مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزياداتصفحات 315-354

فَصْلٌ فِيمَا جَاءَ في فَضْلِ الاشْتِغَالِ تَعَلُّمًا وَتَعْلِيمًا

أعلم أنَّه قَدْ تَظاهَرت الآياتُ والأَخبارُ والآثَارُ، وتَطَابقَتِ الدَّلائِلُ الصَّريحَةُ وتَوافَقَتْ على فضيلةِ الاشْتِغَالِ بالعِلْمِ، والحَثِّ على تحصيلِهِ والاجتهادِ في اقتباسِهِ.
فَمِنْ ذَلِكَ قول الله تعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114)﴾ [طه: 114]، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28]، وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾ [المجادلة: 11]، إلى غيرِ ذَلِكَ من الآياتِ الكثيراتِ.
وَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: "مَنْ يُرِدِ اللهُ بِهِ خَيْرًا يُفَقِّهْه في الدينِ"، متفق عليه 1.

وقال عليه السَّلامُ لِعَليٍّ: "فَوَاللهِ لأَنْ يَهْدِيَ اللهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ لَكَ مِن حُمْرِ النَّعَمِ"، متفق عليه 1. وقال عليه السَّلامُ لمعاذ لمّا بَعَثَهُ إلى اليمن: "لأَنَّ يَهْدِي اللهُ بِكَ رَجُلًا واحدًا خَيْرٌ لَكَ من الدُّنيا وما فيها"، رواه أحمد 2. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ دَعَا إلى هُدى، كانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ مِثْلُ أجورِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أجورِهِمْ شَيْئًا، وَمَنْ دَعَا إلى ضَلالَةٍ، كانَ عَلَيْه مِنَ الإثْمِ مِثْلُ آثَامِ مَنْ تَبِعَهُ، لا يَنْقُصُ ذَلِكَ من آثامِهِمْ شَيْئًا"، رواه مسلم 3. وقال عليه السَّلامُ: "لا حَسَدَ إلَّا في اثْنَتَينِ: رَجُلٌ آتاهُ اللهُ مالًا فَسَلَّطَهُ على هَلَكَتِهِ في الحَقِّ، وَرَجُلٌ آتاهُ اللهُ الحِكْمَةَ فهو يَقْضِي بها"، متفق عليه 4. وقال عليه السَّلامُ: "إذا مَاتَ ابنُ آدمَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ إلَّا من ثَلاث: صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ، أَوْ وَلَدِ صَالِحٍ يَدْعُو لَهُ"، رواه مسلم 5.

وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ خَرَجَ في طَلَبِ العِلْمِ فَهُوَ في سَبِيْلِ اللهِ حَتَّى يَرْجِعَ" 1. وقال عليه السَّلامُ: "فَضْلُ العَالِمِ عَلَى العَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدناكم"، ثُمَّ قال: "إنَّ اللهَ وملائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمواتِ وَالأَرْضِ حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الحُوْتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمي النَّاسِ الخَيْرَ"، رواهُما التِّرمِذي 2. وقال عليه السَّلامُ: "فَقيهٌ واحِدٌ أَشَدُّ على الشَّيطَانِ مِنْ أَلْفِ عَابِدٍ"، رواه ابن ماجه والترمذي 3.

وقال عليه السَّلامُ: "لِكُلِّ شيءٍ عِمَادٌ، وعِمَادُ هذا الدينِ الفِقْه، وما عُبدَ الله بشيءٍ أفضلَ من فقهٍ في الدِّين"، رواه الدارقطني 1. وقال عليه السَّلامُ: "أَلا إِنَّ الدُّنْيَا مَلْعُونَةٌ مَلْعُون ما فِيهَا إلَّا ذِكْرَ اللهِ، وما والاهُ، وعَالِمًا أَوْ مُتَعَلمًا"، رواه الترمذي 2. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ سَلَكَ طَرِيقًا يَبْتَغي فيه عِلْمًا، سَهَّلَ اللهُ لَهُ طَرِيقًا إِلى الجَنَّةِ، وإنَّ المَلائِكَةَ لَتَضَعُ أَجْنِحَتَهَا لِطالِبِ العِلْمِ رِضَىً بِمَا يَصْنَعُ، وإِنَّ العَالِمَ يَسْتَغْفِرُ لَهُ من في السَّمَواتِ وَمَنْ في الأَرْضِ حَتَّى الحِيتَانُ فِي المَاءِ، وَفَضلُ العَالِمِ على العابِدِ كَفَضْلِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ على سَائِرِ الكَواكِبِ، وإن العُلَمَاءَ وَرَثَةُ الأَنْبِياءِ، وإِنَّ الأَنبياءَ لم يُوَرِّثُوا دينارًا ولا دِرْهَمًا، وإنَّما وَرَّثُوا العِلْمَ، فَمَنْ أَخَذَهُ أَخَذَ بِحَظٍّ وافِرٍ"، رواه التِّرمذي وصححه ابن حِبَّان 3.

وقال عليه السَّلامُ: "مَجْلِسُ فِقْهٍ خَيْرٌ مِنْ عِبادَةِ ستين سنة" 1. وقال عليه السَّلامُ: "يَسيرُ الفِقْهِ خَيْرٌ مِنْ كَثْرَةِ العِبادَةِ" 2. وقال عليه السَّلامُ: "فَقِيهٌ أَفْضَلُ عِنْدَ اللهِ من ألفِ عَابِدٍ" 3. وقال عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ العِبَادة الفِقْه" 4، رواها الخطيب في كتاب "الفقيه والمتفقه".
وقال عليه السَّلامُ: "ما تَصَدَّقَ النَّاسُ بِصَدَقةٍ أَفْضَلُ مِنْ عِلْمٍ يُنْشَرُ"، رواه الطبراني 5. وقال عليه السَّلامُ: "أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ أَنْ يَتَعَلَّمَ المَرْءُ المُسْلِمُ عِلْمًا

ثُمَّ يُعَلِّمَهُ أَخَاهْ المُسْلِمَ"، رواه ابن ماجه وصححه 1. وقال عليه السَّلامُ: "ذَنْب العَالِمِ ذَنْبٌ واحدٌ، وَذَنْبُ الجَاهِلِ ذَنْبَانِ"، رواه الديلمي في "الفردوس" 2. وقال عليه السَّلامُ: "اُغْدُ عَالِمًا أو مُتَعَلِّمًا أو مُسْتَمِعًا أو مُحِبًّا، ولا تَكُن الخَامِسَة تَهْلِك"، رواه البزار والطبراني 3. وقال عليه السَّلام: "مَنْ عَلَّمَ عِلْمًا، فَلَهُ أَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهِ، لا يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِ العَامِلِ" رواه ابن ماجه 4. وقال عليه السَّلام: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ تَكَفَّلَ الله بِرِزْقِهِ" رواه الخطيب 5.

وقال عليه السَّلام: "مَنْ طَلَبَ العِلْمَ فهو في سبيل الله حَتَّى يَرْجِعَ" 1 رواه أبو نُعَيْم.
تَنْبِيهُ: وليحذَرِ العَالِمُ غَايةَ الحَذَرِ من الوقوع في الذُّنُوبِ صَغَائِرِها وكَبائِرِها، فلا يُرَخِّصُ لِنَفْسِهِ في أَدْنَى شيء منها بل يَشُدُّ زِمَامَها ما أمكَنَهُ وإلَّا تُهْلِكُهُ وهو لا يَشْعُرُ، فإنَّ ذَنْبَهُ أَشَدُّ مِنْ ذَنْبِ الجَاهِلِ بكثيرٍ؛ لأَنَّه يفعلُهُ على بصيرةٍ وعِلْمٍ، ولأَنَّهُ يُقتَدى به.
فكثيرًا ما تكونُ معصيتُهُ وسيلةً إلى معصيةِ غَيْرِهِ فيكونُ عليه وزرانِ: وِزْرُ معصيتِهِ، ومثلُ وِزْرِ من اقتدَى به.
فَيَجِبُ على العَالِمِ إذا حَدَّثَتْهُ نفسُهُ بالذَّنْبِ أن يخافَ هذه العاقِبَةَ، ويجتهدَ على مَنْعِها منه؛ لأَنَّه لو لم يكن فيه إلَّا هذا المَحْذُورُ العَظِيمُ لكانَ الواجِبُ عليه كَفَّها عنه بأي وجهٍ أمكنَ، وألا يكونَ عاصيًا ومُتَسَبِّبًا لمعصيةِ المَلِكِ الجَليلِ.
قال الإمامُ أحمد: العَالِمُ يُقْتَدى بِهِ، لَيْسَ العَالِمُ مِثلَ الجَاهِلِ.
ومعناه لابن المبارك وغيره.
وقال الفضيل بن عياض: يُغْفَرُ لسبعينَ جاهِلًا قَبْلَ أن يُغْفَرَ لِعالِمٍ واحدٍ.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: أَشَدُّ النَّاسِ عَذابًا يوم القيامة عَالِمٌ لم يَنْفَعْهُ اللهُ بِعِلْمِهِ، فَذَنْبُهُ مِنْ جِنْسِ ذَنْبِ اليَهُودِ.

