ومن وَجَدَ فُرْجَةً أو الصَّفَّ غَيْرَ مَرْصُوصٍ وَقَفَ فيه وإلَّا فَعَن يَمينِ الإمامِ.
وكُرِهَ مشيُهُ لشيءٍ من ذَلِكَ عَرضًا بين يَدَي بَعْضِ المأمومينَ، فإن لم يُمكِن فلَهُ أن يُنَبِّهَ بكلامٍ أو نَحْنَحَةٍ أَو إِشَارَةٍ من يقف معَهُ ويتبعُهُ، ويُكْرَهُ بجذْبِهِ ولو عبدَهُ أو ابنَهُ.
ومن صَلَّى عن يسارِ إِمامٍ مع خُلُوِّ يمينِهِ أو فَذًّا ولو امْرأَةً خَلف امْرَأَةٍ ركعةً لم تَصِحَّ.
وإن رَكَعَ فذًّا لِعُذْرٍ ثُمَّ دَخَلَ الصَّفَّ أو وَقَفَ مَعَهُ آخَرُ قبل سجودِ الإمام صَحَّتْ.
فَصْلٌ
وإذا جَمَعَهُما مَسْجِدٌ وأمكنَتِ المُتَابَعَةُ صَحَّتْ القدوةُ مُطْلَقًا، وإن كانا خارجين عَنْهُ أو المأمومُ وَحْدَهُ وأمكنَ الاقتداءُ صَحَّتْ إن رأَى أحدَهما ولو في بعضِ الصَّلاة ولو من شُبَّاكٍ ونحوِهِ، والجُمُعَةُ كَغَيرِهَا.
وإن كان بينهُما نَهَرٌ تَجْري فيه السُّفُنُ، أو طَرِيقٌ وَلَمْ تَتَّصِلْ فيه الصُّفُوفُ حيحثُ صَحَّتْ فيه لم تَصِحِّ، ومثلُهُ من بِسفينَةٍ وإمامُهُ في أُخْرى غير مَقْرونَةٍ بها، في غيرِ شِدَّة خوْفٍ.
وكُرِهَ عُلُوُّ إِمَامٍ على مأمومٍ ذِرَاعًا فأكثرَ، ولا بأْسَ به لمأْمُومٍ.
ولا بِقَطْعِ الصَّفِّ إلَّا عن يَسَارِهِ إذا بَعُدَ بِقَدْرِ مقامِ ثلاثةِ رِجَالٍ.
ويُبَاحُ
اتخاذُ المِحْرَابِ، وكُرِهَ بِلا حَاجَةٍ صَلاةُ الإمامِ فيه إن مَنَعَ مشاهدَتَهُ لا سجُودُهُ فيه.
وَيقِفُ عن يمين المِحْرابِ إذا كانَ المسجدُ واسِعًا.
وكُرِهَ له إطالَةُ القُعودِ بَعْدَ سَلامِه 1 مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ بِلا حاجةٍ.
فإن أَطَالَ انْصَرَفَ المأْمُومُ وإلَّا نُدِبَ لَهُ ألّا ينصَرِفَ قبلَهُ.
وتطَوُّعُه موضِعَ المكتُوبَةِ بعدَهَا بلا حاجَةِ كضِيْقٍ، والأَولى للمأمومِ تركُهُ.
ونُدِبَ للنِّساءِ الانصِرافُ عَقِبَ سلامِ الإمامِ بلا تَأَخُّرٍ.
ويُكْرَهُ لِغير الإمامِ أن يَتَّخِذَ مَكانًا بالمسجدِ لا يُصَلِّي فرضَهُ إلَّا فيه، ووقوفُ مأْمُومٍ بين سَوَارٍ إِن قَطَعَتْ صُفوفَهُم عُرْفًا بلا حَاجَةٍ، وحضورُ مَسْجدٍ وجَمَاعَةٍ لآكلِ ثُومٍ أو بَصَلٍ أو فِجْلٍ ونحوِه، وكذا جزّارٌ لَهُ رائِحةٌ مُنْتِنَةٌ، ومن لَهُ صُنَانٌ، وكذا مَنْ بِهِ جُذامٌ أو بَرَصٌ يُتَأَذَّى بِهِ فَيُسَنُّ إخراجُهُمْ.
وَيَنْحَرِفُ إِمَامٌ جهَةَ قَصْدِهِ إلى مَأْمُومٍ وإلَّا فَعَن يمينِهِ.
وحَرُمَ بِناءُ 2 مَسْجِدٍ يُرادُ بِهِ ضَرَرُ مَسْجِدٍ بِقُرْبِهِ فيُهْدَمُ.
فَائِدَةٌ: مِنَ الأَدَبِ وَضْعُ إمامٍ نَعْلَهُ عن يسارِهِ، والمأمومُ بين يَدَيْهِ لئِلَّا يُؤْذِي غَيْرَه.
فَصْلٌ
وَيُعْذَرُ بِتَرْكِ جُمُعَةٍ مريضٌ وخائفٌ حُدُوثَ مَرَضٍ، وهُما ليسا بالمَسْجِدِ، وتَلْزَمُ الجُمُعَة لمن لم يَتَضرَّر بإتيانِها رَاكِبًا أو مَحْمُولًا أو تبرَّعَ أحدٌ بِه أو بِقَوْدِ أَعمى، ومن هو ممنوعٌ من فِعْلِهما، كالمَحْبوس، ومن يدافِعُ أحَدَ الأَخْبثينِ، أو بِحَضْرَةِ طَعامٍ يَحْتَاجُ إِليه -وله الشِّبَعُ- أو له ضائِعٌ يرجوه، أو يَخَافُ ضياعَ مالِهِ، أو فواتَهُ، أو ضَرَرًا فيه، أو في معيشةٍ يحتاجُهَا، أو استؤْجِرَ لِحفظِهِ ولو نِطَارةَ بُستانٍ، أو موتَ قريبِهِ أو رفيقِهِ، أو فواتَ تمريضهِمَا، وليسَ من يقومُ مقامَهُ، أو على نفسِهِ من ضَرَرٍ أو سلطانٍ، أو مُلازَمَةِ غَرِيمٍ ولا شيءَ مَعَهُ، أو فواتَ رُفقَةٍ لِسَفَرٍ مُبَاحٍ، أو غلبَةَ نُعَاسٍ يَخَافُ بِه فوتَهَا في الوَقْتِ، أو معَ إمامٍ، أو أَذى بمطرٍ أو وَحَلٍ أو ثَلْجٍ أو جَلِيدٍ، أو ريحٍ بَارِدَةٍ بليلةٍ مُظْلِمَةٍ، أو تطويل إِمامٍ، أو كانَ عُريانًا، أو لم يَجِد إلَّا ما يستُرُ عورتَهُ فَقَطْ ونحوِهِ في غَيْرِ جَمَاعَةٍ عُراة، أو عليه قَوَد يرجُو العفوَ عَنْهُ بِتَأَخُّرِهِ لا مَنْ عليه حَدٌّ، أو بطريقِهِ أو بالمَسْجِدِ مُنْكَرٌ وينكرُهُ بِحَسَبِ حَالِهِ.
بَابُ صَلاةِ أَهْلِ الأَعْذَارِ
يَجِبُ أن يُصَلِّي المريضُ قَائِمًا -إجماعًا- في فَرْضٍ، ولو كَراكِعٍ أو مُعْتَمِدًا على شيءٍ أو مُسْتَنِدًا ولو بِأجرَةٍ يَقْدِرُ عليها، فإن عَجَزَ أو شَقَّ لضررٍ أَوْ زيادَةِ مَرَضٍ أو بُطْؤ بُرْءٍ ونحوِهِ، فَقَاعِدًا مُتَرَبِّعًا نَدْبًا.
