مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزياداتصفحات 435-474

وجهه عن صاحبه وشيخه الثِّقَةِ عِنْدَهُ وعِنْدَ غيرِهِ خليفةِ الرَّسول وأفْضَلِ أصحابِهِ بل وجميعِ الخَلْقِ غَيْرِ الأَنْبِياءِ سيدنا أبي بكر الصديق رضي الله عنهما وعن جميع الصحابة والأَزواجِ وذَوِي القَرابَةِ أنَّه قال: الصَّلاةُ على رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْحَقُ للخَطَايا مِنَ الماءِ للنَّارِ، والسَّلامُ عليه أَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الرِّقَابِ، وحُبُّهُ أَفْضَلُ مِنْ مُهَجِ الأَنْفُس أي من بَذْلِ الأَرواحِ، أو قال: مِنْ ضَرْبِ السَّيفِ في سبيلِ الله 1. وفي روايةٍ أُخرى عنه رضي الله عنه أنه قال: إن الصلاة عليه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْحَقُ للذُّنُوبِ مِنَ الماءِ للنَّارِ، وأَفْضَلُ مِنْ عِتْقِ الرِّقَابِ، ومن مُهَجِ الأَنْفُسِ في سبيل الله، وإنَّ حُبَّهُ أَفْضَلُ من ضَرْبِ السَّيْفِ في سبيل الله.
وروي من حديث أبي هريرة عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: "مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً صَلَّى الله عليه عَشْرًا، وَمَنْ صَلَّى عليَّ عَشْرًا صلَّى الله عليه مَائَةً، وَمَن صلَّى عليَّ مائة صلَّى الله عليه ألفًا، وَمَنْ زادَ صَبَابَةً وَشَوْقًا كُنْتُ لَهُ شفيعًا وَشَهيدًا يَوْمَ القِيامَةِ".
وفي روايةٍ: "وَمَنْ صَلَّى عليَّ ألفًا حَرَّمَ اللَّهُ لَحْمَهُ وعِظَامَهُ على النَّارِ" 2.

وعند الطبراني في "معجميه الأَوسط والصَّغير"، من حديث أنس مثله، لكن فيه: "ومَنْ صَلَّى عليَّ مائَة كَتَبَ الله لَهُ بين عَيْنَيْهِ بَرَاءَةً مِنَ النِّفَاقِ، وَبَرَاءَةً مِنَ النَّارِ، وَأَسْكَنَهُ يَوْمَ القِيامَةِ مَعَ الشُّهَداءِ" 1. وقال عبد الله بن عمرو بن العاص الصحابيُّ ابن الصحابيِّ: "مَنْ صَلَّى عليه صلَّى الله عليه وسلَّم واحِدةً، صَلَّى الله وملائكتُه عليه سَبْعِينَ صَلَاةً" 2، إِسناده صحيح، ومِثْلُهُ لا يقالُ إِلَّا عن توقيفٍ فهو في حُكْمِ المرفوعِ.
وفي حديث عنه عليه الصَّلاةُ والسَّلامُ أنَّه قَالَ: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ في يومٍ -وفي روايةٍ - في يَوْمِ الجُمُعَةِ أَلْفَ مَرَّةٍ لَمْ يَمُتْ حَتَّى يَرَى = شكه في صحة هذا الحديث: "أخرجه أبو موسى المديني بسند قال فيه الشيخ مغلطاي: لا بأس به، فالله أعلم".

مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ" 1. وروى أبو موسى المديني في "ترغيبه" أَنَّ خَلَّادَ بن كثيرٍ كان في النَّزْع فوجدوا عِنْدَ رَأْسِهِ رُقْعَة أي ورَقَة مكتوبٌ فيها: هذه بَراءَةٌ مِنَ الله لخلَّاد بن كثير، فسألوا عنه أهلَهُ ما كان عملُهُ فقيل: إِنَّه كان يُصَلِّي على النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلَّ جُمُعَةٍ أَلْفَ مَرَّةٍ: اللَّهُمَّ صَلِّ على مُحمَّدٍ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ 2. وروى أبو القاسم الأَصبهاني في "ترغيبه" أن ابن مسعود الصحابي قال لزيد بن وَهْبٍ: لا تَدَعْ هذا يوْمَ الجُمُعَةِ 3. وفي حديث نَبَوِيٍّ: "مَنْ صَلَّى عليَّ حِينَ يُصْبِحْ عَشْرًا، وَحِينَ يُمْسِي عَشْرًا، أَدْرَكْتُهُ شفاعتي يَوْمَ القِيامَة" 4. وفي آخر: "مَنْ صَلَّى عَلَيَّ كُلَّ يَوْمٍ ثَلاثَ مَرَّاتٍ، وَكُلَّ لَيْلَةٍ

ثَلَاثَ مَرَّاتٍ؛ حُبًّا لِي وَشَوْقًا إِليَّ كان حَقًّا عَلَى الله أَنْ يَغْفِرَ لَهُ ذُنُوبَهُ ذَلِكَ اليَوْمَ، وَتِلْكَ اللَّيْلَةَ" 1. وفي آخر: "لَيَرِدَنَّ عَليَّ -يعني الحَوْضَ- أَقْوامٌ ما أَعْرِفُهُم إلَّا بِكَثْرَةِ صَلَاتِهِم عَلَيَّ" 2. وروى أبو الشيخ، وأبو القاسم الأَصْبَهانيان، وغيرُهما من طريق مالك بن دينار، وأبان بن صالح، عن أنس بن مالك عنه عليه الصَّلاة والسَّلامُ أنَّه قال: "مَنْ صلَّى عليَّ صلاةً واحدةً فَتَقُبِّلَتْ مِنْهُ محا الله عَنْهُ ذُنوبَ ثَمَانينَ سَنَةً" 3.

وَأَسْنَدَ القُشَيرِيُّ في رسالتِهِ إِلى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: أَوْحى الله إلى مُوسى عليه السَّلامُ: أَحَبُّ ما تَكونُ إِليّ وَأَقْرَبُه إِذا أَكثرتَ الصَّلاة على مُحَمَّدٍ.
وقال إِمامُ الأَئَمَّةِ الشَّافعيُّ رضي الله عنه: أُحِبُّ كَثْرَةَ الصَّلاةِ على النِّبيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ في كُلِّ حَالٍ، وأنا في يَوْمِ الجُمُعَة وَلَيْلَتِها أَشَدُّ استحبابًا.
وفي "المُنْتَخَبِ من كتاب الثَّواب" لأَبي الشيخ، و"الترغيب" لأَبي موسى المديني، عن سيدنا علي رضي الله عنه قال: مَنْ صَلَّى على النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بهؤلاءِ الكَلِمَاتِ في كُلِّ يَوْمٍ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، ويومِ الجُمُعَةِ مَائَةَ مَرَّةٍ يَقولُ: صَلواتُ الله وملائكتِهِ وأنبيائِهِ ورُسُلِه، وجميعِ خَلْقِهِ على مُحَمَّدِ، وعلى آل مُحَمَّدٍ وَعَلَيه وَعَلَيْهِم السَّلامُ ورحمةُ الله وبركاتُهُ، فَقْدَ صَلَّى عليه بِصَلاةِ جَمِيعِ الخَلائِقِ، وحُشِرَ يَوْمَ القيامَةِ في زُمْرَتِهِ، وَأَخَذَ بيده حَتَّى يدْخِلَهُ الجَنَّةَ.
وقال الحافظ طَاهِرُ بن مُحمَّدٍ الحَدادِيّ في كتابه "عُيُون المَجَالِسِ": سمعت أبا عبد الله الطرائفيّ يقول: خَرَجَ رَجلٌ مِنَ الصَّالحِينَ في أيَّامِ الرَّبيع فَرَأَى خُضْرَةَ الدُّنيا وبَهْجَتَها، فقال 1: يا رَبِّ صَلِّ على مُحَمَّدٍ بِعَدَدِ وَرَقِ هذِهِ الأَشْجَارِ، وصلِّ عليه بِعَدَدِ رَمْلِ القِفَارِ، وَصَلِّ عليه بِعَدَدِ قَطْرِ البِحَارِ، وصَلِّ عليه بِعَدَدِ الوَرْدِ والنّوَّارِ،