وفي الجُمْلَةِ العِلْمُ أَفْضَلُ الأَعْمالِ، وَأَقْرَبُ العلماءِ إلى اللهِ أولاهُم بِه، وأكثرهُم لَهُ خَشيةً، وأعظمهم مُوافَقَةً، وأحسنُهم سِيرَةً، وَأَشَدُّهُم اتباعًا لهدي النَّبِيِّ عليه السَّلام وطريقةِ صَحْبِهِ وسَلَفِ أُمتهِ الكِرام.
وقال عليه السَّلامُ: "كُونُوا لِلْعِلْمِ رُعاةً، ولا تكُونوا له رواة" 1. وقال علي رضي الله عنه: قَصَمَ ظَهْرِي رَجُلانِ: عَالِمٌ مُتَهَتِّكٌ، وَجَاهِلٌ مُتَنَسِّكٌ، فالجَاهِلُ يَغُرُّ النَّاسَ بِتَنَسُّكِهِ، والعَالِمُ يُنَفِّرُهُم بتهتُّكِهِ.
إذا عَرَفْتَ هذا فاعلم أيضًا أَن الآثار الواردةَ عن السَّلَفِ الصَّالح في فَضْل العِلْمِ وأهله كثير جدًّا، منها ما قاله على كَرَّم اللهُ وجهه: كَفَى بالعِلْمِ شَرَفًا أن يَدَّعِيَه من لا يُحْسِنُهُ، وَيَفْرَحَ إِذا نُسِبَ إليه، وَكَفى بالجَهْلِ ذَمًّا أنَّه يتبرأُ مِنْه من هو فيه.
وقال معاذ رضي الله عنه: تَعلَّموا العِلْمَ، فإن تَعلُّمَهُ لَكَ حَسَنَةٌ، وطلبَهُ عِبادَةٌ، ومذاكرتَهُ تَسْبيحٌ، والبحثَ عنه جِهادٌ، وتعليمَهُ من لا يَعْلَمُ صَدَقَةٌ، وبذْلَهُ لأَهْلِهِ قُرْبَةٌ.

وقال أبو مسلم الخولاني رحمه الله تعالى: مَثَلُ العُلماءِ كالنُّجُوم في السماءِ، إذا بَدَتْ للنَّاسِ اهْتَدَوْا، وإذا خَفِيَتْ عنهم تَحَيَّروا.
وقال وهب بن منبه رضي الله عنه: يَتَشَعَّبُ مِن العِلْمِ الشَّرَفُ وإن كانَ صاحبه دنيئًا، والعِزُّ وإن كان مهينًا، والقُرْبُ وإن كان قصيًّا، والغِنَى وإن كان فقيرًا، والنُّبْلُ وإن كان حَقيرًا، والمهابَةُ وإن كان وضيعًا.
وقال الشَّافعيُّ رضي الله عنه: طَلَبُ العِلْمِ أَفْضَلُ من صَلاةِ النَّافِلَة.
وقال: لَيْسَ بعد الفَرائِضِ أَفْضَلُ مِنْ طَلَبِ العِلْم.
وقال: من أرادَ الدُّنيا فعليه بالعلم، ومن أراد الآخِرَةَ فعليه بالعِلْمِ.
وقال: من لا يُحِبُّ العِلْمَ لا خَيْر فيه، ولا يكونُ بيْنَكَ وبينَهُ معرِفَةٌ ولا صداقةٌ.
وقال: العِلْمُ مُرُوءةٌ، مَنْ لا عِلْمَ لَهُ لا مُروءَةَ له.
وقالَ: إن لم يكن الفُقَهَاءُ، وفي روايةٍ: العامِلونَ أولياءَ فَلَيْسَ للهِ وليٌّ.
وقال: ما أَحَدٌ أورعَ لِخَالِقِهِ من الفُقهاء.

وقال: من تَعَلَّمَ القُرآنَ عَظُمَتْ قيمتُهُ، ومن نَظَرَ في الفِقْهِ نَبُلَ قَدْرُهُ، ومن نَظَرَ في اللُّغَةِ رَقَّ طَبْعُهُ، ومن نَظَرَ في الحِسابِ جَزُلَ رأيُهُ، ومن كَتَبَ الحديثَ قَويت حُجَّتُهُ، ومن لم يَصُنْ نفسَهُ لم ينفَعْهُ علمُهُ.
وقال أبو الدرداء: ما نحنُ لولا كَلِماتُ الفُقَهاءِ.
وقال علي رضي الله عنه: العَالِمُ أَعْظَمُ أَجْرًا من الصَّائِمِ القَائِمِ الغَازِي في سَبيلِ اللهِ.
وقال أبو ذَرٍّ وأبو هريرة رضوان الله عنهما: بابٌ مِنَ العِلْمِ نتعلمُهُ أَحَبُّ إلينا من ألفِ رَكْعَةٍ، وبابٌ مِنَ العِلْمِ نُعَلِّمُهُ عُمِلَ بِهِ أولم يُعْمَلْ أَحَبُّ إلينا من مائةِ رَكْعَةٍ تطوعًا.
وقالا: سمعنا رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يقول: "إذا جَاءَ المَوْتُ طَالِبَ العِلْمِ وهو على هذه الحَالَةِ ماتَ شَهيدًا" 1. وقال أبو هريرة أيضًا: لأَنَّ أعْلَم بَابًا مِنَ العِلْمِ في أَمْرٍ وَنَهْيٍ أَحَبُّ إليَّ من سبعين غزوةً في سبيل اللهِ.
وقال أبو الدرداء رضي الله عنه: مذاكرةُ العِلْمِ ساعةً خير من قيام ليلة.

وقال الحسن البصري: لأَنَّ أَتَعلَّم بابًا مِنَ العِلْمِ فَأُعَلِّمَه أحبُّ إِليَّ من أن تكونَ ليَ الدُّنيا كُلُّها في سبيل اللهِ.
وقال: يحيى بن أبي كثير: دِراسَةُ العِلْمِ صلاةٌ.
وقال سفيان الثَّوْرِيُّ: ليسَ شيءٌ بَعْدَ الفرائضِ أَفْضَلَ من طَلَبِ العِلْمِ.
وقيل لأَحمدَ بنِ حنبل: أيُّ شيءٍ أَحَبُّ إِليكَ: أجْلِسُ باللَّيلِ أنسخُ أو أُصلي تطوعًا؟ قال: نَسْخُكَ تَعْلَمُ به أمرَ دينكَ فهو أَحَبُّ إليَّ.
وقال مكحول: ما عُبِدَ اللهُ بأفضلَ من الفقِهِ.
وقال الزُّهريُّ: ما عِنْدَ اللهِ مِثْلُ الفِقْهِ.
وقال سعيدُ بن المُسَيَّب: ليست عبادةُ الله بالصَّوْمِ ولا بالصَّلاةِ، ولكن بالفِقه في دينه، يعني أعظمَهَا وأفضلَها.
وقال ابن أبي فروة 1: أَقْرَبُ النَّاسِ من دَرَجَةِ النُّبُوةِ أَهْلُ العِلْمِ، وَأَهْلُ الجِهَادِ، فالعلماءُ دَلوا النِّاس على ما جاءت به الرُّسُلُ، وأهلُ الجِهادِ جاهدوا على ما جاءت به الرُّسُلُ.
وقال سفيان بن عُيينةَ: أَرْفَعُ النَّاسِ عِنْدَ اللهِ منزلةً من كانَ بَيْنَ اللهِ وَبَيْنَ عِبَادِهِ، وهم الرُّسُلُ والعُلَماءُ.

وقال سَهْلُ بن عبد الله التُّسْتَريُّ: من أرادَ النَّظَرَ إلى مَجَالِسِ الأَنبياءِ فلْيَنْظُر إلى مجالِسِ العُلَماءِ، فاعْرِفُوا لَهُمْ ذَلِكَ.
فَهَذهِ نُبْذَةٌ يَسِيرةٌ مِمَّا جاءَ في فضيلَةِ الاشتغالِ بالعِلْمِ، ولو اسْتقْصِيَ ذَلِكَ لَبَلَغَ عِدَّةَ مُجَلَّداتٍ؛ لكن في هذا القَدْرِ كِفَايَةٌ لمن وَفَّقَهُ اللهُ لِرضَاهُ، وكفاهُ شَرَّ خَلْقِهِ ونفسِهِ وهواهُ، ومِنَ الشَّيطَانِ وأَعْوانِهِ وأَوليائِهِ حَماهُ، فَنَسْأَلُ اللهَ تعالى بِمَنِّهِ أن يُوَفِّقَنا لِلْعِلْمِ والعَمَلِ، ويَعْصِمَنَا من الغرورِ والزَّيْغِ والزَّلَلِ، ويُجيرَنا من مُوجِباتِ النَّدَمِ، ويغفرَ لَنَا ما زَلّتْ بِهِ القَدَم، وأن يَهْديَنا سواءَ السَّبيلِ، ويُلْهِمَنا اتباعَ النَّبِيِّ الجليل صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن يَمُنَّ علينا بِحُسْنِ الخِتَامِ وسترِهِ الجَمِيل، إنَّه سبحانه وتعالى حَسْبُنا وَنِعْمَ الوكيل، ولا حَوْلَ ولا قوَّةَ إلَّا بالله العلي العظيم.

