مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزياداتصفحات 235-274

هو فَرْضُ كِفَايَةٍ كلَّ عَامٍ، وهو والعُمْرَةُ واجِبَانِ في العُمْرِ مَرَّةً بِخَمْسَةِ شُروطٍ: الإِسلامُ، والعَقْلُ، والبُلُوغُ، وكمالُ الحُريَّة، لكن يَصِحَّانِ من الرَّقِيقِ والصَّغِيرِ ولا يُجزئانِ عن حَجَّةِ الإِسْلامِ وعُمْرَتِهِ إلَّا أن يَعْتِقَ أو يبلُغَ في الحَجِّ قَبْلَ الوُقُوفِ أو بَعْدَهُ، وتقِفَ في وقْتِهِ، وفي العُمْرَةِ قَبْلَ طَوافِها فَيُجْزِئُهُمَا ما لم يكونَا سَعَيَا مع طَوافِ القُدُومِ، وَقَبْلَ الوقوفِ فلا يُجْزِئُهُمَا الحجُّ، ولو أعادا السَّعْيَ بَعْدَ الوقُوفِ.
ولا يَصِحُّ إحرامُ مُمَيِّزٍ إلَّا بإذنِ وَليِّهِ في مَالِهِ، ويُحْرِمُ الوَلِيُّ عن من لم يُمَيز ولو مُحْرِمًا أولم يَحُجَّ، ويَفْعَلُ ما يَعْجِزَانِ عَنْهُ، ويَبْدَأُ بالرَّمْيِ عن نفْسِهِ ولا يُعْتَدُّ برَمْيٍ حَلالٍ، ويُطَافُ به رَاكِبًا أو مَحْمُولًا لِعَجْزٍ، ويعتبر نِيّة طَائِفٍ بِهِ وكَوْنُهُ يَصِحُّ أن يعقد لَهُ الإِحْرامُ لا كونُهُ طافَ عن نَفْسِهِ ولا مُحْرِمًا.

وَكَفَّارَةُ الحَجِّ وما زادَ على نَفَقَةِ الحَضَرِ في مَالِ وَليِّهِ إن أنْشَأَ السَّفَرَ بِهِ تَمْرِينًا على الطَّاعة، وإلَّا فلا شَيءَ على الوَليِّ كما لو سافَرَ بِهِ لِيُقِيمَ بمكةَ لِعِلْمٍ أو غيره.
وعمدُ صَغِيرٍ ومجنُونٍ خَطَأٌ، ولا يُحْرِمُ قِنٌّ بِنَفْلٍ إلَّا بإذنِ سَيِّدِه، وينعقِدَانِ بنَذْرِهِ ويلزمَانِهِ، والمرأَةُ لا تُحْرِمُ بنفلٍ إلَّا بإِذنٍ الزَّوْجِ، فإن أَحْرَمَت هي أو القِنُّ بِنَفْلٍ بلا إِذنٍ فَلِزَوْجٍ وسَيدٍ تحليلُهُما، وعليهما الامتثالُ، ويكونانِ كَمُحْصَرٍ.
وَلَيْسَ له مَنْعُها من حَجِّ فَرْضٍ كَمُلَت شُرُوطُه أوْ لا، أَحْرَمَتْ به بإذنه أوْ لا، أو مَنْ أَحْرَمَتْ بِوَاجِبٍ فَحَلَفَ زَوْجُها ولو بالطَّلاقِ الثَّلاثِ لا تَحَجُّ ذا العَامِ لم يَجُز أن تُحِلَّ، وإن أفْسَدَ قِنٌّ حَجَّهُ بوطءٍ مضى وقضى، وليسَ لسيدِهِ مَنْعُهُ إن كان شَرَعَ فيما أفْسَدَهُ بإذنه، ولِكُلٍّ من أَبَوَيْ بَالِغٍ منعُهُ من إحرامٍ بنَفْلى كجِهَادٍ، ولا يُحلِّلانِهِ، ولا غريمٌ مَدينًا، وليسَ لِوَليِّ سفيهٍ مُبذِّرٍ مَنْعُهُ من حَجِّ الفَرْضِ ولا تحليلُهُ، ويدفَعُ نفقتَهُ إلى ثِقَةٍ يُنْفِقُ عليه في الطَّرِيقِ.
الخَامِسُ: الاستِطَاعَةُ، وهي مِلْكُ زَادٍ يحتاجُهُ ووعائِهِ، ولا يَلْزَمُهُ حملُهُ إن وَجَدَهُ يُبَاعُ بالمَنَازِل بثَمَنِ مِثْلِهِ في الغَلاءِ والرُّخْصِ، أو بزيادةٍ يَسيرةٍ، وإلَّا لَزِمَهُ.
ومِلْكُ راحِلَةٍ بآلتِهَا يَصْلُحَانِ لِمثْلِهِ لِمَسَافَةِ قَصْرٍ لا دونَها, إلَّا

لِعَاجِزٍ، ولا يَلْزَمُه حَبْوًا ولو أَمْكَنَهُ، أو مِلْكُ ما يقدِرُ بِهِ على تَحْصِيلِ ذَلِكَ فَاضِلًا عَمَّا يحتاجُهُ من كُتُبٍ، ومَسْكَنٍ، وخَادِمٍ، وما لا بدَّ منه.
لكِنْ إن فَضَلَ عنه، وأَمْكَن بَيْعُهُ وشرى ما يكفِيهِ، ويَفْضُلُ ما يَحُجُّ بِهِ، لَزِمَهُ.
وأن يكُونَ فَاضِلًا عن قَضَاءِ دَيْنِهِ ومؤْنَتِهِ، ومؤْنَةِ عيالِهِ على الدَّوَامِ من عَقَارٍ، أو بِضَاعَةٍ أو صِنَاعَةٍ ونحوِها.
ولا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غيرِهِ لَهُ، ومنها سَعَةُ وقْتٍ، وأَمْنُ طَرِيقٍ يُمْكِنُ سُلُوكُهُ ولو بَحْرًا، أو غَيْرَ مُعْتَادٍ بلا خَفَارَةٍ، ويُوجَدُ فيه الماءُ والعَلَفُ على المُعْتَادِ، ودَليلٌ لِجَاهِلٍ، وقائدٌ لأَعْمَى، ويلزمُهُمَا أُجْرَةُ المِثْلِ لَهُمَا، فمن كَمُلَ لَهُ ذَلِكَ وَجَبَ عليهِ السَّعْيُ فَوْرًا.
والعَاجِزُ لِكِبَرٍ أَو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤهُ، أو ثِقَلٍ لا يَقْدِرُ مَعَهُ على الرُّكُوبِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ، أو لِكَوْنِهِ نِضْوَ الخِلْقَةِ لا يَثْبُتُ 1 على الرَّاحِلَةِ إلَّا بِمَشَقَّةٍ غَيْرِ مُحْتَمَلَةٍ يَلْزَمُهُ أن يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عنه ويَعْتَمِر فَوْرًا من بَلَدِهِ.
ويُجْزِئَانِ عَمَّنْ عُوفِيَ بَعْدَ إحرامِ النَّائِب لا قبلَهُ، ويَسْقُطَانِ عَمَّنْ لم يجد نَائِبًا.
ومن لَزِمَاهُ فَتُوفِّي ولو قبل التَّمَكنِ أُخْرِجَ عنه من جَمِيع مَالِهِ حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ من حيثُ وجَبَا.

ويُجْزِئُ من أَقْرَبِ وطنَيهِ، ومن خَارِجِ بَلَدِهِ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ، ويسْقُطُ بِحَجِّ أَجْنبيٍّ عنه لاعن حَيٍّ 1 بلا إذنه، ويقع عن نفسِهِ ولو نفلًا.
وَمَنْ ضَاقَ مَالُهُ أو لَزِمَهُ دينٌ أُخِذَ لِحَجٍّ بِحِصَّتِهِ، وحُجَّ بِهِ من حيثُ يَبْلُغُ، وإن ماتَ هو أو نائِبُهُ بطريقِ الحَجِّ حُجَّ عنه من حيثُ مَاتَ فيما بقِيَ مَسَافَةً وفِعْلًا، وإن صُدَّ فَعَلَ ما بَقِيَ.
وإن وَصَّى بِحَجِّ نَفْلٍ وأَطْلَقَ جَازَ من ميقَاتِهِ ما لم تمنَعْ قَرِينَةٌ.
ولا يَصِحُّ مِمَّن لم يَحُجَّ عن نفسِهِ أن يَحُجَّ عن غيرِهِ ولا نَذْرِهِ ولا نافلتِهِ، فإن فَعَلَ انْصَرَفَ إلى حَجَّةِ الإِسلامِ.
ولو أَحْرَمَ بِنَذْرٍ أو نَفْلٍ مَن عليه حَجَّةُ الإِسلامِ وَقَعَ عنها، والتائِبُ كالمنُوبِ عنه.
ويَجُوزُ للقَادِرِ وغيرِهِ أن يستَنِيبَ في نَفْلِ حَجٍّ وبعْضِهِ.
والنَائِبُ أَمِينٌ فِيمَا أُعْطِيَهُ لِيحُجَّ منه، ويَضْمَنُ على ما زَادَ على نَفَقَةِ المعروفِ، أو عَلَى طريقٍ أقْرَبَ بلا ضَرَرِ ويَردُّ ما فَضَلَ، وتَجِبُ لَهُ نفقَةُ رجُوعِهِ وخَادِمِه إن لم يَخْدُمْ نَفْسَه مثلُهُ، ويَرْجِعُ بما استدانَهُ لِعُذْرٍ، وبِمَا أَنْفَقَ على نفسِهِ بنيةِ الرُّجُوعِ، وما لَزِمَ النَّائِبَ بمخالفتِهِ فمنه.

فَصْلٌ

ويُشْتَرَطُ لوجُوبِهِ على أُنْثًى مَحْرَمٌ، وهو زَوْجٌ أو ذَكَرٌ مُسْلِمٌ، مُكَلَّفٌ ولو عَبْدًا تحرُمُ عليه تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا بِسَبَبٍ مُبَاحٍ أو نَسَبٍ، ونفقتُهُ عليها، فَيُشْتَرَطُ لَها مِلْكُ زَادٍ وراحِلَةٍ لَهُمَا.
ولا يَلْزَمُهُ مع بذلِهَا ذَلِكَ له أن يُسَافِرَ مَعَها، وتكُونُ كمن لا مَحْرَم لها، ومن أَيِسَتْ منه استنَابَتْ.
وإن حَجَّتْ بِلا مَحْرَمٍ حَرُمَ عليها وأَجْزَأَ، وإن ماتَ بالطَرِيقِ مع قُرْبٍ رَجَعَتْ وإلَّا مَضَتْ.