وصَلِّ عليه بِعَدَدِ دَوَابِّ البرِّ والبِحَارِ، فلما نامَ هَتَفَ بِهِ هاتِفٌ: يا هذا، أتْعَبْتَ الحَفَظَةَ عَنْ كَتْبِ ثَواب هذا إلى آخِرِ الدَّهْرِ والأَعمارِ، واسْتَوْجَبْتَ من الله الكريم البَار جنَّاتِ عدنٍ فَنِعْمَ عُقْبى الدَّارِ.
وقال سَهْل بن عبد الله التُّستَري قَدَّسَ الله سِرَّهُ: إنَّ الصَّلاة عليه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أفضلُ العبادات، قال: لِأَن الله تعالى تولاها هو وملائكتُه ثُمَّ أَمَرَ بها المؤمنين، وسائرُ العبادات ليست كذلك، ذَكرَ ذَلِكَ شَيْخُ الإسلام العلَّامة برهان الدِّين أبو إسحاقَ إبراهيمُ بنُ مُحمَّدٍ النَّاجِي في كتابه الذي سماه: "كَنْزُ الرَّاغِبينَ العُفاة في الرَّمْزِ إلى المَوْلدِ المُحَمَّدي والوَفَاة" 1. وذكر فيه أيضًا عن الشيخ أبي سليمان الديراني أَنَّ من أَرَادَ أن يَسْأَلَ اللهَ حاجَةً فَلْيَبْدَأ بالصَّلاةِ على النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ثُمَّ يسأل حَاجَتَهُ، ثُمَّ يَخْتِم بالصَّلاةِ عليه، فإِنَّ الله سبحانه بكرمه يَقْبَلُ الصَّلاتينِ، وهو أَكْرَمُ من أن يدعَ بينهما 2. وعن أبي الدّرْداءِ عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِذا سَأَلْتُمُ اللهَ حاجَةً فابدؤوا بالصَّلاةِ عليّ، فإِنَّ اللَّهَ أَكْرَمُ من أن يُسْأَلَ حاجتينَ فيقضي إحداهما ويَرُدَّ الأُخرى" 3.

وقال العراقي: هو موقوفٌ على أبي الدَّرْداءِ.
وقال ابن مسعود: إِذا أَرادَ أَحَدُكُم أن يَسْأَلَ اللَّهَ شيئًا، فَلْيَبْدَأْ بِحَمْدِهِ والثَّنَاءِ عليه بِمَا هو أَهْلُهُ، ثُمَّ يصلِّي على النّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَسْأَل؛ فإِنَّهُ أَجْدَرُ أن يَنْجَحَ 1. وفي هذا المعنى وأشباهِهِ أحاديثُ كثيرةٌ، وآثارٌ شهيرةٌ، وفي هذا القدر كفاية لأَهل الذوق والبصيرة.
وفي الجُمْلَةِ والتَّفْصيلِ فَضْلُ الصَّلاة على النَّبِيِّ الكريمِ عليه أَفْضَلُ الصَّلاةِ وَأَتَمُّ التَّسليمِ أَشْهَرُ من أن يُشْهَرَ، وأظْهرُ من أن يُذْكَرَ، وأكْثَرُ من أن يُحْصَرَ؛ إذ هي من أَفْضَل الأَعمالِ، وبها يُنالُ الفوزُ في الحالِ والمآلِ، وقد أُفْرِدَ لها مصنفاتٌ طِوالٌ صدَرَتْ من فحولِ الرِّجال الذين عليهم الاعتمادُ في الأَقوال والأَفعال، فَجَزاهُمُ اللَّهُ بِفَضْلِه خَيْرَ الجَزاءِ، وحَشَرَهُم تحتَ لواءِ نَبِيِّهِم المصطفى، وألحقني، ومن أحبني بِهِمْ؛ إِنَّه لا يخيبُ من له رجاء، ولعفوه سأل وإِليه التجأ.
لكن الاعتماد فيها، وفي غيرها من الأَعمالِ على الإخلاصِ كما نطق بِذَلِكَ الكِتَابُ والسُّنَّةُ على الإطلاقِ.

فلا يَجوزُ الاغترارُ بما يلهجُ به كثير مِنَ النَّاس، ويتداولونه بينهُم من غير مُسْتَنَدٍ أن كُلَّ الأَعمالِ منها المقبول، ومنها المردود، إلَّا الصَّلاةَ على النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فإنها مقبولة غير مردودةٍ، فإن هذا الكلام مردودٌ غير مقبولٍ، لأَن كَلِمَةَ التَّوحيدِ أعظمُ منها وأفضل، ولا تقبلُ مِن كثيرٍ مِمَّن يدعي أنّه من أهلها، وليس هو في الحقيقةِ كذلك، فهي وغيرها من سائر الأَعمال لا تفيدُ، ولو أَتى بها بشُرُوطها إلَّا أن يوفق الله ويتفضلَ بالقبول! لكن ينبغي للعاقِلِ العارفِ مع العَمَلِ والاجتهاد والإخلاصِ أن يخاف الرَّدَّ ويترجى القبول، وقد قال فَضالة بن عبيد الصحابي: لأَنْ أكونَ أعلمُ أن الله قد تقبَّلَ مِني مِثْقَالَ حبةٍ من خَرْدَلٍ أحبُّ إليَّ مِنَ الدُّنيا وما فيها؛ لأَن الله تعالى يقول ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ (27)﴾ [المائدة: 27].
وروي عن سيدنا عبد الله بن عمر نحوه، ويؤيد قولَهما رضي الله عنهما قولُه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [المؤمنون: 60]، أي: يعطون ما أعطوه من الصَّدَقَاتِ وقلوبهُمُ خائِفَةٌ ألَّا تُقْبَلَ منهم.
وَقُرِئَ: (يَأْتُونَ) بفتح الياء (ما أَتَوْا) بِقَصْرِ الهَمْزَةِ؛ أي يفعلون ما فعلوا من الطَّاعاتِ وقلوبهم خائفة ألَّا تقبل، وأن لا تَقَع على الوجه اللائِقِ فيؤاخذوا به.
والحاصل أن قَبُولَ الأَعمالِ مع الإخلاصِ موقوفٌ على

مشيئة الله تعالى، إِذْ لا يَجِبُ عليه سبحانه شيءٌ، فإِن شاءَ سبحانه قبلها كَرَمًا منه وفضلًا، وإِن شاءَ رَدّها حِكْمَةً منه وعدلًا.
وأما مع عَدَمِ الإخلاصِ فإِنَّها مردودةٌ على عامِلِها قطعًا؛ لأَن الله طَيِّبٌ لا يَقْبَلُ إِلَّا طيبًا، فالمُرائي مذمومٌ غَيْرُ محمودٍ بل هو مَأْثومٌ وعنِ الرَّبِ مطرودٌ، وعمله المشوبُ بالرياءِ عليه مردود، وكيف لا وقد أَتَى ذَنْبًا من أكبرِ الكبائِرِ، بل هو الشِّرْكُ الأَصغر عند أولي العقولِ والبصائر، فعقابُهُ عليه عظيمٌ إن لم يَعْفُ عنه الرَّبُّ الغفور الرحيم.
والحاصل أن الكتاب والسُّنَّةَ مشحونانِ مَنْطُوقًا ومفهومًا بِرَدِّ كُلِّ عَمَلٍ فُعِلَ رَياءً من فَرْضٍ وَنَفْلٍ كَصَوْمٍ وصلاةٍ وَصَدَقَةٍ وغيرها، ولم يُستثن من ذلك الصَّلاةُ على النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا غيرُها.
فمن رَجَا قَبُولَ العَمل مِنَ الصَّلاةِ على النَّبِيّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وغيرها فعليه بالإخلاصِ التَّامِ الذي نَطَقَ به الكتابُ والسُّنَّةُ وأجمع عليه أئمة الإسلام، نَسْأَلُ الله تعالى التوفيقَ على ذلك بفَضْلِهِ على الدَّوامِ، وأن يُلحقَنَا بصالحِي خلقِهِ من أَهْلِ الإخلاصِ في الأَنام.