فَصْلٌ في ذِكْرِ شَيءٍ مِن آدابِ طَالِبِ العِلْمِ

أعلم أَنَّهُ أَوَّلُ ما يَجِبُ على الطَّالِبِ إخلاصُ النِّيَّةِ، فإنَّهُ إن لم يُقدم النِّيَّةَ الصَّالِحَةَ الخالِصَةَ لم يكن عليه نُورٌ، ولا على عِلْمِهِ نُورٌ، بل ولا ينفعُهُ عِلْمُهُ ولا يَنْتَفعُ بِهِ غيرُهُ، فيجبُ عليه أن يَنْوِيَ بِطَلبِهِ العِلْمَ التَّقَرُّبَ إلى مولاهُ بمعرِفَةِ الحلالِ لِيَتْبَعَهُ وَمَعْرِفَةِ الحرام ليجتَنِبَه، ولتكونَ عبادتُهُ للهِ تعالى على بصيرةٍ فتكونَ نافعةً صحيحةً؛ فإنّ

عابدَ الله تعالى على جَهْلٍ إفسادُهُ في الدِّينِ أكثرُ من إصْلاحِهِ، وإن أَكْثَرَ العِبَادَةَ واستوْعَبَ أنواعَها بزيادة.
وَيَقْصِدُ أيضًا تَعليمَ الجَاهِل وإرشادَهُ ودلالتهُ على مولاهُ وما يُقَرِّبُهُ منه، ولا تقْصِدُ بِطَلَبِهِ العِلْمَ اقتناصَ عَرَضِ الدُّنيا والرِّفْعَةَ والتَّعاظُمَ على أقرانِهِ والتَّكَبُرَ على غيره، وَصَرْفَ وجُوهِ النَّاسِ إليه؛ فإن قَاصِدَ ذَلِكَ لا خَيْرَ فيه ولا بركة، بل يكون سعيُه كهباءٍ مَنْثُورٍ، بل لو بقي على جَهْلِهِ لكانَ أحسنَ في حَقِّهِ وأكرمَ، وأصونَ لِعِرْضِهِ وأحكم، وأبعدَ عن عذاب اللهِ وأَسْلَمَ.
قال رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ تَعَلَّمَ عِلْمًا مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ، لا يَتَعَلَّمُهُ إلَّا لِيُصِيبَ بِهِ عَرَضًا من الدُّنْيا، لَمْ يَجِدْ عَرْفَ الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ".
رواه أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة 1. وقال عليه السَّلامُ: "مَنْ طَلبَ العِلْمَ لِيُجارِيَ بِهِ العُلماء، أو ليُمَارِيَ بِهِ السُّفَهاء، أو يَصْرِفَ به وجوهَ النَّاسِ إِليه، أَدْخَلَهُ اللهُ النَّار".
رواه التِّرْمذي عن كعب بن مالك 2.

وعن حماد بن سلمة: مَنْ طَلَب الحديثَ لِغَيْرِ اللهِ مُكِرَ بِهِ.
فينبغي للعَاقلِ إذا عَزَمَ على طَلَبِ العِلْمِ أن يَسأَلَ اللهَ بِعَزْمٍ وَصِدْقٍ وإخلاصِ نِيَّةٍ أن يُوَفِّقَهُ للعَمَلِ به ويعينه عليه، وأن يُخَلِّصَهُ من الدَّعاوى والكِبْرِ والتَّرَافُع وتزكِيَةِ النَّفْسِ، وأن يُيَسِّرَ لَهُ شَيْخًا صَالِحًا، عَارِفًا نَاصِحًا مُخْلِصًا، عَدْلًا نَاسِكًا، يُبادرُ على بركة الله تعالى بلا تَوَقُّفٍ ولا تَأْخِيرٍ مُسْتعينًا بالله.
قال عليه السَّلامُ: "احْرِصْ على ما يَنْفَعُكَ، واسْتَعِنْ باللهِ، ولا تَعْجَزْ" 1. وَليُجِدَّ الطَّالِبُ في طَلَبِهِ غايةَ ما يمكِنُهُ، قال يحيى بن أبي كثير: لا يُنالُ العِلْمُ بِرَاحَةِ الجَسَدِ.
وقال الشَّافعيُّ رضي الله عنه: لا يَطْلُبُ هذا العِلْمَ من يطلبه بالتملُّلِ وغِنَى النَّفْسِ فَيُفْلحَ، ولكن مَنْ طَلَبَهُ بِذِلَّةِ النَّفْسِ، وضيق العَيْشِ، وخِدْمَةِ العِلْمِ، أفلَحَ.
ولْيُجِلَّ الطَّالِبُ الشَّيْخَ وَيعظِّمْهُ ويتواضَعْ مَعَهُ غايةَ ما يُمْكِنُهُ، فيكونَ بين يديه كأَنَّهُ لا وجودَ لَهُ، قال مُغِيرَةُ: كُنَّا نَهابُ إبْراهيم كما نهاب الأَمير 2. وقال الشَّافِعي: كُنا نَجْلِسُ بين يدي مَالك وكَأَنَّ الطَّيْرَ على رؤوسِنا.

ولا يَتَعاظَمْ على أحدٍ من خَلْقِ اللهِ بِسَبَبِ طَلَبِهِ لِلْعِلْمِ؛ لأَنَّ معظمَ نَفْعِ العلم له، وحينئِذٍ إن لم يكن عامِلًا به فالجاهِلُ خَيْرٌ منه، فكيف يَصِحُّ لَه أن يترافَعَ على من هو خيرٌ منه، بل ذلك حُمْقٌ عَظِيمٌ لِصَاحِبِهِ.
وقد يكونُ علمُه ضررًا عليه وعلى غيره إن لم يَعْمَلْ به، فالجاهِلُ خَيْرٌ مِنْهُ؛ لأَنَّ الجاهِلَ قد يُعْذَرُ في الجُمْلَةِ بخلافِهِ هو إِذْ لا عُذْرَ لَهُ أَصْلًا.
ولا يَرْتَفِعْ على أَحَدٍ من جُلسائِهِ في مَحَلِّ الدَّرْسِ ولو كان دونَهُ، لأَنَّهم سواءٌ في الأَخْذِ عن الشَّيْخِ، بل يجلِسُ أينما انتهى به المجلسُ.
ولا يَجْلِسْ بين يديه مُتَرَبِّعًا، ولا مُحْتَبيًا، ولا مُسْتَندًا، ولا مُتكئًا، ولا مُنْحَنِيًا، ولا ناصِبًا ظهرَهُ بِلا عُذْرٍ، بل جاثيًا على ركبتَيْهِ مُعْتَدِلَ الجلوسِ بسكينةٍ ووقارٍ، فيقعُدُ قِعْدَةَ المتعلمينَ لا قِعْدَةَ المُعَلِّمين، فإنه بقدرِ إجلالِهِ للشَّيْخِ والتَأَدُّبِ بين يديه ومعَهُ يكونُ انتفاعُهُ بعلمِهِ، فيعتَقِدُ أهليتَه ورجحانَهُ في قَوْلهِ وَنَظَرِهِ وفهمِهِ.
ولا يَضْحَكْ، ولا يُكْثِر الكلامَ، ولا يرْفَعْ صَوْتَهُ، وإذا دَخَلَ عليه فليكن مُتَأَدِبًا مُتَطَهِّرًا مُتَطَيِّبًا، ويعتقدُ في نفسِهِ وهو بين يديه كَمَالَ الجَهْلِ، وأن خَطَأَ الشَّيْخِ أصَحُّ من صَوَابِ نَفْسِهِ.
قال بَعْضُهم: مَنْ لَمْ يَرَ خَطَأَ الشَّيْخِ خَيْرًا من صَوابِ نَفْسِهِ لم

ينتفعْ به.
وكان بَعْضُهُم إذا ذَهَبَ إلى شَيْخِهِ يَتَصَدَّقُ بشيءٍ، ويقول: اللَّهُمَّ استر عَيْبَ مُعَلِّمِي عني ولا تُذْهِبْ بركَةَ عِلْمِهِ مني.
ولا يُظْهِرْ بين يديهِ أَّنَّهُ عَارِفٌ أو حَافِظٌ أو نَبيلٌ أو نحو ذَلِكَ.
فلو أَلقى إِليه شيئًا يَعْلَمُهُ يُظْهِرُ لَهُ أنَّهُ خالي الذِّهْنِ منه، وَأنَّهُ ما سَمِعَهُ قط من غَيْرِهِ، وإن أَخْطَأَ في شيء أو سَبَقَ لِسانُهُ أعادَ السُّؤالَ بِلُطفٍ وَحُسْنِ عبارةٍ وأدبٍ لعله يتذكر، فلا يقولُ له هذا خطأ، أو ما قالَ به أحد، أو غيركَ قال خلاف هذا، أو لا أُسلِّمُ لَكَ، وشبهها، فلا ينبغي للطَّالِبِ أن يُواجِهَ الشَّيْخَ بشيءٍ من ذَلِكَ، فإنَّهُ أمر مذمومٌ وصاحبه مخطئٌ ملُومٌ.
وقد يُقال إِنه مأْزُورٌ ومَأْثُومٌ؛ لأَنَّ إساءةَ الأَدب تَمْنَعُ صاحِبَها بُلوغَ الأَرَبِ، وتُبَعِّدُهُ من كُلِّ خَيْرٍ، وتجْلُبُ له كُلَّ غمٍّ وهمٍّ وضير، وتسدُّ عنه أبوابَ الفوائد، وتَحْرِمُهُ جَمِيلَ العَوائِدِ، وَتُسَلِّطُ عليه لسانَ كُلِّ أَحَدٍ من عارفٍ وجَاهِلٍ ومُعانِدٍ.
إذْ نفوسُ السَّادَةِ العُلَمَاءِ كَرام؛ لأَنَّهُم لم يعتادوا خُشونَةَ الكلامِ، ولا المخاطبةَ بعباراتِ اللئامِ، ولا المشافهةَ بما تشَافَهُ به العوامِ؛ لأَنَّ الله تعالى ميّزَهَمُ بما فهمه عبادُهُ الموفَّقُونَ بقوله سبحانه: ﴿هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر: 9]، وبقوله جل من قائل قولًا يعتقده الحكماء: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ [فاطر: 28].