وَيَثْنِي رِجْلَيْه في رُكُوعٍ وسُجُودٍ كَمُتَنَفِّلٍ.
فإن عَجَزَ أو شَقَّ ولَوْ بتَعَدِّيهِ بِضَرْب سَاقِهِ فعلى جَنْبٍ، والأَيْمَنُ أفضَلُ.
وتُكْرَهُ على ظهرِهِ ورِجْلاهُ إلى القِبْلَةِ مع القُدْرَةِ على جَنْبِهِ، وإلَّا تَعَيَّنَ.
ويُومِئُ حِينَئذٍ بركوعٍ وسُجُودٍ، ويَجْعَلُ السُّجُودَ أَخْفَضَ.
وإنْ سَجَدَ ما أمكنَهُ على شيءٍ رُفِعَ كُرِهَ وَأَجْزَأَ، ولا بأْسَ بِهِ على وسادةٍ ونحوِها.
فإِن عَجَزَ أوْمَأَ بِطَرْفِهِ، ناويًا بقلْبِهِ، كأَسِيرٍ خائِفٍ، فإِن عَجَزَ فَبِقَلْبِهِ مُسْتَحْضِرًا القَوْلَ والفِعْلَ، ولا تَسْقُطُ الصَّلاةُ حِينَئذٍ ما دامَ عَقْلُهُ ثابتًا، بل يَحْرُم عليه إخراجُها عن وَقْتِها والحالةُ هذِهِ.
فإن قَدَرَ على قيامٍ أو قُعودٍ في أثنائِها انتقَلَ وبنى ويركعُ بلا قراءةِ مَن قَرَأَ وإلَّا قَرَأَ.
وإن أَبْطَأَ مُتَثاقِلًا قاعدٌ أطاقَ القيامَ فعادَ العَجْزُ، فإن كان بِمَحَلِّ قعودٍ كَتَشَهُّد صَحَّتْ وإلَّا بَطَلَتْ صلاتُهُ وصلاةُ من خَلْفَهُ ولو جَهِلُوا، ويَبْني من عَجَزَ فيها، وتُجْزِئُ الفاتِحَةُ إن أَتَمَّها في انحطاطِهِ لا من صَحَّ فَأَتَمَّها في ارتفاعِهِ.
ومَنْ قَدَرَ على قيامٍ وقُعُودٍ دونَ رُكُوعٍ وسُجُودٍ أَوْمَأَ بركوعٍ قَائِمًا وبسجودٍ قاعدًا.
ومن قَدَرَ أن يقُومَ مُنْفَرِدًا أو يَجْلِسَ في جَمَاعَةٍ لَزِمَهُ القيامُ، ولمريضٍ يُطِيقُ القيامَ الصلاةُ مُستلقيًا لمداواةٍ بقول طبيبٍ مُسْلِمٍ ثِقَةٍ حاذِقٍ فَطِنٍ، وله الفطْرُ بقوله: إِنَّ الصَّوْمَ مِمَّا يُمَكِّنُ العِلَّةَ.
ولا يَصِحُّ فَرْضٌ في سفينةٍ قاعِدًا من قادرٍ على القيامِ، وَيَصِحُّ على رَاحلةٍ لتأذٍّ بِوَحَلٍ وَمَطَرٍ ونحوهِمَا، وانقِطاعِ رُفْقَةٍ أو خوفٍ على نفسِهِ من عَدُوٍّ ونحوِهِ، أو عَجْزٍ عن ركوبٍ إن نَزَلَ، وعليهِ الاستقبالُ وما تقْدِرُ عليه، ولا يَصِحُّ لِمَرَضٍ.
ومن أَتى بِكُلِّ رُكْنٍ وَشَرْطٍ وصَلَّى علَيها أو بِسَفينَةٍ أو مِحَفَّةٍ ونحوِها سَائِرةً أو واقِفَةً ولو بِلا عُذْرٍ صَحَّتْ.
وَمَنْ بِمَاءٍ وطينٍ يُومِئُ كَمَصْلُوبٍ وَمَرْبُوطٍ، وَيَسْجُدُ غريقٌ على مَتْنِ الماءِ.
بَابُ القَصْرِ
يُسَنُّ لِمَن نَوَى سَفَرًا طَويلًا، وهو أَرْبَعَةُ بُرُدٍ ستَةَ عَشَرَ فَرْسَخًا تقريبًا، كُلُّ فَرْسَخٍ ثَلاثَةُ أميالٍ هَاشِمِيَّة، كُلُّ ميلٍ سِتَّةُ آلاف ذراع برًّا أو بَحْرًا، وهي يومان قَاصِدَانِ في زَمَنٍ مُعْتَدِلٍ بسَيْرِ الأَثْقَالِ ودَبيبِ الأَقْدَامِ، فَيُصَلي الرُّباعِيّهَ رَكْعَتَيْنِ، ولا يُكرَهُ الإتمام.
وشُرِطَ كونُهُ مُبَاحًا، ولو نُزْهَةً وفُرْجَةً أو هو أكثرُ قَصْدِهِ أو تَابَ فيه وقد بَقِيَتْ أو أُكْرِهَ كَأَسِيرٍ، أو غُرِّب أو شُرِّدَ، لا هائمٌ وسائحٌ وتائِهٌ إذا فَارَقَ بيوت قريتِهِ العامرةِ، أو خيامَ قَوْمِهِ أو ما نُسِبَ إِليه عُرْفًا سكانُ قُصُورٍ وبساتينَ ونحوهم، وَأَلَّا يَرْجِعَ إلى وطنِهِ ولا ينويَه قَرِيبًا، فإن رَجَعَ لم يَتَرخَّصْ حَتَّى يُفَارِقَهُ ثانيًا، وإن بدا له الرُّجُوعُ لِحَاجَةٍ لم يَتَرخَّصْ في رجوعِهِ بعد نيَّةِ عَوْدِهِ حَتَّى يُفَارِقَ أيضًا إلَّا أن يكُونَ رُجوعُهُ سَفَرًا طويلًا، ولا يُعيدُ من قَصَرَ ثُمَّ رَجَعَ قبل استكمالِ المَسَافَةِ.
وإن رَجَعَ ثُمَّ بَدَا لَهُ العَوْدُ لم تقْصُرْ حَتَّى يُفارِقَ مكانَهُ، فإن شَكَّ
في قَدْرِ المَسَافَةِ لم يَقْصُرْ حَتَّى يُجَاوِزَها كَمَن خَرَجَ في طَلَبِ آبقٍ أو ضَالَّةٍ.
ولو انتقَلَ من سَفَرِهِ المُبَاحِ إلى مُحَرَّمٍ امتنَعَ، ولو قَامَ إلى ثَالِثَةٍ عَمْدًا أَتمَّ وجُوبًا وسَهوًا رَجَعَ، فَلو نَوى الإتمامَ أَتَمَّ وأَتَى بما بَقِي سوى ما سَهى عنه فإنه لَغْو.
ولو كانَ إمامًا بمسافرٍ تَابَعَهُ إلَّا أن يعلمَ سَهْوَهُ فينبِّهَهُ، فإن رَجَعَ وإلَّا فَارَقَهُ.
وتَبطلُ صَلاتُهُ بمتابَعَتِهِ، وَيَقْصُرُ من أَسْلَمَ أو بَلَغَ أو طَهُرَتْ بِسَفَرٍ مُبيحٍ ولو بقي دُونَ المسافة.
وزَوْجَةٌ وقِنٌّ وجُنْديٌّ تَبَعٌ لِزَوْجٍ وسَيِّدٍ وأَمِيرٍ.
وأهلُ مكَّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا ليس لهم القَصْرُ والجَمْعُ في عرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ فَهُمْ في المَسَافَةِ كغيرِهِم.