فَصْلٌ

ومن أرادَ الحَجَّ فليُبَادِرْ، وليَجْتَهِدْ غَايَةَ الاجتهادِ في التَّوْبَةِ النَّصُوحِ، والخُرُوج من المَظَالِمِ بِوَفَاءِ دَيْنِهِ وإرْضَاءِ خُصُومِهِ ومُصَالَحَةِ أعدائِهِ، ولْيُخْلِصِ النِّيَّةَ في أمُورِهِ كُلِّهَا، ويُحصِّلْ أطيبَ الزَّادِ لأَداء أَنْسَاكِهِ فَرْضِهَا ونفْلِهَا، فإن الحَجَّ والعُمْرَةَ بالمَالِ الحَرامِ حَرامٌ بالإِجماعِ، وهو عِنْدَنَا بَاطِلٌ فلا فَائِدَةَ فيهِ ولا انْتِفَاع.
ولْيجتَهِدْ في رَفِيقٍ صَالِح، وإن كَانَ عَالِمًا فَهْوَ أَنْفَعُ لِيقْتَدِيَ بِهِ ويَتَمَسَّكَ بِغَرْزِهِ.
ويُصَلِّي ركعتين، يَشْرَعُ بَعْدَهُمَا بِدُعَاءِ الاسْتِخَارَةِ، وَيَسْتَخِيرُ، هل يحجُّ العامَ أو غَيْرَه - إن كان الحَجُّ نَفْلًا -، ويُصَلِّي في مَنْزِلهِ رَكْعَتَينِ ثُمَّ يَقُولُ: اللَّهم هذا دِيني وَأَهْلِي، ومَالَي وَوَلَدِي، وَدِيعَةٌ

عِنْدَك، "اللَّهُمَّ أَنْتَ الصَّاحِبُ في السَّفَرِ، والخَلِيفَةُ في الأَهْلِ والمَالِ والوَلَدِ" 1. ويَخْرُجُ يَوْمَ خَميسٍ أو اثنينٍ، ويُبَكِّرُ، ويقولُ إذا نَزَلَ مَنْزِلًا أو دَخلَ بَلَدًا: "أعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللهِ التَّامَّاتِ من شَرِّ ما خَلَقَ، فإنه لا يَضُرُّهُ شَيءٌ حَتَّى يرتَحِلَ مِنْهُ" 2. ويُسَنُّ أن يَحُجَّ عن أبويهِ إن كَانَا ميْتَينِ أو عَاجِزَينِ، ويُقَدِّمُ أُمَّهُ على أبيهِ وواجِبَهُ على نَفْلِهَا.

بَابُ المَواقِيتِ

وهي مَوَاضِعُ وأَزْمِنَةٌ مُعَيَّنَةٌ، فَمِيقَاتُ أَهْلِ المَدِينَةِ ذو الحُليفَةِ، والشَّامِ ومِصْرَ والمَغْرِبِ الجُحْفَةُ، واليَمَنِ يلملمُ، ونَجْدِ الحِجَازِ واليَمَنِ والطائِفِ قَرْنٌ، والمَشْرِقِ ذاتُ عِرْقٍ.
وهذِهِ لأَهْلِهَا ولِمَنْ مَرَّ عليها، ومَن مَنْزِلُهُ دونَ ميقاتٍ فمنْهُ لِحَجٍّ وعُمْرَةٍ.
ويُحْرِمُ من بِمَكَةَ لِحَجٍّ منها، ويَصِحُّ مِنَ الحِلِّ ولا دَمَ عليه، ولِعُمْرَةِ من الحِلِّ، ويَصِحُّ من مكة وعليه دَمٌ.
ومن لم يَمُرَّ بمِيقَاتٍ أَحْرَمَ إذا حَاذَى أقْرَبَ المواقيتِ إليه، فإن لم يحاذ مِيقاتًا أَحْرَمَ عن مكة بمرحلتينِ.
ولا يَحِلُّ لِمُكَلَّفٍ حُرٍّ مُسْلِمٍ أرادَ مَكَّةَ أو الحَرَمَ -ولو لِغَيْرِ نُسُكٍ- تَجَاوُزُ مِيقَاتٍ بِلا إِحْرَامٍ، إلَّا لِقِتَالٍ مُبَاحٍ أو خَوْفٍ أو حَاجَةٍ مجَرَّرُ كَحَطَّابٍ ونحوِهِ، وَمَكِّيٍّ يَتَرَدَّدُ لِقَرْيتِهِ بالحِلِّ.
وأُبِيحَ للنِّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأصحابِهِ دُخولُ مَكَّةَ مُحِلِّينَ

من طُلوعِ الشَّمْسِ إلى صَلاةِ العَصْرِ.
ويُكْرَهُ الإحْرَامُ قَبْلَ المِيقَاتِ وبالحَجِّ قَبْلَ أشْهُرِهِ.
وَمَنْ جَاوَزَ الميقاتَ بلا إِحْرَامٍ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ لِيُحْرِمَ منه إن لم يَخَفْ فَوْتَ الحَجِّ أو ضرَرًا، فإن خَافَ أَحْرَمَ من مَوْضِعِهِ، وعليه دَمٌ.

بَابُ الإحْرَامِ

هو نِيَّةُ النُّسُكِ، ويُسَنُّ لِمَنْ يُرِيدُهُ غُسْلٌ أو تَيَمُّمٌ لِعُذْرٍ، ولا يَضُرُّ حَدَثُهُ بَيْنَ غُسْلٍ وإِحْرَامٍ، وتنظُّفٌ وتَطَيُّبٌ في بَدَنِهِ، ويُكْرَهُ في ثَوْبِهِ.
ولُبْسُ إِزَارٍ ورِدَاءٍ أَبْيَضَينِ نَظِيفَينِ، ونعلين بعد تَجَرُّدِ ذَكَرٍ من مَخِيطٍ، وإحرامُهُ عَقِبَ صَلاةِ فَرْضٍ أو ركعتينِ نَفْلًا في غَيْرِ وَقْتِ نَهْي، ولا يَرْكَعُهُمَا مَن عَدِمَ المَاءَ والتُّرَابَ.
ويُسَنُّ أن يُعَيِّنَ نُسُكًا ويَلْفِظَ بِهِ، وأن يشترطَ فيقولُ: "اللَّهُمِّ إِنِّي أُرِيدُ النُّسُكَ الفُلانِيَّ، فَيَسِّرْهُ لِي وَتَقَبَّلْهُ مِنِّي، وإن حَبَسَنِي حَابِسٌ فَمَحِلِّي حَيثُ حَبَسْتَنِي".
ويَخْرُجُ مِنْهُ بِرِدَّةٍ لا بِجُنُونٍ، وإغْمَاءٍ وسُكْرٍ كَموْتٍ، ويُخَيَّرُ بين تَمَتُّعٍ وهو أفضلُها، فإِفْرَادٍ، فَقِرانٍ.
فالتَّمَتُّعٌ: أن يُحْرِمَ بِعُمْرَةٍ في أَشْهرِ الحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ فراغِهِ مِنْها يُحْرِمُ بالحَجِّ في عامِهِ.
والإفْرَادُ: أن يُحْرِمَ بالحَجِّ، ثُمَّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهُ يُحْرِمُ بالعُمْرَةِ.

والقِرَانُ: أن يُحْرِمَ بِهِمَا مَعًا، أو بالعُمْرَةِ، ثُمَّ يُدْخِلَ عليها الحَجَّ قَبْلَ شُرُوعِهِ في طوافِهَا.
وَيَجِبُ عَلَى مُتَمتِّعٍ دَمُ نُسُكٍ بشروطٍ سَبْعَةٍ: أن لا يكونَ مِنْ حَاضِري المَسْجِدِ الحَرامِ، وهُم أَهْلُ الحَرَمِ، وَمَنْ مِنْهُ دُونَ مَسَافَةِ قَصْرٍ، وكذا من استوطَنَها من غَيْرِ أَهْلِها، وأن يَعْتَمِرَ في أَشْهُرِ الحَجِّ، وأن يَحُجَّ من عَامِهِ، وأن لا يُسَافِرَ بين الحَجِّ والعُمْرَةِ مَسَافَةَ قَصْرٍ، وأن يُحِلَّ من العُمْرَةِ قَبْلَ إحرامِهِ بالحَجِّ، وأن يُحْرِمَ بالعُمْرَةِ من الميقَاتِ أو من مَسَافَةِ قَصْرٍ فَأَكْثَرَ من مَكَّة، وأن ينويَ التَّمَتُّعَ في ابتداء العُمْرَةِ أو أَثْنَائِها.
وَيَلْزَمُ القَارِنَ أيضًا إذا لم يَكُنْ مِن حَاضِرِي المَسْجِدِ الحَرَامِ.
ولا يَسْقُطُ دَمُ تَمَتُّعٍ وقرانٍ بفسادِ نُسُكِهِمَا ولا بفواتِهِ.
ومن أَحْرَمَ مُطْلقًا صَحَّ وصرفَهُ لِمَا شَاءَ، وبِمِثْلِ ما أَحْرَمَ فُلانٌ انعقدَ بمثلِهِ.

فَصْلٌ

والتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ من حِينِ إحرامِهِ، ويُسَنُّ ذِكْرُ نُسُكِهِ فيها، والإكثارُ منها، وَرَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، لا في مسَاجِدِ الحِلِّ وأَمْصَارِهِ، ولا في طَوافٍ، والسَّعْيِ بَعْدَهُ.
ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا حَوْلَ البَيْتِ لئلا يشغَلَ الطَّائِفينَ.

ويُسَنُّ أن يُلَبِّيَ عن أَخْرَسَ، وَمَرِيضٍ، وَصَغِيرٍ، ومَجْنُونٍ، ومُغْمًى عليه.
وَيُسَنُّ الدُّعَاءُ بَعْدَهَا، فَيَسْأَلُ اللَّهَ الجَنَّةَ وَيَعُوذُ بِهِ مِنَ النَّارِ، ويَدْعُو بما أَحَبَّ، والصَّلاةُ على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ.
وصِفَتُهَا: "لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الحَمْدَ والنِّعْمَةَ لَكَ والمُلْكَ، لا شَرِيكَ لَكَ" 1. ولا تُسَنُّ الزِّيَادَةُ على ذَلِكَ ولاتُكْرَهُ، ولا تكْرَارُها في حَالَةٍ وَاحِدَةٍ، ولا تُشْرَعُ بِغَيْرِ العَرَبِيَّةِ لِقَادِرٍ عليها.
وتتَأَكَّدُ إذا عَلا نَشْزًا، أو هَبَطَ واديًا، وفي دُبُرِ الصَّلاةِ المكتُوبَةِ، ولو صَلَّى وَحْدَهُ، وعِنْدَ إقبالِ اللَّيْلِ والنَّهَارِ، وبالأَسْحَارِ، وإذا الْتَقَتِ الرِّفَاقُ، وإذا سَمِعَ مُلَبِّيًا، أو أتى مَحْظُورًا نَاسِيًا إذا ذَكَرَهُ، أو رَكِبَ دابَّتَهُ أو نَزَلَ عنها، أو رَأَى البَيْتَ.
ولا بَأْسَ أن يُلَبِّيَ الحَلالُ، وتُلَبِّيَ المَرْأَةُ، ويُعْتبَرُ أن تُسْمِعَ نَفْسَهَا، ويُكْرَهُ جَهْرُهَا بها أكثرَ من سَمَاعِ رَفِيقَتِها.

