شرح العمدة لابن تيمية - كتاب الصلاةصفحات 264-303

تحت السرة".
وسواء في ذلك الحر والعبد لعموم الأدلة.
فصل الثاني.
في عورة المرأة الحرة البالغة وجميعها عورة يجب عليها ستر بدنها في الصلاة إلا الوجه وفي الكفين روايتان وذلك لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة والترمذي وقال حديث حسن وعن أم سلمة رضي الله عنهما أنها قالت: "إذا تنكشف أقدامهن قال فيرخينه ذراعا لا يزدن عليه" رواه أحمد والنسائي والترمذي وقال حديث حسن صحيح.
وعن ابن عمر أن نساء النبي صلى الله عليه وسلم سألنه عن الذيل فقال: "اجعلنه شبرا فقلن أن شبرا لا يستر من عورة فقال اجعلنه ذراعا" فكانت إحداهن إذا أرادت أن تتخذ ذراعا أرخت ذراعا فجعلته ذيلا" رواه أحمد وعن أم

سلمة: "أنها سألت النبي صلى الله عليه وسلم اتصلي المرأة في درع وخمار وليس عليها إزار قال: "إذا كان الدرع سابغا يغطي ظهور قدميها" رواه أبو داود والدارقطني والمشهور أنه موقوف على أم سلمة إلا أنه في حكم المرفوع لأنها زوج النبي صلى الله عليه وسلم ولا يجوز أن يخفى عليها مثل هذا من أمر النبي صلى الله عليه وسلم وهي مبتلاة بهذا الأمر ولا يجوز أن تفتي بخلاف ما تعلم منه صلى الله عليه وسلم.
وتبث بهذه الأحاديث أن قدميها ورأسها عورة يجب سترها في الصلاة فسائر بدنها أولى.
وأما الوجه فلا تستره في الصلاة إجماعا.
وأما الكفان إلى الرسغين ففيهما روايتان.
إحداهما: أنهما ليستا من العورة التي يجب سترها في الصلاة كما اختاره الشيخ رحمه الله وطائفة من أصحابنا لقوله سبحانه: {وَلا يُبْدِينَ

زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا} قال ابن عباس هو الوجه والكفان وهو كما قال لأن الوجه والكفين يظهران منها في عموم الأحوال ولا يمكنها سترهما مع العمل المعتاد ولأنه قال: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فأمرهن بإرخاء الخمر على الجيوب لستر أعناقهن وصدورهن فلو كان ستر الوجه واليدين واجبا لأمر كما أمر بستر الأعناق.
وعن أسماء رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا بلغت المرأة المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا وأشار إلى وجهه وكفيه" رواه أبو داود وذكره الإمام أحمد وقال فلا تكشف إلا وجهها ويدها ولأنه أذن للنساء في إطالة الذيول وفي حديث أمر سلمة أنها تصلي في درع سابغ ولم تذكر طول الكم بأمر ولا اشتراط فدل على أنه غير مشترط وأن الصلاة تجوز معه وأن لم يكن سابغا ولأن الكف لا يجوز أن تغطيه في الإحرام بلباس مصنوع على قدر فلم يكن من العورة كالوجه وعكسه القدمان ولأنها تحتاج إلى كشفه غالبا فأشبه الوجه ولأن مباشرة المصلي باليدين مسنون كالوجه لأن اليدين يسجدان كما يسجد الوجه خفضا ورفعا فإذا لم يكن سترهما مكروها فلا أقل من أن لا يكون واجبا.

ومن نصر هذه الرواية فله أن يبني ذلك على أن الوجه والكفين ليسا بعورة مطلقا بل يجوز النظر إليهما لغير شهوة.
وله أن يقول وأن كان في باب النظر فلا يلزم أن يسترا في الصلاة كالوجه وكالأمة الحسناء ونحو ذلك مما يجب ستره عن الأجانب ولا يجب ستره في الصلاة.
والثانية: هما عورة وهي اختيار الخرقي وكثير من أصحابنا لقوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ قال عبد الله بن مسعود الزينة الظاهرة الثياب وذلك لأن الزينة في الأصل اسم للباس والحلية بدليل قوله تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ﴾ وقوله سبحانه: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ﴾ وقوله تبارك وتعالى: ﴿وَلا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ﴾ وإنما يعلم بضرب الرجل الخلخال ونحوه من الحلية واللباس وقد نهاهن الله عن إبداء الزينة إلا ما ظهر منها وأباح لهن إبداء الزينة الخفية لذوي المحارم ومعلوم أن الزينة التي تظهر في عموم الأحوال بغير اختيار المرأة هي الثياب فأما البدن فيمكنها أن تظهره ويمكنها أن تستره ونسبة الظهور إلى الزينة دليل على

أنها تظهر بغير فعل المرأة وهذا كله دليل على أن الذي ظهر من الزينة الثياب.
قال أحمد الزينة الظاهرة الثياب وقال كل شيء من المرأة عورة حتى ظفرها وقد روي في حديث المرأة عورة وهذا يعم جميعها ولأن الكفين لا يكره سترهما في الصلاة فكانا من العورة كالقدمين ولقد كان القياس يقتضي أن يكون الوجه عورة لولا أن الحاجة داعية إلى كشفه في الصلاة بخلاف الكفين ولذلك اختلفت عبارة أصحابنا هل يسمى عورة أو لا فقال بعضهم: ليس بعورة وقال بعضهم: هو عورة وإنما رخص في كشفه في الصلاة للحاجة.
والتحقيق أنه ليس بعورة في الصلاة وهو عورة في باب النظر إذ لم يجز النظر إليه.
وقال الآمدي من أصحابنا من قال هو على الروايتين في اليدين ومنهم من قال ليس بعورة رواية واحدة وهو الصحيح وهذا الخلاف الذي حكاه هو عورة في الجملة وأما صحة الصلاة مع كشفه فلا خلاف بين المسلمين بل يكره للمرأة ستره في الصلاة كما يكره للرجل حيث

يمنع من إكمال السجود ومن تحقيق القراءة على ما يأتي أن شاء الله ذكره اللهم إلا أن تكون بين رجال أجانب وربما يذكر هذا أن شاء الله تعالى في غير هذا الموضع.
فأما المرأة المراهقة فعورتها كعورة الأمة ما لا يظهر غالبا لأن قوله عليه السلام: "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" يدل بتعليله ومفهومه على أن غير الحائض بخلاف ذلك وكذلك قوله في حديث أسماء: "إن المرأة إذا بلغت المحيض لم يصلح أن يرى منها إلا هذا وهذا" دليل على انتفاء ذلك قبل بلوغ المحيض وعن عائشة رضي الله عنها قالت: "دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت في حجري جارية فألقى علي حقوه فقال شقه بين هذه وبين الفتاة التي في حجر أم سلمة فإني لا أراها إلا قد حاضت أو لا أراهما إلا قد حاضتا" رواه أحمد وأبو داود.
والخنثى المشكل كالرجل في أشهر الوجهين لان الأصل براءة ذمته مما زاد على ذلك.
وفي الآخر هو كالمرأة لأنه لا يتبين براءة ذمته إلا بذلك وبكل حال فالمستحب له أن يستتر كالمرأة احتياطا.