وَمَنْ مَرَّ بوطنِهِ، أو ببلدٍ له فيه امرأَةٌ، أو تَزَوَّج فيه، أو دَخَلَ وقتُ صَلاةٍ عليه حَضَرًا، أو أَوْقَعَ بعضها فيه، أوذَكَرَ صلاة حضرٍ بسفرٍ أو عكسُهُ، أو ائْتَمَّ بمقيمٍ أو بِمَن يَشُكُّ فيه، ويكفي علمُهُ بسفَرِهِ بعلامَةٍ، أو شَكَّ إِمامٌ في أثنائِها أنه نَواهُ عند إحرامِها، أو أعادَ فاسِدَةً، يَلْزَمُهُ إتمَامُهَا، أولم ينوِهِ عند إحرامٍ، أو نواهُ ثُمَّ رَفَضَه، أو جَهِلَ أنّ إِمَامَهُ نَواهُ، أو نوى إقامةً مُطْلَقَةً، أو أكثرَ من عشرين صلاة، أو لِحَاجَةٍ وظنَّ أنَّها لا تنقضي قَبلها، أو شَكَّ في نِيَّةِ المُدةِ، أو عَزَم في صلاتِهِ
على قَطْع الطريقِ ونحوه، أو تاب منه فيها، أو أَخَّرها بلا عُذْرٍ حَتى ضاق وقتُها عنها، لَزِمَهُ أن يُتِمَّ في جميع ذَلِكَ لا إن سَلَكَ أبْعَدَ الطريقينِ، أو ذكرَ صلاةَ سَفَرٍ في أَخَرَ، أو أقَامَ لِحَاجَةٍ بلا نِيّةِ إقامَةٍ ولا يدري متى تَنْقَضي أو حُبِسَ ظُلْمًا أو بمرَضٍ أو مَطَرٍ ونحوِه لا بِأَسْرٍ.
وَمَنْ نَوى بلدًا بِعَينهِ يَجْهَلُ مَسَافَتَهُ ثُمَّ عَلِمَهَا قَصَرَ بعد عِلْمِها كَجَاهِلٍ بجوازِ القَصْرِ ابتداءً، ويقصرُ من عَلِمَها ثُمَّ نَوى إن وَجَدَ غريمَهُ رَجَعَ، أو نوى إقامَةً لا تمنَعُ القَصْرَ دونَ مقصِدِه بينَهُ وبين بلد نيتهِ الأُولى دونَ المَسَافَةِ، ولا يَتَرَخَّصُ مَلَّاحٌ معهُ أهلُهُ وليس له نِيّةُ إقامةٍ بِبَلَدِ، ومثْلُهُ مُكارٍ وراعٍ، ورسولُ السُّلطانِ ونحوُهُم.
وإن نَوى مُسَافِرٌ القَصْرَ حيثُ لم يُبَحْ عَالِمًا لم تنعقِدْ كما لو نَواهُ مُقِيمٌ.
بَابُ الجَمْعِ
يُبَاحُ بين ظُهْرٍ -لا جُمْعَةٍ- وعصرٍ، وبَيْنَ عِشَائَيْنِ بِوَقْتِ إِحْدَاهُمَا، وتَرْكُهُ أَفْضَلُ غَيْرَ جَمْعَيْ عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ بِسَفَر قَصْرٍ.
ويُبَاحُ لِمَريضٍ يلحقُهُ بتركِهِ مَشَقَّةٌ، وَلِمرْضعٍ لِمَشَقَّةِ كَثْرَةِ النَّجَاسَةِ، ولِمُسْتَحَاضَةٍ ونحوِها، ولعَاجِزٍ عن طَهَارةٍ أو تَيَمُّمٍ لكُلِّ صَلاةٍ، أو معرفَةِ الوَقْتِ كَأَعْمَى ونحوِهِ، ولِعُذْرٍ أو شُغْلٍ يُبيحُ تَرْكَ جُمعَةٍ وجَمَاعَةٍ.
ويُبَاحُ بين العِشَائين فَقَطْ لِثَلْجٍ وَبَردٍ وَجَلِيدٍ، وَوَحَلٍ، وَرِيحٍ شَدِيدَةٍ باردَةٍ، أو باردَةٍ فقط بليلةٍ مُظْلِمَةٍ، ولمطرٍ يَبُلُّ الثِّيابَ وتوجدُ مَعهُ مَشَقَّةٌ، ولو صَلَّى ببيْتِهِ أو مَسْجِدٍ طَريقهُ تَحْتَ سَاباطٍ ونحوِه.
والأَفْضَلُ فِعْلُ الأَرْفَقِ من تقديمٍ أو تأْخِيرٍ، فإن استويا فالتَّأخِيرُ أفْضَلُ إلَّا جَمْعَيْ عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ، فَيُقَدِّمُ بِعَرَفَةَ ويُؤَخِّرُ بِمُزْدَلِفَةَ.
ويُشْتَرَطُ لِلْجَمْعِ في وقتِ الأُولى ثَلاثَةُ شُروطٍ: نِيّةُ الجَمْعِ عِنْدَ إحْرَامِها، والمُوالاةُ فلا يُفَرِّقُ بينَهُما إلَّا بِقَدْرِ إقَامةٍ ووضوءٍ خفيفٍ،
فيبطُلُ براتِبَةٍ بَيْنَهُما لا بكلامٍ يَسيرٍ لا يَزِيدُ على ذَلِكَ، ووجودُ العُذْرِ عند افتتاحِهِمَا وسَلام الأُولى واسْتِمْرارُهُ في غير مَطَرٍ ونحوِهِ إلى فَراغِ الثَّانية.
فلو أَحْرَمَ بالأولى لِمَطَرٍ ثُمَّ انْقَطَعَ ولم يَعُدْ، فإن حَصَلَ وَحَل صَحَّ وإلَّا بطل، وإن انْقَطَعَ سَفَرٌ بأُولى بَطَلَ الجَمْعُ والقَصْرُ، ولو حَصَل وَحَلٌ أو مَرَضٌ فَيُتِمُّهَا وَتَصِحُّ، وبثانيةٍ بَطَلَ القَصْرُ والجَمْعُ ويتمها نَفْلًا.
والمَرَضُ في ذَلِكَ كالسَّفَرِ، وشُرِطَ لَهُ بِوَقْتِ ثانيةٍ نيتُهُ بوقتِ أُولى مَا لَم يَضِقْ عن فِعْلِها وبقَاءُ العُذْرِ إلى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانيةِ.
والتَّرْتيبُ لا غيرُ، فلو صَلَّاهُما خَلْفَ إِمامينِ أو خَلَف من لا يجمَعُ أو إِحداهُما مُنْفَرِدًا والأُخرى جَمَاعَةً ونحوَ ذَلِكَ صَحَّ.
فَصْلٌ
تَصِحُّ صَلاةُ الخَوفِ بِقِتَالٍ مُبَاح وَلَوْ حَضَرًا مع خوف هَجْمِ العَدُوِّ على سِتَّةِ أَوْجُهٍ كُلُّها جائِزَةٌ.
ويُسَنُّ أن يَحْمِلَ فيها ما يدفعُ بِهِ عن نَفْسِهِ ولا يُثْقِلُهُ كَسَيْفٍ وسِكيِّنٍ، وكُرِهَ ما يمنَعُ إكْمَالَها أو يَضرُّ غَيْرَهُ كَرُمْحٍ مُتَوَسِّطٍ، أو يُثْقِلُهُ كجَوْشَن.
وَجَازَ لِحَاجَةٍ حملُ نجسٍ ولا يُعِيْدُ.
وإذا اشْتَدَّ الخَوفُ صَلَّوْا رِجَالًا أو رُكبانًا للقِبْلَةِ وغيرها، ولا يَلْزَمُ افْتِتَاحُها إِليها، ولو أَمْكَن يومِئُونَ طَاقَتَهُم.