بَابُ مَحْظُورَاتِ الإحْرَامِ

وهي: ما يَحْرُمُ على المُحْرِمِ فِعْلُهُ، وهي تِسْعَةٌ: إِزَالَةُ الشَّعْرِ من جَمِيعِ بَدَنِهِ ولو من أَنْفٍ بِحَلْقٍ أو غيره، فإن كانَ لَهُ عُذْرٌ من مَرَضٍ، أو قَمْلٍ أو قُرُوحٍ، أو صُدَاعٍ، أو شِدَّةِ حَرٍّ، أَزَالَهُ، وَفَدَى، كَأَكْلِ صَيْدٍ لِضَرورَةٍ.
الثَّاني: تَقْلِيمُ الأَظْفَارِ، فَمَنْ حَلَقَ ثَلاثَ شَعَرَاتٍ فَأَكْثَرَ، أو قَلَّمَ ثَلاثَةَ أَظْفَارِ فَأَكْثَرَ، ولو مُخْطِئًا أو نَاسِيًا، فَعَليهِ دَمٌ، وفِيمَا دُونَ ذَلِكَ في كُلِّ واحِدٍ طَعَامُ مِسْكِينٍ، وبَعْضُ شَعْرَةٍ أو ظُفُرٍ كَجَمِيعِهِ.
وإن خَرَجَ في عينيهِ شَعْرٌ فَقَلَعَهُ، أو نَزَلَ شَعْرُ حاجِبَيهِ فَغَطَّى عَيْنَيْهِ فأزالَهُ، أو كُسِرَ ظفُرُهُ فَقَصَّهُ بِقَدْرِ ذَلِكَ، أو قَطَعَ إصْبَعًا بِظُفْرِها، أو قَلَعَ جِلْدًا عليه شَعْر، أو افْتَصدَ فَزَالَ شَعْرٌ، فلا فِدْيَةَ عَليه في شَيءٍ من ذَلِك، فإن خَلَّلَ لحيتَهُ أو مَشَطَها أو رأسَهُ فَسَقَطَ شَعْرٌ مَيِّتٌ فلا شيءَ عليه.

وإن تَيَقَّنَ أَنّهُ بانَ بالمشطِ أو التَّخلِيل فَدَى.
وَتُسَنُّ الفديةُ مع الشَّكِّ، وَلَهُ حَكُّ بَدَنِهِ ورأْسِهِ بِرِفْقٍ ما لم تقْلَع شَعْرًا.
الثَّالِثُ: تعمُّدُ ذَكَرٍ تغطيةَ الرَّأْسِ والأُذنَانِ منه، فمن غَطَّاه بِلاصِقٍ ولو بِقِرْطَاسٍ فيه دواءٌ، أو بطينٍ، أو نُوْرَةٍ، أو حِنَّاءٍ، أو عصبَهُ، ولو بِسَيْرٍ، أو عِصَابَةٍ لِصُدَاعٍ، أو استَظَلَّ بِمَحْمِلٍ ونحوه، أو بِثَوْبٍ ونحوِه رَاكِبًا أو لا، فَدَى مُطْلقًا، وحَرُمَ بِلا عُذْرٍ، لا إن حَمَلَ عليه شيئًا أو نَصَبَ حيالَهُ شيئًا أو استَظَلَّ بِخَيْمَةٍ أو شَجَرَةٍ.
الرَّابِعُ: تعمدُ ذَكَرٍ لُبْسَ المخيطِ إلَّا أن لا يجدَ إزارًا فَلَهُ لُبْسُ سراويلَ أو نعلينِ فَلَهُ لُبْسُ خفينِ أو نحوهِما حَتَّى يَجِدَ إزارًا ونعلينِ ولا فديَةَ، ويَحْرُمُ قَطْعُ الخُفينِ.
ولا يَعْقِدُ عليه رِداءً ولا غيرَهُ إلَّا إزارًا ومِنْطَقَةً وهِمْيانًا فيهما نَفَقَةٌ لِحاجَةِ العَقْدِ، ويتقلَّدُ بِسيفٍ لحَاجَةٍ، ويحمِلُ جِرابَهُ وقِرْبَةً في عُنُقِهِ لا صدرِهِ، وله أن يَتَّزِرَ ويلتحِفَ بقميصٍ ويرتَدِيَ بِهِ وبرداءٍ موصَّل، وإن طَرَحَ على كَتِفَيْهِ قَبَاءً فَدَى.
الخَامِسُ: الطِّيبُ، فمتى طيَّبَ مُحْرِمٌ ثَوْبَهُ أو بَدَنَهُ، أو استعمَلَهُ في أَكْلٍ أو شُرْبٍ، أو ادهانٍ أو اكتحالٍ، أو استعاطٍ، أو احتقانٍ، بحيثُ يَظْهَرُ طعمُهُ أو ريحُهُ، أو قَصَدَ شَمَّ دُهْنٍ مُطَيَّبٍ، أو مِسْكٍ أو كافُورٍ أو عَنْبَرٍ أو زَعْفَرانٍ أو وَرْس، أو ما يُنْبِتُهُ آدميٌّ لطيبٍ ويُتَّخَذُ

مِنْهُ كَوَرْدٍ وبنفْسَجٍ ومنثورٍ 1 ولَيْنوُفَرٍ 2 وياسمَيِنَ ونحوِه، وشَمُّه، أو مسُّ ما يعلقُ به كماءِ وَرْدٍ حَرُمَ وَفَدى، لا إن شَئَم بِلا قَصْدٍ، أَو مَسَّ ما يعلقُ، أو شَمَّ ولو قَصْدًا فواكهَ أو عودًا بلا حرْق، أو نباتَ صحراءَ ونحوَهُ، أو ما ينبتُهُ آدَمِيٌّ لا بِقَصْدِ طيب كحِنّاءٍ وعُصْفُرٍ وقَرَنْفُلٍ، أو لِقَصْدِهِ ولا يُتَّخَذُ منه كريحانٍ فارِسيٍّ وهو الحَبَقُ، وَنَمَّامٍ 3 وَبَرمٍ 4 - وهو ثَمَرُ العِضَاةِ 5 - كَأُمِّ غَيْلان ونحوِها، ونَرْجِسٍ وَمَرْزجُوشٍ 6 أو ادهن بغير مطيَّب.

السَّادِسُ: قَتْلُ صَيْدِ البَرِّ واصطيادُهُ، وهو الوحشيُّ المأكولُ والمُتَولِّدُ منه ومن غيره، والاعتبار بأَصْلِهِ، فَحَمَامٌ وبَطٌّ وحشيٌّ، فمن أَتْلَفَ صَيْدًا أو بَعْضَهُ، أو تَلِفَ في يدِهِ بمُباشَرَةٍ أو سَبَبٍ أو إشارةٍ لمريدٍ صيدَهُ، أو أعانَهُ بمناولةِ آلةٍ، ويَحْرُمُ ذَلِك، لا دلالةٍ على طيِبٍ ولِبَاسٍ، فعليهِ الجزاءُ إلَّا أن تقْتُلَهُ مُحْرِمٌ فبينَهُمَا.
ولو دَلَّ حَلالٌ حَلالًا على صيد بالحَرَمِ فكما لو دَلَّ مُحْرِمٌ مُحْرِمًا، وَحَرُمَ أكلُهُ من ذَلِكَ كُلِّهِ، وكذا ما ذُبِحَ أو صيد لأَجله.
ويلْزَمُهُ بأكلِهِ الجزاءُ، وما حَرُمَ عليه لِدَلالَةٍ أو إعانةٍ أو لكونِهِ صِيدَ لَهُ لا يَحْرُمُ على محرمٍ غيرِهِ كحلال.
وإن نَقَلَ بيضَ صَيْدٍ فَفَسَدَ، أو حَلَبَ صَيْدًا ضَمِنَ ذَلِكَ بقيمَتِهِ مكانَهُ، لا إن أتلفَ بَيْضًا مَذِرًا أوفيه فَرْخٌ مَيِّتٌ، إلَّا بيضَ نَعَامٍ؛ لأَن لقشرِهِ قِيمَة.
ولا يملِكُ صَيْدًا ابتداءً بغير إرْثٍ، فلو قبضَهُ رَهْنًا أو هِبَةً أو بشراءٍ لَزِمَهُ رَدُّهُ، وعليه إن تَلِفَ قبلَهُ الجزاءُ مع قيمته في هِبَةٍ وشراءٍ.
وإن أَمْسَكَهُ مُحْرِمٌ أو حَلالٌ بالحَرَم فَذَبَحَهُ ولو بعد حِلِّهِ أو إخراجِهِ من الحَرَمِ ضَمِنهُ وكان ميتةً في حَقِّهِ وحَقِّ غيره، وإن ذَبَح مُحِلٌّ صيدَ حَرَمٍ فكالمُحْرِم.