فَصْلٌ

والأَكْمَلُ الجَمْعُ بين الصَّلاةِ والسَّلامِ، فإن اقتَصَرَ على أحدهما لم يُكْرَه عِنْدَنا، وكُرِهَ عند الأَكثر، وَحَرُمَ عند بعضهم.

وَيُسَنُّ أن يُصلِّي على الآلِ والأَصحاب مع النَّبِيِّ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وتجوزُ على غير الأَنْبياء استقلالًا، نص الإمام أحمد على ذلك، وكرهَهُ الأَكثر، وَحَرَّمَهُ بَعْضُهُم.
تَنْبِيهٌ: ومحبته صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرْضُ عَيْنٍ على كُلِّ مُسْلِمٍ، فَيُقَدِّمُ حُبَّهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على نَفْسِهِ وزوجتِهِ وولدِهِ ومالِهِ ووالدِهِ والنَّاس أجمعين، فلو قَدَّمَ حبَّ شيءٍ على حُبِّهِ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عصى اللهَ ورسولَهُ أبلغَ العصيانِ، وباءَ بغضبِ الملكِ الدَّيَانِ بقوله سبحانه: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (24)﴾ [التوبة: 24].
فهذا وعيدٌ بليغٌ من الله تعالى لمن يكون به شيءٌ مِمَّا ذُكِرَ في الآيةِ أَحَبَّ إِليه مِنَ الله ورسولِهِ وجهادٍ في سبيلِهِ، ويُقاسُ ما لم يُذْكَرْ في الآيةِ على ما ذُكِرَ فيها، فمتى كان شيءٌ أَحَبَّ إِليه من الله ورسوله وجِهَادٍ في سبيله، أو أَحَبَّ إِليه من واحدٍ منهم لم يكن صَادِقًا في الإيمان؛ لأَن هذا من الكبائِرِ العِظَامِ بدليل أن الله تعالى تَوَعَّدَ عليه، وكُلُّ ما توعد عليه من الذُّنوبِ فهو من الكبائرِ كالذي فيه حَدٌّ في الدُّنيا؛ وقال صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ

أَحَبَّ إِليهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ والنَّاسِ أَجْمَعينَ" 1. فاجتَهِدْ وَفَّقَكَ الله على أن تكون محبتُكَ لَه صادِقَةً صادرةً من صميمِ القَلْبِ بلا رياءٍ ولا مُنافَقَةٍ، وعلامةُ ذلك أن تلزمَ الطاعةَ ما استطعت اتباعًا له ومُوافَقَةً.
ومن أعْظَمِ شُعُبِ الإيمانِ تعظيمُه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كما أرشدنا الله إلى ذلك في قوله سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ... ﴾ الآية [الحجرات: 2]، فلا يَحِلُّ لأَحَدٍ أن يَرْفَعَ صوته فوق صوته، ولا أن يناديَه من وراء الحجرات، ولا أن يناديَه باسمه بأن يقول: يا محمد، يا أحمد، ونحو ذلك، بل يقول: يا رسول الله، يا نبي الله، ونحو ذلك، فقد دلت هذه الآية على وجوب تعظيمه والتأدب معه في القول، ويقاس عليه غيره.
وقد ذكر الإمام الحليمي تعظيمَهُ في كتابه، وَقَرَّرَ أن التَّعظيم مَنْزِلَةٌ فَوْقَ المَحَبَّةِ، ثُمَّ قال: فَحَقٌّ علينا أن نُحِبَّهُ ونُجِلَّهُ ونُعظِّمَهُ أكثرَ وأوفَرَ من إجلالِ كُلِّ عَبْدٍ سَيِّدَهُ وَكُلِّ وَلَدٍ والدَهُ، قال: وَبِمِثْلِ هذا نَطَقَ الكتَابُ وَوَرَدَتْ أوامِرُ الله تعالى، وكذا قال تلميذُهُ أبو بكر البيهقيُّ في "شُعَبِهِ" أن تعظيمه غير محبته.
وقال: ألا ترى أَّنَّكَ تُحِبُّ الوَلَدَ ولا تُعظِّمُهُ تعظيمَ الوالِدِ، وكذلك السّيد قد يُحِبُّ المملوك ولا يعظِّمُهُ، والمملوك قد لا يُحِبُّ

السَّيدَ ثُمَّ يعظمه، قال: فعرف بهذا أن للتعظيم حقيقةً سوى حقيقة المحبّة 1. وقال صاحبُ كتاب "النصائح" أبو إبراهيمَ إِسحاقُ بنُ إبراهيمَ التُّجيبيُّ المالِكيُّ: واجبٌ أي مُتَأكّدٌ على كُلِّ مُؤْمِنٍ متى ذَكَرَهُ صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو ذُكِرَ عِنْدَه أن يَخْضَعَ وَيَخْشَعَ وَيَتَوقَّرَ وَيُسَكِّنَ من حَرَكتِهِ، ويأخُذَ في هيبتِهِ وإجلالِهِ بما كان يأخذ به نَفْسَهُ لو كان بين يَدَيه، وَيَتأَدَّبَ بما أَدَّبنا اللَّهُ به، وهذه كانت سيرة السَّلفِ الصَّالح معه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ونحن مأمورون بالاقتداءِ بهم 2. فمنزلة ذكره صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وحديثه الشريف منزلة ذاته عليه السَّلامُ، فتأدَّبْ معهما كتأدُّبِ السّلَف الصالح مع ذاته عليه السَّلامُ، فينبغي لمن أراد التحديث أن يستعمل ما رواه الثقات.
عن الإمام مالك -رضي الله عنه- أنَّه كان إِذا أرادَ أن يُحدِّث تَوَضَّأَ على صَدْرِ فراشِهِ وَسَرَّحَ لحيتَهُ، وتمكَّن في جُلُوسِهِ بوقارٍ وهيبَةٍ وَحَدَّث، فقيل له في ذلك فقال: أُحِبُّ أن أُعَظِّم حديث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولا أُحَدِّثَ إلَّا على طهارةٍ مُتَمكِّنًا.

وكان يَكْرَهُ أن يُحَدِّث في الطريقِ وهو قائم أو يستعجل، وقال: أُحِبُّ أن أَتَفَهَّمَ ما أُحَدِّثُ به عن رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وروي عنه أيضًا أنَّه كان يغتسل لذلك ويتبخَّر ويتطيَّب، فإن رفع أحد صوته في مجلسه زبَرَهُ وقال: قال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ [الحجرات: 2]، فمن رَفَعَ صَوْته عند حديث رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فكأنَّما رَفَعَ صوته فَوْق صَوْتِ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1. وكذلك ينبغي أن يَتَأَدَّبَ بهذهِ الآدابِ من حَضَرَ مَجْلِسَ التَّحديثِ، وهذا من جملةِ ما تُعْرَفُ به محبتُه صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتعظيمُه وتوقيرُه، ومن الغرائبِ ما في كتاب "حلية الأَولياء" عن وهب بن منبِّهٍ أنَّه كان في بني إسرائيل رَجُلٌ عَصَى الله تعالى مائتي سَنَةٍ ثُمَّ ماتَ فَأَخَذوا بِرِجْلِهِ وألقَوْه على مَزْبَلةٍ، فَأَوحَى الله تعالى إلى موسى عليه السَّلامُ أن اخْرُج فصَلِّ عليه، قال: يا ربِّ، بنو إسرائيل شَهِدوا أَنَّه عَصَاكَ مئتي سَنة، فأوحى الله، هكذا كان إلَّا أنَّه كان كُلَّما نَشَرَ التَّوراةَ أي فتحها للقراءة فيها ونظر إلى اسمِ مُحمَّدٍ قَبَّلَهُ وَوَضَعَهُ على عينيه وصلى عليه فَشَكَرْتُ ذَلِكَ لَهُ، وَغَفَرْتُ ذُنُوبَهُ وَزَوَّجْتُهُ