وكذا حَالةُ هَرَبٍ من عَدُوٍّ، وَهَرَبًا مُبَاحًا، أَو من سَيْلٍ، أو سَبُعٍ، أو نارٍ، أو غريمٍ ظَالِمٍ،
أو خوفِ فَوْتِ عَدوٍّ يطلُبُهُ، أو وقتِ وقوفٍ بعرَفَةَ، أو على نفسِهِ أو أهلِهِ أوم الِهِ، أو للدفعِ عن ذَلِكَ، أو عن نَفْسِ غيرِهِ.
فإن كانَت لِسوادٍ ظَنَّهُ عَدُوًّا أو دُونَهُ مَانِعٌ أعادَ لا إِنْ بانَ يَقْصِدُ غيرَهُ، كمن خَافَ عَدوًا إن تَخَلَّفَ عن رُفقتِهِ فصلَّاها ثُمَّ بَانَ أمنُ الطَّريق، أو خاف بِتَرْكِها كمينًا أو مكيدةً أو مَكْروهًا، كَهَدْمِ سُوْرٍ أو طَمِّ خَنْدقٍ، وَمن خَافَ أو أمِنَ في صلاتِهِ انتقلَ وبنى.
ولا يزولُ حُكْمُ الخَوْفِ إلَّا بانهزام الكُلِّ، ولا يَضُرُّ كَرٌّ وفَرٌّ لِمَصْلَحَةٍ ولو طَالَ.
بَابُ صَلاةِ الجُمُعَةِ
هِيَ أَفْضَلُ من الظُّهْرِ، ولا تَنْعِقِدُ بنيَّتِهِ مِمَّن لا تَجِبُ عليه كَعَبْدٍ ومُسَافرٍ، وليس لمن قُلِّدَها أَن يَؤُمَّ بالخَمْسِ، ولا من قُلِّدَ الخَمْسَ أن يَؤُمَّ فيها، ولا لِمَن قُلِّدَ أحَدهما أن يَؤُمَّ في عَيدٍ وكُسوفٍ واسْتِسْقاءٍ، إلَّا أن يُقَلَّدَ الجَميع.
وَهِيَ فَرْضُ الوَقْتِ، فلو صلَّى الظُّهْرَ أهلُ بَلَدٍ مع بقاءِ وَقْتِ الجُمعة لم تَصِحَّ، وتُتركُ فَجْرٌ فائتةٌ لِخَوفِ فَوْتِها، وإذا فاتت تَجِبُ الظُّهْرُ بَدَلًا عنها.
وهي فَرْضُ عينٍ على كُلِّ مسلمٍ مُكَلَّفٍ ذَكَرٍ حُرٍّ، مستوطِنٍ ببناءٍ ولو من قَصَبٍ، أو قَرية خَرابًا عَزموا على إصلاحِها والإقامةِ بها، أو قريبًا من الصَّحْراءِ.
ولو تفرَّقَ إذا شَمَلَهُ اسمٌ واحدٌ إن بَلَغوا أربعيْنَ ولم يَكُنْ بينَهُم وبين موضِعِهَا أكثرُ من فرسخٍ تقريبًا فَتَلْزَمُهُمْ بغيرِهِم كمن بخيامٍ ونحوها.
ولا تَجِبُ على مُسَافِرٍ مَسَافَة قَصْرٍ سَفَرًا مُباحًا ما لَم يَقُمْ ما يَمْنَعُ
القَصْرَ فَتَلْزَمُهُ بغيرِهِ، ولا عبدٍ ولا مُبَعَّضٍ ولا امرأةٍ ولا خُنْثى، ومن حَضَرها مِنْهُمْ أجزأَتْهُ ولم تنعَقِد به.
ولم تَجُزْ أن يؤُمَّ هو، ومن لَزِمَتهُ بغيرِهِ فيها.
ومَنْ سَقَطَتْ عَنْهُ لِمَطَرٍ أو مَرَضٍ ونحوِهما إذا حَضَرَهَا وَجَبت عليه وانعقَدَتْ بِهِ.
ولا تَصِحُّ الظُّهْرُ مِمَّن يلزمُهُ حضُورُ الجُمُعَةِ حَتَّى يَعْلَم أن الإمامَ صَلَّاهَا.
وتَصِحُّ من معذورٍ والأَفضَلُ بعدَهُ، فإن حَضَرَ بَعْدَ ذلك كانت نفلًا إلَّا الصَّبِيَّ إذا بَلَغَ ولو بعدَهُ فلا يَسْقُطُ فرضُهُ.
وحضورُهَا لمعذور ومختَلَفٍ في وجوبها عَلَيْهِ أفضَلُ، ونُدِبَ تَصَدُّقٌ بدينارٍ أو نصفِهِ لتارِكِها بلا عُذْرٍ، وَحَرُمَ سَفَرُ من تَلْزَمُهُ في يومِهَا بعد الزَّوالِ، وكُرِهَ قَبْلَهُ ما لم يأتِ بها في طريقهِ أو يَخَفْ فَوْتَ رُفقتِهِ.
فَصْلٌ
وَلِصِحَّتِها أَرْبَعَةُ شُروطٍ:
الأَول: الوَقْتُ، فلا تَصِحُّ قَبْلَهُ ولا بَعْدَهُ، وهو من وَقْتِ العيدِ إلى آخرِ وَقْتِ الظُّهْرِ، وتَلْزَمُ بِالزَّوالِ وبعدَهُ أفْضَلَ، ولا تَسْقُطُ بِشَكٍّ في خُروجِهِ.
فإن تُحِقِّقَ خُرُوجُهُ قَبْل التَّحْرِيمَة صَلَّوْا ظُهْرًا وإِلَّا أْتمُّوا جُمُعَةً.
الثَّانِي: استيطانُ أَرْبَعِينَ ولو بالإمامِ من أهلِ وجُوبها بقريةٍ، فلا تُتَمَّمُ من مَكَانَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ، ولا يَصِحُّ تَجْمِيعُ أهل كاملٍ في نَاقِصٍ، والأَوْلى مع تَتِمَّةِ العَدَدِ تَجمِيعُ كُلِّ قَوْمٍ.
الثَّالِثُ: حُضُورُهم؛ ولو كَانَ فيهم خُرْسٌ أو صُمٌّ لا كُلُّهُمْ كَذَلِكَ، وإن قَرُبَ الأَصَمُّ وَبَعُدَ من يَسمعُ لم تَصِحَّ.
فإن نَقَصُوا قبل إتمَامِها استَأْنَفوا ظُهْرًا إن لم تُمْكِن إِعادَتُها، وإن بقِيَ العدَدُ ولو مِمَّن لم يَسْمَع الخُطْبة أو لَحقوا بِهِمْ قبل نقصِهِم أتموا جُمُعةً.
وإن رَأَى الإمامُ وحدَهُ العَدَدَ فَنَقَصَ لم يَجُز أن يؤُمَّهُمْ ولَزِمَهُ أن يستخلفَ أحَدَهُم، فلو رأَوْهُ المأْمُومونَ لم تلزمْ واحِدًا منهما.
ولو أَمَرَهُ السُّلْطَانُ أن يُصَلِّيَ إلَّا بِأَربعينَ لم يَجُزْ بِأَقَلَّ ولا أن يستخلِفَ، وبالعكسِ الولايةُ باطلةٌ.
ولو لم يَرَها قومٌ بوَطَن مسكونٍ فللمحتَسِبِ أَمْرُهُمْ برأيه بِها.
ومن في وقْتِها أَحْرَمَ وأدركَ مع الإمام منها ركعةً أَتَمّ جُمُعَةً وإلَّا ظُهْرًا إن دَخَلَ وَقْتُهُ ونواهُ وإلَّا فَنَفْلًا.
