مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزياداتصفحات 475-514

وعلى النَّاسِ إِعانَةُ المُنْكِرِ وَنَصْرُهُ مع القُدرةِ، ولا ينكِرُ بسيفٍ أَو عصًا إلَّا مع سلطانٍ، ومن التزم مَذْهبًا أنكر عليه مخالفَته بلا دليلٍ صالحٍ أو تقليدٍ سائغٍ أو عذر ظاهرٍ.
واعلم أن الأَمرَ بالمعروف والنَّهي عن المُنْكَرِ أعظمُ أصول الدِّينِ، لأَن حصوله موقوفٌ عليهما عن يقين، فَهُمَا أجَلُّ ما يعتني به أهلُ الجِدِّ والتمكين؛ فلولاهما لدامَ الفسادُ، ولتَمَادَى أَهْلُ الضَّلالِ والعِنَادِ، ولم يكن هدىً ولا رشاد، ولتمكنَتْ أهلُ الغِوايَةِ وظهرت، وقَويت على أهل الصَّلاح والهدايَةِ، ولتعطلت الأَحكامُ، وخفيت الشَّريعة على جميع الأَنامِ، فلا يسقطانِ بحالِ مع الإِمكانِ؛ بل يَجِبُ القيام بهما كُلَّ وقتٍ على مدى الأَزمان، فيتعينُ الاعتناء بِهِمَا حَتَّى تقوم السَّاعة باتفاق العلماءِ وأهلِ العرفان، وبالله سبحانه وتعالى المستعان.
ثُمَّ المعروف: كُلُّ فِعْلٍ وقَوْلٍ وَقَصْدٍ حَسُنَ شرعًا، والمنكرُ: كُلُّ قَوْلٍ وفِعْلٍ وَقَصْدٍ قَبُحَ شرعًا، والإِنكار في تركِ الواجبِ وفِعْلِ الحرامِ فَرْضٌ، وفي تركِ المندوبِ، وعَدَمِ تَعَلُّمِهِ وتعليمه، وفي فعل المكروهِ، وتَعَلُّمِهِ وتعليمه، سُنَّةٌ.
فَائِدَةٌ: وكُلُّ ما يُؤْمَرُ فيه ويُنْهى فحقُّ الله تعالى أو حَقُّ الآدَميِّ أو حقُّهما، فَأَمَّا حَقُّ اللَّهِ فكصلاةٍ وصوْمٍ، وكالحثِّ على فِعْلِ الطَّاعَةِ وتركِ المعصية، وأمَّا حَقُّ الآدميّ فكالمطلِ بالمالِ والحَيْفِ والظُّلْمِ

ونحو ذلك، وأما حَقُّهما فكزكاةٍ وحَجٍّ، وكفارَةٍ وَحَدِّ قَذْفٍ ونحو ذلك، والأَبُ وغيره في الإِنكارِ عليه سواء.
تَنْبِيهٌ: يَنْبَغِي أن يَكونَ الآمِرُ بالمعروفِ، والنَّاهي عن المُنكَرِ؛ مُتواضِعًا، رقيقًا فيما يدعو إِليه، شَفيقًا رحيمًا غَيْرَ فظٍّ، ولا غليظِ القَلْبِ ولا مُتَعَنِّتٍ، حُرًّا، عَدْلًا، فقيهًا عالمًا بالمأْموراتِ والمنَّهياتِ شرعًا، دِيِّنًا نَزِهًا، عفيفًا ذا رَأْي ومُراقَبةٍ وشِدَّة في الدَّينِ، قاصدًا بِذَلِكَ وَجْهَ الله تعالى، وإقامَةَ دينِهِ، ونُصْرَةَ شرعِهِ، وامتثالَ أمرِهِ، وإحياءِ سُنَّةِ نَبيِّهِ بلا رياءٍ ولا مُنافَقَةٍ، ولا مُداهَنَةٍ، غير مُنافِسٍ ولا مُفاخِرٍ، ولا مِمَّنْ يُخالِفُ قَوْلُهُ فِعْلُهُ؛ لكن يَجِبُ عليه الإِنكار وإن كان شريكًا في المعصيَةِ، لئلا يجمع بين معصيتَينِ فِعْلُهُ للمعصية، وتَرْكُهُ للإِنْكارِ على فاعلها، فَمَا ذُكِرَ للأَكْمَلِ.
ويُسَنُّ العَمَلُ بالنَّوافِلِ، والرِّفْق، وطلاقَة الوجْهِ، وحُسْن الخُلُقِ عِنْدَ إنكارِهِ، والتَّثَبُّت والمُسامَحَة بالهفْوَةِ مَرَّةً ومرتينِ، وَيَبْدَأُ في إنكارِهِ بالأَسْهلِ فالأَسهل؛ فإن زال وإلَّا زادَ، فإن لم يَزِلْ رَفَعَهُ إِلى سلطانٍ عادِلٍ لا يأْخُذ مالًا ولا يفعَلُ غير ما يَجِبُ.
ويُنْكِرُ على السُّلْطانِ بالوعْظِ والتَّخويفِ.
فَائِدَةٌ: وَيُسَنُّ هُجْرانُ العُصَاةِ المُتَجاهِرينَ بالمَعْصيةِ، ويَجِبُ الإِغضاءُ عن المُتَستِّرِينَ الكاتمينَ لها، لكن يَنْبَغي نُصْحُهُمْ سِرًّا مع علمِهَا.

وَيَحْرُمُ التَّعَرُّض لِمُنكرٍ فُعِلَ قديمًا، وَكشْفُ مَسْتورٍ، وإشاعَتُهُ، وتَتَبُّعُهُ سِيَّما بالبيِّنَةِ.
وَيَجِبُ هُجْرانُ المبتدعينَ الدَّاعينَ إِلى الضَّلالَةِ مع العَجْزِ عن إِصْلاحِهِمْ، والإِنكارِ عليهم أو لم يَأْمَنِ الاغترار.
فَائِدَةٌ: يَجِبُ على القادِرِ الدَّفعُ عَنْ نَفْسِهِ وحرمتِهِ، وَيَجوزُ عن مالِهِ، وَيَلْزَمُهُ الدَّفْعُ عن أخيه المُسْلِمِ؛ وكذا عن مالِهِ وحرمتِهِ إن أمكنَهُ، ويَسْقُطُ إن عَلِمَ أَنَّهُ لا يُفِيدُ.
وعليه إنجاؤهُ من غَرَقٍ وَحَرْقٍ ونحوهما كالمجاعَةِ مع القُدْرَةِ.
واعلم أَنّهُ لا يُعْتَدُّ بِشَيءٍ مِنَ العِبادات ولا يَنْفَعُ عِنْدَ اللهِ ذَرَّةً إلَّا مع النِّيَّةِ الصَّحيحَةِ الشَّرْعيةِ والإِخلاص، فَلأَجْلِ هذا خَتَمْتُ كِتاب الآدابِ بِنُبْذةٍ يَسيرةٍ منه ليتنبَّه عليه.

فَصْلٌ في الإِخلاص

قال الله تعالى: ﴿أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ﴾ [الزمر: 3]، وقال تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾ [البينة: 5].
وقال عليه السَّلامُ: "قَالَ اللهُ تَعالى: أَنَا أَغْنَى الشُّركاءِ عَنِ الشِّرْكِ، مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ مَعِي فيه غَيْرِي، تَرَكْتُهُ وشِرْكَهُ"، رواه مسلم 1.

وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ سَمَّعَ سَمَّعَ اللهُ بِهِ، وَمَنْ رَاءَى رَاءَى اللهُ بِهِ"، رواه البخاري، ومسلم 1. وَمَعنَى "سَمَّع" - بتشديد الميم - أَظْهَرَ عملَهُ للنَّاسِ رياءً، وَسَمَّعَ اللهُ به أي فَضَحَهُ يَوْمَ القِيامَةِ.
ومعنى: "رَاءَى" أَظْهَرَ للنَّاسِ العمل الصَّالح لِيعْظُمَ عِنْدَهُم، وليس هو كذلك! و"رَاءَى اللهُ بِهِ" أي أَظْهَر سَرِيرَتَهُ على رؤوسِ الخلائِقِ.
وقال عليه السَّلامُ: "إِنَّ اللَّهَ لا يَنْظُرُ إِلى أَجْسَامِكُم ولا إِلى صُوَرِكُمْ، ولكن يَنْظُرُ إِلى قُلُوبِكُم"، رواه مسلم 2. وقال عليه السَّلامُ: "إِنَّما الأَعْمالُ بالنِّياتِ، وإِنَّما لِكُلِّ امْرئ؛ ما نَوَى، فَمَنْ كانَتْ هِجْرَتُهُ إِلى اللهِ ورسُولِهِ، فَهِجْرَتُهُ إِلى اللهِ ورسولهِ، ومَنْ كانتِ هِجْرَتُهُ لدُنيا يُصيبُها أَوْ امرأَة يَنْكِحُها فَهِجْرَتُهُ إِلى ما هاجَرَ إِليه"، رواه البخاري ومسلم 3. وقال عليه السَّلامُ: "أَخْلِصْ دِينَكَ يَكْفِكَ القَليلُ مِنَ العَمَلِ"، رواه الحاكم 4.