أَمَرَ سبحانه بِسُؤَالِهم والرُّجوعِ إلى بيانِهِم في كتابه المكنون بقوله عز قائلًا: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (43)﴾ [النحل: 43].
والحاصِلُ أَن الآياتِ والأَحاديثَ والآثَارَ الواردَةَ في تعظيمِ العُلمَاءِ والتَّأَدُّبِ مَعَهُم، واحترامِهِم، ومحبتِهِم، واعتقادِهِم، والرُّجوعِ إِليهِمْ، وسُؤالِهِم، أَشْهَرُ من أن تُشْهَرَ وأجل من أن تُحْصَرَ، لكن في هذا القَدْرِ كفايةٌ للعاقِلِ النَّبِيل القَابِلِ للكمَالِ والتَحْصيل، وأما ذو الغَبَاوَةِ وَنَقْصِ العَقْلِ والأَدَبِ فلا يفيدُهُ التَّطْوِيل، ولو تُلِيت عليه التَّوراةُ والإِنْجِيل.
وينبغي للشَّيخِ أن يُقْبِلَ بكُلِّيَّتِهِ على الطَّالِبِ عند قراءَتِهِ عليه، ويُصغي إليه، من غيْرِ لَهْوٍ بحديثٍ أو غيره مِمَّا هو أجنبيٌّ عن ذلِك بلا ضَرُورةٍ.
وَلَيَحْذَرِ الطَّالِبُ من قَطْعِهِ إملاءَ الشَّيْخِ وتقريرَهُ بِسُؤالٍ أو غيرِهِ، فإذا عَرَضَ لَهُ سُؤالٌ صَبَرَ إلى فراغِهِ مِمّا هو فيه، فإن لم يَمُرَّ سُؤالُه في تقريرِهِ سَأَلهُ عنه إذا سَكَتَ.
ولْيحذَرِ الطَّالِبُ غايَةَ الحَذَرِ من إظهارِ أَنَّهُ أَهْلُ فَضْلٍ وصَاحِبُ عِلْمٍ وَفَهْمٍ، وهو ليسَ كَذَلِكَ؛ لأَن النَّاس تغترُّ به حينئِذٍ فيتوهمونَ أنّهُ أهْلُ عِلْمٍ فيسألونَهُ فيُفتِي بِغَيْرِ عِلْمٍ، فيَضِلُّ ويُضِلُّ غيرَهُ لتحليلهِ وتحريمِهِ بهواهُ، فيكونُ ممن يفتري الكَذِبَ على اللَّهِ ورسولهِ، فَيَدْخُلُ تحت قوله: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ

لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (117)} [النحل: 116 - 117]، ويكونُ حينئِذٍ مِمَّن قَالَ فيهم عليه السَّلامُ: "المُتَشَبِّعُ بِمَا لَمْ يُعْطَ، كَلابِسِ ثَوْبي زُورٍ"، متفق عليه 1. والمُتَشَبِّعُ هو الذي يُظْهِرُ الشِّبَعَ وليس بشَبْعانَ، ومعنَاهُ هنا أن يُظْهِرَ أَنَّهُ حَصَلَ له فضيلة في العِلْمِ أو غيره، والواقِعُ أنها ما حصلت، فيكونُ مُزَوِّرًا ومُلَبِّسًا حالَهُ على النَّاس بأن يتزيَّا بزِيِّ أَهْلِ العِلْمِ أو الزُّهْدِ أو الثّرْوةِ ليغتَرَّ بِه النَّاسُ، وليس هو بِتِلْكَ الصِّفةِ، وسببُ هذا فَقْدُ العُلماءِ أو قلّتُهُمْ.
وكما قَالَ عليه السَّلامُ: "إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنَ النَّاسِ، ولكن يَقْبِضُ العِلْمَ بِقَبْضِ العُلَمَاءِ، حَتَّى إذا لَمْ يُبْقِ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَساء جُهَالًا، فَسُئِلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمِ، فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا" 2. إذا عَلِمتَ ذلِكَ فاعلَمْ أَنّه لا ينبغي لأَحدٍ أن يتزيَّا بِزي يُظَنُّ فيه بسَببِهِ أَنَّه عَالِم أو فقيهٌ أو نحو ذَلِكَ حَتَّى يكون فيه أَهليَّة لِذَلِكَ، بأن يكونَ قَادِرًا على إلقاءِ العِلْمِ لأَهْلِهِ، وعلى فَهْمِ السُّؤالِ ومرادِ السَّائِل، وعلى رَدِّ الجَوابِ المُطَابِقِ لَهُ المُوافِقِ للحقِّ، وألا يكون من المُزَوِّرينَ على النَّاس والكذّابينَ على الله ورسوله.

فلا يَغْتَرَّ بِمَحْمَدَةِ النَّاس لَهُ ووصفِهِ بالفَضْلِ والعِلْمِ والكمالِ، لأَن هذا شأْنُ سُخَفاءِ العُقُولِ الخَالينَ من المنقولِ والمَعْقول؛ لأَن ذلك لا يُكْسِبُهُ الفضلَ والعلمَ والكمالَ، وإِنَّما يُكْسِبُهُ إياه الجِدُّ والاجتهادُ، وتَلَقّيهِ من فُحُولِ الرِّجالِ، فهو أعرفُ بنفسِهِ وبحالِهِ من كُلِّ أَحَدٍ غيرِه، إِذْ ما من ضريرٍ إلَّا وهو أعرفُ بحالِهِ بنفسِهِ من ألفِ بصيرٍ.
واعلم أنه لا ينبغي لأَحَدٍ أن يمدحَ أحدًا ويَصِفُهُ بالعِلْمِ والكَمالِ ونحو ذَلِك من حميد الخِصَالِ، حَتَّى يكونَ مُتَّصفًا بما يصِفَهُ بِهِ في حقيقةِ الحَالِ، وإلَّا يكونُ شاهدَ زورٍ كذّابًا ضارًّا لنفسِهِ غاشًّا لِمَن يمدحُهُ.
وإن كان الممدوحُ نَاقِصَ العَقْلِ قَليلَ الدّين والفَهْمِ اغترَّ بِذَلِكَ وَصَدَّقَهُ، فيتركُ التَّعَلُّمَ واكتسابَ الكَمالِ اغْترارًا بالمَدْحَةِ التي لم تُصَادِفْ مَحَلًّا، ولم تُوافِقْ شَرْعًا ولا عُرْفًا ولا عَقْلًا، فيكونُ ذلك سبَبًا لِقَطْعِهِ عن الخَيْرِ والصَّلاحِ، ووسيلةً لغرورِهِ وحِرْمانِهِ ما بِهِ الفوزُ والفلاحُ، وذريعةً لتركِهِ الطَّلَبَ الذي له بِهِ في الدَّارين النَّجَاةُ والنَّجاحُ.
وقد قالَ كثيرٌ من العلماءِ العَاملين: احذر المدحَ كما تحذَر الذَّمَّ.
ولا شَكَّ أَنَّه كلام موفَّقِينَ، إِذْ رُبَّ مَدْحَةٍ واحدةٍ قد تكون أَضَرَّ من ألفِ ذَمَّةٍ لما يترتبُ عليها من القطع عن التَّحْصيلِ، وعن الاشتغالِ

بالعِلْمِ واكتسابِ ما به التَّكميلُ، وإعطاءِ النَّفْسِ حظَّها لِفَرْطِ الجَهالاتِ، فيبقى الفَاسِقُ بِذَلِكَ مُصرًّا على السيّئاتِ، وهذه مصيبةٌ بل أعظمُ المصيباتِ، وقد كَثُرَتْ وعَمَّتْ في هذا الزمانِ الذي غالِبُ أهلِهِ حُثالات، وما حظُّ عاقليهِ وصالِحيهِ إلَّا كثيرَ الحسراتِ، فَنَتَوَسَّلُ إلى اللَّهِ بِبَرَكَةِ نبينا محمدٍ سيِّدِ السَّادَاتِ أن يعصمنا من ذلك 1، ومن سَائِرِ الهَلَكَاتِ.
قال رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إذا مُدحَ الفَاسِقُ غَضِبَ الرَّبُّ، واهتَزَّ لِذَلِكَ العَرْشُ" 2. وليجتَهِد الطَّالِبُ غَايَةَ الاجتهادِ في العَمَلِ بمَا سَمعَ من الحديث في فَضائِلِ الأَعمالِ، فإن هذا آكدُ شيءٍ في حَقِّهِ وأنفَعُ ما يكونُ له وأعون شيء له على تحصيل العلم.
فقد قال الله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 282]. وقال علي رضي الله عنه: إِن رجلًا قال: يا رَسُول اللهِ، ما يَنْفِي عنِي حُجَّةَ الجَهْلِ؟، قال: "العِلْمُ"، قال: فما يَنْفِي عَني حُجَّةَ