ومَنْ أَحْرَمَ مَعَهُ ثُمَّ زُحِمَ عن السُّجُودِ أو نَسِيَهُ لَزِمَهُ أن يسجُدَ على ظَهْرِ إنسانٍ أو رِجْلِهِ إن أَمْكَنَ بلا وَضعِ يَدَيْهِ ونحوِهما عليه، فإن لم يُمْكِنْهُ سجَدَ إذا زالَ الزِّحامُ إلَّا أن يخافَ فَوتَ الثَّانِيَةِ فيتابعَهُ فيها وتصيرُ أولاهُ ويُتِمُّهَا جُمُعَةً، فإن لم يتابِعْهُ عالِمًا تحريمَهُ بَطَلَتْ.
وإن جَهِلَ فَسَجَدَ ثُمَّ أدْرَكَهُ في التَّشَهُّدِ أتى بركعةٍ بعد سَلامٍ وَصَحَّتْ جمعتُهُ، وكذا لو تَخَلَّفَ لِمَرَضٍ أو نَوْمٍ أو سَهْوٍ ونحوِهِ.
ولو زالَ عُذْرُ من أَدْرَكَ ركوعَ الأوْلَى وقد رفعَ إمامُهُ من ركوعِ الثَّانِيةِ تابعَهُ في السُّجُودِ، فَتتِّمُ له ركعةٌ مُلَفَّقَةٌ من ركعتي إمامِهِ يُدْرِك بِها الجُمُعَةَ.
الرابع: تَقَدُّمُ خُطْبَتَيْنِ بدَلَ ركعتين لا من الظُّهْرِ من شرطِهِما الوقْتُ، وأن تكونا مِمَّنْ يَصِحُّ أن يَؤُمَّ فيها، وحَمْدُ الله تعالى، والصَّلاة على رسولِهِ عليه السلام بلفظِهمَا، وقراءةُ آيةٍ ولو جُنُبًا مع تحريمها، والوصِيَّهُ بتقوى الله، ولا يَتَعَيَّنُ لَفْظُها، وموالاةُ جَميعِها مع الصَّلاة، والنِّيَّةُ، والجَهْرُ بِحَيْثُ يُسْمعُ العَدَدَ المُعْتبَرَ حيث لا مَانِعَ، وحُضُورُ العَدَدِ وسائرُ شُرُوطِ الجُمُعَةِ لا الطهارتانِ ولا سَتْرُ العَوْرةِ، وإزالةُ النَّجَاسَةِ، ولا أن يتولاهُما واحِدٌ أو من يتولّى الصَّلاةَ، ولا حضورُ مُتَولِّي الصَّلاةِ الخُطْبَةَ، بل يُسَن ذَلِكَ.
وَيُبْطِلهُمَا كَلامٌ مُحَرَّمٌ ولو يَسِيرًا، وَإن عَجَزَ بالعربية خَطَبَ بلُغَتِهِ ما عَدا القِراءَةِ.
ويُسَنُّ أن يَخْطُبَ على مِنْبَرٍ أو مَوْضعٍ عَالٍ عن يمينِ مُسْتَقْبلي القِبْلَةِ، وإن وَقَفَ بالأَرضِ فَعَنْ يسارِهم، وسَلامُهُ إذا خَرَجَ وإذا أقبلَ عليهم، وجلوسُهُ حَتَّى يُؤَذَنَ وبينَهُمَا قَليلًا، فإن أبى أو خَطَبَ جَالسًا فَصَلَ بِسَكْتَةٍ.
وأن يَخْطُبَ قَائِمًا مُعْتمِدًا على سَيْفٍ، أو عَصًا، قَاصِدًا تلقاءَهُ أي تِلْقَاءَ وجْهِهِ، وتقصيرُهُما، وأن تكون الثَّانية أقصرَ، ورفعُ صَوْتِهِ حَسَبَ طاقَتِهِ، والدُّعاءُ للمسلمينَ، ويُبَاحُ لِمُعَيَّنٍ، وأن يخطبَ من صحيفةٍ.
فَصْلٌ
والجُمُعَةُ رَكْعَتَانِ، يُسَنُّ أن يقرَأَ جَهْرًا في الأُولى بـ "الجُمُعَةِ"، والثانية بـ "المُنَافِقِين"، أو بـ "سبح" ثُمَّ "الغاشيَةِ" بعد "الفَاتِحَةِ"، وفي فجرِها في الأولى ﴿الم 1﴾ "السجدة" وفي الثانية ﴿هَلْ أَتَى﴾، ويكْرَهُ المداومةُ عليهما.
وفي عشاء لَيْلَتِها بسورة "الجمعة"، "والمنافقين".
ويَحْرُمُ إقامَةُ الجُمُعَةِ والعيدِ والإذْنُ فيهما في أكْثَرَ من مَوْضِعٍ من البَلدِ إلَّا لِحَاجةٍ، كَضِيْقٍ، وبُعْدٍ، وخوفِ فتْنَةٍ ونحوهَا، فإن كُرِّرَتْ بلا حاجةٍ فالصَّحِيحَةُ ما باشرَها أَو أَذِنَ فيها الإمام، فإن اسْتَوَتا في إِذْنٍ أو عَدَمِهِ فالسابقَةُ بالإحرامِ.
وإن وقَعتا معًا بَطلَتا، وصلَّوْا جُمُعَةً إن أمكنَ وإلَّا ظُهْرًا.
وإن جُهِلَ كيف وَقَعتا صَلَّوا ظُهْرًا وَلَوْ أَمْكَنَ جُمُعَةٌ.
وإذا وَقَعَ العيدُ يَوْمَهَا سَقَطَتْ عَمَّنْ حضرَهُ مع الإمامِ سُقوطَ حضورٍ لا وُجوبٍ كمريضٍ ونحوِه، إلَّا الإمامَ فإذا اجتَمَعَ معهُ العَدَدُ
المُعْتبَرُ أقامَهَا، وإلَّا صلوا ظُهْرًا.
وكذا يسقُطُ العيدُ بها، لكن يُعْتَبرُ العَزْمُ عليها.
وَأَقَلُّ السُّنَّةِ بَعْدَها ركعتانِ، وأكثرُها سِتٌّ.
ويُسَنُّ قِراءَةُ سُورَةِ "الكهف" في يَوْمِهَا ولَيْلَتِها، وكثرةُ الدُّعاءِ (1)، وبعدها، وأفضلُهُ بَعْدَ العصرِ، والصَّلاةُ على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَأُكُّدٍ، والغُسْلُ لها فيه، وأفضَلُهُ عِنْدَ مُضِيِّهِ، وتنظُّفٌ بِقَصِّ شاربِهِ وتقليمِ أَظْفارِهِ، وَقَطْعِ الروائح الكَرِيهَةِ بالسِّواكِ وغيرِهِ، وتَطَيُّبٌ، ولُبْسُ أَحْسَنِ ثيابِهِ وهو البَيَاضُ، وتبكيرُ غيرِ الإمامِ إليها مَاشيًا بَعْدَ الفَجْرِ.
وَيَجِبُ السَّعْيُ بالنداءِ الثَّانِي بين يَدَي الخَطِيب إلَّا من بَعُدَ مَنْزِلُهُ ففي وقتٍ يُدْرِكُهَا فيه على أَحْسَنِ هَيْئَةٍ بسكينَةٍ ووقارٍ مع خُشُوع، ويدنُو مِن الإمامِ وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، وَيَشْتَغِلُ بالصَّلاةِ والذكْرِ، وأفضلُهُ قراءةُ القرآنِ إلى خُروج الإمام، فإذا خَرَجَ حَرُمَ ابتداءُ غيرِ تحيّةٍ ويُخَفِّفُ من ابتدأها قَبْلَهُ، ولو نَوى أربعًا صلَّى ثِنتيْنِ.