وقال عليه السَّلامُ: "أَخْلِصوا أَعْمالكم؛ فإنَّ اللهَ لا يَقْبَلُ إلَّا ما خلُصَ لَهُ"، رواه الدارقطني 1. والحاصِلُ أن الدَّلائل من الكتابِ والسُّنَّةِ على وجُوب الإِخلاصِ في كُلِّ عبادةٍ أكثر من أن تُحْصَرَ وأَشْهَرُ من أن تُشْهَرَ، واستِقْصاءُ ذَلِكَ لا يليق بهذا المختصر، فالواجِبُ على العاقِلِ ألَّا يُشْرِكَ بعبادَةِ رَبِّهِ أحدًا حَتَى يكونَ عملُهُ عبادةً؛ وإلَّا فمتى لاحظَ في عَمَلِهِ أحدًا من الخلق فليسَ بعامِلٍ لله وإنما هو مُراءٍ، والرِّياءُ ليس بعبادةٍ بل هو مَعْصيةٌ من أكبرِ المعاصي، يُحْبطُ العِبادَةَ ويُصَيّرُ المُتَعَبِّدَ آثِمًا، وكيف لا وقد سماه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّرْكَ الخفيَّ.
قال عليه السَّلامُ: "الشِّرْكُ الخَفي أن يَعْمَلَ الرَّجُلُ لِمكانِ الرَّجُلِ"، رواه الحاكم 2. فالإِخلاصُ هو ألَّا يُريدَ العَبْدُ بعبادتِهِ إلَّا التَّقرُّبَ إِلى الله سبحانه، قال الأُستاذ القُشيريُّ رحمه الله في "رسالته": الإِخلاصُ إفراد الحَق سُبْحانَهُ وتعالى في الطَّاعةِ بالقَصْدِ، وهو أن يريد بطاعتِهِ

التَّقرُّبَ إلى الله دون شيءٍ آخر من تَصَنُّعٍ لِمَخْلوقٍ أو اكتسابِ مَحْمَدةٍ عِنْد النَّاسِ أو صِحَّةِ مَدْحٍ من المَخْلوقِ، أو معنىً من المعاني سوى التَّقرب إِلى الله.
ويَصِحُّ أن يقال: الإِخلاصُ تصفيةُ الفِعْلِ عن ملاحظَةِ المَخلوقين، ويَصِحُّ أن يقال: الإِخلاص التَّوقي عن ملاحظة الأَشخاص.
وَقَدْ ورَدَ خَبَرٌ مُسْنَد أن النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ عن جبريل عن الله سبحانه تعالى أنه قال: "الإِخْلاصُ سِرٌّ مِنْ سِرّي استودعتُهُ قلب من أحببتُ من عبادي" 1. ونقل فيها عن الأُستاذ أبي على الدَّقاق رحمه الله تعالى، قال: الإِخلاصُ التَّوقي عن ملاحظة الخَلْقِ، والصِّدق التَّنقي عن مطالعةِ النَّفْسِ، فالمخلصُ لا رياءَ لهُ، والصَّادِقُ لا إعجاب لَهُ.
وعن ذي النُّون المصري أنّه قال: الإِخلاصُ لا يتمُّ إلَّا بالصِّدْقِ، والصبر عليه، والصِّدْقُ لا يتمُّ إلَّا بالإِخلاص فيه والمداومة عليه.
وقال أيضًا: ثلاثٌ من عَلامَاتِ الإِخلاص: استواءُ المَدْحِ والذَّمِّ من العَامَّةِ، ونسيان رُؤيةِ الأَعمالِ في الأَعمال، واقتضاءُ ثوابِ العَمَلِ في الآخِرَةِ.

وقال أبو يعقوب السُّوسي: متى شَهدوا في إخلاصِهِم الإخلاص؛ احتاجَ إخلاصُهم إلى إخلاصٍ.
وقال أبو عثْمان المغربيّ: الإخلاصُ ما لا يكون للنَّفْسِ فيه حَظٌّ بحالٍ، وهذا إِخلاصُ العَوَّامِ، وإخلاصُ الخَواصِّ ما يَجْرِي عليهم لا بِهِمْ؛ فتبدو منهم الطَّاعاتُ وهم عنها بمعزلٍ، ولا يَقَعُ لهم عليها رؤيةٌ ولا بها اعتداد، فَذَلِكَ إخلاص الخواصِّ.
وقال أبو بكر الدَّقاق: نقصانُ كُلِّ مُخْلِصٍ في إخلاصِه رؤيةُ إخلاصِهِ، فإذا أرادَ الله أن يُخلِّص إخْلاصَهُ أَسْقَطَ عن إخلاصِهِ رؤيةَ إخْلاصِهِ فيكون مُخْلِصًا لا مخلصًا.
وقال سَهْلٌ: لا يَعْرِفُ الرِّياء إلَّا مُخْلِصٌ.
وقال حذيفةُ المُرْعشيُّ: الإخلاصُ أن تستويَ أفعالُ العَبْدِ في الظَّاهِرِ والباطِنِ.
وقال السريُّ: من تَزَيَّنَ للنَّاسِ بما ليس فيه سَقَطَ من عَيْنِ اللهِ.
وقال الفُضَيلُ: تَرْكُ العَمَلِ من أجلِ النَّاس رياءٌ، والعملُ لأَجل النَّاس شِرْكٌ، والإخلاص أن يعافيكَ اللهُ منهما.
وقال الجُنَيد: الإخلاصُ سِرٌّ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ العَبْدِ لا يعلمُهُ مَلَكٌ فيكتُبَهُ، ولا شيطانٌ فَيُفْسِدَهُ، ولا هوًى فَيُميلَهُ.
وقيل لسهل بن عبد الله: أيُّ شيءٍ أَشَدُّ على النَّفْسِ؟ فقال: الإخلاصُ، لأَنَّه لَيْسَ لها فيه نصيبٌ.

وسُئِلَ بعضهم عن الإخلاص فقال: ألَّا تشهدَ على علمك غير الله.
وقال بعضهم دخلت على سهل بن عبد الله يوم جُمُعَةٍ قَبْلَ الصَّلاةِ فرأيتُ في البَيْتِ حَيَّةً؛ فجعلتُ أُقَدِّمُ رَجْلًا وأُؤخِّرُ رجلًا أخرى، فقال: ادخُلْ لا يبلغ أحدٌ حقيقةَ الإيمان وعلى وجه الأَرض شيء يخافُهُ، ثُمَّ قال: هل لك في صلاةِ الجُمُعَةِ؟ فقلتُ: بيننا وبين المسجد مسيرة يوم وليلة، فَأخَذَ بيَدي فما كان إلَّا قليل حَتَّى رأيتُ المَسْجِدَ فدخلنا وصلينا الجُمُعَة ثُمَّ خَرَجنا، فَوَقَفَ ينظُرُ إلى النَّاسِ وهم يَخرجُونَ فقال: أهل لا إله إلَّا الله كثيرٌ والمُخْلِصون منهم قليلٌ 1. وقال مكحولٌ: ما أخلصَ عَبْدٌ أَرْبَعِينَ يومًا إلَّا ظهرت ينابيعُ الحكمة من قَلْبِهِ على لسانِهِ.
انتهى كلام القُشيري مُلْخصًا بلا أسانيد رَوْمًا للاختصار 2. واعلم أنَّه يَجِبُ على كُلِّ متعبدٍ أن يُخلص عمله وعبادتَهُ من كُلِّ شائِبَةٍ رياءٍ حَتَّى تنفَعَهُ عند رَبِّهِ؛ لأَنَّها متى خالطها شائِبَةُ رياءٍ وإن قَلَّ

أبطلَهَا وصارت وبالًا على صاحِبها، بل انقلبت معصيةً من أكبَر المعاصي؛ لأَن الرِّياء من الكبائرِ العِظَامِ، وهو ملاحظةُ شيءٍ من الخَلْقِ في الأَعمالِ.
قال أبو سليمان الدَّاراني: إذا أَخْلَصَ العَبْدُ انقطع عنه الرِّياء وَكَثْرَةُ الوسواس.
وفي الجُمْلَة والتَّفْصيلِ: الإخلاصُ أَعزُّ شيءٍ في الدُّنيا، وأنفعُ شيءٍ في الآخرة؛ لأَنَّه أصعبُ شيءٍ على النَّفْسِ فلا يقدِرُ العبدُ عليه إلَّا بمجاهدةٍ لها شديدةٍ، ومُخالَفَةٍ لها أكيدةِ، فإذا وُفِّقَ لِذَلِكَ فإنَّهُ أَجَلُّ نعمةٍ عظيمَةٍ، فالواجِبُ عليه حينئذ أن يَعْرِفَ قَدْرَها، ويشكُرَ مولاهُ الذي وفَّقَهُ لها، ومع هذا يَتَّهِمُ نفسَهُ غايةَ الاتهامِ، ولا يَقْطَعُ لها بالإخلاصِ إن كان من أهل العزائم والإخلاص والإنصاف؛ لأَن هذا المقام مقامُ الأَفرادِ من النِّساءِ والرِّجالِ، وصِفَةُ الأَخيارِ من ذوي الجِدِّ والاجتهادِ، وحالُ الأَبطالِ المُخالفين النَّفْسَ والشَّيطانَ والهوى في كُلِّ حال، ولا يقدِرُ على ذَلِكَ إلَّا من اعتنى به مولاهُ وَوَفَّقَهُ بفضلِهِ وهداهُ، وأزاحَ عنه شَرَّ نَفْسِهِ وشيطانِهِ وهواهُ.
فنسأَلُ الله بمنِّهِ وَكَرَمِهِ وفضلِهِ، وإحْسَانِهِ العميم أن يَهْدِيَنا ويُرْشِدَنا إلى الصِّراط المُستقيم، وأن يُوفِّقَنا للإخلاصِ في كُلِّ عملٍ لِيَصِحَّ ويستقيم، وأن يُلحِقَنا بعبادِهِ المُخْلصينَ وَحِزْبِهِ المُفْلحينَ، إنَّهُ أَرْحَمُ الرَّاحِمينَ، وَأَكْرَمُ الأَكرمين.

