من الصلاة إلى أبي قبيس ونحوه فإنما ذاك لأن بين يدي المصلي قبلة شاخصة مرتفعة وأن لم تكن مسامتة له فإن المسامتة غير مشروطة كما لم تكن مشروطة في الائتمام بالامام مع أن الماموم خلفه فكذلك المصلي على أبي قبيس خلف الكعبة ووراءها وأن كان اعلا منها وأما إذا زال بناء الكعبة فتقول بموجبه وأنه لا تصح الصلاة حتى ينصب شيئا يصلي إليه لأن أحمد جعل المصلي على ظهر الكعبة لا قبلة له فعلم أنه جعل القبلة الشيء الشاخص وكذلك قال الآمدي أن صلى بازاء الباب وكان الباب مفتوحا لم تصح الصلاة وأن كان مردودا صحت الصلاة وأن كان الباب مفتوحا وبين يديه شيء منصوب كالسترة صحت الصلاة لأنه يصلي إلى جزء من البيت فإن زال بنيان البيت والعياذ بالله وصلى وبين يديه شيء صحت الصلاة وأن لم يكن بين يديه شيء لم تصح

الصلاة.
وان صلى على ظهر الكعبة الفرض لم تصح صلاته وأن صلى النفل وليس بين يديه شيء لم تصح صلاته فإن كان بين يديه شيء صحت صلاته وهذا من كلامه يدل على أن البناء لو ازيل لم تصح الصلاة إلا أن يكون بين يديه شيء وإنما يعني به والله أعلم شيئا شاخصا كما قيده فيما إذا صلى إلى الباب وكذلك قوله في الصلاة على الظهر إذ لا يجوز أن يفرق بين الصلاة على الظهر والصلاة على الباب ولأنه علل ذلك بأنه إذا صلى إلى سترة فقد صلى إلى جزء من البيت فعلم أن مجرد العرصة غير كاف ويدل على ذلك ما ذكره الازرقي في اخبار مكة عن ابن جريج قال سمعت غير واحد من أهل العلم ممن حضر بناء ابن الزبير حين هدم الكعبة وبناها وذكر الحديث إلى أن قال فما ترجلت الشمس حتى الصقها كلها بالأرض من جوانبها جميعا وكان هدمها يوم السبت النصف من جمادى الاخرة سنة أربع وستين ولم يقرب ابن عباس رضي الله عنه مكة حين هدمت الكعبة حتى فرغ منها وارسل إلى ابن الزبير لا تدع الناس بغير قبلة انصب لهم حول الكعبة الخشب واحعل عليها الستور حتى يطوف الناس من ورائها ويصلون إليها ففعل ذلك ابن الزبير رضي الله عنه وذكر الحديث وقد رواه مسلم في صحيحه عن عطاء في قصة ابن الزبير لما هدم البيت واعاده على قواعد إبراهيم قال: فنقضوه حتى

بلغوا به الأرض فجعل ابن الزبير اعمدة يستر عليها الستور حتى ارتفع بناؤه.
وهذا من ابن عباس وابن الزبير رضي الله عنهم دليل على أن القبلة التي يطاف بها ويصلى إليها لا بد أن تكون شيئا منصوبا شاخصا وأن العرصة ليست قبلة ولم ينقل أن احدا من السلف خالف ذلك ولا انكره.
نعم لو فرض أنه قد تعذر نصب شيء من الأشياء موضعها بان يقع ذلك إذا هدمها ذو السويقتين من الحبشة في اخر الزمان فهنا ينبغي أن يكتفي حينئذ باستقبال العرصة كما يكفي المصلي أن يخط خطأ إذا لم يجد سترة فإن قواعد إبراهيم كالخط ولأنه فرض قد عجز عنه فيسقط بالتعذر كغيره من الفروض ولا يلزم من الاكتفاء بالعرصة عند استقبال البناء الإكتفاء بها عند القدرة على استقبال البناء لأن فرض استقبال القبلة يسقط بالعجز كالخائف والمحبوس بين حائطين وغيرهما وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "إذا امرتكم بأمر فاتوا منه ما استطعتم" ولا يمتنع الصلاة في شيء من الاوقات ولا الطواف بالبيت لعدم البناء اصلا إذا تعذر في تلك الساعة الطواف والصلاة إلى بناء كما لا يمتنع الصلاة لتعذر شيء من شروطها واركانها.
وذكر ابن عقيل وغيره من أصحابنا أن البناء إذا زالت صحت الصلاة إلى هواء البيت مع قولهم أنه لا يصلي على ظهر الكعبة ومن قال هذا يفرق بأنه إذا زال لم يبق هناك شيء شاخص مستقبل بخلاف ما إذا كان