ومن قَتلَ صَيْدًا صَائِلًا دَفْعًا عن نفسِهِ أو بتخليصِهِ من سَبُعٍ أو شَبَكَةٍ ليطلِقَهُ، أو قَطَعَ مِنْهُ عُضوًا مُتآكِلًا لم يَحِلَّ ولم يَضمَنْهُ، ولا تأثيرَ لِحَرَمٍ ولا إحْرَامٍ في تحريم حَيوانٍ إنْسِيٍّ، ولا في مُحَرَّمِ الأَكْلِ إلَّا المُتَولِّدِ.
ويحرُمُ بإحرامٍ قتلُ قَمْلٍ وصِئْبَانِهِ لا براغيثَ ولو بِزِئْبَقٍ ونحوه، وكذا رَمْيُهُ، ولا جزاءَ فيه.
ولا يَحْرُمُ صَيْدُ البَحْرِ والأَنْهارِ والعيُونِ.
وَيُسَنُّ قَتْلُ كُلِّ مُؤْذٍ في الحِل والحَرَمِ غيرِ آدميٍّ كالفَوَاسِقِ، -وهي: الحِدَأَةُ، والغُرابُ الأَبْقَعُ، وغُرابُ البَيْنِ، والفَأْرَةُ، والحَيّةُ، والعَقْرَبُ، والكَلْبُ العَقُورُ-، والأَسَدِ، والنَّمِرِ، والذِّئْبِ، والفَهْدِ، والبَازِيِّ، والصَّقْرِ، والشَّاهِينِ، والعُقابِ، والحَشَراتِ المُؤْذِيَةِ، والزَّنْبُورِ، والبَقِّ، والبَراغِيثِ، والرَّخَمِ، والبُومِ، والدِّيدانِ، ولا جزاءَ في ذَلِكَ.
وإن احتاجَ إلى فِعْلِ مَحْظُورٍ فَلَهُ فِعْلُهُ وعليه الفِداءُ.
السَّابِعُ: عَقْدُ النِّكاح، فلا يَتَزَوَّجُ ولا يُزَوِّجُ غَيْرَهُ بولايةٍ ولا وَكَالةٍ، ولا يَقْبَلُ له النِّكَاحَ وَكِيلُهُ الحَلالُ، ولا تُزَوَّجُ المُحْرِمَةُ، والنَّكَاحُ في ذَلِكَ كُلِّه بَاطِل مطلقًا ولا فِدْيَةَ، ويَصِحُّ للنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.

والاعْتِبارُ بحالَةِ العَقْدِ.
وتُكْرَهُ خِطْبَتُهُ، وخِطْبَةُ مُحِلٍّ مُحْرِمَةً كخِطبة عَقْدِهِ وحضورِهِ وشهادةٍ فيه، ويُبَاحُ الرَّجْعَةُ.
الثَّامِنُ: الجِمَاعُ في فَرْجٍ أَصْلِيٍّ من آدَمِي أو غَيْرِهِ، فمن فَعَلَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ ولو بَعْدَ الوُقُوفِ، فَسَدَ نُسُكُهُما، ولو سَاهيًا وجَاهِلًا أو مُكْرَهًا، أو نائِمَةً، ويَجِبُ بِهِ بَدَنَةٌ، وعليهما المُضِيُّ في فاسده.
وحُكْمُهُ حُكْمُ الإحرامِ الصَّحِيحِ، فَيَفْعَلُ بَعْدَ الإفْسَادِ كما كان يَفْعَلُ قَبْلَهُ، مِنَ الوُقُوفِ وغيره، ويَجْتَنِبُ ما يَجْتَنِبُهُ قَبْلَهُ من الوَطْءِ وغيرِهِ، وعليه الفِدْيةُ إذا فَعَلَ محظورًا، والقَضَاءُ على الفَوْرِ، ولو نَفْلًا إن كانا مُكَلَّفَيْنِ، وإلَّا بعدَهُ بَعْدَ حَجَّةِ الإسلامِ على الفَوْرِ.
وَيَصِحُّ قَضاءُ عَبْدٍ مُكَلَّفٍ في رِقِّه من حَيْثُ أَحْرَما أَوَّلًا من الميقاتِ أو قبله، فإن أَفْسَدَ القضاءَ، قَضَى الواجِبَ.
وَنَفَقَةُ المرْأةِ في القضاءِ عليها إن طاوَعت، وإن أُكْرِهَتْ فعلى مُكْرِهِهَا.
وَيُسَنُّ تفرقُهُما في القَضاءِ من المَوْضِعِ الذي أصابَها فيه إلى أن يُحِلَّا، بأن لايَرْكَبَ مَعَها على بَعِيرٍ، ولا يَجْلِسَ معها في خِباءٍ وما أَشْبَه ذَلِك، بل يكونُ قريبًا منها يُراعي أَحْوالَها.
والعُمْرَةُ في ذَلِكَ كالحَجِّ، يُفْسِدُها الوُطْءُ قبلَ الفَرَاغ من السَّعْي لا بعدَه، وَيجِبُ المُضِيُّ في فاسِدِها، والقضاءُ والدَّمُ، وهو شَاةٌ.
لكن

إن كانَ مَكِّيًّا أو مُجاورًا بها، أَحْرَمَ للقَضَاءِ من الحِلِّ سواءٌ كانَ قد أَحْرَمَ بها منه، أو لا.
وإن أَفْسَدَ المُتَمَتِّعُ عُمْرَتهُ وَمَضَى في فاسِدها وَأَتَمَّها، خَرَجَ إلى الميقاتِ فَأَحْرَمَ منه بِعُمْرَةٍ، فإن خَافَ فَوْتَ الحَجِّ أَحْرَمَ به من مَكَّة، وعليه دَمٌ.
فإذا فَرَغَ من حَجِّهِ خَرَجَ فَأَحْرَمَ من الميقاتِ بعُمْرةٍ مكان التي أَفْسَدَها، وعليه هَدْيٌ يَذْبَحُهُ إذا قَدِمَ مَكةَ لِمَا أَفْسَدَ من عُمْرَتِهِ.
وإن أَفْسَدَ المُفْرِدُ حَجَّتَهُ وأَتَمَّهَا، فَلَهُ الإحرامُ بالعُمْرَةِ مِن أَدْنَى الحِلِّ، وإن أَفْسَدَ القَارِنُ نُسُكَه، فعليه فِداءٌ واحِدٌ.
وَمَنْ جَامَعَ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الأَوَّلِ وقبلَ الثَّانِي لم يَفْسُدْ حَجُّهُ، قارنًا كان أو مُفْرِدًا، لكنْ فَسَدَ إحْرامُه.
فَيُحْرِمُ من الحِل ليَطُوفَ للزِّيَارَةِ في إحرامٍ صَحيح، وَيَسْعَى إن لم يَكُنْ سَعَى وَتَحَلَّلَ؛ لأَنَّ عليه بَقِيَّةَ أفعال الحَجِّ، وَيَلْزَمُهُ شَاةٌ.
والقَارِنُ كالمُفْرِدِ، ولا فِدْيَةَ على مُكْرَهَةٍ، ولا يَلْزَمُ الواطئُ الفِدْيَة عنها.
التَّاسِعُ: المُبَاشَرَةُ فيما دُونَ الفَرْجِ لِشَهْوَةٍ بِوَطْءٍ أو قُبْلَةٍ أو لَمْسٍ، وكذا نَظَرٌ لِشَهْوَةٍ، فإن فَعَلَ فَأَنْزَلَ أو لا فعليهِ بَدَنَةٌ ولم يَفْسُدْ نُسُكُه؛ لأَنه لا يفسُدُ إلَّا بالوطءِ في الفَرْجِ.

فَصْلٌ

والمَرْأَةُ إحْرامُها في وَجْهِها، فَيَحْرُمُ تغطيتُهُ بِبُرْقعٍ أو نِقابٍ أو غيرِه، فإن غَطَّتْه لغير حَاجَةٍ، فَدَت، ولحاجةٍ كمُرُورِ رِجَالٍ قريبًا منها، تَسْدُلُ الثَّوْبَ مِن فَوْقِ رَأْسِهَا على وَجْهِهَا، ولو مَسَّ وَجْهَهَا.
وَيَحْرُمُ عليها ما يَحْرُمُ على الرَّجُلِ إلَّا لُبْسَ المخيطِ والتَّظْلِيلِ بِالْمَحْمِلِ ونحوِه.
وَيَحْرُمُ عليهما لُبْسُ قُفَّازَيْن وهو كُلُّ ما يُعْمَلُ لليَدِ إلى الكُوعِ وفيه الفدية.
ويُبَاحُ لها خَلْخَالٌ ونحوُهُ من حُلِيٍّ.
وَيُسَنُّ لها الخِضَابُ عِنْدَ الإحرامِ، وكُرِهَ بَعْدَهُ، فإن شَدَّتْ يديها بِخِرْقَةٍ فَدَتْ، ويكرَهُ لَهُما كُحْلٌ بإثمدٍ ونحوِه غَيْرُ مُطَيَّبٍ لزينةٍ، ولا يُكْرَهُ غيرُه إن لم يكن مُطَيَّبًا، ويَجُوزُ لَهُمَا لُبْسُ المُعَصْفَرِ والكُحْليِّ وَغيرِهما، وَقطْعُ رائِحَةٍ كريهةٍ بغير طيبٍ، واتجارٌ، وعملُ صَنْعَةٍ ما لم يُشْغِلا عن واجبا أو مُسْتَحَبٍّ، وَنَظر في مرآةٍ لِحَاجَةِ، وكُرِه لزينةٍ، وَلَهُ لُبْسُ خَاتَم.
تَنْبِيهٌ: وَيَتَأَكَّدُ في حَقِّ المُحْرِم اجتنابُ ما نَهَى اللَّهُ عنه مِنَ الرَّفَثِ وهو الجِمَاعُ، وكذا التَّقْبِيلُ والغَمْزُ، وأن يُعَرِّض لها بالفُحْشِ

من الكَلامِ واجتنابُ الفُسُوقِ وهو السِّبَابُ، واجتنابُ الجِدَالِ وهو المِراءُ فيما لا يَعني.
وَيُسَنُّ لَهُ بِتَأكُّدٍ قِلَّةُ الكَلامِ إلَّا فيما يَنْفَعُ، وأن يَشْتَغِلَ بالتَّلْبِيَةِ، وذِكْرُ اللَّهِ تعالى، وقِراءَةُ القُرآن، والأَمرُ بالمعروفِ والنَّهيُ عن المُنكَرِ، وَتَعْلِيمُ الجَاهِلِ ونحوُ ذَلِكَ.

بَابُ الفِدْيةِ

وَهي ما يَجِبُ بِسَبَبِ نُسُكٍ أو حَرَمٍ، وله تَقْدِيمُها على فِعْل المَحْظُورِ لِعُذْرٍ بَعْدَ وجودِ السَّبَبِ المُبِيحِ، وهي على ثلاثةِ أضْرُبٍ: أحَدُها: على التَّخْييرِ، وهو نَوْعانِ: أَحَدُهما: يُخَيَّرُ فيه بَيْنَ صيَامِ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ، أَو ذَبْحِ شَاةٍ، أو إطْعَامِ سِتَّةِ مَساكينَ لِكُلِّ مِسْكينٍ مُدُّ بُرٍّ أو نصفُ صاع تَمْرٍ أو زبيبٍ أو شَعيرٍ، وهي فديةُ حَلْقٍ وتَقْلِيمٍ، وَتَغْطيةِ الرَّأْسِ، واللُّبْسِ والطيبِ، سواءٌ فَعَلَ ذَلِكَ لِعُذْرٍ أو غيرِهِ، وَيَأْثَمُ بفعلِهِ بلا عُذْرٍ.
الثَّاني: جَزَاءُ الصَّيْدِ، يُخَيَّرُ فيه بين مِثْلِهِ أو تقويمِهِ بِمَحَلِّ التَّلَفِ، وَقُرْبِهِ بِدَراهِمَ يَشْتَرِي بها طَعَامًا يُجْزِئُ في الفِطْرَةِ، فَيُطعِمُ كُلَّ مِسْكينٍ مُدَّ بُرٍّ أو نِصْفَ صَاعٍ من غيرِهِ، أو يصُومُ عن طعامِ كُلِّ مسكينٍ يَوْمًا، وإن بَقِيَ ما لا يَبْلُغ يومًا صَامَ يَوْمًا، ولا يَجِبُ التّتابُعُ في هذا الصَّوْمِ، ولا يجوزُ أن يَصُومَ عن بَعْضِ الجزاءِ أو يُطْعِمَ عن بَعْضِهِ، وإن كان مِمَّا لا مِثْلَ لَهُ خُيِّرَ في قيمَتِهِ بَيْنَ أن يشتَرِيَ بها طَعَامًا فَيُطْعِمَهُ للمساكين، وَبَيْنَ أن يَصُوم عن طَعام كُلِّ مسكينٍ يومًا.