واعلم أنَّه قَد تَقَدَّم جُمْلَة من الإخلاصِ في الصَّلاةِ على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فلتُعاود، وليكن هذا آخر ما أردناه من الآداب والله الموفق للعمل بها، إنَّهُ الكريمُ الوَهاب.
وهذا أوانُ الشُّروعِ في خاتِمَةِ الكِتَابِ المشتملةِ على بيانِ العَقِيدَةِ السُّنيَّة، واللهُ المسؤولُ أن يُوفِقنا لِحُسْنِ النِّيَّةِ، وأن يَعْصِمَنَا من كُلِّ عقيدةٍ بِدْعِيّةٍ، وأن يحفظَنَا من كُلِّ سيرةٍ غَيْرِ مَرْضِيَّةٍ.

خَاتِمَةٌ: في مَعْرِفَة الله تعالى وما يَجِبُ عَلَى المُكَلَّفِينَ مِنَ الاعْتِقادِ

وتشتملُ على خَمْسَةِ أبوابٍ: الأَول: في مَعْرِفَةِ الله تعالى وما يَتَعَلَّقُ بها.
الثَّاني: في الأَفْعالِ.
الثَّالِثُ: في الأَحْكام.
الرَّابعُ: في بقيَّةِ السَّمْعياتِ وأحوالِ القِيامَةِ وغير ذلك.
الخامس: في النبوة والإمامة.

البَابُ الأَوّل: في مَعْرِفَةِ اللهِ تعالى

1 فَتَجِبُ معرفتُهُ سُبْحانه وتعالى شَرْعًا على كُلِّ مُكَلَّفٍ قادرٍ، وهي

أول واجِبٍ له تعالى؛ فالكافر إن ماتَ قبل أن تَبْلُغَهُ الدَّعوةُ لا يُعاقَبُ، والمراد بمعرفتِهِ -جَلَّ وَعلا وَتَقَدَّسَ- معرفة وجوبِ وجود ذاتِهِ بصفاتِ الكَمالِ فيما لم يزل ولا يزال، لا معرفة حقيقة ذاتِهِ لاستحالَةِ ذَلِكَ؛ لأَنها مخالفةٌ لسائر الحقائِقِ فلا يمكن معرِفتُها.
وتحصلُ المَعْرِفَةُ بالله تعالى وصِفاتِهِ شَرْعًا، والعَقلُ آلَةُ الإدراك فبه يَحْصُلُ التَّمييز بين المعلومات؛ فإذا نَظرَ المُكَلَّفُ في الوجودِ والموجودِ 1 نَظَرًا تامًّا عَلِمَ جَزْمًا أن مُوجِدَ ذَلِكَ وصانعَهُ واحدٌ لا شَرِيكَ لَهُ، وإن تَرَكَ النَّظَرَ وَقَلَّدَ في مَعْرِفَةِ الله تعالى حَرُمَ عليه ذلك 2، ثُمَّ إن كان اعتقادُهُ جازمًا لا يزولُ بتشكيكِ المُشَكِّكِ فهو = الصواب بين قوسين.
كما أنني عرضت هذه المواضع أيضًا على أخي العالم الألمعي الشيخ محمد بن عمر بازمول المكي فكان موافقًا لما ذكره شيخنا الأشقر، وقد أفادني ببعض النقول عن شيخ الإسلام ابن تيمية وابن الوزير فجزاهما الله عني خير الجزاء.

مؤمنٌ وإلَّا فكافِرٌ.
وأولُ نِعَمِ الله تعالى الدِّينيةِ على المؤمن وأعظمُها وأنفعُهَا أن أقدرَهُ على معرفتِهِ، وأول نِعَمِهِ الدنيوية عليه الحياةُ العَرِيَّةُ عن الضَّرَرِ.
وشُكْرُ المُنْعِمِ واجبٌ شرعًا أيضًا؛ وهو اعترافُهُ بنعمتِهِ على جهةِ الخُضُوع والإذعانِ، وصرفُهُ نِعَمَهُ كلها في طاعتِهِ سبحانه.

فَصْلٌ

يَجِبُ الجَزْمُ بأنَّهُ سبحانه وتعالى واحدٌ لا يَتَجَزَّأُ ولا يَنْقَسِمُ، أَحَدٌ لا مِنْ عَدَدٍ 1، فَرْدٌ صَمَدٌ، لم يَلِدْ، ولَمْ يُولَد، ولم يَكُن لَه كُفُوًا أحد، لا شَرِيك له في مُلْكِهِ، ولا ظهيرَ له في صُنْعِهِ، ولا مُعِينٌ لَهُ في خلقِهِ، ولا مِثْلَ لَه في ذاتِهِ ولا في صفاتِهِ ولا في أفعالِهِ.
حَيٌّ موجودٌ قديمٌ أَزَليٌّ، لا أول له ولا بدايَة، ولا آخِرَ لَهُ ولا نهاية، لم يزل ولا يزال سبحانه وتعالى مُتّصفًا بِصِفاتِهِ العُليا، وأَسْمائِهِ الحُسْنَى.
وَبِأنَّهُ سُبْحانَهُ عَالِمٌ بِعِلْمٍ واحِدٍ قَدِيمٍ باقٍ ذاتيٍّ، مُحيطٍ بِكُلِّ = ثم أفاض في ذلك رحمه الله تعالى انظر: "مجموع الفتاوى" له (20/ 220، 203)، (5/ 197 - 209).

معلومٍ كُليٍّ أو جُزْئيٍّ على ما هو عليه، (فلا يَتَعدَّدُ علمهُ بتعدُّد المعلومات، ولا يَتَحدّدُ بِتَحدُّدِها، ولا يتجددُ بتجدُّدِها، ليس عِلْمُهُ جَلَّ وعلا ضروريًا ولا نظريًا، ولا كَسْبيًّا ولا استدلاليًّا) 1؛ لأَن هذه صفاتٌ لِعِلْمِ المخلوق وهو جَلَّ وعلا مُنَزَّهٌ عن مشابهتِهِ مطلقًا.
وبأنَّهُ سبحانه على كُلِّ شيءٍ قديرٌ بِقُدْرَةٍ واحدَةٍ، وجوديَّةٍ قديمَةٍ، باقيَةٍ ذاتيَّةٍ مُتَعَلِّقَةٍ بِكُلِّ مُمكِنٍ، فلم يوجد شيءٌ ولا يوجدُ إلَّا بها، وبأنَّه تعالى مريدٌ بإِرادةٍ واحدةٍ قديمةٍ ذاتيةٍ باقيةٍ مُتَعلقةٍ بِكُلِّ مُمكِنٍ، وَبأنَّهُ تعالى حَيٌّ بحياةٍ واحدةٍ وجُودِيَّةٍ قديمَةٍ ذاتيّةٍ، وبأنَّه تعالى سَمِيعٌ بصيرٌ بِسَمْعٍ وبَصَرٍ قديمينِ ذاتيينِ وجوديينِ مُتَعَلِّقينِ بِكُلِّ مَسْمُوعٍ وَمُبْصِرٍ، وبأنَّه تعالى قائلٌ وَمُتكَلِّمٌ بكلام قديمٍ ذاتيٍّ وجُوديٍّ غير مخلوقٍ (ولا مَحْدَثٍ ولا حادِثٍ) (2) بلا تشبيهٍ ولا تمثيلٍ.
فالقرآنُ كلام الله ووحيهُ وتنزيلُهُ، مُعْجِزٌ بنفسه لجميع الخلق، غيرُ مخلوق ولا حالٌّ في شيءٍ ولا مقدور على بعض آية منه.

فصْلٌ

ويَجبُ الجَزْمُ بأنه سبحانه وتعالى ليس بجوهر ولا جِسْمٍ ولا عرَض 1، (لا تحُلُّه الحوادثُ ولا يحل في حادث ولا ينحصر فيه) 2، فمن اعتقد أو قال إن الله بذاته في كل مكان أو في مكان فكافر 3. (فَيَجِبُ الجَزْمُ بأنه سبحانه بائن من خلقه، فالله تعالى كان ولا مكان ثُمَّ خَلَقَ المكان وهو كما كان قبل خلق المكان) 4، ولا يعرفُ بالحَوّاسِ، ولا يقاسُ بالنَّاس، ولا مدخل في ذاته وصفاته للقياس، لم يتخذ صاحبةً ولا ولدًا فهو الغني عن كُلِّ شيء، ولا يستغني عنه

شيء، ولا يشبهُ شيئًا ولا يشبهه شيء، فمن شبَّههُ بشيء من خلقه فقد كفر (كمن اعتقده جسمًا أو قال إنه جسم لا كالأَجسام) (1)، فلا تبلغه سبحانه الأَوهام، ولا تدركهُ الأَفهام، ولا تضرب له الأَمثال، (ولا يعرف بالقيل والقال) (2)، وبكُلِّ حال مهما خطر بالبال وتوهمه الخيال فهو بخلاف ذي الإكرام والجلال (3).