هناك قبلة تستقبل ولا يلزم من سقوط استقبال الشيء الشاخص إذا كان معدوما سقوط استقباله إذا كان موجودا كما فرقنا نحن بين حال امكان نصب شيء وحال تعذر ذلك وكما يفرق في سائر الشرائط بين حال الوجود والعدم والقدرة والعجز.
فإذا قلنا لا بد من الصلاة إلى شيء شاخص فإنه يكفي شخوصه أنه شيء يسير كالعتبة التي للباب قاله ابن عقيل.
وقال أبو الحسن الآمدي لا يجوز أن يصلي إلى الباب إذا كان إذا كان مفتوحا لكن أن كان بين يديه شيء منصوب كالسترة صحت الصلاة فعلى هذا لا يكفي ارتفاع العتبة ونحوها بل لا بد أن يكون مثل مؤخرة الرحل لأنها السترة التي قدر بها الشارع القبلة المستحبة فلان تقدر بها القبلة الواجبة أولى ثم أن كانت السترة فوق السطح ونحوه بناء أو خشبة مسمرة ونحو ذلك مما يتبع في مطلق البيع لو كان في موضع مملوك جازت الصلاة إليه لأنه جزء من البيت وأن كان هناك لبن أو اجر بقي بعضه فوق بعض أو خشبة معروضة غير مسمرة أو حبل ونحو ذلك لم يكن قبلة فيما ذكره أصحابنا لأنه ليس من البيت.
ويتوجه أن يكتفي في ذلك بما يكون سترة لأنه شيء شاخص في هواء البيت فاشبه بناءه فإن ذلك قبلة سواء اتصل بالعرصة أو لم يتصل بها ولأن البيت كان رضاما من الحجارة غير مبني مع كون الطواف به كان مشروعا ولأن حديث ابن عباس وابن الزبير فيه دليل على الاكتفاء بكل

ما يكون قبلة وسترة فإن الخشب والستور المعلقة عليها لا تتبع في مطلق البيع.
فصل.
فأما استقبال الحجر فقال ابن عقيل في الواضح لا يستقبل هواه ولا يعتد بالصلاة إليه بخلاف هواء الكعبة في العلو إذا صعد على أبي قبيس ولو هدمت العمارة جاز استقبال هوائها بخلاف الحجر قال وخروج الحجر عن خصيصة القبلة في الصلاة كخصيصة القران المنسوخ تلاوة فحكمه ثابت ولا تجوز الصلاة به وذلك لأن الحجر بخروجه عن الكعبة في البناء لم يبق قبلة لأن القبلة ما بني للاستقبال والحجر ليس كذلك وأن كان من البيت ولأنه في المشاهدة والعيان ليس من الكعبة البيت الحرام وإنما وردت أحاديث بأنه كان من البيت فعمل بتلك الأحاديث في وجوب الطواف به دون الاكتفاء بالصلاة إليه احتياطا للعبادتين.
وقال القاضي في خلافه يجزئه التوجه إليه في الصلاة وتصح صلاته كما لو توجه إلى حائط الكعبة وهذا اقيس بالمذهب لأنه من

البيت بالسنة الثابتة المستفيضة وبعيان من شاهده من الخلق الكثير لما نقضه ابن الزبير.
والحجر كله ليس من البيت وإنما الداخل في حدود البيت ستة اذرع وشيء فمن استقبل ما زاد على ذلك لم تصح صلاته البتة ولا بد أن يستقبل شيئا شاخصا منه فإن استقيل ما ليس بشاخص مثل أن يصلي إلى الممر أو إلى ناحية الشام فإن الجدار الشامي من الحجر ليس مبنيا في الكعبة فعلى الوجهين المتقدمين.
فصل.
وأما صلاة الفرض في الكعبة حيث تصح صلاة النافلة ففيها روايتان.
إحداهما: أنها كصلاة النافلة على ما تقدم من الأحاديث لأن الفرض والنفل مستويان في جميع الشرائط والأركان إلا ما استثني من ذلك مثل القيام والصلاة على الراحلة في السفر حيث توجهت به ونحو ذلك فالتفريق بينهما في غير ذلك يحتاج إلى دليل ولأن الاستقبال الواجب في الفرض واجب في النفل على المقيم ولو لم يكن المصلي في البيت مستقبلا للقبلة لما صح فيها النفل ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لعائشة صلي في الحجر إذا اردت دخول البيت" ولم يفرق وقال للسادن أنه لا ينبغي أن يكون في قبلة البيت شيء يلهي المصلي ولم يفرق.