سبعين حوراء، أي مِنَ الحورِ العين 1. وإذا كان أبو لَهَب عمُّ نبينا مع شدة كُفْرِهِ وقع له مَرَّةً في دهرِهِ الفَرَحُ به؛ وذلك لما بُشِّر بولادتِهِ فَنَفَعَهُ وخُفِّفَ عنه العذاب في البَرْزَخِ كُلَّ ليلةِ اثنين بسببه 2، أفلا ينفع ذلك المسلمَ السُّنيَّ الذي كان طول عمره به مسرورًا وله محبًّا صادقًا؟ وكيف لا يحصل له منه إن شاء الله الخيرُ الكُلّيُّ والبركةُ، والرِّعايةُ والعنايةُ والشَّفاعةُ؟ والحاصِلُ أن الوقائع العجيبةَ من هذا القبيلِ وما يشابِهُهُ كثيرة، والآثار الدالةَ على ما حصل ببركته من الفوزِ للخلق شهيرة، فبذل الأَرواح، ونفائس الذخائر أَقلُّ قليلٍ في حُبِّ هذا النَّبِيِّ الكريم، والرسول العظيم الجليل الذي ما كان مثله ولا يكون، وكيف لا؟ وقد خَلَقَه الله قبل جميع المخلوقات من نوره الإلهي نُورِهِ المكنون 3،

وَنَوَّه بذكرِهِ، وَشَهَرَ أمَرهُ، وقرَنَ اسمَه باسمه المصون؛ فصلَّى الله وسلَّم عليه بعدد أفراد مخلوقاته كلِّها صلاةً نُقَدِّمُها بين يديه للشفاعةِ التي هو أحَقُّ بها وهو أَهْلُهَا.

فَصْلٌ في الذِّكْر

وقال الله تعالى: ﴿وَلَذِكْرُ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [العنكبوت: 45]، وقال تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 125]، وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (10)﴾ [الجمعة: 10]، وقال تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا (41) وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا (42)﴾ [الأحزاب: 41، 42]، والآيات في الباب كثيرة معلومة، والأَحاديث كذلك.
منها قوله صلَّى الله عليه وسلم: "كَلِمَتانِ خَفِيفَتَانِ على اللِّسانِ، ثَقِيلَتَانِ في المِيزانِ، حَبيبتانِ إِلى الرَّحمن، سُبْحانَ اللهِ وبِحَمْدِهِ = الصحيحة الصريحة على غير ما قال به من أن الله خلقه صلَّى الله عليه وسلم قبل جميع المخلوقات؛ وأنه مخلوق من نوره، قال شيخ الإسلام أبو العباس بن تيمية رحمه الله تعالى: "والنبي صلَّى الله عليه وسلم خُلِق مِمَّا يُخلَق منه البشر، ولم يخلق أحد من البشر من نور؛ بل قد ثبت في "الصحيح" عن النبي صلَّى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله خلق الملائكة من نور، وخلق إبليس من مارج من نار، وخُلِق آدم مِمَّا وصف لكم" إلى آخر ما ذكر حول هذه المسألة، وقد أفاض -رحمه الله- في ذلك، كما أنه ذكر فضل نبيّنا محمدٍ صلَّى الله عليه وسلم ومناقبه الشريفة، انظر: "الفتاوى" (11/ 94 - 99).

سُبْحانَ الله العَظِيمِ".
متفق عليه 1. وقال صلَّى الله عليه وسلم: "لأَنْ أَقْولَ: سُبْحانَ الله، والحَمْدُ لله، ولا إلهَ إلَّا الله، والله أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِليَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَمْسُ".
رواه مسلم 2. وقال صلَّى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ لا إله إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شيءٍ قديرٌ، في يَوْمٍ مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرِ رِقَابٍ، وكُتِبَتْ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، ومُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئةٍ، وكانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنَ الشَّيْطانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ إلَّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ" 3. وقال: "مَنْ قَالَ سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ في يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ حُطَّت خطاياهُ وإِنْ كانت مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ"، متفق عليه 4. وقال صلَّى الله عليه وسلم: "مَنْ قَالَ لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، عَشْرَ مَرَّاتٍ، كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْماعيلَ"، متفق عليه 5.

وقال صلَّى الله عليه وسلم: "أَلا أُخْبِرُك بِأَحَبِّ الكَلامِ إِلى اللهِ، إِنَّ أَحَبَّ الكَلامِ إِلى اللهِ سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ"، رواه مسلم 1. وقال صلَّى الله عليه وسلم: "الطُّهُور شَطْرُ الإِيمَانِ، والحَمْدُ للهِ تَمْلأُ المِيزَانَ، وَسُبْحانَ اللهِ والحَمدُ للهِ تَمْلَان - أو تَمْلأُ - ما بَيْنَ السَّمواتِ والأَرْضِ"، رواه مسلم 2. وعن أبي هُريرةَ، أَنَّ فُقَراءَ المُهاجرينَ أَتَوا رسولَ الله صَلَّى اللهِ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: ذَهَبَ أهلُ الدُّثُورِ بالدَّرَجاتِ العُلَى والنَّعِيمِ المُقِيم، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، ولهم فَضلٌ من أموالٍ يَحُجُّونَ وَيَعْتَمِرونَ ويُجاهدونَ وَيَتَصَدَّقُونَ، فقال: أَلا أُعَلِّمُكُم شيئًا تُدْرِكونَ بِهِ من سَبَقَكُم وتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ، ولا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنكمْ إِلَّا من صَنَعَ مِثْلَ ما صَنَعْتُم؟ "، قالوا: بَلَى يا رسُولَ اللهِ، قال: "تُسَبِّحُونَ وتحْمَدونَ وتُكَبِّرونَ خَلْفَ كُلِّ صلاةٍ ثَلاثًا وثلاثينَ".
قال أبو صالح الرَّاوي عن أبي هُريرةَ لما سُئِلَ عن كيفيةِ ذِكْرِهِنَّ، يقول: "سُبْحَانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، واللهُ أَكْبَرُ حَتَّى يكونَ مِنْهُنَّ كُلِّهنَّ ثلاثًا وثلاثين" متفق عليه 3، وزاد مسلم في رواية:

"فَرَجَعَ فُقَراءُ المُهاجِرينَ إلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقالوا: سَمعَ إخْوانُنَا أَهْلُ الأَمْوالِ بِمَا فَعْلَنا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ، فقال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَنْ سَبَّحَ اللَّهَ في دُبُرِ كُلِّ صَلاةٍ ثَلاثًا وثلاثينَ، وَحَمِدَ اللهَ ثلاثًا وثلاثينَ، وَكَئرَ اللهَ ثلاثًا وثلاثين، وقال تَمام المِائَةِ: لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْء قَدِيرٌ، غُفِرَتْ خطاياهُ، وإن كانَتْ مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ"، رواه مسلم 1. وعن سَعْد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: كُنَّا عِنْدَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فقال: "أَيَعْجِزُ أَحَدُكُمْ أَنْ يَكْسِبَ في كُلِّ يَوْمٍ أَلْف حَسَنَة؟ ". قال: "يُسَبِّحُ مِائَةَ تَسْبِيحَةٍ فَيُكْتَبُ لَهُ أَلْفُ حَسَنَة، أَو تُحَطُّ عَنْهُ أَلْفُ خَطِيئَةٍ"، رواه مسلم 2. وفي رواية: "وَيَحطُّ بها أَلف".
وقال صلَّى الله عليه وسلم: "يُصْبِحُ على كُلِّ سُلامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صدَقَةٌ، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صدَقَة، وَكُلُّ تكْبِيرةٍ صَدَقَةٌ، ويُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى"، رواه مسلم 3.