الضرْبُ الثَّاني: على التَّرْتيبِ، وهو ثَلاثَةُ أنْواعٍ: أحدُها: دَمُ مُتْعَةٍ وقرانٍ فَيَجِبُ الهَدْيُ، فإن عَدِمَهُ موضعَهُ، أو وَجدَهُ ولا ثَمنَ معه إلَّا في بلدِهِ، فصيامُ ثلاثةِ أيَّامٍ في الحَجِّ، والأَفْضَلُ أن يكونَ آخرُها يَوْمَ عَرَفَةَ، فيَصُومُهُ للحاجَة، ويُقَدِّمُ الإحرامَ بالحَجِّ على يوم التَّرْوِيَةِ، فيكونُ اليَوْمُ السَّابِعُ من الحِجَّةِ مُحْرِمًا وهو أولُها، وله تقديمُهَا على إحرامِهِ بالحَجِّ بعد إحرامِهِ بالعُمْرَةِ، وسَبْعَةٍ إذا رَجَعَ إلى أهْلِهِ.
ولا يَصِحُّ صَومُها بعد إحرامِهِ بالحَجِّ قَبْلَ فراغِهِ، ولا في أيامِ منى لبقاءِ أعمالٍ مِنَ الحَجِّ، ولا بعدها قَبْلَ طوافِ الزّيَارَةِ، وبعدَهُ يَصِحُّ.
والاختيارُ إذا رَجَعَ إلى أهله، فإن لم يَصُمِ الثَّلاثَةَ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ صَامَ أيامَ مِنًى ولا دَمَ عليه، فإن لم يَصُمْهَا فيها ولو لِعُذْرٍ صَامَ بَعْدَ ذَلِكَ عشرةً وعليه دَمٌ، وكذا إن أَخَّرَ الهَدْي عن أيامِ النَّحْرِ لِغَيْرِ عُذْرٍ.
ولا يَجِبُ تَفْرِيقٌ ولا تتَابُعٌ في الثَّلاثَةِ ولا السَّبْعَةِ، ولا بَيْنَ الثَّلاثَةِ والسَّبْعَة إذا قَضَى.
ولا يَلْزَمُ من قَدَرَ على هَدْيٍ بَعْدَ وجوبِ الصَّوْمِ الانتقالُ، شَرَعَ فيه أوْ لا وله ذلك.
ومن لَزِمَهُ صَوْمُ المتعَةِ فَمَاتَ قبل أن يَأْتِيَ بِهِ لِغَيْرِ عُذْرٍ أُطْعِمَ عنه لِكُل يَوْمٍ مسكينٌ وإلَّا فلا.

الثَّاني: المُحْصَرُ، يَلْزَمُهُ هَدْيٌ يَنْحَرُهِ بِنِيَّةِ التَّحَللِ مَكَانَهُ، فإن لم يَجِدْ صَامَ عَشَرَةَ أَيَّامٍ بالنِّيَّةِ ولا إطعامَ فيه.
الثَّالِثُ: فِدْيَةُ الوَطْءِ، فيجِبُ بِهِ في حَجٍّ قَبْلَ التَّحَللِ الأَولِ بَدَنَةٌ، فإن لم يَجِدْهَا، صَامَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ: ثلاثةً في الحَجِّ وسَبْعَةً إذا رَجَعَ، وفي عمرةٍ شاةٌ، والمرأةُ كالرَّجُلِ.
الضَّرْبُ الثَّالِثُ: الدِّماءُ الواجِبَةُ لِفَواتِ الحَجِّ، أو لِتَرْكِ واجِبٍ، أو مُباشَرَةٍ في غَيْرِ الفَرْج، فما أَوْجَبَ بَدَنَةً كَمَا لو بَاشَرَ دُون فَرْجٍ، أو كَرَّرَ النَّظَرَ، أو قَبَّلَ أو لَمَسَ لِشَهْوِةٍ فَأَنْزَلَ، أو استمنَى فَأَمْنى فحُكْمُها كبدنةِ وطءٍ.
وما أَوْجَبَ شاةً كما لو أَمْذَى بِذَلِكَ أو باشَرَ ولم يُنْزِلْ أو أَمنى بنظرةٍ، فكَفديةِ لُبْس ونحوه، وخطأٌ في الكُلِّ كَعَمْدٍ، وأُنثى مع شَهوةٍ كَرَجُلٍ.
وما وَجَبَ لِفَواتٍ أو تَرْكِ واجبٍ فَكَدَمِ مُتعَةٍ، ولا شيءَ على من فَكَّرَ فَأَنْزَلَ.
تَنْبِيهٌ: وَمَن كَرَّرَ مَحْظورًا من جِنْسٍ غيرِ قَتْلِ صَيْدٍ بأن حَلَقَ، أو قَلَّمَ، أو لَبِس، أو تَطَيَّبَ، أو وَطِئَ، وأعادَهُ قبل التكفيرِ عن الأَولِ فَكَفَّارةٌ واحدةٌ، وإلَّا لَزِمَهُ أُخرى.
وإن كان من أجناسٍ فَلِكُلِّ جِنْسٍ فديةٌ، ويتعدَّدُ جزاءُ الصَّيدِ بتعَدُّدِهِ.

فَائِدَةٌ: وإن حَلَقَ أو قَلَّمَ أو وَطِئَ أو قَتَلَ صَيْدًا، عَامِدًا أو نَاسِيًا أو مُخطئًا أو مُكْرَهًا ولو نائمًا، قَلَعَ شَعْرَهُ أو صَؤَبَ رَأْسَهُ إلى تَنُّورٍ فَأَحْرَقَ اللَّهَبُ شَعْرَه فعليه الكَفَّارَةُ.
وإن لَبِسَ أو تَطَيَّبَ، أو غَطَّى رَأْسَه، نَاسِيًا أو جَاهِلًا أو مُكْرَهًا، فلا كَفَّارَةَ، ويَلْزَمُه غَسْلُ الطِّيبِ وَخَلْعُ الثِّياب في الحَالِ، ويُقَدِّمُ غسلَهُ على الطَّهارَةِ لِعَدَمِ الماءِ لهما، فإن لم يَجِد ماءً مَسَحَهُ أوحَكَّهُ بِتُرابٍ ونحوِه حَسَبَ الإمكانِ، وله غسلُهُ بيدِهِ وبمائِعٍ، فإن أخَّرَهُ بلا عُذْرٍ فَدَى.
تَتِمَّةٌ: ومَن رفَضَ إحرامَهُ لم يَفْسُدْ، ولم يَلْزَمْهُ دَمٌ لِرَفْضِهِ، بل يلزَمهُ الفِدَاءُ لِكُلِّ محظورٍ يَفْعَلُهُ بعدَهُ، ومن تَطيَّبَ قبل إحرامِهِ في بَدَنِهِ فَلَهُ استدامتُهُ فيه لا لُبْسُ مُطَيَّبٍ بعدَهُ، فإن فَعَلَ أو استدامَ لُبْسَ مخيطٍ أَحْرَمَ فيه ولَوْ لَحْظَةً فدَى، وإن لَبِسَ أو افترشَ ولو تَحْتَ حَائِلٍ لا يمنَعُ ريحَهُ أو مباشرتَهُ ما انقطَعَ ريحُ الطيبِ مِنْهُ ولكن يفوحُ بِرَشِّ الماءِ فَدَى.

فَصْلٌ

وَكُلُّ هَدْيٍ أو إطْعَامٍ يَتَعَلَّقُ بَحَرَمٍ أو إحْرامٍ، كجزَاءِ صَيْدٍ، وما وَجَبَ لِتَرْكِ واجِبٍ أو فَواتٍ، لو بِفِعْلٍ مَحْظورٍ في الحَرَمِ، وَهَدْي تَمَتُّعٍ، وقِرانٍ ومنذورٍ ونحوِها، يَلْزَمُهُ ذَبْحُهُ في الحَرَمِ، وَتَفْرِقَةُ لَحْمِه أو إطلاقُه لمساكِينِهِ، وهُم من كَانَ مُقيمًا به، أو وارِدًا إِليه مِن حَاجٍّ

وغيره مِمَّن له أخْذُ زكاةٍ لِحَاجَةٍ، إن قَدَرَ بنفسِهِ أو بمن يرسلُهُ مَعَهُ، فإن دَفَعَ إلى فقيرٍ في ظَنِّهِ فَبانَ غنيًا أَجْزَأَ، والأَفضلُ أن ينحر للحَجِّ بمنى وللعُمْرة بالمروَةِ، وإن سلَّمَهُ إليهم فَنَحَرُوهُ أَجْزَأَ وإلَّا استردَّهُ ونحرَهُ، فإن أبى أو عَجَزَ ضَمِنَهُ، فإن لم تقْدِرْ على إيصالِهِ إليهم نَحَرَهُ في غَيْرِ الحَرَمِ وَفَرَّقَهُ بمَنْحَرِهِ.
فَائِدَةٌ: وفديةُ الأَذى واللُّبْسِ ونحوهما وما وجَبَ بفعلِ مَحْظورٍ خَارِجَ الحَرَمِ تُجْزِئُ حَيْثُ وُجِدَ سَببُها، وفي الحَرَم أيضًا.
ودمُ إحصارٍ حيثُ أُحْصِرَ، وصَوْمٌ وحَلْق وَهديُ تطوع وما سُمِّيَ نُسُكًا يُجْزِئُ بِكُل مكانٍ كَأُضْحِيةٍ.
وَوَقْتُ ذَبْحِ فدية الأَذى واللُّبْسِ ونحوهما وما أُلْحِقِ بِهِ حين فعْلِهِ، وله الذبحُ قبلَهُ لِعُذْرٍ، وكَذَلِكَ ما وجَبَ لِتَرْكِ واجبٍ.
تَنْبِيهٌ: وكُلُّ دَمٍّ ذُكِرَ يُجْزِئُ فِيهِ شَاةٌ كأُضْحِيةٍ وهي جَذعُ الضأنِ، وثنيُّ المَعْزِ أو سُبُع بَدَنَةٍ أو سُبعُ بَقَرَةٍ، وتجزئُ بقرةٌ عن بدنةٍ وإحداهما عن سَبْعِ شياهٍ، والله أعلم.