والرواية الثانية وهي المشهور نصا ومذهبا أن الفرض لا يصح في الكعبة لأن الله سبحانه قال: ﴿فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ أي نحوه وتلقاءه باجماع أهل العلم لأن الشطر له معنيان هذا أحدهما: والاخر بمعنى النصف وذلك المعنى ليس مرادا فتعين الأول وإذا كان الله قد فرض تولية الوجه نحو الكعبة وذلك هو الصلاة إليها فالمصلي فيها ليس بمصل إليها لأنه لا يقال لمن صلى في دار أو حانوت أنه مصل اليه.
وكذلك قال ابن عباس رضي الله عنهما إنما أمر الناس أن يصلوا إلى الكعبة ولم يؤمروا أن يصلوا فيها ولأن التوجه إليها إنما يكون باستقبالها كلها أي استقبال جميع ما يحاذيه منها فإذا استقبل بعضها فليس بموول وجهه إلى الكعبة بل إلى بعض ما يسمى كعبة ولأنه إذا استقبل البعض واستدبر البعض فليس وصفه باستقبالها باولى من وصفه باستدبارها بل استدبار بعضها ينافي الاستقبال المطلق ولهذا قال ابن عباس لا تجعل شيئا من البيت خلفك ذكره أحمد يبين هذا أن الله سبحانه أمر بالطواف به كما أمر بالصلاة إليه وإخراجها مخرجا واحدا في قوله تعالى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ وقال

تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ كما قال تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ ثم الطواف فيه لا يجوز فكذلك الصلاة فيه ولما وجب على الطائف أن يطوف به كله وجب على المصلي أن يستقبله كله واستقبال جميعه يحصل بان تكون القبلة كلها امامه وأن خرج بعضها عن مسامتة بدنه ومحإذاته فإن المطابقة ليس من معنى الاستقبال في شيء إذ لو كانت من معناه ما صح أن يستقبل الجسم الكبير للصغير ولا الصغير للكبير نعم لو خرج هو على مسامتتها ببعضه لم يكن مستقبلا لها فعلى هذا لا يصلي الفرض في الحجر نص عليه فقال لا يصلي في الحجر الحجر من البيت فأما الصلاة فإن نذر الصلاة في الكعبة جاز كما لو نذر الصلاة على الراحلة.
وأما أن نذر الصلاة مطلقا اعتبر فيها شروط الفريضة لأن النذر المطلق يحذى فيه حذو الفرائض فإذا نذره بصفة جائزة في الشرع قبل النذر يعتد بها كما لو نذر أن يهدي هديا لم يجزئه إلا ما يجزئ في الهدايا الواجبة ولو نذر أن يهدي دراهم أو دجاجة ونحو ذلك صح نذره وقد روى أصحابنا أن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت: "يا رسول الله اني نذرت أن اصلي في البيت فقال صلي في الحجر فإنه من البيت".
وهل المانع استدبار بعضه فقط أو استقبال جميعه شرط أيضا على

وجهين: أحدهما: أن المانع استدبار بعضه وقد أومأ إليه في رواية ابن القاسم وقد سئل عن الصلاة المكتوبة في الكعبة فقال في نفسي منه شيء وحكي عن ابن عباس أنه: كان ينكره ولأنه يجعل بعض البيت خلفه والتطوع أسهل والصلاة فوقه أشد من الصلاة فيه وفي بعض كتب أصحابنا هذه الرواية الصلاة فوقه أسهل من الصلاة فيه واظنه غلطا في الكتاب فعلى هذا إذا وقف على عتبة الباب أو على منتهى السطح بحيث لا يكون خلفه شيء أو وقف خارجا منه وسجد على بعضه كالحجر والشاذوران ونحو ذلك صحت صلاته.
والوجه الثاني: لا بد أن يستقبل جميعه فلا تصح صلاته في هذه الصور وهذا اقيس كالطواف فإن الطواف به لا فيه وكذلك الصلاة إليه لا فيه.
وأما صلاته صلى الله عليه وسلم في البيت فإنها كانت تطوعا ولذلك اغلق عليه الباب هو واسامة وبلال وعثمان بن طلحة وانما كان يصلي المكتوبة بالمسلمين كلهم في الجماعة العامة ولأن ذلك الوقت لم يكن وقت مكتوبة لأنه دخل مكة ضحى وفي تلك الساعة دخل البيت ثم صلى بالمسلمين صلاة الظهر في المسجد ولا يجب الحاق الفرض به لأنه صلى الله عليه وسلم صلى داخل البيت ركعتين ثم خرج فصلى إلى البيت ركعتين ثم