وقال عليه السَّلامُ: "مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ، والذي لا يَذْكُرُ ربَّه مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ"، رواه البخاري 1. وقال عليه السَّلامُ: "يَقُولُ اللهُ تعالى: أَنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي، وأَنا مَعَهُ إذا ذَكَرَني، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نفسي، وإِن ذَكَرَني في مَلإٍ ذَكَرْتُهُ في ملإٍ خَيْرٍ مِنْهُم"، متفق عليه 2. وقال عليه السَّلامُ: "سَبَقَ المُفَرِّدُونَ" قالوا: وما المُفَرِّدُونَ يا رَسول الله؟ قال: الذَّاكِرونَ اللهَ كَثيرًا والذَّاكِراتُ"، رواه مسلم 3. والمُفَرِّدونَ روي بالتشديد للراء وتخفيفها، والمشهور الذي قاله الجمهور التشديد.
وَقَال رَجُلٌ: يا رَسُولَ اللهِ إنَّ شَرائِعَ الإسْلامِ قَدْ كَثُرَتْ عَلَيَّ فَأَخْبِرْني بِشَيْءٍ أَتَشَبَّثُ به؟ قال: "لا يَزَالُ لِسَانُكَ رَطْبًا مِنْ ذِكْرِ اللهِ"، رواه الترمذي 4. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَالَ سُبْحانَ اللهِ وَبِحَمْدِهِ غُرِسَتْ لَهُ

نَخْلَةٌ في الجَنَّة"، رواه الترمذي 1. وقال عليه السَّلامُ: "لَقِيتُ إِبْراهيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ لَيْلَةَ أُسْرِىَ بِي، فَقَالَ: يا مُحَمَّدُ، أَقْرِئ أُمَّتَكَ مِنِّي السَّلامَ، وَأَخْبِرْهُمْ أَنَّ الجَنَّةَ طَيِّبَةُ التُّرْبَةِ عَذْبَةُ الماءِ، وأَنَّها قيعَان، وأَن غِراسَهَا: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ للهِ، ولا إلهَ إلَّا اللهُ واللهُ أَكْبرُ".
رواه الترمذي 2. وقال عليه السَّلامُ: "أَلا أُنَبِّئُكُم بِخَيْرِ أَعْمَالِكُم، وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَليكِكُمْ، وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُم، وَخَيْرٍ لَكُم مِنْ إِنْفَاقِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ، وَخَيْرٍ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُم، وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُم، قالوا: بلى، قال: ذِكْرُ اللهِ تعالى"، رواه الترمذي 3.

وقال عليه السَّلامُ: "إنَّ الذِّكْرَ فِي سَبِيلِ اللهِ يُضْعِف فَوْقَ النَّفَقَةِ سبعَمائة ضِعْفٍ"، رواه أحمد والطبراني 1. وقال عليه السَّلامُ: "لَوْ أَنَّ رَجُلًا فِي حِجْرِهِ دَراهِمُ يَقْسِمُهَا، وآخَرَ يَذْكُرُ اللهَ كانَ الذَّاكِرُ للهِ أَفْضَل"، رواه الطبراني 2. وعن موسى رضي الله عنه قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَلا أَدُلُكَ عَلَى كَنْزٍ مِنْ كنوزِ الجَنَّةِ، فقلت: بلى يا رسول الله، قال: "لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِالله"، متفق عليه 3. وقال عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلهَ إلَّا اللهُ".
رواه الترمذي وغيره 4. وقال عليه السَّلامُ: "إن الله تعالى قَدْ حَرَّمَ على النَّارِ مَنْ قال

لا إله إلَّا اللهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللهِ" 1، متفق عليه.
وقال عليه السَّلامُ: "ما عَمِلَ آدَمِيٌّ عَمَلًا أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذابِ اللهِ مِنْ ذِكْرِ اللهِ"، رواه أحمد 2. وقال عليه السَّلامُ: "ما صَدَقَةٌ أَفْضَلَ مِنْ ذِكْرِ اللهِ"، رواه الطبراني 3. وقال عليه السَّلامُ: "إذا مَرَرْتُم برياضِ الجَنَّةِ فَارْتَعوا، قالوا فما رياضُ الجنة؟ قال: حِلَقُ الذِّكْرِ"، رواه أحمد والترمذي 4. وقال عليه السَّلامُ: "ما جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكُرون الله تعالى إلَّا ناداهم مُنَادٍ مِنَ السَّماءِ: قُومُوا مَغْفُورًا لَكُم"، رواه أحمد والضياء عن

أنس 1. وقال عليه السَّلامُ: "ما جَلَسَ قَوْمٌ يَذْكرونَ الله تعالى، فيقومونَ حَتَى يُقالَ لَهُمْ: قُوموا قد غَفَرَ اللهُ لَكُم ذُنُوبكُم، وَبَدَّل سيئاتِكم حسناتٍ"، رواه الطبراني والبيهقي 2. وقال عليه السَّلامُ: "مَا جَلَسَ قَوْمٌ مَجْلِسًا لَمْ يَذْكُروا اللهَ فيهِ وَلَمْ يُصَلُّوا على نَبِيِّهِم إلَّا كانَ عليهِم تِرَةً، فإن شاءَ عَذَّبَهُمْ، وإن شاءَ غَفَرَ لَهُم"، رواه التِّرمذي وابن ماجه 3. وقال عليه السَّلامُ: "لأَنْ أَقْعُد مع قَوْمٍ يَذكُرونَ اللهَ مِنْ صَلاةِ الغَداةِ حَتَّى تَطْلعَ الشَّمْسُ أَحَبُّ إِليَّ مِنْ أَن أُعْتِقَ أَرْبَعَةً مِنْ وَلَدِ إِسْماعيلَ، ولأَنْ أَقْعُدَ مَعَ قَوْمٍ يذْكُرونَ اللهَ مِنْ صَلاةِ العَصْرِ إلى أن تَغْرُبَ الشَّمْسُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ أَعْتِقَ أَرْبَعَةً"، رواه أبو داود 4.

وقال عليه السَّلامُ: "لأَنْ أقولَ: سُبْحانَ اللَّهِ والحَمْدُ للَّهِ ولا إلهَ إلَّا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ، أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ"، رواه مسلم والترمذي 1. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَالَ سُبْحانَ اللهِ العَظِيمِ وَبِحَمْدِهِ، غُرسَتْ لَهُ بِها نَخْلَة فِي الجَنَّةِ"، رواه التِّرمذي، والحاكم، وابن حبان 2. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَالَ سُبْحَانَ اللهِ، وبِحَمْدِهِ فِي يَوْمٍ مائَةَ مَرَّةٍ حُطَّت خطاياهُ وإن كانت مِثْلَ زَبَدِ البَحْرِ"، متفق عليه 3. وقال عليه السَّلامُ: "أَكْثِروا ذِكْرَ اللهِ حَتَّى يَقُولُوا مَجْنُونٌ"، رواه أحمد وغيره 4.

واعلم أَنَّ الأَحاديث في هذا المَعنَى كثيراتٌ، والآثارَ كثيراتٌ، ولو قُصِدَ اسْتِقْصاءُ ذَلِكَ لَبَلَغَتْ عِدَّةَ مُجلدات؛ ولكن في هذا القَدْرِ كِفَايَة لأَهْلِ العنايات، وأصحابِ الجَدِّ والسَّعاداتِ، واللهُ المسؤول أن يُبَلِّغَنَا بفضلِهِ أسنى الدَّرجاتِ، وَيَحْشُرَنَا في زُمْرَةِ الذاكرين الله كثيرًا والذَّاكِراتِ، وأن يوفِقَنا للاقتداءِ بهم بنياتٍ زاكياتٍ.
والحاصلُ أن ذِكْرَ الله تعالى ركنٌ قويٌّ في طريقِ الحَقِّ سبحانه بل هو العمدةُ في هذا الطَّريقِ، ولا يَصِلُ أَحَدٌ إلى الله سبحانه إلَّا بدوام الذِّكْر.