الفصل الثالث: في عورة الأمة.
ولا يختلف المذهب أن رأسها مع العنق ويديها وقدميها ليس بعورة في الصلاة وقد نص أحمد على ذلك والمراد بذلك يداها إلى المرفقين وقدماها إلى الركبتين في المشهور.
وقال الآمدي القدمان إلى أنصاف الساقين وتسمى هذه الأعضاء ضواحيها لأنها تضحي أي تبرز غالبا وهو بمعنى قول الفقهاء ما يظهر غالبا وينبغي أن يكون المرفق والركبة مما لا يظهر غالبا لأن الحد الذي بين العورة وما ليس بعورة ملحق بالعورة كالحد الذي بين رأس الحرة ووجهها فإن عليها أن تستره لأن ستر الوجه لا يمكن إلا به وقد مضت السنة بالفرق بين الحرة والأمة في باب العورة ويذكر أن شاء الله في موضعه ما يجب أن تستره إذا خيف الافتتان بها ونحو ذلك.
والأصل في ذلك أن الله سبحانه قال: ﴿يَا أيها النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أن يُعْرَفْنَ فَلا يُؤْذَيْنَ﴾ الآية والجلابيب هي الملاحف التي تعم الرأس والبدن وتسميها العامة الأزر وتسمى الجلباب الملآة ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم:

"لتلبسها أختها من جلبابها" أي لتعيرها طرف الجلباب تلتحف به فتلتحف امرأتان بجلباب واحد فاختص الله سبحانه بالأمر بإدناء الجلابيب أزواج النبي صلى الله عليه وسلم وبناته ونساء المؤمنين ولم يذكر إماءه ولا إماء المؤمنين ولسن داخلات في نساء المؤمنين بدليل أن قوله تعالى: ﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ﴾ وقوله: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ وقوله: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ إنما عنى به الأزواج خاصة وإذا لم يكن داخلات في الأمر بالالتحاف بقين على أصل الإباحة لا سيما وتخصيص المذكورات بالحكم يدل على انتفائه فيما سواهن.
وكذلك قوله تعالى: ﴿وَلا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلا لِبُعُولَتِهِنّ﴾ الآية لم تدخل فيه الأمة لأنه لم يستثن سيدها ولأنه قد قال: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنّ﴾ وإنما يكون هذا للحرة وهذه كانت سنة المسلمين على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مع علمه بذلك فروى أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: "لما أولم النبي صلى الله عليه وسلم على صفية قال المسلمون إحدى أمهات المؤمنين أو ما ملكت يمينه فقالوا أن حجبها فهي إحدى أمهات المؤمنين وأن لم يحجبها فهي مما ملكت يمينه فلما ارتحل وطأ لها خلفه ومد الحجاب" متفق عليه فعلم بهذا أن ما ملكت أيمانهم لم

يكونوا يحجبونهن كحجب الحرائر وأن آية الحجاب خاصة بالحرائر دون الإماء وقد روى أبو حفص بإسناده عن أنس بن مالك أن عمر بن الخطاب رأى على أمة قناعا فتناولها بردته وقال لا تتبشهي بالحرائر.
وعن أبي قلابة أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان لا يدع أمة تقنع في خلافته وقال إنما القناع للحرائر وروى الأثرم بإسناده عن علي رضي الله عنه قال تصلي الأمة كما تخرج وهو كما قال علي رضي الله عنه فإن مثل هذا لا يجوز أن يخفى عليه من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ظاهر فإن الأمة إذا كانت تخرج مكشوفة الرأس بان تصح صلاتها هكذا كان أولى وأحرى فإن ما تستره المرأة عن الناس أشد مما تستره في الصلاة ولأنه إذا لم يكن الاختمار واجبا عليها ولا كانت عادة إمائهن ذلك فمعلوم أنهم لم يكونوا وقت الصلاة يضعون لهن خمرا ولا يغيرون لهن هيئة وهذا مما لا نعلم فيه خلافا.
إذا ثبت ذلك فلا يختلف المذهب أيضا أن ما بين السرة إلى الركبة منها عورة.
وقد حكى جماعة من أصحابنا رواية أن عورتها السوءتان فقط كالرواية في عورة الرجل وهو غلط قبيح فاحش على المذهب خصوصا

وعلى الشريعة عموما فإن هذا لم يقله أحد من أهل العلم وكلام أحمد ابعد شيء عن هذا القول وإنما كان يفعل مثل هذا أهل الجاهلية حين كانت المرأة الحرة والأمة تطوف بالبيت وقد سترت قبلها ودبرها تقول.
اليوم يبدو بعضه أو كله.
وما بدا منه فلا احله.
حتى نهى الله تعالى عن ذلك وأمر بأخذ الزينة عند المساجد وسمى فعلهم فاحشة وإنما وقع الوهم فيه من جهة أن بعض أصحابنا قال عورة الأمة كعورة الرجل بعد أن حكى في عورة الرجل الروايتين وإنما قصد أنها مثله في المشهور في المذهب.
ثم اختلف أصحابنا فيما عدا ضواحيها وما بين السرة والركبة وهو الظهر والصدر والمنكب ونحو ذلك هل هو عورة في الصلاة على وجهين.
ومنهم من يحكيه على روايتين لأنه قد أومأ إليهما ومنهم من يقول أن المنصوص عورة.
أحدهما: أنه ليس بعورة كما ذكره الشيخ رحمه الله وهو قول أبن حامد وأبي الخطاب وابن عقيل لما روى أبو داود في سننه عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إذا زوج أحدكم خادمه أو