فَصْلٌ في أسماءِ الله تعالى وصفاته

وهي قديمة توقيفيةٌ، فلا يجوز أن نسميَه ولا نصفَه إلَّا بما ورد في الكتاب والسنة أو عن جميع علماء الأُمة، فَنكُفُّ عما كَفُّوا عنه ونَقِفُ حيث وقفوا، ولا نتعدى الكتاب والسُّنة وإجماع سلف الأُمة في ذلك.
فَكُلُّ ما صح نقله عن الله تعالى أو رسوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو جميع أمته في أسماء الله وصفاته يجب قبوله والأَخذ به وإمراره كما123

جاء وإن لم يعقل معناه 1، فيحرم تأويل ما يتعلق به تعالى وتفسيره 2 كآية الاستواء وحديث النزول وغير ذلك إلَّا بصادر عن النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو بعض الصحابة، وهذا مَذْهَبُ السَّلَفِ قاطبةً وهو أسلم المذهبين وأولاهما.
وأقول وبالله التوفيق وعليه التُّكلان: هذا اعتقادي في السِّرِّ والإعلان، ولا يسعني خِلَافُهُ إلى أن ألقى الملك الديان، المنزه عن مشابهة شيء من الأَكوان، فالذي أدين الله به وأرجو أن ألقاه عليه الوقوف عن تأويل آيات الصِّفات وأحاديثها وما شابَهَهَا إلَّا أن يكون واردًا في الكتاب أو السنة أو تجتمع عليه علماء الأمة اتباعًا لإجماع السَّلفِ الصالح، واقتداءً بهم.

وإني ولله الحمد من حين نَشَأْتُ على هذا الاعتقاد وقد زادني محبة وتمسكًا به وأكدَهُ عندي أني رأيت في المنام إِمامنا الإمام أحمد رضي الله عنه فأخبرتُهُ باعتقادي فأقرني عليه وشافهني بأن التأويل بغير ورود أو إجماع غير جائز، بل أفهمني أن ما نقله عنه أصحابه من امتناع التأويل هو مذهبه لا غيره، حَتَّى إِني سألته عن الاستدلال بكلام الأَخطل وغيره مما استدل به أهل التأويل فغضب من ذلك غضبًا بليغًا وأَعْرَضَ عني وتغير لونه ثُمَّ قَال: لا يجوز ذلك ولا يصح، وأشار إليَّ بالإعراض عن جميع ذلك، وأفهمني أنَّه لا يجوز قياس كلام الله تعالى وصفاته ولا تخريجها على شيء من ذلك أصلًا مع أني كَرَّرْتُ عليه ذلك مرارًا وهو لا يجاوبني إلَّا بمثل ذلك 1، وهذا وشبهه هو الذي كان عليه في حياته كما نقله عنه أصحابه وغيرهم.
وكانت هذه الرؤيا في أواخر ذي القعدة سنة تسع وأربعين وألف وهي رؤيا حق إن شاء الله تعالى؛ لأَني كنت في مَرَضٍ شديدٍ مؤلم جدًّا وهو ريح مع بلغم بكتفي الأَيسر قد منعني النَّوم والأَكل والشُّرْبَ والمطالعَةَ والكتابةَ وغيرهُنَّ مُدَّةً، حَتى كدت أيأس من زواله، لأَني بالغت في التَّداوي له مبالغة زائِدَةً على العادة بحيث إني ما تركت دواءً وصفه لي مسلم أو ذميٌّ لشدةِ الوجع وفراغ الصبر، ولم يحصل

شيء من ذلك إلَّا زيادة في الألم، فزال ببركة رؤياه 1 رضي الله عنه وأرضاه، وشكر له ثباته وصبره على السُّنَّةِ ومسعاه، وأعاد علينا وعلى المسلمين من بركاته وبركة ما أنعم به عليه ومنحه وأعطاه، حَتَّى نلقاه على خير طويَّةِ وأحسن نية، ونسأله سبحانه وتعالى أن يثبتنا على العقيدة السنية ببركة نبينا سيد البرية 2. والحاصِلُ أن الصَّحابة والتابعين وتابعيهم اكتفَوْا بالإيمان بجميع ما ورد في الكتاب والسُّنَّةِ من أسماء الله سبحانه وصفاته مع إمراره كما جاء من غير تشبيه ولا تعطيل ولا تعرُّضٍ لتفسيره أو تأويله 3 بلا ورودٍ، ولو كان تفسيره ذلك أو تأويله واجبًا لبينه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولما تركه الصحابة؛ إذ لم ينقل عنهم ما يدل على ذلك مع أنهم أعلم الأمة وأعرفُها بذلك وغيره بالإجماع، وسكتوا عنه مع أنهم هداةُ الدِّين والأُمة وأئمتهما، فلو كان تمام إيمانها وإرشادها موقوفًا على شيء من ذلك لبيّنوهُ ولم يسعْهم كتمُهُ، وإذا كان كذلك فليَسَعْنا ما وسِعَهُم، ولنسكت عما سكتوا، ولنكفَّ عما كفوا عنه؛ لأَنه أهون وأسلم وأصون وألزم، والله أدرى وأعلم وأعز وأكرم.

إذا علمت هذا فاعلم أن الكلام في الصِّفات فرع على الكلام في الذَّات، فكما أنه سبحانه لا شبيه له في ذاته لا شبيه له في صفاته، فصفاتُهُ معلوم وجودها ولا يعلم حقائقها إلَّا هو سبحانه وتعالى وتَقَدَّسَ عن كل ما يخطر في قلوب العقلاء في ذاته وصفاته، فلنضرب عن الكيفية قطعًا، ولنمسك عن المثلية جزمًا، ولنحِد عن التعطيل حتمًا، فلا نقول في التنزيه كقول المعطلة، ولا نميل في الإثبات إلى إلحاد الممثلة، بل نُثبتُ ولا نحرف، ونصفُ ولا نكَيف، فالإيمان بذلك واجب من غير رَدٍّ ولا تعطيلٍ ولا تشبيه ولا تجسيم.
فمذهبُ أهل السُّنَّة حَقٌّ بين باطلين، وهُدى بين ضلالتين، وهو إثباتُ الأَسماءِ والصِّفات مع نفي التشبيه والأَدوات (1).

فَصْلٌ

ويحرُمُ أن يُسَمَّى الله ويوصف بنحو فاضلٍ وعاقل وعارفٍ وعفيفٍ وفقيه، وإن كان معناه صحيحًا ثابتًا له تعالى؛ لعدم وروده، وأن يطلق عليه سبحانه ما يوهم أدنى نقص من اسم أو صفة وإن كان واردًا، كماهدٍ وزارعٍ وفالق ونحوِهَا، وأن يُسمَّى غيره بأسمائه المختصة به وهي الله والرحمن والغفار والملك والصّمَدُ1

والمتعالي (1) والسُبُّوح والقدوس والإله والمعبود، وأن يُدعى بغير أسمائه الحسنى.

فَصْلٌ في الرؤية

ونجزم بأن المؤمنين يرون ربهم تعالى يوم القيامة بالأَبصار ويكلمهم على ما يليق به فيهما بلا تكييف ولا تشبيه، ولا تراه الكفار، ولا تجوز رؤيته في الدنيا شرعًا يقظة، وتجوز منامًا.
ونجزم بأن نبينا محمدًا صلَّى الله عليه وسلَّم رأى ربَّهُ ليلة الإسراء عيانًا يقظة، وكلَّمه كفاحًا بلا تكييف ولا تشبيه 2، والله أعلم.1

الباب الثاني: في الأَفعال

اعلم أن كل شيء سوى الله وصفاته حادث، وهو سبحانه خلقَهُ وأوجدَهُ وابتدأه من العَدَمِ لا لعِلَّةٍ ولا لغرضٍ 1 ولا لداعٍ ولا لحاجةٍ ولا لموجب، ولا تَجِبُ رعايةُ ذلك في شيء من أفعاله سبحانهُ ولا يفعَلُ عبثًا، فلا خالق لِجِسْمٍ ولا جَوْهَرٍ ولا عَرَضٍ ولا شيء إلَّا هو سبحانه، وجميع أفعال العباد كَسْبٌ لهم وهي مخلوقة الله خيرُها وشرها حَسَنُها وقبيحها، وفعل العبد مختار ومُيسَّرٌ في كسب الطَّاعَةِ واكتساب المعصيَةِ غيرُ مُكْرهٍ ولا مُجْبَرٍ ولا مُضطَرٍّ، والله سبحانه الخالق ما كَسَبَهُ العبدُ واكتسَبُه وفعلَهُ، والقدرة والمقدور والاختيار والمختار والكسب هو ما خلقه الله في محل قدرة المكتسب على وفق إرادته في كسبه.
والقدرة هي التَّمكن من التَّصرف 2. وكُلُّ موجودٍ من أفعال العباد وغيرهم، فالله أراد وجوده وإن كان معصيةً ومضرة.