فَصْلٌ في فَضْلِ حِلَقِ الذِّكْرِ والنَّدْبِ إِلى مُلازَمَتِها والنَّهيِ عن مُفارَقَتِها لِغَيْرِ عُذْرٍ

1 قال الله تعالى: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28].
وقال صلَّى الله عليه وسلم: "إن لِلهِ مَلائِكَةَ يَطُوفُونَ فِي الطُّرُقِ

يَلْتَمِسُونَ أَهْلَ الذكْرِ، فإذا وَجَدوا قَوْمًا يَذْكُرون اللهَ تنادَوْا هَلُمُّوا إلى حَاجَتِكُمْ، فَيَحفّونَ بِأَجْنِحَتِهِم إلى السَّماءِ الدُّنيا.
فَيَسْأَلُهُم رَبُّهُم وَهُوَ أَعْلَمُ: ما يَقُولُ عِبادي؟ قالوا: يَقُولُونَ: يُسَبِّحُونَكَ ويُكَبِّرونَكَ ويَحْمَدُونَكَ ويُمَجِّدونَكَ، فيقول: هل رَأَوْنِي؟ فيقولون: لا واللهِ ما رَأَوْكَ، فيقولُ: كَيْف لَوْ رَأَوْنِي؟ قال يقُولُونَ: لَوْ رَأَوْكَ كَانُوا أَشَدَّ عِبَادَةً، وَأَشَدَّ تَمْجِيدًا، وَأَكْثَرَ لَكَ تَسْبِيحًا.
فيقول: فَمَا يَسْأَلُونِي؟ قال يقولونَ: يَسْألونَكَ الجَنَّةَ، قال فيقولُ: وهل رَأَوْها؟ قال يقولونَ: لا وَاللهِ يا رَبِّ ما رَأَوْها، فيقول: فَكَيْفَ لَوْ رَأَوْها؟ قال يقولونَ: لَوْ أَنَّهُمْ رَأَوْهَا كانوا أَشَدَّ عَلَيْها حِرْصًا، وَأَشَدَّ لها طَلَبًا، وَأَعْظَمَ فيها رَغْبَةً، قال: فَمِمَّا يَتَعَوَّذون؟ قال: يَتَعوَّذونَ مِنَ النَّارِ، قال فيقولُ: وهل رَأَوْهَا؟ قال فيقولونَ: لا وَاللهِ ما رَأَوْها، فيقولُ: فَكَيْفَ لو رَأَوْها؟ قال يَقُولُونَ: لَوَ رَأَوْهَا كانوا أَشَدَّ مِنْها فِرارًا، وَأَشَدَّ لها مَخَافَةً، قال فيقولُ: أشْهِدُكُمْ أَنِّي قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ، قال: يقول مَلَكٌ مِنَ الملائِكَةِ: فيهم فُلان لَيْسَ مِنْهُمْ إِنَّما جاءَ لحاجَةٍ، قال: هُمُ الجُلَساءُ لا يَشْقَى جَليسُهُم"، متفق عليه 1. وفي رواية لِمُسْلِمٍ عن أبي هريرة عن النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إن للهِ مَلائِكَةً سَيَّارَةً فضلًا يَبْتَغُونَ مَجَالِسَ الذِّكْرِ، فإذا وَجَدوا مَجْلِسًا فيه ذِكْر قَعَدُوا مَعَهُمْ، وَحَفَّ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِأَجْنِحَتِهِمْ

حَتَى يَمْلَؤوا ما بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ السَّماءِ، فإذا تَفَزَقُوا عَرَجُوا وَصعدُوا إلى السَّماءِ فَيَسْأَلُهُم اللهُ عَزَّ وَجَلَّ وهو أَعْلَمُ: مِنْ أَيْنَ جِئْتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: جِئْنَا مِنْ عِنْدِ عِبَادٍ لَكَ فِي الأَرْضِ يُسَبِّحُونَكَ وَيُكَبِّرُونَكَ وَيُهَلِّلُونَكَ وَيَحْمَدُونَكَ وَيَسْأَلُونَكَ، قال: مَاذا يَسْأَلُونِي؟ قَالُوا: يَسْأَلونَكَ جَنَّتَكَ، قال: وَهَلْ رَأَوْا جَنَّتِي؟ قالوا: لا أيْ ربِّ! قال: فكيف لو رَأَوْا جَنَّتِي، قالوا: وَيَسْتَجِيرُونَكَ، فيقول: وَمِمَّا يَسْتَجِيرونِي؟ قالوا: مِنْ نَارِكَ يا ربِّ، قال: وهل رَأَوْا نارِي؟ قَالُوا: لا، قال: فكيف لو رَأَوْا نَارِي؟ قالوا: وَيَسْتَغْفِرُونَكَ، فيقول: قَدْ غَفَرْتُ لَهُمْ وَأَعْطَيْتُهُمْ ما سأَلُوا، وَأَجَرْتُهُمْ مِمَّا اسْتَجاروا، قالوا: يقولُونَ: رَبِّ فِيهِمْ فُلان عَبْدٌ خَطَّاءٌ إِنَّما مَرَّ فَجَلَسَ معهم؟ فيقولُ: وَلَهُ غَفَرْتُ، هُمُ القَوْمُ لا يَشْقَى بِهِمْ جَلِيسُهم" 1. وعنه وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لا يَقْعُدُ قَوْمٌ يَذْكُرونَ اللهَ إلَّا حَفَّتْهُمُ المَلائِكَةُ وَغَشْيِتْهُمُ الرَّحْمَةُ، وَنَزَلَتْ عَلَيْهِمُ السَّكِينَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ"، رواه مسلم 2. وعن أبي واقد الحَارث بن عَوْف أن رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَما هو جَالِسٌ في المَسْجِدِ والنَّاسُ مَعَهُ، إذْ أَقْبَلَ ثلاثَةُ نَفَرٍ،

فَأَقْبَلَ اثْنَانِ إِلى رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ واحِدٌ فَوَقَفا على رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَرَأَى فُرْجَةً فِي الحَلْقَةِ فَجَلَسَ فِيها، وَأَمَّا الآخَرُ فَجَلَسَ خَلْفَهُم، وَأَمَّا الثَّالِثُ فَأَدْبَرَ ذَاهِبا، فَلمَّا فَرَغَ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قال: أَلا أُخْبِرُكُم عَنِ النَّفَرِ الثَّلاثَةِ؟ أَمَّا أَحَدُهُم فَأَوَى إِلَى الله فآواهُ اللهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَاسْتَحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأَمَّا الآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَضَ اللهُ عَنْهُ"، متفق عليه 1. وعن أبي سعيد الخُدْرِي رضي الله عنه قال: خَرَجَ معاويةُ رضي الله عنه على حَلْقَةٍ فِي المَسْجِدِ فقال: مَا أَجْلَسَكُمْ؟ قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرُ اللهَ، قال: اللهِ ما أَجْلَسَكُم إلَّا ذاك؟ قالوا: ما أَجْلَسَنَا إلَّا ذاك، قال: أَمَّا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُمْ تُهْمَةً لَكُمْ، وَمَا كان أَحَدٌ بمنزلتي من رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقل عَنْهُ حَدِيثًا مِنِّي، إِنَّ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ على حَلْقَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فقال: "ما أَجْلَسَكُم؟ " قالوا: جَلَسْنَا نَذْكُرَ اللهَ وَنَحْمَدُهُ عَلَى ما هَدَانَا للإِسْلامِ، ومَنَ بِهِ عَلَيْنَا، قال: "آللهِ ما أَجْلَسَكُمِ إلَّا ذاكَ؟ " أَمَا إِنِّي لَمْ أَسْتَحْلِفْكُم تُهْمَةً لَكُم، وَلَكِنَهُ أَتانِي جبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ فَأَخْبَرَني أَنَّ اللهَ يُباهِي بِكُمُ الملائِكَةَ"، رواه مسلمَ 2. واعلم أن الذِّكْرَ على ضَرْبين: ذِكْرُ اللِّسانِ، وذِكْرُ القَلْبِ،

والتَّأثير لِذِكْر القَلْب؛ فإذا كان العبدُ ذاكِرًا بلسانِهِ وَقَلبِهِ فهو الكامِلُ في وصفه في حال سلوكه، قاله القشيري في "رسالته" 1. وقال فيها: وقيل ذكر الله بالقلب سيف المُريدين، به يقاتلون أعداءهم، وبه يدفعون الآفات التي تَقْصِدهُم، وإن البلاء إذا أظلَّ العبْدَ ففزع بقلبه إلى الله يحيدُ عنه في الحال كلَّ ما يكرهه.
وذكر فيها: أن ذا النون المصري قال: من ذكر الله ذكرًا على الحقيقة نسي في جنب ذكره كل شيءٍ، وحفظه الله من كل شيءٍ، وكان له عوضًا عن كل شيءٍ.
قال فيها: ومن خصائص الذكر أنه غير مُؤَقَّتٍ بل ما من وقت من الأَوقات إلَّا والعبد مأمور بذكر الله إمَّا فرضًا وإمَّا ندبًا.
والصلاةُ وإن كانتْ أشرفَ العبادات فقد لا تجوز في بعض الأَوقات، والذكرُ بالقلب مستدامٌ في عموم الحالات.
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾ [آل عمران: 191].