وَكُرِهَ لِغَيْرِ الإمام تَخطي الرِّقَابِ إلَّا إن رَأَى فُرجَةً لا يَصِلُ إليها إلَّا بِهِ، وإيثَارُهُ بمكانٍ أفْضَلَ لا قَبُولُهُ، وليس لغيره سَبْقُه إليه.
والعَائِدُ من قِيَامِهِ لِعارِض أَحَقُّ بِمَكانِهِ، وَحَرُمَ أن يُقِيمَ غيرَهُ ولو عبدَهُ أو ولدَهُ إلَّا الصَّغِيرَ، وإلَّا من جَلَسَ بِمَوْضِعٍ يحفَظُهُ لِغَيره بِإْذْنِهِ
أوْ لا، وَرَفْعُ مَصلَّىً مفروشٍ ما لم تَحْضُرِ الصَّلاةُ، وكلامٌ والإمامُ يَخْطُبُ، وهو قَرِيبٌ منه بحَيثُ يَسْمَعُهُ إلَّا لَهُ أو لِمَن كَلَّمَهُ لِمَصْلَحَةٍ.
وَيَجِبُ لِتَحْذِيرِ ضرِيرٍ، وغَافِلٍ عن هَلَكَةٍ وبِئْرٍ ونحوه، ويُبَاحُ حال سُكُوتِهِ بينَهُمَا، وشُرُوعه في دعاءٍ.
وله الصَّلاةُ على النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا سَمِعَها، وتُسَنُّ سِرًّا كَدُعاءٍ وتأمِينٍ عليه، وحمدُهُ خُفْيَةً إذا عَطَسَ، وردُّ سَلامٍ، وتشميتُ عاطِسٍ، وإشارةُ أَخْرَسَ إذا فُهِمَتْ كَكَلامٍ.
وَمَنْ دَخَلَ والإمامُ يَخْطُبُ لم يَجْلِس حَتَّى يُصلّي التَّحِيَّة رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْن.
ويُكْرَهُ التَّصدُّقُ على سَائلٍ وَقْتَ الخُطْبَةِ، لأَنَّهُ فعلَ ما لا يجوزُ، فلا يُعينُه.
قال الإمام أحمد رضي الله عنه: وإن حَصَبَ 1 السائِلَ أي: زَجَرَهُ كان أَعجَبَ إليَّ، ولا يُناوِله، فإن سَأَلَ قبلَها ثُمَّ جَلَسَ لها، جَازَ، وَلَهُ الصَّدَقَةُ على من لَمْ يَسْأَلْ، والصَّدَقَةُ على بابِ المَسْجِدِ عِنْدَ دُخولِهِ، أو خُرُوجِهِ أَوْلَى.
وَيُكْرَهُ العَبَثُ حَالَ الخُطْبَةِ، وكذا الشُّرْبُ ما لم يَشْتَدَّ عَطشُه، وَمَنْ نَعَسَ سُنَّ انتِقالُهُ من مكانِهِ إن لم يتَخَطَّ.
تَتِمَّةٌ: ويَحْرُمُ ولا يَصِحُّ البَيْعُ ولا الشِّرى مِمَّن تَلْزَمُهُ الجُمُعَةُ بَعْدَ نِدَائِها الذي عِنْدَ المِنْبَرِ أو قبلَهُ لِمَنْ منزلُهُ بعيدٌ بحيثُ إِنَّهُ يدرِكُها إلَّا لِحَاجَةٍ كَمُضْطَرٍّ إلى طَعَامٍ أو شَراب يُبَاعُ، وكَعريَانٍ وجدَ سُتْرةً، وكفنِ مَيِّتٍ ومُوْنَةِ تجهيزِهِ إن خيفَ عليه الفَسَادُ بتأخيرٍ، ووجودِ أبيه ونحوِهِ يُباعُ مع من لو تَرَكَهُ لذهب، وَمَرْكُوبٍ لِعاجِزٍ أوْ ضريرٍ عُدِمَ قائدًا ونحوِهِ، والحُكْمُ كَذَلِكَ في كل مكتوبةٍ تضايقَ وَقْتُها.
وتَصِحُّ بَقِيَّةُ العُقُودِ وإمضاءُ بيعِ خيارٍ وإقالةٌ، وتحرُمُ مناداةٌ ومساومةٌ ونحوهما مما يُشْغِلُ كالبيع، ويُكْرَهُ شُرْبُ الماءِ حِينَئِذٍ بِثَمَنٍ.
بَابُ صَلاةِ العِيدَيْنِ
هي فَرْضُ كِفَايةٍ، فإذا تَرَكَهَا أَهْلُ بَلَدٍ، قاتَلَهُمْ الإمامُ.
وكُرِهَ أن يَنْصَرِفَ من حَضَرَ وَيَتْرُكَها.
وَوَقْتُها كَصلاةِ الضُّحَى، فإن لَمْ يُعْلَمْ بالعيدِ إلَّا بَعْدَ الزَّوالِ، أو أخَّرُوهَا بلا عُذْرٍ صَلَّوا من الغَدِ قَضاءً، وكذا لو مَضَى أيَّامٌ.
وَتُسَنُّ بِصَحْرَاءَ قريبَةٍ عُرْفًا، وفي مَكَّةَ المُشَرَّفَةِ بالمَسْجِدِ، ومكْرَهُ في غيرها فِيهِ بِلا عُذْرٍ.
وَيُسَنُّ أنْ يستَخلِفَ الإمَامُ من يُصلِّي بضَعَفَة النَّاسِ فيه، والأَوْلَى أن لا يُصَلُّوا قَبْلَهُ، وأَيَّهُمَا سَبَقَ سَقَطَ الفَرْضُ بِهِ.
وجازتِ التَّضْحِيةُ، وتَنْويهِ المَسْبُوقَةُ نَفْلًا.
وَيُسَنُّ تَقْديمُ الأَضْحَى بحيثُ يُوافِقُ من بِمنى في ذبحِهِمْ، وتأخيرُ الفِطْرِ والأَكْلُ فيهِ قبلَ الخُرُوج تَمرَاتٍ وِتْرًا، والإمْساكُ في الأَضْحَى حَتَى يُصَلِّي لِياكُل من أُضْحِيتِهِ، والأَوْلَى من كَبِدِهَا إن ضَحَّى، وإلَّا خُيِّرَ.
والغُسْلُ لها من الفَجْرِ، وتبكيرُ مَأْمُومٍ إليها بَعْدَ
صَلاتِهِ ماشيًا على أحسن هَيْئَةٍ من لُبْسٍ وتَطيُّبٍ ونحوِه، إلَّا المُعْتكِفَ ففي ثيابِ اعتكافِهِ.
وتَأَخُّرُ إمام إلى الصَّلاةِ، والتَّوْسعةُ على الأَهل، والصَّدَقَةُ، ورجوعُهُ في غيرِ طريقِ مُضِيِّهِ، وكذا جُمُعَةٌ.
ويشترطُ لوجوبِها شرُوطُ الجُمُعَةِ، ولِصَحَّتِها استيطانٌ، وعَدَدُ جُمُعةٍ لا إِذْنُ إمامٍ.
ويفعَلُها المُسَافِرُ والعبدُ والمرأةُ والمُنْفَرِدُ تَبعًا.
ويبدأُ بالصَّلاةِ قَبْلَ الخُطْبَةِ فَيُصَلي ركعتين يُكَبِّرُ في الأُولى بعد الاسْتِفْتَاحِ وقَبْلَ التَّعوذِ سِتًا، وفِي الثَّانِيَة قَبل القراءة خَمسًا، يَرْفَعُ يَدَيْهِ مع كُلِّ تكبيرةٍ ويقولُ بين كل تَكْبِيرَتَيْن: "الله أكبرُ كَبيرًا، والحمدُ للَّهِ كثيرًا، وسُبْحَانَ الله بُكْرَةً وأصِيلًا، وَصَلَّى الله على مُحَمَّدٍ النَّبِيِّ وآلهِ وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثيرًا".