عبده أو أجيره فلا ينظر إلى ما دون السرة وفوق الركبة" والمراد بالخادم الأمة وإذا جاز للسيد النظر إلى ذلك مع أنها حرام عليه لم يكن عورة.
والثاني: هو عورة قاله القاضي في الجامع وابنه أبو الحسين وذكر أنه منصوص أحمد وهو اختيار أبي الحسن الآمدي وهو أشبه بكلام أحمد واصح لأن عليا رضي الله عنه قال تصلي الأمة كما تخرج ومعلوم أنها لا تخرج عارية الصدر والظهر ولأن الفرق بين الحرة والأمة إنما هو في القناع ونحوه كما دلت عليه الآثار ولأنهن كن قبل أن ينزل الحجاب مستويات في ستر الأبدان فلما أمر الحرائر بالاحتجاب والتجلبب بقي الإماء على ما كن عليه.
فأما كشف ما سوى الضواحي فلم يكن عادتهن ولم يأذن لهن في كشفه فلا معنى لإخراجه من العورة ولأن الله تعالى أمر بأخذ الزينة عند كل مسجد وقميص الأمة ورداؤها من زينتها بخلاف الخمار ولأن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى الرجل أن يصلي في الثوب الواحد ليس على عاتقه منه شيء".

تكميلا للتزين بستر المنكب فكيف يأذن للامة أن تصلي وظهرها وصدرها مكشوف مع العلم بان انكشاف ذلك منها أشد قبحا وتفاحشا من انكشاف منكب الرجل ولأن الأصل أن عورة الأمة كعورة الحرة كما أن عورة العبد كعورة الحر لكن لما كانت مظنة المهنة والخدمة وحرمتها تنقص عن حرمة الحرة رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة وتمييز الحرة عليها وذلك يحصل بكشف ضواحيها من رأسها وأطرافها الأربعة فأما الظهر والصدر فباق على الأصل.
والحديث المتقدم لا دليل فيه لأنه لا يلزم من إباحة النظر إليها بالملك أن يكون المنظور ليس بعورة فإن النظر يباح من المالك والمملوك وذوي المحارم إلى أشياء يجب سترها في الصلاة لكن نظر الزوج والسيد المباح لهما الوطء اعم من نظر غيرهما.
فصل.
وسواء في ذلك الأمة المزوجة والمتسراة غير المستولدة والمدبرة والمكاتبة والمعلق عتقها بصفة لأن رقهن باق بحاله وما انعقد لهن من أسباب الحرية ليس بلازم وقد تقدم حديث أنس في صفية بأنه دليل على أن السرية لم تكن تحجب حجب الزوجة هذا قول أكثر أصحابنا

وقال أبو علي بن البناء حكم المكاتبة والمدبرة والمعلق عتقها بصفة حكم أم الولد والمعتق بعضها لأنه قد انعقد لهن سبب الحرية فخرجن عن محض العبودية فرجعن إلى الأصل.
وأما أم الولد فقد نص أحمد على أنها تصلي كما تصلي الحرة لأنه انعقد لها سبب الحرية لازما وينجر لها من أحكام الحرية أنها لا تباع ولا توهب ولا توقف ولا ينقل الملك في رقبتها فصار فيها شائبة الحرية فغلب حكمها لوجهين.
أحدهما: أنه لا يمكن تمييز حق الحرية عن حق العبودية والعمل بمقتضى ما فيها من الحرية واجب وهو لا يمكن إلا بان تكون كالحرة وما لا يتم الواجب إلا به فواجب.
والثاني: أن الأصل أن السترة في الأمة والحرة سواء وإنما ترك ذلك في الأمة المحضة لما فيها من معنى الابتذال والإمتهان وهذا غير مقصود في أم الولد.
ثم اختلف أصحابنا هل هذا على سبيل الوجوب أو الاستحباب على وجهين وذكر القاضي وأبو الخطاب وغيرهما في ذلك روايتين.
إحداهما: أنه على سبيل الاستحباب كما ذكره الشيخ رحمه الله وهو اختيار الخرقي وغيره فيكره لها كشف رأسها لكن لا تبطل صلاتها أن صلت مكشوفة لأنها أمة فأشبهت المكاتبة ولأنها مال بدليل أنها تقوّم

بالقيمة إذا قتلت أو ماتت تحت اليد العادية فتكون كسائر الإماء وما فيها من منع التصرف في رقبتها لا يخرجها عن ذلك كالأمة الموقوفة وما فيها من انعقاد سبب الحرية لا يوجب أخذ أحكام الحرية كالمدبرة ولقد ميزت على غيرها لما فيها من شوب الحرائر بكراهة كشف رأسها.
والثاني: على سبيل الوجوب لما تقدم.
وأما المعتق بعضها فهي على هذا الخلاف المذكور إلا أن القول بالوجوب هنا هو القوي عند أصحابنا لأن فيها جزءا حرا فوجب أن يعطى حكم الحرة وذلك لا يمكن إلا بستر جميعها فيجب لأن ما لا يتم الواجب إلا به فواجب ولهذا قلنا فيما لا يمكن تقسيطه من الأحكام مثل الطلاق أنه يكمل فإن المعتق نصفه يطلق ثلاثا لأنه لا يمكن أن يطلق طلقتين وربعا.

مسألة: (ومن صلى في ثوب مغصوب أو دار مغصوبة لم تصح صلاته).
هذا أشهر الروايتين عن الإمام احمد.
والأخرى تصح صلاته مع التحريم وهي اختيار الخلال قال الآمدي وهذا في الفرض فأما النفل فتبطل رواية واحدة لأن المقصود به القربة وهي لا تحصل بالمحرمات بخلاف الفرض فإنه يقصد به القربة وبراءة الذمة فإذا بطلت القربة تبقى براءة ذمته وأكثر أصحابنا أطلقوا الخلاف وهو الصواب لأن منشأ القول بالصحة أن جهة الطاعة مغايرة لجهة المعصية فيجوز أن يثاب من وجه ويعاقب من وجه كما تبرأ الذمة فإنها لا تبرا إلا بامتثال الأمر وامتثال الأمر طاعة والصلاة في الثوب الحرير ممن يحرم عليه لبسه على هذا خلاف لأن المذهب أنه حرام.
وكذلك من لبس ثوبا فيه تصاوير إذا قلنا أنه حرام قال أبو عبد الله السامري كل من صلى في سترة يحرم عليه لبسها ولا سترة عليه غيرها كره له ذلك وهل تبطل صلاته على روايتين وذلك مثل المغصوب وما اشتري بعين مال الحرام في حق الرجال والنساء ومثل الحرير وما غالبه