وقال: ومن خصائص الذِّكر أنَّهُ جُعِلَ في مُقَابَلَتِهِ الذِّكْرُ، قال الله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾ [البقرة: 152]، وفي خَبَرٍ أن جبرِيلَ عليه السَّلامُ قال لرسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إن الله تعالى يقول: أعطيتُ أُمَّتَكَ ما لم تُعْطَهُ أُمَّةٌ من الأمم، فقال: وما ذاك يا جبريل؟ قال: قوله: ﴿فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ﴾، لم يقل هذا لأَحدٍ غيرِ هذه الأُمّة.
وقيل: إن المَلَكَ يستأمِرُ الذاكرَ في قَبْضِ روحه.
وفي بعض الكتب أن موسى عليه السَّلامُ قال: يا ربِّ أين تسكُنُ؟ فأوحى الله إليه: في قلب عبدي المؤمن، ومعناه سكون الذكر في القلب، فالحق سبحانه وتعالى منزه على كل سُكُونٍ وحلولٍ، وإنما هو إثبات ذكر وتحصيل.
وقال: قال سهل بن عبد الله: ما من يوم إلَّا والجليل سبحانه ينادي: عبدي ما أنصفتَني؛ أذكرُك وتنساني، وأدعوك إليَّ وتذهبُ إلى غيري، وأُذْهِبُ عنك البلايا وأنت معتكفٌ على الخطايا.
يا ابن آدم ما تقول غدًا إذا جئتَني؟ 1

وقال أبو سليمان الداراني: إن في الجَنَّة قيعانًا، فإذا أخذ الذّاكِرُ في الذِّكرِ أخذتِ الملائكةُ في غَرْسِ الأَشجار، فربما يقف بعضُ الملائكة فيقال له: لم وقفت؟ فيقول: فَتَرَ صاحبي.
وقال الحسن: تفقدوا الحلاوةَ في ثلاثة أشياء: في الصَّلاةِ والذِّكْرِ وقراءةِ القرآن، فإن وجدتموها وإلَّا فاعلموا أن الباب مُغْلَقٌ.
وقال حامد الأَسود: كنت مع إبراهيم الخواص في سفر فجئنا إلى موضعٍ فيه حياتٌ كثيرةٌ، فوضع ركوته وجلس وجلست، فلما كان بَرْدُ الليل، وَبَرْدُ الهواء خرجت الحيات، فصحت بالشيخ فقال: اذكروا الله، فذكرت، ورجعت ثُمَّ عُدتُ فَصحْتُ به فقال مثل ذلك، فلم أزل إلى الصَّباحِ في مثل تلك الحالة، فلما أصبحنا قام ومشى ومشيت معه، فسقط من وطائه حية عظيمة قد تطوقت فيه، فقلت: ما أحسست؟ فقال: لا، منذ زمان ما بت أطيب من البارحة 1. وقال سَرِيُّ السّقَطي رضي الله عنه: مكتوب في بعض الكتب التي أنزل الله تعالى: إذا كان الغالب عَلى عَبْدِي ذكري عَشِقَني وعَشِقْتُهُ، وقال: أوحى الله إلى داود عليه السَّلامُ: بي فافرحوا وبذكري فتنعّموا.

وقال النُّورِيُّ: لكل شيء عقوبةٌ، وعقوبةٌ العارف انقطاعه عن الذكر.
وفي الإِنجيل: اذكرْني حين تَغْضَبُ أَذْكُرْكَ حين أغضب، وارض بنظرتي لك، فإن نظرتي لك خير من نظرتِك لنَفْسِكَ.
وقيل لراهب: أنت صائم؟ فقال: صائم بذكره، فإذا ذكرت غيره أفطرت.
وقيل: إذا تمكن الذِّكْرُ من القلب، فإن دنا منه الشيطان صُرعَ كما يُصْرَعُ الإِنسانُ إذا دنا منه الشيطان، فتجتمع عليه الشياطين فيقولون ما لهذا؟ فيقال: قد مسه الإِنس.
وقال سهل: ما أعرف معصيةً أقبحَ من نسيان هذا الرب.
وقال بعضهم: وُصِفَ لي ذاكر في أجمة فأتيته فبينا هو جالس إذا سبع عظيم ضَرَبَهُ ضَرْبَة واستلبَ منه قطعةً فغشي عليه وعليّ، فلما أفقت قلت: ما هذا؟ فقال: قيض الله هذا السبع على، فكلما داخلتني فترة عضني كما رأيت.
وقال الجَريري: كان بين أصحابنا رَجُل يكثر أن يقول: الله الله فوقع يومًا على رأسه جِذْعٌ فشجّ رأسَه وسقط الدمُ فانكتب على الأَرض: الله الله.
انتهى كلامه في الرسالة، وتركت الأَسانيد رعاية للاختصار 1.

فإذا كان هذا حالُ الذِّكْرِ مع الذَّاكر، فالواجبُ على العاقلِ النَّاصِح لنفسِهِ ألَّا يَغْفُلَ عنه طرفةَ عينٍ إن كان مراده طريق الله تبارك وتعالى، وأن يندرج في سلك السَّادة الذَّاكرين الله كثيرًا والذَّاكرات، المحبين له في السِّر والعلانيات.
قال عليه السَّلامُ: "عَلامَة حُبِّ اللهِ حُبُّ ذِكْرِ اللهِ، وَعَلامَةُ بُغْضِ اللهِ بُغْضُ ذِكْرِ اللهِ"، رواه البيهقي 1. وقال عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ العِبَادِ دَرَجَةً عِنْدَ اللهِ يَوْمَ القِيَامَةِ الذاكِرُونَ اللهَ كثيرًا"، رواه أحمد والترمذي 2. واعلم أن الذِّكْر يتأكَّدُ في الزَّمانِ الفاضِلِ كرمضانَ، وَعَشْر ذي الحجَّةِ، وفي المكان الفاضلِ كالحرمينِ والأَقصى، فينبغي الإِكثارُ منه فيها لزيادةِ تضعيفِ الأَجْرِ فيها، وهذا شيءٌ بلا أشهرٌ من أن يشهر، وأظهرُ من أن يُذْكر.
وكذلك يتأكد الذِّكْرُ في أوقات الغَفْلَةِ وبين الغافلين؛ لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَقَمَ: "ذاكِرُ الله في الغافلينَ بِمَنْزِلَة الصَّابِرِ في الفارين"، رواه الطبراني 3.

وقال صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "ذاكِرُ الله في الغافِلينَ مِثْلُ الذي يُقاتِلُ عن الفَارِّين، وذاكِرُ الله في الغافِلينَ كالمِصْبَاحِ في البَيْتِ المُظْلِمِ، وذاكِرُ الله في الغافلين كمثَلِ الشَّجَرَةِ الخَضْراء في وَسَطِ الشَّجَرِ الذي قد تحاتَّ من الضَّريب، وذاكِرُ اللهَ في الغافلين يُعَرِّفَهُ الله مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ، وذاكِرُ الله في الغافلين يَغْفِرُ اللهُ له بِعَدَدِ كُلِّ فصيحٍ وأَعْجَمِيٍّ"، أخرجَهُ أبو نعيم في "الحلية" 1. تَنْبِيهٌ: المرادُ بالذِّكْرِ الشَّرعي كلُّ قول يدل على توحيد الله وإفرادِهِ، وتنزيهِهِ وتقديسه، وعلى كبريائِهِ وعظمتِهِ، وبيانِ كمال عِلْمِهِ وحُكْمِهِ، ووجوبِ بقائِهِ وقدرته إلى غير ذلك من الأَسماء والصفات الثابتة للهِ تعالى المُقَرَرَّةِ في علم التوحيد، وأجلُّ الذِّكْرِ وأنفعُهُ ما أرشد إِليه النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأجله ما ذكرناه في الأَحاديث السالفةِ.
أَوَّلُ الفَضْلِ وأَفْضَلُهُ لا إلهَ إلَّا اللهُ، لقوله عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ الذِّكْرِ لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأَفْضَلُ الدُّعاءِ الحَمْدُ للهِ"، رواه الترمذي، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان، والحاكم 2.