وإن أَحَبَّ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ.
ولا يَأْتِي بِذِكْرٍ عَقِبَ التكبيرةِ الأَخيرةِ بل يَتَعَوَّذُ ثُمَّ يَقْرَأُ جَهْرًا الفَاتِحةَ ثُمَّ "سبح" في الأَولى، ثُمَّ "الغَاشِية" في الثَّانية، فإذا سلَّم خَطَبَ خُطْبَتَيْنِ، وأحكامُهُما كخُطبتي جُمُعَةٍ حَتَّى في الكلامِ، إلَّا التَّكْبِير مع الخطيب.
وَيُسَنُّ أن يستفتحَ الأُوْلى بتسعِ تكبيراتٍ، والثَّانية بسبعٍ نَسَقًا قائمًا، يَحُثُّهُمْ في خطبةِ الفِطْرِ على زكاةِ الفِطْرِ ويُبَيِّنُ لَهُمْ ما يُخْرِجُونَ، وعلى من تجِبُ، وإلى من تُدْفَعُ، ويُرَغِّبُهمْ في الأَضْحِية في الأَضْحى، وَيُبَيِّنُ لهم حُكْمَها.
تَنْبِيهٌ: والتَّكبيراتُ الزَّوائِدُ، والذِّكْرُ بينها، والخُطبتان سُنَّةٌ، ويُكْرَهُ التَّنَفُّلُ مُطْلقًا، وقضاءُ الفَائتةِ قبل الصَّلاةِ وبعدَهَا في موضِعِهَا قَبل مُفَارَقتِهِ.
ويُسَنُّ لِمَنْ فاتتْهُ قَضاؤُهَا في يَوْمِهَا على صِفَتِها كمن أَدْرَكَ الإمام في التَّشَهُّدِ، وإن أدركَهُ بعد التَّكبيرِ الزائدِ أو بعضِه لم يَأْتِ بِهِ، ويُكَبِّرُ مَسْبُوقٌ بمذهَبِهِ في قَضَاءٍ.
ويُسَنُّ التَّكبير المُطْلَقُ لِكُلِّ من تَصِحُّ منه الصَّلاة، وإظهارُهُ في المَسَاجِدِ، والمَنَازِلِ، والطُّرُقِ حَضَرًا وَسَفرًا، في كُلِّ مَوْضِعٍ يَجُوزُ فيه ذِكْرُ الله، والجهرُ بِهِ لِذَكَرٍ في ليلتي العِيدَيْنِ والفطرُ آكدُ، وَمِنَ الخُروج إليهما، وفِي كُلِّ عَشْرِ ذي الحجة إلى فَرَاغِ الخُطْبَةِ، والمُقَيَّدُ عَقِبَ كُلِّ فَرِيضَةٍ جماعةً حَتَّى الفائِتةِ في عامِهِ من صلاةِ فَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلى عصرِ آخِرِ أيَّامِ التَّشريق، إلَّا المُحرِمَ فمِن صَلاة ظُهرِ يوم النَّحْرِ.
ويُكَبِرُ الإمامُ مُسْتَقبِلَ النَّاسِ ومن نَسِيَهُ قضَاهُ مَكَانَهُ، فمن قامَ أَو ذَهَبَ عَادَ فَجَلَسَ ما لم يُحْدِثْ أو يَخْرُجْ من المَسْجِد أو يَطُلِ الفَصْلُ.
ويُكَبِّرُ من نَسِيَهُ إمَامُهُ، ومسبوقٌ إذا قَضَى، ولا يُسَنُّ عَقِبَ صلاةِ عيدٍ.
وصِفَتُهُ شَفعًا: "الله أَكْبَرُ الله أَكْبَرُ، لا إلهَ إلَّا الله، والله أَكْبَرُ، الله أَكْبَرُ، ولله الحَمْدُ".
ويَحْسُنُ تَكرارُهُ ثلاثًا.
ولا بَأْسَ بِتِهنئَةِ النَّاسِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا، بِمَا هُوَ مُسْتفيضٌ بينَهُمْ كَقَوْلهِ لغيره بعد الخُطْبَةِ: "تَقَبَّلَ الله مِنَا وَمِنْكَ" كالجواب، ولا بالتَّعريف عَشِيَّةَ عَرَفَةَ بالأَمْصَارِ.
ويُسَنُّ بتأَكُّدٍ مِن الاجتهادِ في عَمَلِ الخَيْرِ أَيَّامَ عَشْرِ ذِي الحِجَّة من الذِّكْرِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، وَسائِرِ أعْمَالِ البِّرِ، لأَنَّها أفضلُ الأَيامِ.
بَابُ صَلاةِ الكُسُوفِ
هِيَ سُنَّة مُؤَكَّدَةٌ حَتَّى سَفَرًا بلا خُطْبَةٍ.
ووقْتُها من ابتدائِهِ إلى التَّجَلِّي، ولا تُقْضَى إن فَاتَتْ كاستسقاءٍ، وتحيةِ مَسْجِدٍ وسُجُودِ شُكْرٍ، ولا يعتبَرُ لَها ولاستسقاءٍ إذْنُ الإمامِ، وفِعْلُها جماعةً بِمَسْجِدٍ أفْضَلُ.
وَهِيَ ركعتَانِ يَقْرَأُ في الأُولى جَهْرًا حَتَّى في كُسُوفِ الشَّمْسِ "الفاتحة" ثُمَّ "البقرة" أو قَدْرَها، ثُمَّ يَرْكَعُ طَويلًا ثُمَّ يَرْفَعُ فَيُسَمِّعُ ويَحْمَدُ، ثُمَّ يَقْرَأُ "الفاتحة" وسُورَةً طويلة دون الأولى، ثُمَّ يَرْكَعُ ويُطِيلُ دونَ الأَولِ، ثُمَّ يَرْفَعُ، ثُمَّ يَسْجُدُ سَجْدَتَيْنِ طويلَتين، ثُمَّ يُصَلِّي الثَّانية كالأُوْلى لكن دونَها في كُلِّ ما يفعل، ثُمَّ يتشهدُ ويُسَلِّمُ.
ولا تُعَادُ إن فرغَتْ قَبْلَ التَّجَلِّي بل يذكر ويَدعُو، وإن تَجلَّى فيها أَتَمَّهَا خفيفةً، وقبلها لَمْ يُصَلِّ.
وإن غابتِ الشَّمْسُ كاسفةً أو طَلَعَ الفَجْرُ والقمرُ خاسِفٌ لم يُصَلّ، وإن غابَ خاسِفًا ليلًا صَلَّى.
ويَعْمَلُ بالأَصْلِ في وجوبٍ وبقائِهِ وذهابِهِ ولا عِبْرَةَ بقول المُنَجمينَ، ويحرمُ تَصدِيقُهُ والعَمَلُ بِهِ.
ويَدعو ويذكُرُ وَقْتَ نَهْيٍ بلا صلاةٍ، وإن أتى في كُلِّ ركعةٍ بثلاثِ ركُوعاتِ أوْ أربعٍ أو خَمْسٍ فلا بَأْسَ، وما بَعدَ الأَولِ سُنَّةٌ لا تُدْرَكُ بِهِ الرَّكْعَة، ويَصِحُّ فعلُها كنافلةٍ.
ولا يُصلَّى لآيةٍ غيرُه كظُلمة نَهارٍ أو ضياءِ لَيْلٍ، وريح شديدةٍ، وصَواعِقَ إلَّا زَلزلةً دائمةً فيُصلَّى لها كَصَلاة الكُسُوفِ.