العِلْمِ؟ قال: "العَمَلُ" 1. وقال عليه السَّلامُ: "إذا عَلِمَ العَالِمُ، فَلَمْ يَعْمَلْ كانَ كالمصباح يُضِيءُ للنَّاسِ وَيَحْرِقُ نَفْسَهُ" 2 وقال عليه السَّلامُ: "إنَّ أناسًا مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ يَطّلعونَ إلى أناسٍ مَنْ أَهْلِ النَّارِ، فَيَقُولُونَ: بِمَ دَخَلْتُمُ النَّارَ؟ فَوَاللهِ ما دَخَلْنَا الجَنَّةِ إلَّا بما تَعَلَّمْنَا مِنكمْ، فيقولونَ: إنَّا كُنَّا نَقُولُ ولا نَفْعَلُ" 3.

وعن عمرو بن قيس بن المُلائي قال: إذا بَلَغَكَ شيءٌ مِنَ الخَيْرِ فاعْمَل بِهِ ولو مَرَّةً يمُنْ من أهْلِهِ 1. وقال وكيع: إذا أردت أن تحفظ الحديث فاعمل به.
وقال إبراهيم بن إسماعيل بن مُجَمِّع: كنا نستعين على حفظ الحديث بالعمل به 2. وقال الإِمام أحمد بن حنبل: ما كتبتُ حديثًا إلَّا وَقَدْ عَمِلْتُ بِهِ، حَتَّى مَرَّ بي في الحديث أن النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احتَجَمَ وَأَعْطَى أبا طَيْبَةَ دينارًا، فأعطيتُ الحَجَّام دينارًا حين احتَجَمتُ 3. وليحذر من التَّثْقيل على الشَّيْخِ بالإِطالةِ لئلا يُضْجِرَهُ ويملَّهُ.
قال الخطيب: وإذا حَدَّثَهُ فَيَجِبُ أن يأخُذ منه العفو، ولا يُضْجِرَهُ، قال: والإضجارُ يغيرُ الأَفهام، ويُفسِدُ الأَخلاقَ، ويحيلُ الطِّباع 4. وقد كان إسماعيل بن أبي خالد من أحسن الناس خلقًا، فلم يزالوا به حَتَّى ساء خلقه.

وعن محمد بن سيرين أنه سأله رَجُلُ عن حديث وقد أرادَ أن يَقُومَ فقال: إنَّكَ إن كلَّفْتَني ما لم أُطِقْ ساءَك ماسَرَّك مني من خُلُقٍ 1. قال ابن الصلاح: يُخْشى على فَاعِلِ ذلِكَ أن يُحْرَمَ الانتفاع.
قال الشيخ زين الدِّين عبد الرحيم العراقي في "شرح ألفيته": إن أبا العباس أحمد بن عبد الرحمن المرادي كان كَبِرَ وَعَجَزَ عن الإسماعِ حَتَّى كُنَّا نتَأَلّفهُ على قراءةِ الشيء اليسير، فَقَرَأَ عليه بعضُ أصحابِنا فيما بَلَغني "العُمْدَة" بإجازِتِه من عبد الدائِمِ، وأطالَ عليه فَأَضْجَرَهُ، فكان يقول له الشَّيخ: لا أَحْياكَ اللَّهُ أن ترويَها.
ونَحْو ذَلِكَ، فماتَ الطَّالِبُ بعد قليلٍ، ولم ينتَفع بِما سمعه عليه 2. فليكن تحفُّظُ الطَّالِب للعلْمِ على التدريج قليلًا قليلًا، ولا يأْخُذْ نَفْسَهُ بما لا تطيقُهُ، ففي الحديث الصحيح: "خُذُوا مِنَ الأَعْمَالِ ما تُطِيقُونَ" 3. وعن الثَّوري قال: كنت آتي الأَعمش ومنصورًا فَأَسْمَعُ أربعةَ أحاديث خمسة، ثُمَّ أنصرِفُ كراهيةَ أن تكثُر وتَغْلِبَ.

وروي نحو ذلك عن شعبة، وابن علية، ومَعْمَر.
وعن الزُّهري: من طلب العلم جُمْلَةً فاته جُمْلَةً، وإنما يُدْرَكُ العِلْمُ حديثٌ وحديثان.

  • وقال أيضًا: إن هذا العلمَ إن أخذتَهُ بالمُكاثَرَةِ له غَلَبَكَ، ولكن خُذْهُ مع الأَيام والليالي أَخْذًا رفيقًا تَظْفَرْ بِهِ.
    وروي عن الشَّافعي رضي الله عنه: من حَفِظَ كُلَّ يَوْمٍ مسألةً تفقَّه في سَنَةٍ، ومن حَفِظَ كُلَّ يوم مَسْأَلتَيْنِ تَفقَّه في سنتين، أو نحو ذلك.
    واعلم أنَّهُ مِمَّا يُعينُ على دوامِ الحِفْظِ المُذَاكَرةُ.
    قال علي بن أبي طالب: تذاكروا هذا الحديث، إلَّا تفعلوا يُدْرَسْ.
    وعن ابن مسعود: تَذاكروا الحديثَ، فإن حياتَهُ مذاكرتُهُ.
    وروي نحوه عن أبي سعيد الخُدري، وابن عباس.
    وقال الخليلُ بن أحمد: ذَاكِرْ بِعِلْمِكَ تذكُرْ ما عِنْدَكَ، وتستفدْ ما ليس عندك.
    وعن عبد الله بن المُعْتَز قال: من أكثرَ مذاكرةَ العلماءِ لم ينسَ ما عَلِمَ، واستفادَ ما لم يعلم.
    ومن فوائِدِ مُذاكَرَةِ العِلْمِ: أنَّها تُقَوي النَّفْسَ، وتُثَبِّتُ الحفظَ، وتُذَكي القلب، وتَشْحَذُ الطبعَ، وتَبْسُطُ اللِّسانَ، وتجيدُ البيان، وتكشِفُ المُشْتَبِه، وتُوضِحُ المُلتَبِس، وتكْسِبُ أيضًا جَميلَ الذِّكْرِ وتُخَلِّدَهُ إلى آخِر الدَّهْر، كما قال الشَّاعر:

يموتُ قَوْمٌ فَيُحْيِي العِلْمُ ذكرَهم... والجهلُ يُلْحِقُ أَمواتًا بِأَمواتِ وهذا كُلُّهُ مشروطٌ بقصدِ الإِفادةِ والاستفادةِ، وَقَصْدِ إظهارِ الحَقِّ، ونشرِ العِلْمِ مع سلامةِ الصَّدرِ من الغِش، والبُغْضِ، والحِقْدِ، ولينِ الجانب، واللطفِ بمن يذاكِرُهُ، وتحمُّلِ أذاهُ، والتَّأنِّي عليه مع الصَّبْرِ التَّامِ على جفائه.
وأما إذا قُصِدَ بذلك الرَّفعةُ، والتعاظُمُ، وإظهارُ الرِّئاسةُ، أو تعريفُ النَّاسِ مقامَهُ بأنَّهُ أعلمُ وَأَعْرَفُ أو أفْهَمُ، أو كان بترافُعٍ وَتَعاظُمٍ على من يذاكرُهُ، أو عدم صبر عليه لينظُرَ مأخذَهُ ومخلصَهُ، فإنها لا تَحِلُّ قطعًا، بل صاحبها آثِمٌ، ومن كُل خَيْرٍ خائِبٌ، وإلى كُلِّ شَرٍّ وضُرٍّ آيبٌ.
وليَكُن الطَّالِبُ مُصاحِبًا للإتقانِ، صابرًا على تناولِ العلم على التَّدريج بلا ضَجَرٍ وتوانٍ؛ لأَن قليل العلم مع الإِتقان خَيْرٌ وأنفعُ من كثيرِهِ بلا إتقانٍ.
فلا ينبغي للطَّالب أن يقتصرَ على سماع الحَدِيث ونحوِهِ وكُتُبِهِ دون معرفَتِهِ وَفَهْمِه.
قال أبو عاصم النَّبيل: الرِّئَاسةُ في الحديث بلا درايةٍ رئَاسة نَذْلَةٌ 1.