وقوله عليه السَّلامُ: "مَا قَالَ عَبْدٌ: لا إلهَ إلَّا الله قَطُّ مُخْلِصًا إلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبوابُ السَّماءِ حَتَّى تُفْضِيَ إلى العَرْشِ ما اجْتُنِبَتْ الكبائِرُ"، رواه الترمذي 1. وقال عليه السَّلامُ: "ما مِنْ الذِّكْرِ أَفْضَلُ مِنْ لا إله إلَّا اللهُ، ولا من الدُّعاءِ أَفْضَلُ مِنَ الاستغفارِ"، رواه الطبراني 2. وليس شيءٌ من الذكر أفضلَ من ذلك إلَّا تلاوةَ القرآن لقوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَفْضَلُ عِبَادَةِ أُمتي تِلاوةُ القرآنِ"، رواه البيهقيُّ 3. وقال عليه السَّلامُ في أثناء حديث: "وما تقرَّبَ عَبْدٌ إلى الله عَزَّ وَجَلَّ بِأَفْضَلَ مِمَّا خَرَجَ منه"، رواه أحمد والترمذي 4. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ حَرْفًا مِنْ كِتَابِ اللهِ فله بِهِ حَسَنَةٌ، والحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِها، لا أَقُولُ ألم حَرْفٌ، ولكن أَلفٌ حَرْفٌ، ولامٌ

حَرْفٌ، وميم حرفٌ"، رواه الترمذي 1. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ بِمائَةِ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ كُتِبَ لَه قُنُوتُ لَيْلَةٍ"، رواه أحمد، والنسائيُّ 2. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ مِائَةَ آيَةٍ فِي لَيْلَةٍ لَمْ يكْتَب مِنَ الغَافِلِينَ".
رواه الحاكم 3. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِيّ دُبُرَ كُلِّ صَلاةٍ مَكْتُوبَةٍ لَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ دُخُولِ الجَنَّةِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ"، رواه النسائيُّ، وابن حِبان 4.

وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ الآيتينِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ البَقَرَةِ في لَيْلَةٍ كفتاهُ"، متفق عليه 1. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ قَرَأَ قُل هو اللهُ أحد، فَكَأَنّما قَرَأَ ثُلُث القرآنِ"، رواه أحمدُ، والنسائي 2. والحاصِلُ أن فضائلَ القرآن لا تعدُّ ولا تحصى، وقد أُفْرِدت بالتَّصانيف الكثيرةِ، وليس هذا محلَّ استقصائِها؛ وإنما المرادُ هنا التَّنبيهُ على وجهِ الاختصارِ على ما يَذْكُرُ العَبْدُ به ربَّه وما هو الأَفضلُ، ولا شُبْهَةَ عند أحدٍ أن القرآن أفضلُ الذِّكرِ على الإِطلاق؛ إلَّا أنَّه إذا عَيَّنَ الشارع لعبادةٍ أو وقتٍ غيرَ القرآن تَعَيَّنَ اتِّباعُهُ، وهذا لا ينافي أفضليةَ القرآن عليه لعروضِهِ والله أعلم.
والأَكملُ في حقِّ الذَّاكِرِ أن يكون على طهارةٍ كاملةٍ، وأن يذكرَ بسكينةٍ وَوَقَارٍ، وَخَوْفٍ وتَضَرُّعٍ وخُشُوع، وإخلاصٍ ولُطفٍ، مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ بصوتٍ مُتَوسِّطٍ، قال تعالى: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ = "الصلاة" كما في "الترغيب" (2/ 448)، وأبو عمرو الخوري في "قوارع التنزيل" (21)، من حديث أبي أمامة، وصححه المنذري (2/ 448)، وجوَّد إسناده الهيثمي في "المجمع" (10/ 102).

عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)} [الأعراف: 205، 256]، لكن لا يَقْطَعكَ عن الذِّكر عدمُ اتصافِكَ بهذه الصِّفات.
فعليك بذكر اللهِ، وإن لم تكن مُتَّصِفًا بها فعسى أن يكون الذِّكْر على وجهٍ غيرِ أكملَ سَبَبًا للذِّكرِ على الوجه الأَكملِ.
واعلم أنَّه قد تقدمت آدابٌ كثيرةٌ، وأذكارٌ في الكتاب مع العبادات في مواضِعَ مُتَفَرِّقَةٍ يقف عليها من طلبها، فتبقى المحافظةُ على جميع ما ذكرنا وعلى ما ورد في الصَّباحِ والمساءِ، وأحسن ما جُمعَ في ذلك وِرْدُ الشيخ عبد الرحمن بن داود 1، فينبغي للسَّالِكِ في طريق اللهِ حفظُهُ، والمداومةُ عليه بكرةً وعشيًّا فإنه مستَنبطٌ من السُّنَّةِ الصَّحيحةِ، فلا ينبغي لراغبٍ في ذكرِ الله أن يتركه بُكرةً واحدةً ولا عشيَّةً واحدة إن رام اتباعَ السُّنَّة في الأَذكار، لأَن ذلك من أجلِّ ما رغب فيه أهل النُّهى والأَبصار.

فَصْلٌ فِي الأَمْرِ بالمعروفِ والنَّهيِّ عَنِ المُنْكرِ

قال الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. وقال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104]. وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا (63)﴾ [النساء: 63].
وقال تعالى حكايةً عن سيدنا لقمان: ﴿يَابُنَيَّ أَقِمِ الصَّلَاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (17)﴾ [لقمان: 17].
وقال تعالى: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29].
والآيات في الباب كثيرة، وكذلك الأَحاديث، منها قوله عليه السَّلامُ: "لَتَأْمُرُنَّ بالمَعْروفِ وَلتنْهَوُنَّ عن المُنكرِ أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللهُ عليكُم شِرارَكُم؛ فَيَدعوا خِيارُكُم فلا يُسْتَجَابُ لَهُمْ"، رواه البزار والطبراني 1.

وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ رَأَى مِنكم مُنكَرًا فَليُغَيِّرْهُ بيدِهِ، فإن لَمْ يَسْتَطعْ فَبِلِسانِهِ، فإن لم يَسْتَطعْ فَبِقَلْبِهِ، وذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمانِ"، رواه أحمدُ ومسلمٌ وغيرهما 1. وقال عليه السَّلامُ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنا ويُوقِّرْ كبيرَنا، وَيَأْمُرْ بالمعروفِ وَينْهى عن المُنكرِ"، رواه أحمد، والترمذي 2، والأَحاديثُ في الباب كثيرةٌ شهيرةٌ.
إذا عَلِمتَ ذلك فالأَمر بالمعروف والنَّهيُ عن المُنكرِ فَرْضُ كفايةٍ على الجماعة، وَفَرضُ عَيْنٍ على الواحد، فإذا تركه الجماعة أثِمُوا كُلُّهُم، وإن تَرَكَهُ المتعينُ عليه أَثِمَ وحدَهُ، فيجب على من عَلِمَهُ وتحقَّقَهُ وشاهَدهُ، وهو عارِفٌ بما يُنْكِرُهُ، ولم يَخَفْ سَوْطًا ولا عَصًا، ولا أَذىً في نفسِهِ أو مالِهِ أو أهلِهِ؛ ولا فتنةَ تزيدُ على المنكَرِ إذا علم حصولَ المقصودِ به، ولم يقم به غيرهُ، وسواء في ذَلِكَ الإِمام والحاكم والعالِمُ والجاهِلُ، والعدلُ، والفاسِقُ وأعلاهُ باليدِ ثُمَّ باللِّسانِ وأضعفَهُ بالقَلْبِ.
= البحرين" (7/ 246)، من حديث أبي هريرة وإسناده ضعيف فيه حبان بن علي ضعيف.

جارٍ التحميل