وله تعالى إيلامُ الخَلْقِ وتعذيبهم من غير جُرْمٍ سابقٍ أو ثواب لاحقٍ أو اعتبار لائق، فله أن يفعل بخلقه ما يشاء ويحكم فيهم بما يريد 1، وكل ذلك منه حسن لأَنهم ملكُهُ وهومالكهم فلا يُسئل عما يفعل وهم يسألون.
وله تعجيل الثَّواب والعقاب وتأخيرهما والعفو عن المسلم المذنب وإن لم يتب وعن الكافر إذا أسلم، والمعدوم مخاطب إذا وُجِدَ.
ولا يجب عليه سبحانه لخلقه شيء ولا فعل الأَصلح والأَنفع لهم 2، ولا يَصِحُّ أن يقال إنما خَلَقَ الخَلْقَ لينفعهم فإن خلق أهل النَّار وتخليدهم وتسليط إبليسَ وجندِهِ عليهم بالضّلال وغيره ليس

لنفعهم، ويَصِحُّ خلق المؤمن لينفعه (1). وهو سبحانه الحاكم بكل حكم، والعقلُ المرعي تَبَعٌ وموافقٌ للنَّقْلِ الشَّرعي، فلا حُسْنَ ولا قُبْحَ ولا شُكْرَ ولا كُفْرَ ولا مَدْحَ ولا ذَمَّ ولا أَمْرَ ولا نَهْيَ إلَّا من الشَّرْع (2)، فلا تُخْتبَرُ إباحةٌ ولا غيرها إلَّا به فلا حُكْمَ للعَقْلِ في عين ولا غيرها قبل ورود الشَّرعِ.

فَصْلٌ

والله هو الرَّزَّاقُ من حَلالٍ وحرام، والرِّزْقُ ما يتغذَّى به الحي وينتفعُ به من الأمور المالية.
وهو سبحانه أَضَلَّ من شاءَ وهدى من أراد، ولو شاءَ الله لجمعهم على الهدى، ومن يضلل الله فما له من هاد.
والإضلال: خَلْقُ الكُفْرِ والضَّلالِ في القلبِ، وخلقُ المحبة لذلك والقدرة عليه، والهِدايةُ كَتْبُ الإيمانِ فيه وتحبيبُهُ والقُدْرَةُ عليه.
فهو سبحانه الخالقُ لِكُلِّ مخلوقٍ، والرَّازِقُ كُلَّ مرزوقٍ، والمُحيي كُلَّ حَيٍّ، والمميتُ كُلَّ مَيِّتٍ، والمبقي كُلِّ باقٍ، والمفني12

كُلِّ فانٍ، لا رادَّ لحكمِهِ ولا صادَّ عن حتمِهِ، ولا ناقِضَ لما أَبْرَمَ، ولا مُغيّرَ لما أحكم، ولا مُبَدّلَ لما عَلِمَ وَلا مُزيلَ لِمَا قَسَمَ.

فَصْلٌ

ويستحيلُ من الله تعالى كُلُّ ما هو مستحيلٌ حقيقةً في العَقْلِ مِمَّا لِلْعَقْلِ مَدْخَلٌ في علمِهِ ومجالٌ، فلا يوصفُ سبحانه بالقُدْرة على المُحالِ في حَقِّهِ كالكذبِ والظُّلْمِ ونحوهما، فلا يستحيلُ منه سبحانه وتعالى ما هو مستحيلٌ في العَقْلِ، وليس للعَقْلِ مدخلٌ في علمه، كإيجادِ الأَشياء من العَدَم، وعذابِ القَبْرِ ونعيمِهِ.

البَابُ الثَّالِثُ: في الأَحكام

فيَجِبُ امتثالُ أَمْرِهِ سُبْحانَهُ، واجتنابُ نهيه الجازمين، ويُسَنُّ في غيرهما، ويلزمُ به الطَّاعةُ والخُضوعُ والإخلاصُ في الكُلِّ، ولا يستحقُّ المُطِيعُ على الله ثوابًا، ولا العاصي عِقَابًا بل يثيبُ الطائِعَ بفضلِهِ، ويُعَذِّبُ العاصي بعدله، وإذا عفا فبكرمِهِ وحلمِهِ، فلا نَقْطَعُ لطائعٍ بجنةٍ ولا لعاصٍ بنارٍ، لكن نرجو رحمة الله للطائِعِ، ونخافُ عذابه على العاصي، ونرجو له رحمتَهُ أيضًا.
وثوابُ المؤمنِ وعِقَابُ الكافِرِ دائمان شَرْعًا، ومَنْ عَمِلَ حَسَنَةً وسيِّئةً فله سبحانه أن يُثِيبَهُ على حسنتِهِ ويُعاقِبَهُ على سيئتِهِ، ولا يَجِبُ ذلك ففي الشَّخْصِ الواحدِ ثوابٌ وعقابٌ فالثَّوابِ في مقابل طاعته، والعقاب في مقابل معصيتهِ.

فَائِدَةٌ: الأَمْرُ والنَّهي المطلقانِ للفَوْرِ والتِّكرارِ المُمْكِنِ شَرْعًا.

فَصْلٌ في الإسلامِ والإيمانِ

فالإسلامُ هو الإتيان بالشَّهَادتين مع اعتقادِهِما والتزامُ الأَركانِ الخَمْسَةِ إذا تَعَيَّنت، وتصديقُ الرسول عليه السَّلامُ فيما جاء به.
والكفر جَحْدُ ما لا يتم الإسلام بدونه.
ومن فَعَلَ كبيرةً أو داومَ على صغيرةٍ فَسَقَ، فإن استحَلَّ ما ثَبَتَ جَزْمًا أو أُجْمِعَ على تحريمِهِ وهو ظاهِرٌ كَفَرَ.
والكبيرةُ ما فيه حَدٌّ في الدنيا أو وعيد في الآخرة، والصغيرةُ ما عدا ذلك.
ومن كَفَرَ يُسْتَتَابُ ثلاثة أيامٍ فإن لم يتب قُتِلَ.
فَائِدَةٌ: المُسْلِمُ تَبَعًا لأَبويه أو لسابيه أو للدَّار، يلزمه الإتيان بالشَّهادتين إذا بَلَغَ إن لم يكن نَطَقَ بهما قبله.
تَنْبِيهٌ: الفِسْقُ لا يُزيلُ الإيمان، لكن لا يقال للفاسق ديِّن ومُتَّقٍ وموفَّقٌ ومُخْلِصٌ ووليُّ الله.
والإيمان عقدٌ بالجَنانِ، وقَوْلٌ باللِّسانِ، وعَمَلٌ بالأَركان، وترك العصيان، يزيد هو وثوابُهُ بالطَّاعَةِ وينقُصُ هو وثوابه بالمعصيةِ، ويَقْوَى بالعلم ويَضْعُفُ بالجَهْلِ والغفلة والنِّسيان.

وقول إن شاء الله فيه سُنَّةٌ لا على الشَّكِّ في الحالِ بل في المآل، أو في قبول بعض الأَعمال أو لخوف التقصير أو كَراهَةٍ لتزكية النَّفْسِ.

فَصْلٌ

والله مُقَدِّرُ الخَيْر والشَّرِّ والنَّفْعِ والضر، فلا يخرج شيءٌ عن تقديره ولا يصدرُ إلَّا بتدبيرِهِ، وكُلُّ ما علمه أو قضَاهُ أو حَكَمَ به أو أخبر به لا يَتصوَّرُ تغييرُهُ ولا مخالفَتُهُ، ولا يمكن الخُلْفُ فيه بل يستحيلُ، فلا يَتَعَدَّى شيءٌ أَجَلَهُ ولا يتقدمهُ ولا يتغيَّرُ ما خلقَ الله.
والمخنُوقُ، والمقتولُ، والغريقُ، والمحروقُ، وأكيلُ الوحش والمَصْلُوبُ والميتُ بِهَدمٍ أو تَردٍّ وشِبْهُها كمن يموت بأجله على حالته، فلا يقطعُ شيءٌ أجل أحدٍ.
ويجبُ بوعيدٍ تخليدُ الكافِرِ في النّارِ وبوعدِهِ إخراجُ غيره منها بشفاعة النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أو غيره أو بكرمه سبحانه قبل الاقتصاص وبعده وقبل كماله.
فَائِدَةٌ: وتحبطُ المعاصي بالتَّوبة، والكُفْرُ بالإسلامِ، والطَّاعةُ بالرِّدّةِ المتصلة بالموتِ، ولا تحبطُ بغيرها.

فَصْلٌ

وَتَجِبُ التَّوبَةُ من كُلِّ ذَنْبٍ صغيرٍ أو كبيرٍ على المُكَلَّفِ فورًا، وتُقْبَلُ فيما عدا الشِّرْكِ، ولا تُقْبَلُ ظاهرًا من مُبْتَدِعٍ داعيةٍ إلى بدعتِهِ

المُضلَّةِ، ولا من ساحِرٍ وزنديقٍ وهو المنافق، ومثله من أظهَرَ الخَيْرَ وأبطنَ الفِسْقَ، فلا تُقْبَلُ منه ظاهِرًا، ولا مِمَّنْ تكررت ردتُهُ أو سَبَّ اللهَ أو رسوله.
وهي النَّدَمُ على الذَّنْبِ لأَجل الله لا لأَجل نفع الدنيا أو خوفِ أذى الناس أو خوف سُقوطِهِ مِنْ أعينهم.
وشرطها: العَزْمُ أن لا يعود لمعصيةٍ يمكنهُ فِعْلُها، وأن يَرُدَّ المظْلَمَةَ التي تابَ منها وَبَدَّلَها إلى مستحقِّها، أو يعزمَ على ذلك عند العُذْرِ، وأن تكون عن اختيار لا أن يستحِلَّ من غيبة ونحوها مطلقًا، وتَصِحُّ من بعض الذنوب دون بعضٍ.
وَمَنْ جَهِلَ ذنبَهُ تابَ مُجْملًا من كل ذنب وخطيئةٍ وما علمه عيَّنَهُ، وقبولُهَا فضلٌ مِنَ اللهِ.
ولا يقال لتائب: ظَالِمٌ أو مُسْرِفٌ ونحوُهما.
وصفتها: إِني تائِبٌ إلى اللهِ من كذا، أو أسْتَغْفِرُ اللهَ منه، فَيَجِبُ الإتيانُ بإحدى العبارتينِ أو نحوهما.
فَائِدَةٌ: ومن لم يَنْدم على ما حُدَّ بِهِ لم يكن حَدُّهُ بِمُجَرَّدِهِ توبةً.