وقال عبد الرحمن بن مهدي: الحِفْظُ الإتقانُ.
قال فارس بن الحسين: يا طَالِبَ العِلْمِ الذي... ذَهَبَتْ بمدَّتِهِ الرِّواية كُن في الرِّواية ذا العِنا... يَةِ بالرِّوَايَةِ والدِّرَايَة وارْوِ القَليلَ وراعِهِ... فالعِلْمُ لَيْسَ لَهُ نهاية 1 وَليَحْذَرِ الطَّالِبُ غايةَ الحَذَرِ أن يمنعَهُ التكبُّرُ والحياءُ عن طلبِ العِلْمِ؛ فإنّ الحياءَ هنا مذمومٌ، وصاحِبُهُ ملومٌ بل مأثوم؛ لأَن هذا الحياء في الحقيقةِ قِلّةُ حياءٍ مِنَ اللَّهِ تعالى وغِشٌ لنفسه، حيثُ يُبْقيهَا حائِرَة من الجهالة، راتعةً في ميادين البطالةِ، راضية بمقام أهل الذُّلِّ والنَّذالة.
وأما التَّكبرُ فإنه من حيث هو من أقبح العُيُوب بل من أعظمِ الذنوب، وأقوى أسباب البُعْدِ عن علَّام الغُيُوبِ؛ لكن إثْمُه هنا أشد وأعظمُ، والعقابُ عليه أحْتَمُ وَأَلْزَمُ، وكيف لا وقد مَنَعَ صاحبَهُ نيلَ الطَّريقِ الأَقْوَمِ.
قال مجاهد: لا ينالُ العِلْمُ مُسْتَحٍ ولا مستكبر، والله الموفق.
ويتأكد في حَقِّ الطَّالبِ الصبرُ على سُوءِ خُلُقِ الشيخ وجفوته، ولا يمنعهُ ذلك من الملازمةِ لما عندَهُ من التكبُّرِ والتَّعَاظُمِ.

قال الشَّافعي: لا ينال الرَّجُلُ من هذا العِلْمِ حَالًا ينتفعُ بها حَتَّى يُطيلَ الاختلاف إلى العلماءِ، ويَصْبِرَ على جفوتهِم، ويحتمل الذُّلَّ في جنبِ الفائدةِ منهم.
وقال شيخُ القراء نافع: كُلُّ من قرأت عليه فأنا عبدُهُ 1. وعن ابن مجاهد عن ابن الجهم: كُلُّ من أخذَ عن أحد فهو فتاهُ، وإن كان أعلى سِنًّا منه.
ويتأكَّدُ عليه أيضًا الدُّعاء لشيخه لأَنه أَنتجَهُ سعادةَ الدَّارين، والرِّفْعَة بين الثَّقلين، وأخرجَهُ من ظلماتِ الغَباوَةِ والجَهْلِ إلى نورِ العِلْمِ والفَهْمِ.
قال الإِمام أبو يوسف: ما تركتُ الدعاء لأَبي حنيفة مع أَبَوَيَّ أربعين سنةً، وكان يقول: من لم يعرف حقًّا لأُستاذه لم يفْلحْ أبدًا.
وليجتنبْ الطَّالِبُ إذا ظَفِرَ بشيخٍ أو بسماعٍ لشيخٍ أن يكتمَهُ لينفرد به عن أضرابه؛ فإن ذلِكَ لُؤْمٌ من فاعله، قال مالك: من بركة أهل الحديث إفادةُ بعضهم بعضًا، ونحوه عن ابن المبارك، ويحيى بن معين.
وعن يحيى بن معين قال: من بَخِلَ بالحديث، وَكَتَمَ على النَّاس سماعَهُ لم يُفْلحْ.

وقال إسحاق بن راهويه: رأينا أقوامًا منعوا هذا السَّمَاع، فوالله ما أفلحوا ولا أنْجَحوا 1. فينبغي للطَّالِبِ إفادةُ الحديثِ ونحوِه لمن لم يَسْمَعْه، والدِّلالةُ على الشيوخ، والتَّنبيهُ على رواياتِهم، فإِن أقلَّ ما يكونُ في ذلك النُّصْحُ للطّالِبِ، والحفظُ للمطلوب مع ما يكتَسِبُ به من جزيلِ الأَجر، وجميلِ الذِّكْرِ.
روى الخطيب بإسناده إلى ابن عباس رفعَه، قال: "إخواني، تناصَحُوا في العِلْمِ، ولا يكتُمْ بعضُكُمْ بَعْضًا؛ فإن خيانَةَ الرَّجُلِ في عِلْمِهِ أَشَدُّ من خيانَتِهِ في ماله" 2. ثُمَّ روى عن الثَّوري قال: لِيُفدْ بعضُكُم بَعْضًا 3. وأما ما روي عن بعض الأَئمة كشعبةَ، وسفيانَ الثوري، وابنِ جريج، وغيرِهم، أنَّه كَتَمَ العِلْمَ عن بعض النَّاسِ؛ فإنَّه محمولٌ على كتمه عمَّن لم يَرَوْهُ أهلًا، أو على من لم يقبَلِ الصَّوابَ إذا أُرْشِدَ إِليه أو نحو ذلك.
وقد قال الخطيب: من أدَّاهُ -لجهلِهِ- فَرْطُ التِّيهِ والإعجابِ إلى المُحَامَاةِ عن الخطإِ والمُمَاراةِ في الصَّوابِ، فهو بذلكَ

الوصفِ مذمومٌ مَأْثومٌ، وَمُحْتَجِزُ الفائِدَةِ عنه غيرُ مُؤَنَّبٍ ولا ملومٌ.
وقال الخليل بن أحمد لأَبي عُبيدة مَعْمَرِ بنِ المُثَنَّى: لا تَرُدَّنَّ على مُعْجَبٍ خَطَأً، فيستفيد مِنْكَ عِلْمًا، ويتخذَكَ بِهِ عدوًّا 1. ولتكن همةُ الطَّالِبِ تحصيلَ الفَائِدَةِ سواءٌ وقعت لَهُ بعلوّ أو نزولٍ، ولا يأنفْ أن يكتُبَ عمَّن هو دونَهُ ما يستفيدُهُ.
قال سفيانُ ووكيعٌ: لا يكونُ الرَّجُلُ من أهل الحديث حَتَّى يكتُبَ.
وقال وكيع: لا يكونُ الرَّجُلُ عَالِمًا حَتَّى يأخُذَ عمن هو فَوْقَهُ، وعمن هو دونَهُ، وعمن هو مثلَهُ.
وكان ابن المبارك يكتُبُ عَمَّن هو دونَهُ، فقيل له في ذلك فقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم تقع لي 2. وليحذَرِ الطَّالِبُ أن تكونَ همتُه تكثيرَ الشيوخِ لمجردِ اسمِ الكَثرَةِ وصِيتِها؛ فإن ذلك مما لا طائل تحتَهُ.
قال ابن الصَّلاح: وليس بِمُوفَّقٍ من ضَيَّعَ شيئًا من وقتِهِ في ذلك 3.

وأمَّا إذا قَصَدَ بذلِكَ تكثيرَ طُرُقِ الحديث والتَّثَبُّتَ في العُلُومِ فهو محمودٌ.
قال أبو حاتم: لو لم نكتب الحديث من ستين وجهًا ما عقلناه.
وقال القاسم بن داود البغدادي: كتبت عن ستة آلاف شيخ 1. وينبغي للطَّالِبِ أن يَسْمَعَ ويكتُبَ ما وقَعَ له من كتابٍ أو جُزءٍ على التَّمامِ ولا ينتَخِبْه، فربما احتاج بعد ذلك إلى رواية شيء مما لم ينتخِبْه فيندَم.
قال ابن المبارك: ما انتخبت على عالم قط إلَّا ندمت.
وقال: ما جاء من منتقٍ خَيْر قط 2، لكن فِعْلُ مثل هذا لِعذرٍ لا بأس به، كما لو كان الشَّخصُ غريبًا يعسُرُ عليه طولُ الإِقامةِ، أو كان الشَّيخُ كبيرًا أو مُكْثرًا يعسر الأَخذ عنه كذلك.
وَليجتهدِ الطَّالبُ في الكتابةِ، فإنَّها من أعظم أسبابِ تحصيل العلم، ولا يقتَصِر على السَّماع فقط ولا على الحفظ فقط؛ لأَن ذلك قد يخونُ فيرجِعُ إلى الكِتَاتةِ إن كانَتْ، وإلَّا ذَهَبَ سعيُهُ وضاعَ تحصيلُهُ.
بل لولا الكتابةُ لضاعت غَالِبُ مصَالح النَّاس، ولضاعَ أكثر العلم، فهي أهم شيءٍ في حَقِّ طالبِ العلم، بل رأسُ مالِهِ فلا غنى له