بَابُ جَزَاءِ الصَّيْدِ

وَيَجْتَمِعُ ضمانٌ وجزاءٌ في مملوكٍ، وهو ضَرْبانِ: مَا لَهُ مِثْلٌ من النَّعَمِ فَيَجِبُ فيه مثلُهُ، وهو نَوْعانِ: أحدُهما: قَضَتْ فيه الصَّحَابةُ، ومنه في النَّعَامَة بَدَنَةٌ، وفي حِمَارِ الوَحْشِ وبَقَرِهِ وَأيَّلٍ وثَيْتَلٍ 1 وَوَعْلٍ بَقَرَةٌ، وفي الضَّبُعِ كَبْشٌ، وفي الغَزالِ شَاةٌ، وفي كُل من وَبْرٍ 2 وَضَحب جَدْيٌ له ستةُ أشهُرٍ، وفي يَرْبُوعٍ جَفْرَةٌ لها أربعةُ أشهُرٍ، وفي أرنبٍ عَناقٌ أصغَرُ من الجَفْرَةِ، وفي واحدةِ الحمامِ شاةٌ، وهو كُل ما عَبَّ وَهَدَرَ فَيَدْخُلُ فيه القَطَا والفَواخِتُ 3 والوَرَاشينُ 4 والقَمارِيُّ

والدَّبَاسِي 1 ونحوها.
النَّوع الثَّاني: ما لم تَقْضِ فيه الصَّحَابَةُ، فَيُرْجَعُ فيه إلى قَوْلِ عَدْلَيْن خَبيرينِ، ويَجُوزُ أن يكونَ القَاتِل أحدَهما، وأن يكونا القاتلَيْن.
ويُضْمَنُ صغيرٌ وكبيرٌ، وصحيحٌ ومعيبٌ، وماخِضٌ بمثله.
ويجُوزُ فِداءُ أعورَ من عَيْنٍ وأعرجَ من قائمةٍ بأَعوَرَ وأعْرَجَ من أُخْرى، وذكرٍ بِأُنثى وعكسُهُ لأَعْوَرَ بأعْرَجَ ونحو ذَلِكَ.
الضرْبُ الثَّاني: ما لا مِثْلَ لَه، وهو باقي الطَّيْرِ، وفيه قيمته مكانَهُ.
وإن أتلَفَ جُزْءًا من صيدٍ واندمَلَ وهو مُتَمَتِّعٌ وله مِثْلٌ، ضمنَهُ بمثلِهِ لحمًا من مِثْلِهِ، وما لامثلَ له يُضْمَنُ بما نقصَ من قيمتِهِ، وفيما اندمَلَ غير مُمتَنِعٍ جزاءُ جميعِهِ.
فإن جنى على حاملٍ فألقت ميتًا ضَمِنَ نقصها فقط، كما لو جَرَحَها، وإن نَفَّر صيدًا فتلف بِشيءٍ ولو بآفَةٍ سماويةٍ أو نقص في حال نفورِهِ ضَمِنَهُ، وإن رَمَى صيدًا فَأَصَابَهُ ثُمَّ سَقَطَ على آخَرَ فماتا ضَمِنَهُمَا، وإن نتفَ رِيشَه، أو شَعرهُ، أو وَبَرَهُ فعاد فلا شيء فيه، وإن صارَ غير مُمتنعٍ فكجُرْحٍ.
وإن اشتركَ جماعةٌ في قتلِ صَيْدٍ فعليهم جَزاءٌ واحدٌ كالقارنِ.

بَابُ صَيْدِ الحَرَمَيْنِ

يَحْرُمُ صَيْدُ حَرَمِ مَكَّةَ على الحَلالِ والمُحْرِمِ، فمن أَتْلَفَ منه شيئًا، ولو كافرًا أو صغيرًا أو عَبْدًا، فعليه ما على المُحْرِمِ في مِثْلِهِ.
ويَحْرُمُ صيدُ بحرٍ فيه ولا جَزَاءَ، ولا يُكْرَهُ قَتْلُ القَمْلِ فيه.
وإن رَمَى الحَلالُ من الحِلِّ صَيْدًا في الحَرَمِ، أو بعضَ قوائِمه فيه، أو أرْسَل كلْبَه عليه، أو قَتَلَ صَيْدًا على غُصْنٍ في الحَرَمِ أَصْلُه في الحِلِّ، أو أَمْسَكَ طائِرًا في الحِلِّ، فَهَلَكَ فِراخُهُ في الحَرَمِ ضمنَهُ، لا أُمَّه.
ولو رَمَى الحَلالُ صَيْدًا، ثُمَّ أحْرَمَ قَبْلَ الإصَابَةِ، لم يَضْمَنْ؛ اعْتبارًا بحالةِ الإصَابَةِ، وإن قَتَلَ من الحَرَمِ صَيْدًا في الحِلِّ بِسَهْمِهِ، أو كَلْبِه أو صَيْدًا على غُصْنٍ في الحِلِّ أصْلُه في الحَرَمِ أو أمسك حمامةً في الحَرَمِ فَهَلَكَ فِراخُها في الحِلِّ، لم يَضْمَنْ.
وإن أرسلَ كَلْبَه من الحِلِّ على صَيْدٍ في الحِلِّ فَقَتَلَهُ أو غيرَهُ في الحَرَمِ أو فَعَلَ ذلك بسهمِهِ بأن شَطَحَ السَّهْمُ فَدَخَلَ الحَرَمَ لم يَضْمَنْ،

لكن لا يُؤكَلُ، ولو جَرَحَ من الحِلِّ صَيْدًا في الحِلِّ فَمَاتَ في الحَرَمِ حَلَّ.

فَصْلٌ

ويحرُمُ قَطْعُ شَجَرِ الحَرَمِ، حَتَّى ما فيه مضرةٌ، كشوْكٍ وعَوْسَجٍ، وحشيشٍ، وورقٍ، وسِواكٍ ونحوِه، ويَضْمَنُه، إلَّا اليابسَ وما زالَ بِفِعْلِ غير آدَمِيٍّ، أو انكسَرَ ولم يَبِنْ، والإذْخِرَ والكَمَأةَ والفَقْعَ والثَّمَرَةَ.
وما زرَعَهُ الآدميُّ من بَقْلٍ ورياحينَ وزُرُوعٍ، وشَجَرٍ غُرِسَ من غَيْرِ شَجَرِ الحَرَمِ فَيُبَاحُ أخذُه والانتفاعُ به، وما انْكَسَرَ من الأَغْصانِ، وانْقَلَع من الشَّجَرِ، بغير فِعْلِ آدَمِيٍّ، وكذا الوَرَقُ السَّاقِطُ، ويجُوزُ رعْيُ حشيشهِ لا الاحتشاش للبهَائِمِ.
وإذا قَطَعَ ما يحرُمُ قطعُهُ حَرُمَ انتفاعُه وانتفاعُ غيره به كصيْدٍ ذَبَحهُ مُحْرِمٌ، ويَضْمَنُ القَاطِعُ الشجرةَ الكبيرةَ والمتوسطةَ ببقرةٍ، والصغيرةَ بشاةٍ، والحشيشَ والورقَ بقيمته، والغصنَ بما نقص.
وإن استخلف الغُصنُ والحشيش سَقَط الضَّمانُ، وكذا لو رَدَّ شَجَرةً فَنبَتَتْ.
ويَضْمَنُ نَقْصَها إن نَبَتَتْ ناقصةً.
وإن قَلَعَ شَجَرَةً من الحَرَمِ فغَرَسها في الحِلِّ لَزِمَهُ رَدُّها، فإن تَعَذَّرَ وَيَبِسَتْ أو قَلَعها من الحَرَمِ فَغَرَسها في الحَرَمِ فَيَبِسَت ضمِنَهَا، فإن قَلَعَها غيره من الحِلِّ بعد أن غَرَسَها هو ضَمِنَها قالِعُها بِخِلافِ من

نَفَّرَ صَيْدًا فَخَرَجَ إلى الحِلِّ فإنه يضمنُه المُنَفِّرُ لا القَاتِلُ، ويُخيَّرُ في الجزاءِ كما في جَزَاءِ الصَّيْدِ.
وإن قَطَعَ غُصْنًا في الحِلِّ أصلُهُ أو بعض أصلِهِ في الحَرَمِ ضَمِنَهُ لا إن قَطَعُهُ في الحَرَمِ، وأصله كُلُّه في الحِلِّ، ويُكْرَهُ إخراجُ تُرابِ الحَرَمِ وحجارتِهِ إلى الحِلِّ لا ماءِ زَمْزَمَ.
فَائِدَةٌ: وَحَدُّ الحَرَمِ من طَرِيقِ المدينةِ ثلاثةُ أميالٍ عِنْدَ بُيُوتِ السُّقْيا، ومن اليَمَنِ سَبْعَةٌ عِنْدَ أضاءة لِبْنٍ 1. ومن العِراقِ كذلك على ثَنِيَّةِ خِلٍّ؛ وهو جَبَلٌ بالمَقْطَعِ، ومن الجِعْرَانَةِ تِسْعَةُ أَمْيَالٍ في شِعْبِ عبد الله بن خالد.
ومن جُدَّةَ عَشَرَةُ أميالٍ عند مُنْقَطِعِ الأَعْشاشِ، وهي البيوت من قَصبٍ ونحوه.
ومن الطَّائِفِ على عرفاتٍ من بَطْنِ نَمِرَةَ سَبْعَةُ أميالٍ عِنْدَ طَرَفِ عَرَفَةَ، ومن بطن عُرَنة أَحَدَ عَشَرَ مِيلًا، وحُكْمُ وَجٍّ حُكْم الحِلِّ وهو وادٍ بالطائِفِ.
تَتِمَّةٌ: مَكَّةُ أفضلُ من المدينةِ، وتُسَن المُجاورةُ بِها، وتُضَاعَفُ الحَسَنَةُ والسَّيئَةُ بمكانٍ وزمانٍ فاضلٍ، والصَّلاة بالمسجدِ الحَرامِ بمائةِ ألفِ صلاةٍ، وبمسجده صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بألفٍ، وبالأَقْصى بخمس مئة، وباقي الحسنات كالصَّلاةِ.