فَصْلٌ

وتوبةُ المُرْتَدِّ وكُلِّ كافِرٍ إتيانُهُ بالشَّهادتين مع إقرارِ جاحدٍ لِفَرْضٍ أو تحليلٍ أو تحريمٍ أو كتاب أو ملَكٍ أو رسولٍ أو رسالة محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى غير العَرَبِ بما جَحَدَهُ، أو قوله: أنا بريء

من كُلِّ دينٍ يُخالِفُ الإسلام أو نحوه، ولا يُغْني قوله: "مُحَمَّدٌ رسول الله" عن كلمة التَّوحيدِ ولو مُقِرًّا به.
تَنْبِيهٌ: لو كان في يدِهِ أو ذمته غصوبٌ لا يَعْرِفُ أربابها فَسَلَّمَها إلى الحاكِمِ -ويلزَمُهُ قبولُها- برئَ من عُهْدَتِها، وله الصَّدَقَةُ بها عنهم بشرط ضمانها لصاحبها إن وُجِدَ ويسقطُ عنه إِثْمُ الغَصْبِ، وكذا رهونٌ وودائعُ، وسائرُ الأَماناتِ والأَموال المُحَرَّمَةِ.
وليس لمن هي عندَهُ أخذُ شيء منها ولو فقيرًا، ولذا لو تَصَدَّقَ بالمال المذكور ثُمَّ حَضَرَ المالك خُيِّر بين الأَجر وبين أخذه من المتصدِّقِ، فإن اختارَ الأَخذَ فله ذلك والأَجر للمُتَصَدِّقِ، ولو نوى جحد ما بيدِهِ من ذلك أو نوى جَحْدَ حَقٍّ عليه في حياة ربه فثوابُهُ له وإلَّا فلورثته، ولو نَدِمَ وردَّ ما غصبَهُ ونحوه على الورثة بَرِئَ من إثْمِهِ لا من إِثْمِ الغَصْبِ، ولو رده وارثُ الغَاصِبِ فللمغصُوبِ منه مطالبتُهُ في الآخرَةِ نصًّا عن الإمام أحمد.
تَتِمَّةٌ: وتَصِحُّ تَوْبَةُ الأَقْطَعِ عن السَّرِقَةِ، والمجبوبِ عن الزِّنا، والمقطوع اللِّسان عن القَذْفِ ونحوهم.
وتقبَلُ التَّوبةُ ما لم يعاين التائب مَلَكَ الموت، وتَصِحُّ مِمَّن نَقَضَ توبَتَهُ ما لم يَعْزِمْ على مثل ما تَابَ منه.
ومن ترَكَ التَّوبة الواجبة مع القُدْرَةِ عليها والعلم بوجُوبِها لزمتْهُ التَّوبة من تركِ التَّوبة.

خاتِمَةٌ: لا يَكْفُرُ أَحَدٌ من أهلِ القِبْلَةِ بذنبٍ ولو عَمِلَ الكبائر ما لم يَسْتَحِلَّ مُجْمَعًا عليه ظاهرًا.

فَصْلٌ

ويَجِبُ الإيمانُ بالقضاءِ والقَدَرِ خَيْرِهِ وَشَرِّهِ حُلْوِهِ ومُرِّهِ، وبأَنَّ ما أصاب العَبْدَ لم يكن لِيُخْطِئَهُ وما أخطأَهُ لم يكن ليصيبَهُ، وبأن الله تعالى قَضَى المَعَاصي والمكروهَ وَقَدَّرَ ذَلِكَ وكتبَهُ على خلقه ولم يأمُرْهم به ولا ألزمهم إيّاهُ، بل نهاهم عنه وعن الرِّضى به، وبِكُلِّ مُحَرَّمٍ ومكروهٍ لأَنَّهُ لا يرضى لعباده الكفر، وَينْهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، وَكَرَّهَ إلى عبادِهِ المؤمنين الكُفْرَ والفُسُوق والعصيان فضلًا من الله ونعمة (1).

البَابُ الرَّابعِ: في بَقِيَّةِ السَّمْعياتِ

فَيَجِبُ الإيمان جَزْمًا بالرَّقيب والعتيد، وهما ملكان مُوكَّلان بالعبْدِ يكتبانِ أفعالَهُ ولا يفارقانِهِ بحالٍ، وقيل: بلى عند الخلاءِ، وبالسَّاعَةِ وأشراطها من الدَّجال ويأجوجَ ومأجوجَ، ونزولِ عيسى، وخروجِ النَّارِ، والدَّابةِ، وبالصَّعْقَةِ، والحَشْرِ والنَّشْرِ لِكُلِّ ذي روحٍ، وبإحياءِ المَيْتِ في قَبْرِهِ وضغطته فيه وَرَدِّ روحه إلى جَسَدِهِ بعينه قبل فنائه وبعده، وبكلامِهِ فيه لِمُنكرٍ ونكيرٍ وسُؤالهما له، وهما ملكانِ1

يَلِجانِ على المَيِّتِ يبشرانِهِ أو يُحَذِّرانِهِ، وثوابِ الميت وعقابِهِ وهما للرُّوح والجَسَدِ.
ونُؤْمِنُ بأن الميت يعلمُ بزائره، ويتأكد ذَلِكَ يَوْم الجُمُعة بعد طلوع الفجر وقبل طلوع الشَّمْسِ، وبأن أرواح المسلمين في حواصل طيرٍ خُضْرٍ تَعْلُقُ في الجَنَّة، وأرواحُ الكُفَّارِ في حواصِلِ طير سودٍ تَعْلُقُ في النَّارِ.
فَائِدَةٌ: الأَرواحُ مخلوقَةٌ للهِ والقولُ بِقِدَمِها كُفْرٌ.
ونؤمنُ بأن كُلَّ أَحَدٍ يعلمُ مَصيرَهُ قبل موتِهِ، وبأن المَيِّتَ يُعْرَضُ عليه مقعده بالغداةِ والعَشِيِّ في الجنّةِ إن كان من أهلها وفي النار إن كان من أهلها، ويقال: هذا مَقْعَدُكَ حَتَّى يَبْعَثَكَ الله إلى يوم القيامة، ونُؤْمِنُ بأن الميزان الذي تُوزَنُ بِهِ الحسناتُ والسَّيئاتُ حَقٌّ، وله لسانٌ وكفّان توزنُ بهما صحائِفُ الأَعمال.
قال ابن عباس: توزنُ الحسنات في أحسنِ صُورَةٍ والسيئاتُ في أَقْبَحِ صورةٍ.
وبأن المعاد الجسماني وهو إعادة الأَجسام بعد إعدامها حَقٌّ.

فَصْلٌ

ويُحاسَبُ المسلمونَ المُكَلَّفونَ إلَّا من شاءَ اللهُ أن يدخِلَهُ الجَنَّةَ بغيرِ حساب.
وكُلُّ مُكَلَّفٍ مسؤولٌ، ويَسْأَلُ من شاءَ من الرُّسُلِ عن تبليغِ الرِّسالَةِ ومن شاء مِنَ الكُفَّارِ عن تكذيب الرُّسُلِ.
فالكفارُ لا يُحاسبونَ

فلا تُوزَنُ صحائِفُهُم، وإن فَعَلَ كافِرٌ قُرْبَةً من نحوِ عتقٍ أو صدقةٍ أو ظلَمَهُ مُسْلِمٌ رجونا له أن يُخَفَّفَ عنه العذاب.
ونُؤْمِنُ بأن الصِّراطَ حَقٌّ وهو جِسْرٌ ممدودٌ على جَهَنَّمَ دَحِضٌ مَزَلَّةٌ، أَحَدُّ مِنَ السّيفِ وأدَقُّ من الشَّعْرِ وأَحَرُّ من الجَمْرِ، عليه خَطَاطِيفُ تأخُذُ الأَقدامَ، وعبورُهُ بِحَسَبِ الأَعمال، فَمُشَاةً ورُكْبانًا وزحافًا، يَمُرُّ عليه المُسْلِمُ والكافِرُ فيجوزُهُ المُسْلِمُ كالبَرْقِ والرِّيحِ وأجاودِ الخَيْلِ والرُّكْبانِ، فناجٍ مُسَلَّمٌ ومخدوشٌ، وغيرُ ناجٍ مكدوسٌ في النَّارِ.
ونُؤْمِنُ ونُصَدِّقُ بأنَّ الجَنَّةَ والنَّارِ حَقٌّ وهُما وما فيهما مخلوقتان الآن، خُلقتا لِلبَقَاءِ، وأهلُ الجَنَّةِ لا يَبُولونَ ولا يَتَغوطونَ ولا يَتْفُلُونَ ولا يتمخطونَ، بل يَرْشَحونَ رَشْحًا كريح المِسْكِ، وبأنَّ المقامَ المَحْمودَ لنبينا صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَقٌّ وصِدْقٌ وهو: أن اللهَ يُقْعِدُهُ على العَرْشِ 1 رَفْعًا لمقامه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وتمييزًا له على سائِرِ الخَلْقِ، أو الشَّفَاعَةُ العُظْمى.
وبأنَّ الحَوْضَ حَقٌّ، وهو نَهْرٌ ماؤهُ أَحْلَى من العَسَلِ وَأَشَدُّ بياضًا من اللَّبَنِ، آنيتُهُ عَدَدُ نجوم السَّماءِ يَشْرَبُ منه المؤمنون قبل دخول