عنها، لا سيما في هذه الأَزمنةِ التي عَمَّتْ فيها الهمومُ، وتوالت فيها الغُمومُ التي هي أعظمُ أسباب النِّسيان، حَتَّى فَتَرَتْ بِذَلِكَ هِمَمُ أكثرِ النَّاسِ عن الحفظ والإِتقان، فَتَعيَّنَ حينئذٍ الاستعانَةُ بالكتَابَةِ لأَهلِ الجِدِّ والعرفانِ.
وَمِمَّا يدلُّ على تأكدِ الكتابة الشِّعْرُ المنسوبُ للإِمامِ أحمدَ بنِ حنبل رضي الله عنه، وهو هذا: مَنْ طَلَبَ العِلْمَ والحديثَ فلا... يَضْجَرْ من خمسةٍ يُقَاسِيها دَراهِمٌ للعلوم يَجْمَعُها... وعِنْدَ نَشْرِ الحَديثِ يُفْنِيهَا يُضْجِرُهُ الضَّرْبُ في دفاتِرِه... وكثرةُ اللّحْقِ في حواشِيها يَغْسِلُ أَثوابَهُ وبَشْرَتَهُ... من أثَرِ الحِبْرِ ليسَ يُنْقِيهَا يشيرُ إِلى أنَّه لكثرةِ كتابته يعلَقُ الحِبْرُ على أثوابِهِ وبشرته حَتَّى لا يكاد ينقى لكثرته.
وقد كان هذا دَأَبَهُ ودأبَ أضرابِهِ رضي الله عنهم، بل كان هو مع ذلك يكتب بالأُجرة رضي الله عنه.
وينبغي للطَّالِبِ ضبطُ كتابِهِ بالنَّقْطِ والشَّكْلِ ليُؤَديَهُ كما سَمِعَهُ، فإن لم يفعلْ ضَبَطَ المُشْكِلَ؛ لأَنه أعونُ له ولغيره.
وَيَجتَنِبُ الخَطَّ الدقيق؛ لأَنه لاينتفع به من نظرُهُ ضعيفٌ، وربما ضَعُفَ نَظَرُ كاتبِهِ بعد ذلك، فلا ينتفع به، كما قال الإِمام

أحمد بن حنبل لابن أخيه حَنْبَل بن إسحاق، ورآه يكتبُ خطًا دقيقًا: لا تَفْعَلْ، أحوجَ ما تكونُ إليه يخُونُكَ 1. ومحلُّ هذا إذا كان لغير عُذْرٍ، فإن كان عذرٌ كضيق ما يكتُبُ فيه، أو كان رحَّالًا في طلبِ العِلْمِ يريد حمل كُتُبِهِ معه فتكونُ خفيفةً عليه فلا يُكْرَهُ ذَلِكَ.
ويستحَبُ له تحقيقُ الخَطِّ وتجويدُهُ دونَ المَشْقِ والتَّعْلِيقِ.
وقد ذَكَر ابن قُتَيْبَةَ أن عمر بن الخطاب قال: شَرُّ الكِتَابَةِ المَشْقُ، وَشَرُّ القراءة الهَذْرَمَةُ، وأجودُ الخَطِ أَبْينُهُ 2. والمشقُ: سُرْعَةُ الكتابَةِ، والهَذْرَمَةُ: بالذال المعجمة سرعةُ القراءَةِ.
ويُكْرَهُ أن يفصل في الخط بين ما أضيف إلى اسم الله، وبين اسم الله تعالى مثل عبد الله بن فلان، أو عبد الرحمن بن فلان وغير ذلك من الأَسماء، فيكتب عبد في آخر سطر ويكتب أول السَّطْرِ الآخر اسم الله وبقية النَّسَبِ، ومثلُهُ أن يكتُبَ في آخرِ السَّطْرِ قال رسول، وفي أول السَّطر الذي يليه الله صلَّى الله عليه وسلم، فينبغي التَّحَفُّظ من ذَلِكَ.

ولا يختصُ المنع بأسماءِ الله بل الحُكْمُ كَذلِكَ في أسماء النّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ والصحابة أيضًا، مثاله لو قال: سابُّ النبيِّ عليه السَّلامُ كافرٌ، وقاتلُ ابن الزُّبير في النَّارِ ونحو ذلك، فلا ينبغي أن يكتب "سابُّ" أو "قاتِلُ" في آخرِ سَطْرٍ وما بَعْدَ ذَلِكَ في سَطْرٍ آخَرَ.
وينبغي أيضًا اجتنابُ كل ما يُسْتَبْشَع، ولو وَقَع ذلك في غير المضافِ والمُضافِ إليه.
أما إذا لم يكن في شيءٍ من ذلك بعد اسم الله تعالى أو اسم نبيه أو اسم الصَّحابي ما ينافيه، بأن يكون الاسمُ آخِرَ الكِتَابِ أو آخر الحديث ونحو ذَلِكَ، أو يكونَ بعدَهُ شيءٌ مُلائِمٌ له غيرُ مُنَافٍ له فلا بأس بالفَصْلِ، نحو قوله في آخر البخاري: "سبحان الله العظيم"؛ فإنهُ إذا فَصَلَ بين المُضافِ والمضاف إليه كان أول السَّطرِ الله العظيم، فلا مُنافَاةَ في ذَلِكَ، ومع هذا جَمْعُهما في سطر واحد أولى.
وينبغي له أن يُحافِظَ على كَتْبِ الثَّنَاءِ على اللَّهِ عِنْدَ ذكرِ اسمه، نحو عَزَّ وَجَلَّ، وتباركَ وتعالى، وما أَشْبَهَهما، وعلى الصَّلاةِ والسَّلامِ على النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عند ذكره، ولا يسأَم من تكرُّرِ ذلك فإن أَجْرَهُ عظيمٌ، فيحافظُ على كتابة ذلك، وإن لم يَكُنْ مكتوبًا في الأَصْلِ الذي يَكتُبُ منه.

وكذلك يُحافِظُ على التَّرضي والتَّرَحُّمِ على الصَّحابَةِ والعلماءِ وسائرِ الأَخيار.
ويُكْرَهُ الرَّمْزُ للصَّلاةِ على النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، بأن يقتصر من ذلك على حرفين، ونحو ذلك ككتابَةِ "صلعم" إشارة إلى الصَّلاةِ والسَّلامِ.
ويُكْرَهُ حذفُ واحدٍ من الصَّلاةِ والسَّلامِ والاقتصار على أحدهما، وعِنْدَ الإِمام أحمد هو خلاف الأَوْلَى على الأَصَحِّ عنه.
قال حمزة الكتاني: كنتُ أَكتُبُ عند ذكر النَّبِيِّ صلَّى الله عليه، فرأيته في المنام فقال لي: ما لكَ لا تُتِمُّ الصَّلاة عليَّ؟ قال: فما كتبتُ بعد ذَلِكَ صلَّى الله عليه إلَّا كتبت وسلَّم.
وإذا كانت المحافظَةُ على كتابةِ الصَّلاة والسَّلام على النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، والثناءِ على الله سبحانه، والتَّرضي والتَّرَحمِ على الصحابة والعلماء والأَخيار مؤكدةً، فذلك في اللفظ آكَدُ إذا ذَكَرَ الشَّيخُ أو الرَّاوي واحدًا منهم، والله أعلم.

بَابُ حُكْمِ السَّلامِ والمُصَافَحَةِ والتَّثاؤبِ والعُطَاسِ والاسْتِئْذانِ

يُخيَّرُ في السَّلامِ على الجماعة بَيْنَ تَعْريفِهِ وَتَنْكِيرِهِ، وابْتِداؤُهُ سُنَّة، ومِن جماعَةٍ سُنَّةُ كِفَايَةٍ، والأَفضلُ مِنْ جَمِيعِهم؛ فلو سَلَّمَ عليه جَمَاعَةٌ، فقال: وَعَلَيْكُمُ السَّلامَ.
وَقَصَدَ الرَّدَّ عليهمْ جميعًا، أَجْزَأَهُ.
ويُسَنُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بابتدائِهِ بحيثُ يَسْمَعُ المُسَلَّمُ عليهم سَمَاعًا مُحَقَّقًا.
وإن سَلَّمَ على أَيْقَاظٍ عِنْدَهُم نِيَامٌ، أو على مَن لا يَعْلَمُ هَلْ هُمْ أيقاظٌ أو نِيَامٌ، خَفضَ صَوْتَه بحيثُ يُسْمعُ الأَيقاظَ ولا يُوقِظُ النِّيَامَ.
ولو سَلَّمَ على إنسانٍ، ثُمَّ لقيهُ على قُرْبٍ، استُحِبَّ أن يُسَلِّمَ عليه ثانيًا، وثالثًا، وأكثَرَ.
ويُسَنُّ أن يبدَأَ بالسَّلامِ قَبْلَ كُلِّ كَلامٍ، ولا يتْرُكُ السَّلامَ إلَّا إذا غَلَبَ على ظَنِّهِ أن المُسَلَّمَ عليه لا يَرُدُّ.
وإن دَخَلَ على جماعةٍ فيهم عُلماءُ، سَلَّمَ على الكُلِّ عمومًا ثُمَّ على العلماءِ ثانيًا.