الحرير وما نسج بالذهب ونحو ذلك في حق الرجال.
ووجه الإجزاء أن تحريم ذلك لا يخص الصلاة فأشبه من صلى وهو حامل ثوبا مغصوبا ولأن النهي عن الصلاة في المكان والثوب المغصوبين ليس لمعنى في نفس الصلاة كالصلاة مع الحدث والنجاسة وإنما هو لمنع في غيرها وهو ما فيه من ظلم الغير والانتفاع بملكه بغير إذنه وهذه جهة غير جهة العبادة فيكون مطيعا من حيث هو مصلي عاصيا من حيث هو غاصب.
ووجه الأول ما روت عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: "من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد" متفق عليه ومعنى رد أي مردود وفي لفظ: "من صنع أمرا علي غير أمرنا فهو مردود" رواه أحمد وهذه الصلاة ليس عليها أمر الله ورسوله بل هي على غير أمر الله ورسوله ولأنه منهي عن هذه الصلاة فلا يكون مأمور بها فلا يكون قد فعل ما أمر به فيبقى في عهدة الأمر.
وقولهم النهي لمعنى في غير المنهي عنه وهي مأمور بها من وجه آخر ليس بجيد لأن هذه الصلاة المعينة لم يأمر الله بها قط بل نهى عنها لمعنى فيها ولمعنى في غيرها فإن التقرب إلى الله بالحركات المحرمة وبالزينة المحرمة توجب أن تكون المفسدة في نفس حركات الصلاة ونفس الزينة التي هي شرط الصلاة وأنه نهى عن غير هذه الصلاة لمعنى يعود إليها كما

هو منهي عن الصلاة في المكان النجس وبالثوب النجس وأولى فإن اشتراط حل المكان واللباس أولى من اشتراط طهارته لما فيه من تعلق حق الغير به يبين ذلك أنا إنما علمنا كون النجاسة مفسدة للصلاة بالنهي عنها والنهي عن لبس الحرير ولبس المغصوب والاستقرار في المكان المغصوب أشد ولأن النهي يقتضي فساد المنهي عنه إذ لو كان فعلا صالحا صحيحا لما نهي عنه ولأن الصلاة طاعة وقربة والحركات في هذا الثوب والمكان معصية والشيء الواحد لا يكون طاعة ومعصية مع اتحاد عينه فإنه جمع بين النقيضين.
وحقيقة المسألة أن السترة والمكان شرط لصحة الصلاة كالطهارتين والأركان ومتى أتى بفرائض الصلاة على الوجه المنهي عنه لم يكن ما أتى به هو المفروض فلم يصح إتيانه به وبهذا يظهر الفرق بين هذا وبين من ارتكب في الصلاة محظورا لا تعلق له بواجباتها مثل لبس خاتم الذهب وحمل المغصوب فإن ذلك معصية منفصلة عن العبادة وأن كانت فيها فأشبهت الظلم والبغي للصائم والمحرم فإن هذه المعاصي تقابل الثواب أن كانت بقدره مع براءة الذمة من عهدة الواجب فيبقى لا له ولا عليه لا يعاقب عقوبة التارك ولا يثاب ثواب الفاعل كما في الحديث رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش ورب قائم حظه من قيامه السهر أما إذا كان شرط صحة العبادة التي لا تتم إلا به أو شرط وجوبها

الذي به يمكن أداؤها أيضا مفعولا على الوجه المحرم كالماء والتراب في الوضوء والتيمم وكالزينة والبقعة في الصلاة وكالمال في الحج فإنه يكون متقربا إلى الله بنفس ما حرمه ومطيعا له بقدر ما حرمه والتقرب إلى الله والطاعة له بفعل ما حرمه محال ولا يصح ولا يجزئ.
ولو كان عليه ثوبان أحدهما: محرم فقال أكثر أصحابنا لا يصح أيضا لأن المباح لم يتعين ساترا سواء كان فوقانيا أو تحتانيا إذ أيهما قدر عدمه ستر الآخر وكذلك لو كان بعض الثوب مغصوبا ولم يكن ساترا لشيء من العورة لأنه تابع للساتر.
ومنهم من خص الروايتين بمن صلى في سترة يحرم عليه لبسها ولا سترة عليه غيرها.
فأما تكة السراويل أن كانت غصبا أو حريرا فالمنصوص عن أحمد التوقف عن الإعادة إذا صلى بها فتخرج على وجهين.
وقال أبو بكر والقاضي وغيرهما حكمهما حكم السراويل لأنها من مصالحه.
وأما عمامة الغصب والحرير ففيها وجهان.
أحدهما: لا يبطل اختاره ابن عقيل وأبو محمد لأنها ليست مما

يجب للصلاة فأشبهت خاتم الذهب.
والثاني: يبطل اختاره القاضي لأنها وأن لم تكن شرطا فهي من جنس الشرط لأنها لباس وهي ملحقة في الاستحباب فألحقت به في الحكم كما تلحق اللفافة الثانية والثالث: ة بالأولى في قطع النباش إذ شاركتاها في الاستحباب وأن لم تحلق بها الرابع: ة والخامس: ة لما لم تكن مستحبة.
فان لم يجد غير المغصوب فهو كما لو وجد غيره إذا كان التحريم باقيا.
وأما الثوب الحرير إذا لم يجد غيره فتصح صلاته فيه لزوال التحريم.
وقيل هو كالصلاة في الثوب النجس إذا لم يجد طاهرا وهذا ضعيف لأن المقتضي للفساد الحرمة وقد زالت فأشبه ما لو كان المصلي فيه امرأة أو كان قد لبسه لحكة أو جرب وأولى فإن لبسه عند عدم غيره جائز إجماعا.
ولو كان جاهلا بأن المكان أو الثوب محرم أما لعدم علمه بأنه مغصوب كرجل صلى في مسجد مدة أو في دار ثم علم أنه مكان

مغصوب ورجل لبس ثوبا هو حرير وهو لا يعلم أنه حرير أو لعدم علمه بأن الحرير محرم أو بان القعود في هذا المكان حرام ونحو ذلك فلا إعادة عليه هنا سواء قلنا أن الجاهل بالنجاسة يعيد أو لا يعيد لأن عدم علمه بالنجاسة لا يمنع العين أن تكون نجسة وهنا إذا لم يعلم بالتحريم لم يكن فعله معصية بل يكون طاعة وأن وجب عليه ضمان لحق ادمي.