الجَنَّةِ وبعد جوازِ الصِّراطِ، عَرْضُهُ مسيرةُ شَهْرٍ، من شَرِبَ منه شربةً لا يَظْمَأُ بعدَهَا أبدًا، فيه ميزابانِ يَصُبَّانِ من الكَوْثَرِ.
وبأن الصُّحُفَ، والشفاعةَ من الأَنبياء والعلماء والشُّهداء وبقية المؤمنينَ، والعَرْضَ والمساءلةَ والحِساب، وقراءةَ الكُتُبِ، وشهادَةَ الأَعضاءِ والجلود، والجزاءَ والعَفْوَ حَقٌّ وصِدْقٌ لا شُبْهَةَ لأَحَدٍ في شيءٍ من ذلك، وإعادةُ المجانين والبهائِم وَحَشْرُها جائزٌ، والقِصاصُ بين بني آدم وسائر الحيوانات حَتَّى لِلذَّرَّةِ من الذَّرَّةِ حَقٌّ وصِدْقٌ.
فَائِدَةٌ: المُسْلِمُ المُحاسَبُ يُعْطى كتابُهُ بيمينِهِ، والفَاسِقُ بشمالِهِ من أمامِهِ، والكافِرُ من وراءِ ظَهْرِهِ بشمالِهِ.

فَصْلٌ

ونُؤْمِنُ بأنَّه لا عَدْوى ولا طيرةَ ولا هَامَةَ ولا نَوْءَ ولا صَفَرَ، وبأنَّ الملائِكَةَ والكُتُبَ المنزلة والأَنبياء والرُّسُلَ حَقٌّ، وبأنَّ إبليسَ ووسواسَهُ بالكفْرِ والمعصيةِ والقُبْحِ حَقٌّ، وبأنَّ الشياطينَ والغُولَ حَقٌّ، وتجوزُ رؤيتهُم، والغيلانُ: شَجَرةُ الجِنِّ، قال سيدنا عمر بن الخطاب: "إذا رأيتُمُ الغيلانَ فاهتُفُوا بالأَذانِ" 1 يريدُ رؤية أشخَاصِهِم أو سَمَاع حِسِّهِم أو ما يخرج مِنْهُم من النَّارِ.

فَائِدَةٌ: والجنُّ مُكَلَّفُونَ يَدْخُلُ مؤمِنُهم الجَنَّةَ وكافرُهُم النَّار، ويأكُلُونَ وَيَشْرَبونَ ويَتَناكحونَ، وهم أجسامٌ مُؤَلَّفَةٌ وأشخاصٌ مُمَثَّلَةٌ.
ونُؤْمِنُ بأن العَيْنَ حَقٌّ، وبأنّ السِّحْرَ ثابتٌ موجودٌ له حقيقةٌ يَكْفُرُ مُعَلِّمَهُ ومُتَعَلِّمهُ، ويكفُرُ أيضًا المُنَجِّمُ وَمَنْ صَدَّقَهُ أو اعتقد تأثيرَ النُّجومِ أو تأثيرَ شيءٍ غَيْرِ اللهِ أو اعتقد عِلْمَ الغَيْبِ.

البَابُ الخَامِسُ: في النُّبُوّةِ والإمَامَةِ

فَصْلٌ في النُّبُوّةِ

ويجوزُ أن يَتَفَضَّلَ اللهُ بإرسالِ الرُّسُلِ إلى العباد لتكونَ وسائطَ بَيْنَهُم وبين رَبِّهِم المَلِكِ الجَوادِ، فإرسالهم رحمةٌ عامَّةٌ ونِعْمَةٌ من اللهِ دائمةٌ؛ إِذْ بهم تحصلُ الهداية وترتفِعُ الغَواية، ومنهم يستمدُّ الخَلْقُ وبِهِمْ يُعْرَفُ الملكُ الحَقُّ، ولا شَكَّ أن بَعْضَهُمْ أَفْضَلُ من بَعْضٍ.
ونَجْزِمُ بأنَّ نبينا محمد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بن عبد الله رسول الله حقًّا إلى الجنِّ والإنْسِ كافةً، وأنَّه خاتَمُ الأَنبياء والمرسلين وأفضلهُمْ أجمعين، وأعلمُهُم وأكرمهم وأشْجَعُهُم وأرقَى من جميعهم في كُلِّ كمالٍ عن يقين، فعليه وعليهم أزكى صلاةٍ وأَنْماها كُلَّ وقت إلى يوم الدِّين.
وأنَّه مَخصوصٌ بالمقام المحمود، وأنَّه لم يكن قبل البعثة على دين قومه بل ولد صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْلِمًا مؤمنًا، وأن المُعجِزَةَ

القَاطِعَة المُعْتَبرةَ لصدقِهِ وُجِدتَ دالَّةً على نُبوَّتِهِ مقترنةً بدعوتِهِ، وهي ما خرَقَ العادَة من قَوْلٍ أو فعل إذا وافق دعوى الرِّسالة وقارنها وطابقها على جهة التَّحدي ابتداءً، لا يقدر أَحَدٌ عليها ولا على مثلها ولا ما يقاربها، ولا يجوزُ ظُهورُها على يَدِ كاذبٍ بدعوى النُّبوةِ.
فَائِدَةٌ: ونَعْلَمُ أنَّه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يخافُ عِقابَ اللهِ قبل أن يُؤمِنَهُ مِنْهُ، ويخافُ لَوْمَهُ وعِتَابَه بعدَ ذلك، وأن أُصولَ شرعِهِ وما لابدَّ منهُ فيه منقولٌ إلينا من جهته قَطْعًا، وأنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ معصومٌ فيما يُؤَدِّي عن الله سبحانه، وكذا من كُلِّ ذَنْبٍ، وكذا سائر الأَنبياء، ولا تَجِبُ العِصْمَةُ لغيرهم، ولا تمتنع بل تجوز (1). تَنْبِيهٌ: ولا يجوز التَّناقُضُ من الأَنبياءِ في صفاتِ الله سبحانه ووحدانيته ونحو ذلك، ومن شَهِدَ لَهُ رسولُ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجنّةٍ أو نارٍ فهو كما قال قطعًا، ولا نَقْطَعُ لِغَيْرِهِمْ بشيءٍ من ذلك لكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء ونرجو لَهُ ونَكِلُ أَمْرَهُما إِلى الله سبحانه.

فَصْلٌ

وكراماتُ الأَولياءِ حَقٌّ وهي خرقُ العادَةِ لا على وجه الاستدعاءِ لها والتَّحدي بها والدعاء إليه، ولا عِنْدَ استدعائها منه عن نفسِهِ أو عن1

اللهِ، ولا تَدُلُّ على صِدْقٍ من ظَهَرتْ على يديه، ولا على ولايتِهِ لجوازِ سَلْبِها، وأن تكونَ استدراجًا ومكرًا به، وتعم الرِّجال والنِّساء، والأولى أن يكتُمَها ويستُرَها غالبًا، ويُسِرَّها ولا يُساكنها، ولا يقطعُ هو بكرامتِهِ بها ولا يدعيها، وتظهَرُ بلا طلبه تشريفًا له ظاهرًا، ولا نَعلم من ظهَرَتْ له ولا غيرَهُ أنَّهُ ولي الله غالبًا بذلك.
ولا يلزَمُ من صحةِ الكرامةِ صِدْقُ من يَدَّعيها بدون بينةٍ أو قرائنَ جَليَّةٍ تفيدُ الجَزْمَ بذلك، وإن مَشَى على الماءِ أو طارَ في الهواءِ أو سُخِّرت له الجنُ والسِّبَاعُ حَتَّى تُنْظَرَ خاتمتُهُ وموافقته للشَّرْعِ في الأَمر والنَّهي، فإن ظَهَرتْ لجاهِل أو فاسِقٍ فهي مكرٌ وإغواءٌ من إبليسَ وإضلالٌ وإزلالٌ، ولا شيءَ على من ظَنَّ الخَيْرَ بمن ظهَرتْ له وهو كذلك، وأما حُسْنُ الظنِّ بأهل الدِّين فهو حسنٌ ممدوحٌ دنيا وأُخرى.
فَائِدَةٌ: الأَنبياءُ أَفْضَلُ من الأَولياءِ، وهُما أَفْضَلُ من الملائِكَةِ.