فَصْلٌ

وَيَحْرُمُ صيدُ حَرَمِ المدينةِ، وقَطْعُ شَجَرِهِ وحشيشِهِ إلَّا لحاجةِ المسانِدِ والرَّحْلِ والقَتَبِ والحَرْثِ والعَلَفِ ونحوها، ومن أدْخَلها صَيْدًا فلَهُ إمساكُهُ وذبحُهُ، ولا جزاءَ فيما حَرُمَ من ذَلِكَ ويَحِلُّ أكلُهُ، وحرمها بريدٌ في بريدٍ، وهو ما بين ثَوْرٍ وعَيْرٍ، وهما جَبَلان مشهورانِ بها، وذلك ما بينَ لابتيها، وَجَعَل النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حول المدينة اثني عشر ميلًا حِمًى.
فَائِدَةٌ: الأَوْلى أن لا تُسَمَّى المدينةُ يثْرِبَ.

بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ

يُسَنُّ الاغْتِسَالُ لَه حَتَّى لِحائِضٍ، ودُخولُها نَهَارًا مِن أَعْلاها من ثَنِيَّةِ كَداءٍ، وأن يَخْرُجَ من كُدىً من الثَّنِيَّةِ السُّفْلَى، وأن يَدْخُلَ المَسْجِدَ من بابِ بَني شَيْبَةَ.
فإذا رَأَى البَيْتَ رَفَعَ يَدَيْهِ وَكَبَّرَ وقال: "اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلامُ ومِنْكَ السَّلامُ، حَيِّنا رَبَّنا بالسَّلامِ" 1، "اللَّهُمَّ زِدْ هَذا البَيْتَ تَعْظِيمًا وَتَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا وَمَهَابًةً وَبِرًّا، وزِدْ مَن عَظَّمَهُ وَشَرَّفَهُ مِمَّن حَجَّهُ واعْتَمَرَه تَعْظِيمًا وَتَكْريمًا وَتَشْرِيفًا وَمَهَابَةً وَبِرًّا" 2. الحَمْدُ للَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ كثيرًا كَما هو أَهْلُه، وكما يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ، وعِزِّ جَلالِه، والحمدُ للَّهِ الذي بَلَّغَنِي بَيْتَه، ورآني لِذَلِكَ أَهْلًا، والحمدُ للَّهِ على كُلِّ حَالٍ.
اللَّهُمَّ إِنَّكَ دَعَوْتَ إلى حَجِّ بَيْتِكَ الحَرامِ، وقد جِئْتُكَ لِذَلِكَ،

اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي، واعْفُ عَنِّي، وَأَصْلِحْ لي شَأْنِي كُلَّهُ، لا إله إلَّا أنْتَ.
يَرْفَعُ الرَّجُلُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ، وما زادَ من الدُّعاءِ فَحَسَنٌ.
ثُمَّ يبتدئُ المُعْتَمِرُ بطوافِ العُمْرَةِ، وَلَيْسَ لها طَوافُ قُدُومٍ، وبِطَوافِ القُدُوم المُفْرِدُ والقَارِنُ ويُسَمَّى طواف الوُرودِ أيضًا وهو تَحِيَّةُ الكَعْبَةِ، وَتَحِيَّةُ المَسْجِد الصَّلاةُ، ويُجْزِئُ عَنْهَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الطَّوافِ.
فيكونُ أوَّلَ ما يَبْدَأُ بِه الطَّوافُ، إلَّا إذا أُقِيمَتِ الصَّلاةُ، أو ذَكَر فَرِيضَةً فَائِتَةً، أو خافَ فَوْتَ رَكْعَتي الفَجْرِ أو الوِتْرِ، أو حَضَرَتْ جَنَازةٌ، فَيُقَدِّمُ ذَلِكَ عليه ثُمَّ يَطُوفُ.
والأَوْلى للمَرْأَةِ تَأْخِيرُهُ إلى اللَّيْلِ حيثُ لا مَحْذُورَ إن أمِنَتْ الحَيْضَ والنِّفَاسَ، ولا تُزَاحِمُ الرِّجالَ لتَسْتَلِمَ الحَجَرَ، لكن تُشيرُ إليه كالذي لا يُمْكِنُهُ الوصولُ إليه.
وَيَضْطَبِعُ بردائِهِ في طَوَافِ القُدُومِ، وفي طواف العُمْرَةِ المُتَمَتِّعُ، ومَن في معناه، غيرُ حَامِلِ مَعْذُورٍ، فَيَجْعَلُ وَسَطَه تحتَ عاتِقِه الأَيْمَنِ، وَطَرَفَيْه على عاتقه الأَيسرِ، فإذا فَرَغَ سَوّاه، ولا يَضْطَبِعُ في السَّعْي.
وَيَبْتَدِئُ من الحَجَرِ الأَسودِ وهو جِهَةُ المَشْرِقِ فيُحاذيه أو بَعْضَه بجميعِ بَدَنِهِ، فإن لم يَفْعَل، أو بَدَأَ بالطَّوافِ من دُونِ الرُّكْنِ، كالبَابِ ونحوِهِ لم يُحْتَسب بِذَلِكَ الشَّوْطُ، ثُمَّ يستلمُهُ أي يمسحُهُ بيدِهِ اليُمْنى ويُقَبِّلُهُ من غير صَوْتٍ يظهرُ للقُبْلَة، فإن شَقَّ استَلمَهُ وَقَبَّل يَدَهُ، فإن شَقَّ استَلَمَهُ بشيءٍ وَقَبَّلَهُ، فإن شَقَّ أشار إِليه بيدِهِ أو شيء واستقبَلَهُ

بوجهِهِ ولا يُقَبِّلُ المشارَ بِهِ ولا يُزاحِمُ فيؤذيَ أحدًا، ويقول: "بِسْمِ اللَّهِ، واللَّهُ أَكْبَرُ، إِيمانًا بِكَ، وتَصْدِيقًا بِكتَابِكَ، وَوَفَاءً بِعَهْدِكَ واتِّباعًا لِسُنَّةِ نَبِيِّك مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ" 1، ويقولُ ذَلِكَ كُلَّما استلمَهُ.
ثُمَّ يَأْخُذُ على يَمِينِهِ مِمَّا يَلِي بَابَ البَيْتِ، وَيَجْعَلُهُ على يَسارِهِ لِيُقَرِّبَ جانِبَه الأَيْسَرَ إِليه، فَأَوَّلُ رُكْنٍ يَمُرُّ بِهِ الشَّامِيّ والعِراقِيَّ، وهو جِهَةَ الشَّامِ، ثُمَّ يليه الرُّكْنُ الغَرْبِيُّ وهو جِهَةَ المَغْرِبِ، ثُمَّ اليَمَانِيُّ وهو جِهَةَ اليَمنِ، فإذا أتَى عليه اسْتَلَمه، ولم يُقَبِّلْه.
ولا يَسْتَلِمُ ولا يُقَبِّلُ الرُّكْنَيْن الآخَرَيْن، ولا صَخْرَةَ بَيْتِ المَقْدِسِ، ولا غيرَها من المساجدِ والمدافِنِ التي فيها الأَنْبياءُ والصَّالِحون.
ويَطُوفُ سَبْعًا، يَرْمُلُ في الثَّلاثَةِ الأُوَلِ منها، مَاشٍ، غَيْرَ حامِلٍ مَعْذُورٍ وَغَيْرَ نِسَاءٍ، وغَيْرَ مُحْرِمٍ من مكّةَ أو قُرْبِها، فلا يُسَنُّ لهم رَمَلٌ ولا اضْطِبَاعٌ، ولا في غيرِ هذا الطَّوافِ، وإن فات لم يَقْضِ.
والرَّمَل إسراعُ المَشْي مع تَقَارُبِ الخُطَى من غَيْرِ وَثْبٍ، وهو أَولى مِنَ الدُّنُوِّ من البَيْتِ بدُونِهِ، والتأخيرُ لأَحدِهما أَوْلَى.

وَيَمْشِي الأَشوَاطَ الأَرْبَعَةَ الباقية، وكُلَّمَا حاذَى الحَجَرَ الأَسْوَدَ والرُّكْنَ اليَمَانِيّ، اسْتَلَمهما، وإن شَقَّ أشارَ إليهما، ويقولُ كُلَّما حاذَى الحَجَرَ: اللَّهُ أكْبَرُ فقط، وبين اليَمَانيِّ وبينه: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (201)﴾ [البقرة:: 201]، وفي بَقِيَّة طَوَافِهِ: اللَّهُمَّ اجْعَلْه حَجًّا مَبْرورًا، وَسَعْيًا مَشْكُورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، واهدني السَّبِيلَ الأَقْوم، وَتَجَاوَزْ عَمَّا تَعْلَمُ، وأنتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ، وَيَدعو بما أَحَبَّ.
وتُسَنُّ القِراءَةُ فيه، وتُكْرَهُ إن غَلَّطَ المُصَلِّين، ويُصلِّي على النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدعُ الحديثَ لا الأَمْرَ بالمعروفِ والنَّهْيَ عن المُنكرِ وما لا بُدَّ منْهُ.
تَنْبِيهٌ: وَمَنْ طَافَ أو سَعَى مَحْمُولًا أو رَاكِبًا لِغَيْرِ عُذْرٍ لم يُجْزِئْه، ولِعُذْرٍ يُجْزِئُ، ولا يَقَعُ عن حامِلِهِ إلَّا إن نَوَى وَحْدَهُ أو نَوَيا جميعًا عنه.
وإن طَافَ مُنكِّسًا؛ بأن جَعَل البَيْتَ عن يَمِينِه، أو طَافَ على جِدَارِ الحَجَرِ أو شاذَرْوَانِ الكَعْبَةِ وهو القَدْرُ الذي تُرِكَ خَارِجًا عن عَرْضِ الجِدَارِ مُرْتَفِعًا عن الأَرْضِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ لأَنَّهُ مِنْها، أو تَرَكَ شَيْئًا مِن الطَّوافِ وإنْ قَلَّ، أو لم يَنْوِ، أو طَافَ خَارِجَ المَسْجِدِ، أو مُحْدِثًا، وَيَلْزَمُ النَّاسَ انتظارُ حائِضٍ لأَجْلِهِ فقط إن أَمْكَنَ أو نَجِسًىا أو شاكًّا في طَهَارَتِهِ وهو فيه لا بعد فراغِهِ، أو عُرْيانًا، أو قَطَعَه بِفَصْلٍ طَوِيلٍ عُرْفًا، ولو سَهْوًا، أو لِعُذْرٍ، أو أحْدَثَ في بَعْضِهِ، لم يُجْزِئْه.