فصل.
ولا فرق في المكان المغصوب أو الثوب المغصوب بين أن يكون قد غصب الرقبة بيد قاهرة أو دعوى فاجرة وبين غصب منافعها بان يدعي إجارتها دعوى كاذبة أو يسكنها مدة بدون أذن أربابها ولا فرق بين غصب القرار وغصب الهواء مثل أن يخرج روشنا أو ساباطا في موضع لا يحل له ولا فرق بين أن يجعل المغصوب دارا أو مسجدا مثل أن يغصب أرضا فيبنيها مسجدا أو يبني المسجد في الطريق الضيقة.
ولا فرق بين أن يغصب جميع البقعة أو جزءا مشاعا منها مثل أن يكون بينه وبين غيره أرض مشتركة فيغصبه حصته وكذلك لو كان بعض بدنه في موضع مباح وبعضه في موضع محرم لم تصح صلاته كما لو كان بعض موضعه طاهرا وبعضه نجسا.
فإن صلى على راحلة مغصوبة أو سفينة مغصوبة فهو كالأرض المغصوبة لأنها مستقر له ينتقل بانتقالها ويقف بوقوفها وأن صلى على فراش مغصوب كالبساط والحصير والمصلى ففيه وجهان.
وإن صلى على سرير مغصوب ففيه وجهان أظهرهما البطلان.
وإن غصب مسجدا بان حوله عن كونه مسجدا بدعوى ملكه أو وقفه

على جهة أخرى أو تغيير بنيته لغير الصلاة لم تصح الصلاة فيه وأن بقاه مسجدا ومنع الناس من الصلاة فيه ففيه وجهان.
أحدهما: تصح وهو اختيار طائفة من المتأخرين قال ابن عقيل لأنه لم يصح غصبه حكما بمعنى أنه لو تلف المسجد في مدة منعه لم يلزمه ضمانه كالحر إذا غصب وإذا لم يصح غصبه حلمت صلاته فيه ولأن صلاته فيه ولبثه فيه غير محرم وإنما المحرم منع الغير منه فيكون هذا مستثنى من غصبه إياه كما استثنيت مواقيت الصلاة في حق العبد الأبق.
والثاني: لا يصح وهو قول قوي لقوله سبحانه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أولئك مَا كَانَ لَهُمْ أن يَدْخُلُوهَا إلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ فعاقب الله سبحانه من منع المساجد أن يذكر فيها اسم الله وسعى في خرابها بمنع العمار الذين يعمرونها بذكر الله بان حكم عليه بأنه ليس له أن يدخلها إلا خائفا فيكون هذا الغاصب ممنوعا من لبثه في هذا المسجد عقوبة على منعه الناس واستثناؤه ودخوله خائفا دليل على ثبوت المنع لأنه أما أن يكون خائفا من الله تعالى أن يعاقبه وذلك دليل على أن دخوله سبب العقوبة فيكون حراما وأما أن يكون خائفا من الخلق بتسليط الله

إياهم عليه عقوبة له وإذا كان الله قد عاقبه بان جعله لا يدخل إلا خائفا كان دخوله سببا لحصول الخوف له والخوف عقوبة فلا يكون الدخول إليها مأذونا فيه لأن ما أذن الله فيه لم يجعله سببا للعقوبة ولأن الله تعالى منعه أن يدخل إلا معاقبا بالخوف فعلم أن الدخول ليس مباحا مع مقامه على منع غيره لأن ما أبيح لا يشترط في الإذن فيه حصول عقوبة ولأن دخول المسجد وأن كان مباحا لكن إباحة الشيء قد تكون شرطا بالكف عن محرمات تتعلق بجنسه كما قال تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأَنْعَامِ إلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾ فإنما أباح الأنعام لمن يعتقد تحريم الصيد في الإحرام فمن لم يلتزم هذا التحريم لم يكن مأذونا له في ذلك المباح من جهة الشارع فكذلك الدخول إلى المسجد يجوز أن يكون مشروطا برعاية حرمته والكف عن منع عباد الله من بيته وذلك أن المسجد إنما أبيح له أن يدخله بوصف الاشتراك فأما دخوله بوصف الانفراد فليس بجائز كمن منع غيره من أخذ المباحات ليأخذها هو مثل أن يمنعه عن الاحتشاش والاحتطاب والاصطياد ثم يأخذ ما منعه منه فإن هذا حرام وأن كان مباحا لو لم يمنع غيره وكذلك لو منع الناس أن يبيعوا أموالهم ليبيع هو ماله كان بيعه حراما لأنه إنما باعه على الوجه المحرم وهو بمنزلة المكره على الشراء منه.
وأيضا فمن صور هذه المسألة إذا احتجر موضعا من المسجد ومنع الناس من الصلاة فيه مثل المقصورة وقد كان السلف يكرهون الصلاة في المقصورة ويرون الصف الأول الذي يلي المقصورة ولولا أنهم اعتقدوا

إن دخولها مع الاحتجار منهي عنه لم ينهوا عن الصلاة في مقدم المسجد بل لما كرهت الصلاة فيها صارت كأنها ليست من المسجد فكيف يصح مع هذا أن يكون دخوله ولبثه غير محرم إذا دخل على هذا الوجه.
وأما قول ابن عقيل أن المسجد لو تلف في مدة منعه لم يلزمه ضمانه فليس الأمر كذلك بل المسجد عقار من العقار يضمن بالإتلاف إجماعا ويضمن بالغصب عند من يقول أن العقار يضمن بالغصب وهو المشهور في المذهب ومن لم يضمنه بالغصب لم يفرق بين المسجد وغيره ولا خلاف أنه متقوم تقوم الأموال بخلاف الحر فإنه ليس بمال نعم هو يشبه العبد الموقوف على خدمة الكعبة فإنه ليس له مالك معين ومع هذا فهو مضمون بالغصب بلا تردد وكذلك المال الموقوف على مصالح المسجد حكمه من هذا الوجه.