ومتى اجتمَعَ كُسوفٌ وجنازةٌ قُدِّمَتْ الجَنَازَة، أو عيدٌ أو تراويحُ أو مكتوبةٌ - ولو جُمُعَةً لم يُشْرَعْ في خُطْبَتِها- قُدِّم الكُسُوفُ إن أُمِنَ الفَوْتُ، ويُقدَّمُ على وترٍ مُطْلَقًا.
بَابُ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ
وَهِيَ سُنَّةٌ مُؤَكَدَةٌ حَتَّى سَفرًا إذا أَجْدَبَتِ الأَرْضُ وَاحْتُبِسَ المَطَرُ، لا عن أرضٍ غير مسكونةٍ ولا مسلوكَةٍ أو غارَ ماءُ عُيونٍ أو أنهارٍ.
وَوَقْتُها وصِفتُها في مَوْضِعِها وَأَحْكامها كَصلاة عِيدٍ لكن لا تتقَيَّدُ بزوالِ الشَّمْسِ.
وإذا أرادَ إمامٌ الخُروجَ إليها، وَعظَ النَّاس، وأَمَرَهُمْ بالتَّوْبَة والخُروجِ من المظَالِمِ، وَتَرْكِ التَّشاحُنِ، وَأَمَرَهم بِالصَّدَقَةِ والصَّومِ، ولا يَلْزَمان بأمرِهِ، ويعِدُهُمْ يَومًا يخرجون فيه، ويتنظفُ لها ولا يَتطيَّبُ.
ويَخْرُجُ مُتَواضعًا مُتَخَشِعًا مُتَذَلِّلًا مُتَضَرِّعًا ومعَهُ أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ والشُّيوخِ.
ويُسَنُّ خُرُوجُ صَبيٍّ مُمَيّزٍ، ويُبَاحُ خروجُ طِفْلٍ وعجوز وبهيمة، والتَّوَسُّلُ بالصَّالِحِين 1، ولا تُمْنَعُ أَهْلُ الذِّمَةِ وتنفردُ عَنَّا لا بيومٍ 2، ويُكْرَهُ إخراجُنا لَهم، فيُصَلِّي ثُمَّ يَخْطُبُ واحدةً يفتتحُها بالتكبير كخُطْبةِ
العِيدِ، ويُكْثِرُ فيها الاستغفارَ، وقراءَة الآياتِ التي فيها الأَمْرُ بِهِ، ويَرْفَعُ يَدَيْهِ وظُهورُهُما نحو السَّماء فيدعُو بِدُعاءِ النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو: "اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا، مَرِيئًا غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا، عَامًّا طَبَقًا، دَائِمًا" 1، "اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ ولا تَجْعَلْنَا من القَانِطِينَ" 2، "اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ، لا سُقْيَا عَذابٍ، ولا بَلاءٍ، ولا هَدْمٍ، ولا غَرَقٍ" 3. "اللَّهُمَّ إن بالعِبَادِ والبِلادِ من الَّلأْواءِ، والجَهْدِ والضَّنْكِ ما لا نشكوهُ إلَّا إلَيْكَ.
اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، واسْقِنَا من بَرَكَاتِ السَمَّاءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا من بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَع عَنَّا الجَهْدَ، والجُوعَ، وَالعُرْيَ، وَاكْشِفْ عَنَّا من البَلاءِ مَا لا يَكْشِفُهُ غيْرُكَ.
اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَغْفِرُكَ إنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا" 4.
وَيُكْثِرُ من الدُّعَاءِ، وَمِنَ الصَّلاة عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ويُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ، وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في أثْنَاءِ الخُطْبَةِ فَيَقُولُ سِرًّا:
اللَّهُمَّ إنَّكَ أَمَرْتنا بِدُعائِكَ، ووعَدْتَنَا إِجَابَتَكَ وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتنا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدْتنا.
ثُمَّ يُحَوِّلُ رِدَاءَهُ فيجعلُ مَا عَلَى الأَيْمَنِ عَلَى الأَيْسَرِ، وما على الأَيْسَرِ على الأَيْمَنِ، ويفعلُ النَّاس كَذَلِكَ ويتركُونَهُ حَتَّى ينزعُوهُ مع ثِيَابِهِمْ، فَإنْ سُقُوا، وإلَّا عَادوا ثَانيًا وثَالثًا، وإن سُقُوا قبلَ خُرُوجهم، فإن تَأَهَبُّوا خَرجوا وصلَّوها شُكْرًا للَّهِ تعالى، وإلَّا لم يَخْرُجُوا، وشكروا الله تعالى، وسأَلُوهُ المزيد من فَضْلِهِ.
وَيُسَنُّ الوقُوفُ في أَوَّلِ المَطَرِ والوضُوء والغُسْلُ منه، وإخراجُ رَحلهِ وثيابِهِ ليُصيبَها، ويقول: "اللَّهُمَّ صيِّبًا نافِعًا" 1، وإن كَثُرَ حَتَّى خِيفَ مِنْهُ يُسَنُّ قَوْلُ: "اللَّهُمَّ حَوَالَيْنا ولا علَيْنا، اللَّهُمَّ على الظِّرابِ والآكَامِ وبُطُونِ الأَوْدِيَةِ، ومَنَابِت الشَّجَرِ" 2.
وَيُسَنُّ الدُّعاءُ عِنْدَ نزولِ الغَيْث وقول: "مُطِرنَا بِفَضلِ الله = ثمَّ أشار ابن الملقن إلى أن البيهقي ذكره في "معرفة السنن والاثار" (3/ 100) ولم يسق له إسنادًا.
وَرَحْمَتِهِ" 1. وَيَحْرُمُ: بِنَوْءِ كذا، وإِضَافةُ المَطَرِ إلى النَّوْءِ اعْتِقادًا كُفْرٌ إجماعًا! ولا يُكْرَهُ في نَوْءِ كذا.
تَتِمَّةٌ: يُسْتَحَبُّ لِمَنْ رَأَى سَحَابًا أو هَبَّتِ الرِّيح أن يَسْأَلَ الله خيرَهُ وَيَتَعَّوذَ من شَرِهِ، ولا يَسُبُّ الرِّيحَ إذا عصفت بل يقول: "اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُكَ خَيْرَها وخَيْرَ ما فِيها، وخَيْرَ ما أُرْسِلَتْ بِهِ، وأَعُوذُ بِكَ من شَرِّها وشَرِّ ما فِيها وَشَرِّ ما أُرْسِلَت بِهِ" 2، "اللَّهُمَّ اجْعَلْها رَحْمَةً، ولا تَجْعَلْها عَذابًا، اللَّهُمَّ اجْعَلْها رِياحًا ولا تَجْعَلْها رِيحًا" 3.
وَيَقُولُ إذا سَمعَ صَوْتَ الرَّعْدِ والصَّواعِقِ: "اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنا بِغَضبِكَ، ولا تُهْلِكْنا بعَذابِكَ وعَافِنَا قَبْلَ ذَلِك" 4، "سُبْحَانَ من يُسَبِّحُ
الرَّعْدُ بِحَمْد والملائِكَةُ من خِيفَتِهِ" 1. ويقولُ إذا انْقَضَّ الكَوْكَبُ: "ما شاءَ الله لا قوة إلَّا بالله" 2، وإذا سَمعَ نَهِيقَ حِمَارٍ، أو نِبَاحَ كَلْبٍ اسْتَعاذَ بِالله من الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ، وإذا سَمعَ صيَاحَ الدِّيَكَةِ سَأَلَ الله من فَضْلِهِ 3. وَأما قَوْسُ قُزَح فهو أمانٌ لأَهْلِ الأَرْضِ من الغَرَقِ، وزعمُ بعضِ النَّاس أنَّهُ إن غَلَبَتْ حُمْرَتُه كانتَ الفِتَنُ والدِّماءُ، وإن غَلَبت خُضْرتُهُ كان رخاءٌ وسرورٌ هذيانٌ.