فَتُشْتَرَطُ الموالاةُ فيه، وفي السَّعْيِّ.
وإن طَافَ في المَسْجِدِ من وَرَاءِ حائل أَجْزَأَ، وإن طافَ على سَطْح المَسْجِدِ أو قَصَدَ في طوافِهِ غَريمًا، وَقَصَدَ معه طَوافًا بنيَّةٍ حقيقيَّةٍ لا حُكميَّةٍ توجَّه الإجْزاءُ، قاله في "الفروع" 1. والنِّيَّةُ الحقيقيةُ أن ينْوِيَ الطِّواف حقيقة، والحُكْمِيَّةُ أن يكونَ نَوى قَبْلَ قَصْدِ الغَرِيمِ، واستَمَرَّ حُكْمُها بَعْدَهُ بأن لم يَقْطَعْهَا، وهو معنى قولهم: استصحابُ حُكْمِ النِّيَّةِ.
وإن شَكَّ في عَدَدِ الأَشْواطِ، أَخَذَ باليقينِ، وَيُقْبَلُ قَوْلُ عَدْلَيْن.
وإن قَطَعَهُ بِفَصْل يَسِيْرٍ، أو أُقِيمَت صَلاةٌ، أو حضَرَت جَنَازَةٌ، صَلَّى وَبَنَى من الحَجَرِ، ثُمَّ يُصَلِّي ركعتين ولو وقتَ نَهي، والأَفْضَلُ خَلْفَ المَقَام، ويَجُوزُ فِعْلُهُما في غَيْر المَسْجِدِ، وهُما سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ، يقْرَأُ في الأُولى بَعْدَ الفَاتِحَةِ (الكافرون)، وفي الثَّانية (الإخلاص).
ولا بَأْسَ بِمرورِ الطَّائِفينَ بين يَدَيهِ، ولا بصلاتِهِمَا إلى غَيْرِ سُتْرَةٍ، وَيَكْفي عَنْهما مَكْتُوبَةٌ وراتِبَةٌ.
وَيُسَنُّ الإكثارُ من الطَّوافِ كُل وَقْتٍ، وله جَمْعُ أسابيعَ، فإذا فَرَغَ منها رَكَع لِكُلِّ أسبوع رَكْعَتين، والأَوْلى لِكُلِّ أُسْبُوعٍ عَقِبَهُ.

فَائِدَةٌ: إذا فَرَغَ مُتَمَتِّعٌ ثُمَّ عَلِمَ أن أَحَدَ طَوافَيه بِلا طَهَارَةٍ وَجَهِلَه، لَزِمَهُ الأَشَدُّ، وهو جَعْلُهُ للعُمْرَةِ، فلا يُحِلُّ بالحَلْقِ، وعليه لَهُ دَمٌ ويصيرُ قَارِنًا، وَيُجْزِئُهُ الطَّوافُ لِلحَجِّ عن النُّسُكَيْنِ، ويُعِيدُ السَّعْيَ، وإن جَعَلَهُ مِن الحَجِّ لَزِمَهُ طَوافُه وَسَعْيُهُ وَدَمٌ.
وإن كانَ وَطِئَ بَعْدَ حِلِّه من عُمْرَتهِ لم يَصِحَّا، وَتَحَلَّلَ من عمرتهِ الفَاسِدَةِ بطوافِهِ الذي نَواهُ لِلحَجِّ، وَلَزِمَهُ دَمٌ لِحَلْقِهِ، وَدَمٌ لِوَطْئِهِ في عُمْرَتِهِ.
تَنْبِيهٌ: جُمْلَةُ شُروطِ صِحَّةِ الطَّوافِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ: الإسلامُ، والعَقْلُ، والتَّمْيِيزُ، والنِّيَّةُ، وَسَتْرُ العَوْرَةِ، وَطَهَارَةُ الحَدَث والخَبَثِ، وَتكْمِيلُ السَّبْعِ، وَجَعْلُ البَيْتِ عن يسارِهِ، والطَّوافُ بجميعِه، وطوافه ماشِيًا مع القُدْرَةِ، والمُوالاةُ بَينَهُ، وأن يَطُوفَ دَاخِلَ المَسْجِدِ، وأن يبتدِئَ من الحَجَرِ الأَسود فيُحَاذِيَه.
وسُنَنُهُ عَشْرٌ: اسْتِلامُ الرُّكْنِ وتقبيلُهُ أو ما يقومُ مَقَامَهُ، واستلامُ الرُّكْنِ اليَمَاني، والاضْطِباعُ، والرَّمَلُ في موضِعِهِ، والمشيُ في موضِعِه، والدُّعَاءُ، والذِّكْرُ، والدُّنُوُّ مِنَ البَيْتِ، وَرَكْعَتا الطَّوافِ.

فَصْلٌ

ثُمَّ يَسْتَلِمُ الحَجَر وَيَخْرُجُ للسَّعْيِ مِنْ بَابِ الصَّفا، فيَرْقَى الصَّفا نَدْبًا، حَتَّى يَرى البَيْتَ إن أمْكَنَهُ فَيَسْتَقْبِلُهُ ويُكَبِّرُ ثلاثًا وَيَقُولُ:

"الحَمْدُ لله على ما هدانا، لا إله إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيي وَيُمِيتُ، وهو حَيٌّ لا يَمُوتُ، بِيَدِهِ الخَيْرُ وهو عَلَى كُلِّ شيءٍ قَدِير، لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، صَدَقَ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْده" 1، لا إلهَ إلَّا الله ولا نَعْبُدُ إلَّا إياهُ مُخْلِصِين لَهُ الدِّينَ، ولو كَرِهَ الكافِرُون، اللَّهُمَّ اعْصِمْنِي بِدِينِكَ، وطواعِيَتِكَ، وطواعيَةِ رَسُولِك، اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِمَّن يُحِبُّكَ، ويُحِبُّ مَلائِكَتَكَ، وأنْبيائَك ورُسُلَك، وعِبادَك الصَّالِحين، اللَّهُمَّ حَبِّبْنِي إِلَيْكَ وإلى ملائِكَتِكَ وإلى رُسُلِكَ وإلى عِبادِك الصَّالِحين، اللَّهُمَّ يَسِّرْني لليُسْرِ، وَجَنِّبْنِي العُسْرَ، واغْفِرْ لِي في الآخِرَةِ، واجْعَلْنِي من أئمَّةِ المُتَّقِين 2، واجْعَلْنِي من وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعيم، واغْفِرْ لي خَطِيئَتي يَوْمَ الدِّين، اللَّهُمَّ قُلْتَ: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، وإنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعَاد، اللَّهُمَّ إِذْ هَدَيْتَنِي للإسْلامِ، فَلا تَنْزِعْنِي مِنْهُ، ولا تَنْزِعْه مِنِّي، حَتَّى تَوَفَّانِي على الإسْلامِ.
اللَّهُمَّ لا تُقَدِّمْني إلى العَذابِ، ولا تُؤْخِّرْني لسُوءِ الفِتَنِ، وَيَدعو بِمَا أَحَبَّ ولا يُلَبِّي.

ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفا وَيَمْشي حَتَى يُحاذِيَ العَلَمَ، وهو المِيلُ الأَخْضَرُ المُعَلَّقُ بِرُكْنِ المَسْجِدِ على يَسَارِهِ بنحوِ سِتَّةِ أَذْرُعٍ، فَيَسْعَى الماشي سَعْيًا شَدِيدًا، نَدْبًا إلى العَلَم الآخَرِ بِشَرْطِ أن لا يُؤْذِي ولا يُؤْذَى، ثُمَّ يمشي حَتَى يأتي المَرْوَةَ فَيَرْقَاهَا نَدْبًا، ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَة ويقولُ عليها ما قالَ على الصَّفا.
وَيَجِبُ استيعابُ ما بَيْنَهما فَيُلْصِقُ عَقِبَ رِجْلَيْه بِأَسْفَلِ الصَّفَا، وأصابعَهُما بأسْفَلِ المَرْوَةِ، ثُمَّ يَنْقَلِبُ إلى الصَّفَا فَيَمْشِي في مَوْضِعِ مشيه، وَيَسْعَى في مَوْضِعِ سَعْيهِ إلى الصَّفَا، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا، يَعُدُّ ذَهابَهُ مَرَّةً ورجوعَهُ مَرَّةً، فإن بَدَأ بالمروةِ لَمْ يَعْتَدَّ بِذَلِكَ الشَّوْطِ.
ويُكْثِرُ مِنَ الدُّعاءِ والذِّكْرِ فيما بَيْنَ ذَلِكَ، ومنه: "رَبِّ اغْفِرْ وَارْحَمْ، واعْفُ عَمَّا تَعْلَمُ، وأنْتَ الأَعَزُّ الأَكْرَمُ" 1، ولا يُشْرَعُ السَعْيُّ بَيْنَهُما إلَّا في حجٍّ أو عُمْرَةٍ، وتُشْتَرَطُ نيتُهُ ومُوالاتُهُ، وكونُهُ بَعْدَ طوافٍ، ولو مَسنونًا.
وتُسَنُّ موالاتُهُ بَيْنَ الطَّوَافِ والسَّعْي، والسُّتْرَةُ، والطَّهَارَةُ مِن حَدَثٍ ونَجَسٍ، وكُرِهَ على غير طَهَارةٍ، والمَرْأَةُ لا تَرْقَى، ولا تَسْعَى شديدًا.
وَتُسَنُّ مُبَادَرَةُ مُعْتَمِرٍ بِذَلِكَ، وتقصيرُهُ من جَمِيعِ شَعْرِهِ ويُوَقِّرُهُ لِيَحْلِقَهُ للحَجِّ، وَيَتَحَلَّلُ مُتَمَتِّعٌ بِذَلِكَ إن لم يكن سَاقَ الهَديَ ولو لَبَّدَ رَأْسَه، وإن كانَ مَعَه هديٌ أَدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ.

وليسَ لَهُ أن يُحِلَّ ولا يَحْلِقَ حَتَّى يَحُجَّ فيحرِمَ بِهِ بعد طوافِهِ وسعيهِ لعمرتهِ كما يأتي، وَيُحِلُّ منهما يَوْمَ النَّحْرِ، وإن كان مُعْتَمِرًا غيرَ مُتَمَتِّعٍ فإنه يُحِلُّ ولو كان مَعَهُ هَدْي في أشْهُرِ الحَجِّ أو في غيرها، وَيَقْطَعُ المُتَمَتِّعُ والمُعْتَمِرُ التَّلبيةَ إذا شَرَعَ في الطَّوافِ، وإن أتى بها في طوافِ القُدومِ سِرًّا فَلا بَأْسَ.

جارٍ التحميل