مسألة: (ولبس الحرير والذهب مباح للنساء دون الرجال إلا عند الحاجة لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحرير والذهب: "هذان حرام على ذكور أمتي حل لإناثها").
هذا الحديث رواه أبو موسى عن النبي صلى الله عليه وسلم رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه ورواه أيضا علي بن أبي طالب رضي الله عنهولفظه: "إن نبي الله صلى الله عليه وسلم أخذ حريرا فجعله في يمينه واخذ ذهبا فجعله في شماله ثم قال: "إن هذين حرام على ذكور أمتي حل لإناثهم" رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة.
والكلام في فصلين.
أحدهما: في الحرير فإنه حرام على الرجال كما ذكر في الحديثين المذكورين وقد استفاضت الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بتحريمه فروى عمخر وأنس رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم: "أنه قال من لبس الحرير في الدنيا

لم يلبسه في الآخرة" متفق عليهما وأخرجه البخاري أيضا من حديث ابن الزبير ومسلم من حديث أبي أمامة وعن حذيفة بن اليمان والبراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن لبس الحرير والديباج" متفق عليهما ويحرم بيعه من رجل يلبسه والإعانة على لبس الرجل إياه بتفصيل أو تخييط أو غير ذلك والثمن والأجرة التي تؤخذ عليه بهذا السبب من الخبائث.
فأما بيعه مطلقا فيجوز إذا أمكن أن يلبسه رجل وامرأة وكذلك صنعته على وجه يشترك في لبسه الرجال والنساء مثل البندك.
وأما النساء فيباح لهن لبسه للحديث المذكور ولما روى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال: "أهديت للرسول صلى الله عليه وسلم حلة سيراء فبعث بها إلى فلبستها فعرفت الغضب في وجهه فقال: "إني لم ابعث بها إليك لتلبسها

إنما بعثت بها إليك لتشققها خمرا بين النساء" متفق عليه وعن ابن عمر رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إنما يلبس الحرير في الدنيا من لا خلاق له في الآخرة" فلما كان بعد ذلك: "أتي بحلل فبعث إلى أسامة بن زيد بحلة فراح أسامة في حلته فنظر إليه نظرا عرف أنه قد أنكر ما صنع فقال أسامة يا رسول الله ما تنظر إلى بعثت بها إلى فقال: "لم ابعثه بها إليك لتلبسها ولكن بعتها لتشققها خمرا بين نسائك" رواه مسلم.
ومن حرم عليه لبسه حرم عليه سائر وجوه الاستمتاع به مثل الجلوس عليه والاستناد إليه وتعليقه ستورا فإن لفظ اللباس يشمل ذلك بدليل قول أنس ولنا حصير قد اسود من طول ما لبس وقد جاء ذلك صريحا فروى أبو إمامة أنه دخل على خالد بن يزيد فألقى له وسادة فظن أبو إمامة أنها حرير فتنحى وقال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يستمتع بالحرير من يرجو أيام الله" رواه أحمد وعن حذيفة بن اليمان قال: "نهانا النبي صلى الله عليه وسلم أن نشرب في آنية الذهب والفضة وأن نأكل فيها وعن لبس الحرير

والديباج وأن نجلس عليه" رواه البخاري وعن البراء بن عازب أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن المياثر الحمر" متفق عليه ورواه الترمذيولفظه: "نهى عن ركوب المياثر.
والمياثر المراكب التي تكون على الرحل والسرج سميت مياثر لدثارتها وليها ومنه الوثر والوثير وهو الفراش الطوىء.
قال أبو عبيد وأما المياثر الحمر التي جاء فيها النهي فإنها كانت من مراكب الأعاجم من ديباج أو حرير.
وعن علي بن أبي طالب قال: "نهاني يعني النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي وعن الجلوس على المياثر والمياثر شيء كان يجعله النساء لبعولتهن على الرحل كالقطايف الأرجوان" رواه مسلم ولأن تحريمه إنما هو والله أعلم لما فيه من السرف والفخر والخيلاء ونحو ذلك وذلك موجود في لبسه على البدن وفي افتراشه وجعله ستورا بل ربما كان ذلك بغير اللبس أعظم إلا أنه ارخص فيه للنساء لأن بهن حاجة إلى التزين للبعولة في الجملة كما ارخص لهن في التحلي بالذهب وكما ارخص لهن في إطالة الثياب لمصلحة الستر ولأنهن خلقن في الأصل ناقصات

محتاجات إلى ما يتجملن به ويتزين قال سبحانه: ﴿أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ﴾ ويباح لهن افتراشه والاستناد إليه كما يباح لهن لبسه على أبدانهن في المشهور من المذهب الذي عليه جمهور أصحابنا.
قال ابن عقيل لا يباح ذلك لأن حاجة المرأة إنما هي إلى لبسه على بدنها دون افتراشه وتوسده ولأنه أحد المحرمين فلم يبح للنساء منه إلا ما تبع أبدانهن كالذهب.
ووجه الأول عموم أحاديث الرخصة ولأن ذلك كله لباس وقد أبيح لهن لباس الحرير.
فصل.
وما يحرم على الرجال فإنه عام في حق الكبير والصغير في المشهور من الروايتين.
وفي الأخرى لا بأس بإلباسه الصبي لأنه غير مكلف ولأنه ضعيف العقل فأبيحت له الزينة كالمرأة كما يباح له من اللعب ما لا يباح للبالغ بحيث لا يمنع منه.

ووجه الأول عموم النهي فإنه قال حرام على ذكور أمتي ولم يفرق بين الكبير والصغير ومعنى التحريم في الصغير أنه يمنع منه كما يمنع من شرب الخمر ومن الكذب وغير ذلك من المحرمات وأن كافله يأثم بتمكينه من ذلك وأن لكل واحد ولاية منعه من ذلك لأنه من باب النهي عن المنكر ولما روي عن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنهما قال: "كنا ننزعه عن الغلمان ونتركه على الجواري" رواه أبو داود.
ومعلوم أنهم إنما يفعلون هذا مفرقين هذا التفريق بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنهم لا يقدمون على نزع لباس كانوا يلبسونه أولادهم ثم ينزعونه عن أحد الصنفين دون الآخر إلا عن توقيف وأيضا كما روي أن عبد الرحمن بن عوف دخل على عمر ومعه ابنه محمد عليه قميص من حرير فادخل عمر يده في جيبه فشقه فقال عبد الرحمن بن عوف فزعت الصبي أطرت قلبه فقال عمر تلبسونهم الحرير وعن عبد الرحمن بن يزيد قال كنت جالسا عند عبد الله بن مسعود فاتاه ابن له صغير وقد ألبسته أمه قميصا من حرير وهو معجب به فقال له يا بني من ألبسك قال أمي قال أدنه فدنا منه فشقه ثم قال اذهب إلى أمك فلتلبسك ثوبا غيره وعن