قال هذه القبلة فيشبه والله أعلم أن يكون ذكره لهذا الكلام في عقب الصلاة خارج البيت بيانا لأن القبلة المأمور باستقبالها هي البنية كلها لئلا يتوهم متوهم أن استقبال بعضها كاف في الفرض لاجل أنه صلى التطوع في البيت والا فقد علم الناس كلهم أن الكعبة في الجملة هي القبلة فلا بد أن يكون لهذا الكلام فائدة وعلم شيء قد يخفى ويقع في محل الشبهة وابن عباس روى هذا الحديث وفهم منه هذا المعنى وهو أعلم بما سمع لكن لم يبلغه حديث بلال أنه صلى الله عليه وسلم صلى داخل الكعبة فحمل الحديث على العموم في المكتوبة والتطوع فالواجب أن يوضع حديث ابن عباس موضعه وحديث ابن عمر موضعه ويعمل بكلا الحديثين يبين ذلك أنه صلى الله عليه وسلم لما صلى داخله أغلق عليه الباب وكانت الفرائض كلها إنما يصليها خارج البيت ولو كانت المكتوبة جائزة في البيت لكان يمكنه أن يصلي المكتوبة بالناس في الحجر تحصيلا لفضيلة اداء الفرض في الكعبة فلما لم يفعل شيئا من ذلك دل على أن ذلك خاص بالتطوع.
وهذا لأن الشارع يوسع في تجويزه على احوال شتى لا تجوز في المكتوبة خصوصا في أمر القبلة فإنه جوز التطوع للمسافر السائر إلى أي جهة توجه لقوله تعالى: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ﴾ لئلا يكون الاستقبال مانعا له من الصلاة فكذلك من دخل بيت

ربه واحب الصلاة لربه فيه لا يمكنه ذلك مع الاستقبال التام فعفي له عن كمال الاستقبال إذا اتى بالممكن منه تحصيلا لمقصود الزيادة وتحية البيت إذ كان هذا المقصود لا يمكنه فعله إلا في البيت وكان فرض كمال الاستقبال لا يمكن معه تحية البيت والصلاة فيه لله وذلك أمر مطلوب كما قلنا في صلاة المسافر سواء فأما الفرض فلا اختصاص له بمكان دون مكان فكانت المحافظة عى كمال الاستقبال الذي هو شرط أولى من فعله في نفس البيت ولا حاجة إلى فعله في البيت فلم يسقط فرض الاستقبال بحال ولهذا مضت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة خلفائه الراشدين بذلك إلا ترى أن الفرض لو كان مشروعا في البيت لكان ينبغي أن يقف الامام في الحجر ليحصل فضل الصلاة فيه والصلاة إليه فإن ذلك أكمل لو كان ممكنا من الصلاة إليه فقط ومعلوم أن هذا خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسنة المسلمين اجمعين.
فصل.
قال أكثر أصحابنا لا تكره الصلاة في الكنيسة والبيعة النظيفة.
وذكر ابن عقيل فيهما روايتان.
إحداهما: كذلك.
والثانية: تكره واختارها لأن فيه تعظيما لها وتكثيرا لجمعهم ولأنهم

ربما كرهوا دخولنا إليها فيكون غصبا ولأنها مواضع الكفر ومحل الشياطين فكرهت الصلاة فيها كما كرهت في المكان الذي حضرهم فيه الشيطان.
ووجه الأول ما روي عن عمر رضي الله عنه: "أنه صلى في كنيسة بالشام" رواه حرب وعن ابن عباس أنه: "لم يكن يرى بأسا بالصلاة في البيع إذا استقبل القبلة" وعن أبي موسى: "أنه صلى بحمص في كنيسة تدعى كنيسة حنا ثم خطبهم ثم قال أيها الناس انكم في زمان لعامل الله فيه اجر واحد وانكم سيكون بعدكم زمان يكون لعامل الله فيه اجران" وعن أبي راشد التنوخي قال: "صلى المسلمون حين فتح حمص في كنيسة النصارى حتى بنوا المسجد" رواهن سعيد ولم يبلغنا عن صحابي خلاف ذلك مع أن هذه الأقوال والافعال في مظنة الشهرة ولأنه صلى الله عليه وسلم قال: "جعلت لي الأرض مسجدا" ولم يستثن البيع والكنائس فيما

جارٍ التحميل