فَصْلٌ

والرؤيا منها الصَّالحةُ وهي جُزءٌ من أجزاء النُّبُوةِ وهي المبشرات يَرَاهَا المؤمنُ وتُرى له، وهي كلامٌ يكلِّمُهُ اللهُ للمؤمِنِ، ومنها أضغاثُ أحلام، وثَمَرَةُ أخلاط وما يكون من الشيطانِ وسوسةً وَتَحْزينًا، ومنها ما يكون من حديث النَّفْسِ وإلهامها وتوهُّمِها.

فَصْلٌ في الإِمَامِةِ

فَيَجِبُ إِقامَةُ الإمامِ شَرْعًا، وهي مرتبةٌ دينية عامَّةٌ، وهي فَرْضُ كفايَةٍ، وتتعيَّنُ على من هو أهْلُها وليس غيرُهُ، وَيقْرَعُ مع التَّساوي، وإن صار الفاضِلُ بعد الولاية مَفْضُولًا لم يضرَّ مطلقًا.
والإمامُ من قامَ مقامَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من قُريشٍ في إقامَتِهِ قانونَ الشَّرْعِ من إقامَةِ الحَقِّ، ودحضِ الباطِلِ، وإقامَةِ الحَجِّ والغَزْو وسائرِ العباداتِ، وإقامَةِ الحُدودِ، وإنصافِ المظلوم، والأَمر بالمعروف والنَّهي عن المنكر، وحراسة الأُمَةِ، وحمايَةِ الشَّريعَةِ، وجمعِ الكَلِمَةِ، ومعرفَةِ الأَحكامِ، وصحَّةِ التنفيذِ والتَّدبير، وإيثار الطَّاعَةِ، وأخذ الخَرَاجِ والفيءِ والزَّكاةِ ونحوها، وصرفِ المالِ في جهاتِهِ، وغير ذلك من الأُمور المُتَعَلِّقَةِ به.
وَتَجِبُ طاعتُهُ في الطَّاعَةِ وتَحْرُمُ في المَعْصيةِ، وتُسَنُّ في المسنونِ، وتكْرَهُ في المكروهِ.

فَصْلٌ

وَتَثْبتُ الإمامة بالنَّصِّ والاجتهادِ والاختيار، وبالغلَبةِ تارةً ممن يَصْلحُ لها، وتنعقِدُ باتفاقِ أهل الحلِّ والعَقْدِ عليه بشرط كونهم عُدولًا يعرفون من يَصلُحُ لها وَيَسْتَحِقُّهَا وأولى بها وأصلح للنَّاسِ والدِّين من غيره، وأهل بلدِهِ كغيرِهِم، ولا تَنْعَقِدُ لأَكثرَ من واحدٍ، وشُرِط أن

يكونَ مُسْلِمًا مُكَلَّفًا حُرًّا، عَدْلًا سميعًا بصيرًا ناطقًا، عالمًا بأحكامِ الشَّرْعِ، خَبيرًا بتدبير الأُمور، قادِرًا على إيصالِ الحَقِّ إلى مُسْتَحِقِّهِ وعلى سائِرِ ما يتعلقُ به، ذَكَرًا شُجاعًا مطاعَ الأَمر، نافِذَ الحُكْمِ قُرَشيًا، فإن طَرَأَ له عجز عما لا بدَّ له منه وَجَبَ عليه عَزْلُ نفسِهِ، فإن أبى لَزِمَ النَّاسَ عَزْلُهُ.
ولا يجوزُ الخروج عليه وإن كان فاسقًا؛ لما في ذلك من المفسدة العظيمة على الخَلْقِ، بل نصلي خلفَهُ ونَحُجُّ مَعه ونُعطيه الزَّكاة والخراجَ والعُشْرَ ونحو ذلك وندعوا له بالصَّلاح.
وإذا صحَّت البيعةُ فليس لأَحَدٍ فَسْخُها.

فَصْلٌ

وَخَيْرُ النَّاس بعد رسول الله صَلَّى اللةُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأفضلهم أبو بكر الصدِّيقُ، وهو رضي الله عنه أَوَّلُ من وليَ الخِلافَة بالاستحقاقِ، وأَوَّلُ الأَئمة على الإطلاق، والأَحقُّ بها من جميع الخَلْقِ بالاتفاق، ثُمَّ عمر بن الخطاب فهو ثاني الخلفاء والأَئمة بلا شك ولا ارتياب، ثُمَّ عثْمان بن عفان فهو ثالث الخلفاء والأَئمة عند العلماء الأَعيان، ثُمَّ عليُّ بن أبي طالب فهو رابعُهُم في الخلافَةِ والإمامَةِ والتَفْضيلِ، وقد تَشَرَّفَتْ الخلافَةُ ببعضِ ما فيه من العلم والزُّهْدِ والوَرَعِ والعَدْلِ والتّكميل.
ثُمَّ بقيةُ العَشَرَةِ وهم: طلحةُ، والزبيرُ، وسعدُ بن أبي وقاص،

وعبدُ الرحمن بن عوفٍ، وسعيدُ بن عمرو بن نفيل، وأبو عبيدة بن الجراح، ثُمَّ بَعْدُهم في الفَضْلِ أَهْلُ بَدْرِ من المهاجرين ثُمَّ الأَنصار على قدر الهجرةِ أوّلًا فأوَّلًا، ثُمَّ سائر أصحاب رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ولهم رُتبٌ، ومعاوية رضي الله عنه من أجلّهم وأفضلهم وهو الإمام بعد سيدنا عليّ وابنه الحسن رضي الله عنهم أجمعين، ثمَّ التابعون ثُمَّ تابعوهم بإحسانِ، ثُمَّ اللهُ أعلم بمن هو خير.
وعائشة رضي الله عنها أَفْضَلُ النساء ثُمَّ خديجةُ ثُمَّ فاطمةُ.
تَنْبِيهٌ: ويَجِبُ حُبُّ كُلِّ الصَّحابِةِ والكفُّ عما وقع بينهم كتابةً وقِراءةً وَسَماعًا وتسميعًا.
ويجبُ ذِكْرُ محاسِنِهِم والإمساكُ عن مساوئِهم، ويَحْرُمُ التَّحامُلُ عليهم.
ويَجِبُ التَّرَضي عنهم واعتقادُ العُذْرِ لهم لأَنهم ما فعلوا شيئًا إلَّا باجتهادِ سائغٍ يثابون عليه، مُصيبُهم بأجرين ومُخطئهُم بأجرٍ، فمن سَبَّ أحدًا منهم مُسْتَحِلًّا كَفَرَ، وإن لم يستحلَّ فَسَقَ، وعنه: يَكْفُرُ مطلقًا، وإن فَسَّقَهُمْ أو طَعَنَ في دينهم كَفَرَ.
ومن فَضَّلَ سيدنا عليًّا على أبي بكر أو عمر أو قَدَّمَهُ على واحدٍ منهما في الفضيلة والإمامة دون النَّسَبِ فهو رافضيٌّ مُبْتَدع فَاسِقٌ غَيْرُ كافرٍ، ومن أنكر صُحْبَة أبي بكر أو قَذَف عائشة أو غيرها من أزواجه عليه السَّلامُ أو اعتقد أن جبريل غَلِطَ في الوحي كَفَرَ.

فَصْلٌ في المُرْتَدِ

وهو من كَفَرَ ولو مُميزًا طَوْعًا ولو هَازِلًا بعد إسلامه.
فمن ادَّعى النُّبُوة أو أشركَ باللهِ تعالى أو سبَّهُ، أو سَبَّ رسولًا أو ملَكًا أو جَحَدَ ربوبيته أو وحدانيته أو صفةً له، أو كتابًا أو رسولًا أو ملكًا له، أو وجوبَ عبادةٍ من الخَمْس والطَّهَارَةِ، أو حُكْمًا ظاهرًا مُجْمَعًا عليه إجماعًا قطعيًا كتحريم الزِّنا أو لَحْمِ الخنزير، أو جَحَدَ حِلَّ الخُبْزِ ونحوه كاللَّحْمِ والسَّمْنِ وغير ذلك، أو شَكَّ فيه ومثله لا يجهلُهُ أو يجهلُهُ وعُرِّفَ فَأَصَرَّ، أو سَجَدَ لكَوْكَبٍ أو صَنَمٍ أو غيرهما، أو أَتَى بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ صريحٍ في الاستهزاء بالدِّين، أو امتهنَ القرآنَ، أو ادّعى اختلاقَهُ أو القدْرَة على مِثْلِهِ، أو أَسْقَطَ حرمتَهُ كَفَرَ.
ولا يكفُرُ من حَكَى كُفْرًا سمِعَهُ ولم يَعْتَقِدْهُ.
فمن ارتدَّ وهو مُكَلَّفٌ مُخْتارٌ ولو أنثى دُعِيَ إلى الإسلام واستُتيبَ ثلاثة أيامٍ وجُوبًا، وينبغي أن يضيَّقَ ويُحبَسَ، فإن لم يتُبْ قُتِلَ بالسَّيْفِ، ولا يقتلُهُ إلَّا الإمامُ أو نائبُهُ، فإن قَتَلَهُ غيرُهُما بلا إذنِ واحدٍ منهما أساء وعُزِّر ولا ضمان.
وَأَشَدُّ الذُّنوبِ الكُفْرُ ثُمَّ القَتْلُ بِغَيْرِ حقٍّ ثُمَّ الزِّنا واللواطُ ثُمَّ بقيةُ

جارٍ التحميل