سعيد بن جبير قال: "قدم حذيفة من سفر وعلى صبيانه قمص من حرير فمزقه على الغلمان وتركه على الجواري" رواهن الخلال وهذا كله دليل على أنهم فهموا من الحديث عموم التحريم في الرجال وعمر وحذيفة من رواة حديث التحريم فهم أعلم بمعنى ما سمعوا ولأن ذلك إجماع منهم فإنه لم يبلغنا أحدا منهم ارخص فيه وعبد الرحمن لم يخالف عمر في إنكاره عليه إلباسه الحرير بل اقره على إنكاره عليه إلباسهم الحرير وإنما قال له أفزعت الصبي فعلم أنه وافق عمر على أن الصبيان ممنوعون من لبس الحرير وأن ذلك الإلباس أما يكون من فعل النساء ويكون عبد الرحمن لم يكن سمع النهي وقد روي أنه قاس ابنه على نفسه لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان قد ارخص له في لبس الحرير للحكة فقال له عمر أنه ليس مثلك وهذا دليل على أن أحدا منهم لم يفرق بين الصغير والكبير ولأن تزيين الغلام بما تزين به الجارية ليس بجائز لأنه ليس محلا للشهوة بل يجب صونه عما يشبه به النساء ويصير به بمنزلة المخنث فإن ذلك سبب لاعتياده التشبه بالنساء وتخنيثه إذا كبر وربما كان سببا للفتنة به إلى غير ذلك من المفاسد.
وأما إلباسه الذهب فالمنصوص عنه فيه التحريم لكن أصحابنا اجروا فيه الروايتين لعدم الفرق بينه وبين الحرير.

فصل.
ويباح لبس الحرير وهو ما كان أربع أصابع مضمومة إذا كان تابعا لغيره مثل العلم والرقعة في الثوب ولبنة الجيب الذي تسميه العامة الزيق وسجف الفراء وغيرها والإزرار وكف الأكمام والفروج به وطرف العمامة هذا هو المذهب المنصوص عنه في عامة جواباته.
وقد روي عنه كراهة العلم لأن ابن عمر كان ينزعه من الثوب قال وهو أسهل من المصمت قال الخلال ذكر حنبل عن أبي عبد الله العلم في موضعين أحدهما: توقف فيه والآخر أباحه على رواية أصحابه وهو إجماع التابعين وذلك لما روى عمر ابن الخطاب رضي الله عنه قال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس الحرير إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" رواه الجماعة إلا البخاري وفي لفظ: "احمد وأبي داود وأشار بكفه وذلك إنما

يكون إذا كانت مضمومة فإنها إذا فرقت كان موضعها أكثر من أربع أصابع لأجل الفرج وعن أسماء ابنة أبي بكر رضي الله تعالى عنهما: "أنها أخرجت جبة طيالسة عليها لبنة شبر من ديباج كسرواني وفرجيها مكفوفين به فقالت هذه جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يلبسها كانت عند عائشة فلما قبضت عائشة قبضتها إلى فنحن نغسلها للمريض يستشفي بها" رواه أحمد ومسلم وهذا لفظ أحمد وفي رواية قالت: "يا جارية ناوليني جبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجت جبة طيالسة مكفوفة الجيب والكمين والفرجين بالديباج" رواه أبو داود وابن ماجة وعن معاوية بن أبي سفيان أن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن لبس الحرير إلا مقطعا" رواه احمد.
فأما اليسير المفرد كالتكة والشرابة والمنطقة والخيط ونحو ذلك فيحرم في المنصوص لأنه نهى عن الحرير إلا مقطعا والمقطع المفرق في غيره وكذلك قوله عليه السلام: "إلا موضع إصبعين أو ثلاثة أو أربعة" يدل على أنه موضوع في غيره ولأنه قرن الحرير بالذهب والذهب يحرم

منفردا فكذلك الحرير ولأن الذهب والفضة في الآنية والذهب في اللباس إنما يباح يسيره إذا كان تابعا فكذلك يسير الحرير لأن هذه الأشياء تجتمع في السرف والفخر والخيلاء.
ولو لبس ثيابا في كل ثوب حرير يسير بحيث لو جمع ما في جميعها صار ثوبا جاز ذلك وأن لم يجز لبس ذلك الحرير لو جمع ونسج ثوبا على حده لأن هذا هو معنى قوله نهى عن لبس الحرير إلا مقطعا فإنه إذا فرق في الثياب صار مقطعا لأن كل ثوب له حكم نفسه.
فصل.
فان نسج مع الحرير غيره كالقطن والكتان والوبر والصوف ونحو ذلك فالذي ذكره أكثر المتأخرين من أصحابنا القاضي وأصحابه ومن بعدهم أنه أن كان الحرير هو الغالب حرم وأن كان الحرير هو الأقل جاز قال بعضهم: قولا واحدا.
وإن استويا فوجهان.
أحدهما: يحرم أيضا وهو أشبه بكلام أحمد لأن الرخصة إنما جاءت في اليسير الذي هو مقدار أربعة أصابع وفي الخز فألحقنا بذلك ما إذا كان الحرير هو الأقل لأن الحكم للأكثر أما إذا تتساويا فأحاديث التحريم تعمه ولم يجيء فيه رخصة ولأنه قد تعارض المبيح والحاظر فغلب الحاظر كالمتولد من بين ما يؤكل وما لا يؤكل

والآخر يكره ولا يحرم لما روى ابن عباس قال: " إنما نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الثوب المصمت من الحرير" قال ابن عباس فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به" رواه أبو داود وأحمد احتج به ولأنه قد تعارض الحاظر والمبيح فيرجع إلى الأصل وهو الحل وإذا شككنا هل هو من القسم المباح أو القسم المحرم كره لبسه ولا يثبت التحريم بالشك.
وجعل بعض المتأخرين من أصحابنا الملحم والقنسي والخز من صور الوجهين وجعل التحريم قول أبي بكر لأنه حرم الملحم والقسي.
والإباحة قول ابن البناء لأنه أباح الخز وهذا مع أن أبا بكر قال:

ويلبس الخز ولا يلبس الملحم ولا الديباج وقال: "نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن لبس القسي وعن الحرير والذهب".
وأما المنصوص عن أحمد وقدماء الأصحاب فإباحة الخز دون الملحم وغيره وهذا أكثر في كلامه قال اكره لباس الملحم للرجال فأما الخز فلا بأس به الخز ثخين يلي الجلد والحرير لا يكاد يستبين من تحته وقال أيضا يكره لباس الملحم إلا الخز فإنه على جلده الخز وقال لا يعجبني إلا الخز قد لبسه القوم وأما هذا الملحم المحدث فما يعجبني وسئل في موضع آخر عن الثوب سداه حرير ولحمته قطن فقال هذا يشبه بالخز لأن الخز سداه حرير وهو الذي لبسه أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم.
وكره هذا لأن سداه قطن وهو محدث وكذلك ذكر أبو بكر وعامة قدماء الأصحاب أن الخز الذي لبسته الصحابة رضوان الله عليهم مباح وكرهوا الملحم وغيره وصرحوا بأن هذه كراهة تحريم فمن زعم أن في الخز خلافا فقد غلط.
والأصل في إباحة الخز ما روى عبد الله بن سعد عن أبيه قال: "رأيت رجلا نجارا على بغلة بيضاء عليه عمامة خز سوداء فقال: كسانيها

رسول الله صلى الله عليه وسلم" رواه أبو داود وقد صح عن خلق من الصحابة أنهم لبسوا الخز وارخصوا فيه منهم عبد الرحمن بن عوف وأبو قتادة وعمران بن حصين وعائشة والحسن بن علي وأبو هريرة وابن عباس وابن الزبير وابن عمر وابن أبي أوفى وانس بن مالك وأبو أبي الأنصاري ابن أم حرام ووابصة ومروان في أوقات متفرقة ولم ينكر ذلك أحد فصار إجماعا فثبت إباحة الخز وهو الذي يكون سداه حريرا ولحمته وبرا أو صوفا ونحوه وكذلك في حديث ابن عباس فأما العلم من الحرير وسى الثوب فلا بأس وقد احتج به احمد.
وإنما كرهنا الملحم لعموم أحاديث التحريم وإنما استثني منها ما استثني وليس في الملحم معناه كما سيأتي ولإن النبي صلى الله عليه وسلم: "نهى عن

لبس القسي" والقيسي ثياب مخلوطة بحرير قال البخاري في صحيحه: قال عاصم عن أبي بردة قلنا لعلي: ما القسي؟ قال: ثياب أتتنا من الشام أو من مصر مضلعة فيها حرير أمثال الاترج وقال أبو عبيد وجماعة من أهل اللغة والحديث ثياب يؤتى بها من مصر فيها حرير قال بعضهم: هو ضرب من ثياب كتان مخلوط بحرير يؤتى بها مصر نسبة إلى قرية على ساحل البحر يقال لها القس ويقال القسي القزي ابدلت الزاء سينا كما يقال السمته الحجة أي ألزمته الحجة وقيل هو منسوب إلى القسي وهو الصقيع لبياضه ونسبتها إلى المكان هو قول الخليل بن أحمد وغيره فقد اتفقوا كلهم على أنها ثياب فيها حرير وليست حريرا مصمتا وهذا ليس هو الملحم وأيضا فإن الخز أخف من وجهين.
أحدهما: أن سداه حرير والسدى ايسر من اللحمة وهو إلذي بين ابن عباس جوازه بقوله فأما العلم من الحرير وسدى الثوب فلا بأس به.
والثاني: أن الخز الثخين والحرير مستور فيه بين الوبر فيصير الحرير بمنزلة الحشوة ويصير الذي يلي الجلد ويظهر هو الوبر ومعلوم أن الحرير الباطن ليس بمنزلة الحرير الظاهر إذ ليس في الباطن سرف ولا فخر ولا خيلاء ولهذا كان الصحيح جواز حشو الجلباب والفرش به وقد ذكر احمد

رضي الله عنه هذين الفرقين فإذا كان الحديث عاما في التحريم بل خاصا في الملحم وإنما أبيح الخز لم يجز أن يلحق به إلا ما في معناه فعلى هذا كل ما سوى الخز من الملحم يكره لذلك والخز ما كان لحمته من الوبر ونحوه مما له ثخانة تغطي الحرير فتكون الرخصة معلقة بكون السدى حريرا وكون اللحمة من الوبر ونحوه.
وقال القاضي الملحم هو الذي سداه حرير ولحمته غزل أو لحمته حرير وسداه غزل والخز ما كانت لحمته أو سداه خزا فجعل الاعتبار بنفس ما ينسج مع الحرير من غير فرق بين السدى واللحمة لأن أحمد علل بثخانة الخز وأنه يلي الجلد والحرير لا يكاد يستبين من تحته.
وعنه أن كان السدى حريرا حل مطلقا على ما" رواه صالح لحديث ابن عباس.
ثم كراهة الملحم كراهة تحريم ذكره القاضي وغيره وقال غيره من أصحابنا هي كراهة تنزيه إلا أن يكون المنسوج مع الإبريسم أكثر وقد روي عن معاوية عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تركبوا الخز ولا النمار" رواه أبو داود وفي حديث أبي عامر أو أبي مالك الأشعري سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: "ليكونن من أمتي أقوام يستحلون الخز والحرير والخمر والمعازف ولينزلن

أقوام إلى جنب علم يروح عليهم بسارحة لهم يأتيهم رجل فيقولون ارجع إلينا غدا فيبيتهم الله ويضع العلم ويمسخ آخرين قردة وخنازير إلى يوم القيامة" رواه البخاري بلفظ الحر ورواه أبو داود.
قال أصحابنا: وهذا محمول على خز كثير حريره أو نوع من الحرير يسمى خزا كما يسمى قزا قال بعض أصحابنا: الذي يسميه الناس اليوم الخز هو ما يعملونه من سقط الحرير ومشاقته والتبر الذي يلقيه الصايغ من فمه من تقطيع الطاقات فيدقونه كالقطن ثم يغزلونه ويعملونه ثيابا وهذا حكمه حكم الحرير فظهر بهذا أن الخز اسم لثلاثة أشياء للوبر الذي ينسج مع الحرير وهو وبر الأرانب واسم لمجموع الحرير والوبر واسم لرديء الحرير فالأول والثاني: هو الحلال والثالث: حرام.
وأما حشو الثياب والفرش بالحرير فالمشهور من الوجهين أنه مباح من غير كراهة لأنه لا يستبين ولا يستمتع به وليس فيه سرف والوجه الأخر يحرم.
فصل.
وإذا احتاج إلى لبس الحرير لدفع حر أو برد أو ستر عورة أو تحصن

جارٍ التحميل