وردُّ السَّلامِ فورًا فَرْضُ عينٍ على المفرَدِ، وكفايةٍ على الجَمَاعَةِ، ورفْعُ الصَّوْتِ به واجبٌ قدرَ ما يحصلُ به السَّماعُ للمُسَلِّمِ، وكذا زيادة الواو.
ويُكْرَهُ السَّلامُ على الأَجنبيةِ إلَّا أن تكون عَجُوزًا أو بَرْزَةً، وفي الحَمَّامِ، وعلى من يَأْكُلُ أو يقاتِلُ، وعلى تالٍ، وذاكرٍ، ومُلَبٍّ، وَمُحدِّثٍ، وخطيبٍ، وواعظٍ، وعلى من يَسْتَمعُ لهم، وعلى مُكَرِّرِ فِقْهٍ وَمُدَرِّسٍ، وعلى من يَبْحَثونَ في العِلْمِ، وعلى من يُؤَذِّنُ أو يقيمُ، وعلى من هو على حَاجَتِهِ، أو يتمتعُ بأهله، أو مُشْتَغِلٍ بالقَضَاءِ، ونحوهم، ولا يَجِبُ الرَّدُّ.
ولا يُسَلِّم على المُتَلبسينَ بالمعاصي، كمن يلعبونَ بالشَّطَرنج أو النَّرْدِ، أو يشربونَ الخَمْرَ، أو يلعبونَ بالقمارِ.
وإن سَلَّمَ أحدٌ منهم عليه رَدَّهُ إلَّا أن يغلِبَ على ظنه انزجارُهُ عن المعصية بتركِهِ الرَّدَّ عليه، فإذًا لا يَرُدُّ.
ولا يُسَلِّم على الذِّميّ، فإن كان معه مُسْلمٌ نواهُ بِالسَّلامِ، وإن كَتَبَ كِتابًا إلى كافرٍ، وَكَتَبَ فيه سلامًا كتب: سَلامٌ على من اتَّبَعَ الهُدى.
وإن سَلَّمَ على من ظَنَّهُ مُسْلمًا ثُمَّ عَلِمَ أنَّه ذميٌّ نُدِبَ قَوْلُهُ لَهُ: رُدَّ عليَّ سلامي.
وإن سَلَّمَ أَحَدُهُم لَزِمَ رَدُّهُ فيقال له: وعليك أو وعليكم، وإذا لَقِيَهُ المُسْلِمُ في طريقٍ فلا يوسِّع له بل يضطَرُّه إلى أضْيَقِهِ.

وتُكْرَهُ مصافحتُهُ وتشميتُهُ والتَّعَرُّضُ له بما يُوجِبُ المودةَ بينهما.
وإن شَمَّت الكَافِرُ مسلمًا أجابَهُ بنحو يهديكُمُ الله.
وتَحْرُمُ تهنئَتُهُم وتعزيتُهُم، وعيادتُهُم، وشهودُ عيدِهم، ومُهَاداتُهُم لعيدهم.
ويَحْرُمُ بيعُهُم ما يعملونَ به كنيسةً أو تمثالًا ونحوَه، وكل ما فيه تخصيصٌ لعيدهم وتمييز لهم، وهو من التَّشبُّهِ بهم، والتَّشَبُّهُ بهم منهيٌّ عنه إِجماعًا لقوله عليه السَّلامُ: "مَنْ تَشَبَّهَ بِقَومٍ فهو مِنْهُم" 1. وَيُكْرَهُ أن يَخُصَّ بِالسَّلامِ بعضَ قوم لقيهم، وأن يقولَ: سلامُ اللَّهِ عليكم.
فَائِدَةٌ: ولا يَهْجُرُ المسلمُ أخاهُ فَوْقَ ثَلاثٍ إلَّا أن يكونَ من أهلِ البِدَعِ والضَّلالِ فيجبُ هجرُهُ على الدَّوامِ.
وَيُسَنُّ هجرُ المتجاهِرِ بالمعاصي ما دام على هذه الحال، والهجرُ المنهيُّ عنه يزول إثْمُهُ بِالسَّلامِ.
وَيُسَنُّ السَّلامُ عِنْدَ الانصراف أيضًا، وإن دَخَلَ بيتًا خاليًا أو مسجدًا خاليًا قال: السَّلامُ علينا وعلى عباد الله الصالحين.

وإذا دخل بيته قال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْألكَ خَيْرَ المَوْلجِ، وَخَيْرَ المَخْرَج، بِسْمِ اللهِ وَلَجْنَا، وبِسْم الله خَرَجْنَا، وَعَلَى الله رَبِّنا تَوَكَّلْنا"؛ ثُمَّ يُسَلِّمُ على أهلِهِ 1. ويسنُّ السَّلامُ على الصِّبيان تأديبًا لهم، ويُسَنُّ لهم الرّدُّ ليعتادُوه، وإن سَلَّم على صبي وبالغٍ لم يَكْفِ ردُّ الصبي، وإن سَلَّمَ الصبيُّ على بالغٍ وَجَبَ الرَّدُّ في وجهٍ، وهو الصحيحُ.
والمجزئُ في السَّلامِ: السَّلامُ عليكم، وفي الرَّدِّ: وعليكم السَّلامُ، وأكملهُ ابتداءً وردًّا: وبركاتُهُ.
وإن سَلَّمَتْ شابةٌ على رَجُلٍ ردَّهُ عليها، وإن سلَّمَ عليها لا تَرُدُّهُ.
وإرسالُ السَّلامِ إلى الأَجنبيةِ لا بأس به للمصلحةِ مع عدم المحذورِ.
والسُّنَّةُ أن يُسَلِّمَ الصغيرُ والقليلُ والماشي والرَّاكبُ على ضِدِّهم، فإن عكسُوا حصلت السُّنَةُ، لكن الوارد يَبْدَأُ مطلقًا.
وإن سَلَّمَ مِنْ وراءِ جدارٍ، أو الغائبُ عن البلدِ برسالةٍ أو كتابةٍ وَجَبَت الإِجابةُ عند البَلاغ.

ويُسَنُّ أن يُسَلِّمَ على الرَّسُولِ فيقول: وَعَلَيْكَ وعليه السَّلامُ، وإن تَحَمَّلَ السَّلامَ وَجَبَ تبليغُهُ.
ويُسَنُّ لِكُل من المُتلاقِيَيْنِ أن يَحْرِصَ على الابتداءِ بِالسَّلامِ، فإن بَدَا معًا وَجَبَ على كُلٍّ منهما الرَّدُّ.
ولو سَلَّمَ على أصمَّ جَمَعَ بَيْنَ اللّفْظِ والإِشارةِ، كَرَدِّ سلامه، وسلامُ الأَخْرَسِ وردُّه بالإِشارةِ.
وسلامُ النِّساءِ على النِّساءِ كسلامِ الرِّجَالِ على الرِّجَالِ.

فَصْلٌ

وَتُسَنُّ مصافحةُ الرَّجُلِ الرَّجُلَ والمرأةِ المرأَةَ، ولا بأسَ بمصافحةِ الرَّجُلِ المردانَ إن وَثَقَ من نفسِهِ وقَصَدَ تعليمَهم حُسْنَ الخُلُقِ.
ولا تجوزُ مصافحَةُ الأَجنبية الشَّابَّةِ.
ولا يَنْزِعُ يدَهُ مِنْ يدِ من صافحَهُ حَتَّى ينزِعَهَا إلَّا لحاجةٍ كحيائِهِ ونحوِه.
ولا بَأْسَ بالمُعَانَقَةِ، وتقبيلِ الرَّأْسِ واليَدِ لأَهْلِ العلم والدَّين ونحوهم.
ويُكْرَهُ تقبيلُ الفَم لِغَيْرِ زوجتِهِ وجاريتِهِ المباحةِ له.

فَائِدَةٌ: التَّثاؤبُ من الشَّيطَانِ، فإذا تَثَاءَبَ كَظمَ ما استطاعَ، فإن غَلَبَهُ غَطَّى فَمَه بِكُمِّهِ أو غيره.
والعطاسُ من الرَّحمنِ، فإذا عَطَسَ خَمَّرَ وجْهَه وغَضَّ صَوْتَه، ولا يَلْتَفِت يمينًا وشِمالًا، وحَمِدَ الله جهرة بحيثُ يُسْمِعُ جليسَه ليُشَمِّتَهُ.
وَتَشْمِيتُه فَرْضُ عَيْنٍ من الواحدِ، وكِفَايَةٍ من الجماعَةِ، فيقولُ لَهُ: يَرْحَمُكَ اللَّهُ أو يَرْحَمُكُم اللَّهُ.
وردُّ العاطِس فَرْضُ عَيْنٍ، فَيقُولُ: يَهْدِيكُم اللَّهُ وَيُصْلحُ بَالَكُمْ، وإن قال: يَغْفِرُ اللهُ لكم، جاز.
ويُكْرَهُ أن يُشَمِّتَ من لم يَحْمَدِ الله، وإن نَسِيَ لم يُذَكِّرْه، لكن يُعَلِّمُ الصَّغيرَ والجَاهِلَ.
ولا يُسَنُّ تَشْميتُ الذِّمِّيِّ، فإن قِيل له: يَهْدِيكُم اللَّهُ، جاز، ويقالُ للصَّبِيِّ إذا عَطَسَ: بُورِكَ فِيكَ وَجَبَرَكَ اللَّهُ.
وَتُشَمِّتُ المرأةُ المَرْأةَ، والرَّجُلُ الرَّجُلَ والمَرْأَةُ العَجُوزُ البَرْزةَ، ولا يُشَمِّتُ الشَّابَّةَ ولا تُشَمِّتُه.
فإن عَطَسَ ثانيًا وثالثًا شَمَّتَه إن حَمِدَ، ورابعًا دعا له بالعَافِيَةِ من غَيْرِ تَشْميتٍ، وإن لم يَكُنْ شَمَّتَه قَبْلَها شمَّتَهُ.
فَائِدَةٌ: ومن طنَّتْ أُذُنُهُ ذَكَرَ النَّبِي عليه السَّلامُ وصلى عليه

جارٍ التحميل