كِتَابُ الصِّيَامِ
يَجِبُ صَوْمُ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ هِلالِهِ، أو إِكْمالِ شَعْبَانَ على جَمِيع النَّاسِ، فإن حالَ دون مَطْلَعِهِ ليلَةَ الثَّلاثِينَ من شَعْبَان غَيْمٌ أو قَتَرٌ أو جَبَلٌ أو غيرُها وَجَبَ صِيَامُهُ احْتِياطًا بِنِيَّةِ رَمَضانَ.
وَتَثْبُتُ أحكَامُ الصَّوْمِ من صَلاةِ التَّراويحِ، ووجوبِ كفَارَةٍ بوطءٍ فيه وغيرِ ذَلِكَ، ولا يَثْبُتُ غيرُ أحكامِهِ كوقوعِ طلاقٍ وعِتْقٍ وحلولِ أَجَلٍ معلقةٍ عليهِ.
وَتَثْبُتُ الرُّؤْيَةُ بِخَبَرٍ مُسْلِمٍ، مُكَلَّفٍ، عَدْلٍ ولو عَبْدًا أو أُنْثَى، ولا يُقْبَلُ في شوالَ وبَقِيَّة الشُّهُورِ إلَّا رجُلانِ عَدْلانِ.
وشروطُ وجوبِ الصُّوْمِ أَرْبَعَةٌ:
الإِسلامُ، والبُلوغُ، والعَقْلُ، والقُدْرَةُ عليه، فَمَنْ عَجَزَ عنه لِكِبَرٍ أو مَرَضٍ لا يُرْجَى زوالُهُ أفطرَ وَأَطْعَمَ عن كُلِّ يَوْمٍ مِسكينًا مُدَّ بُرٍّ أو نصفَ صَاعٍ مِمَّا يُجْزِئُ في الفطْرَةِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 219
وشروطُ صحتِهِ سِتَّةٌ:
الإِسلامُ، وانقطاعُ دَمِ الحَيْضِ، والنِّفَاسِ.
الرَّابِعُ: التَّمييزُ، وَيَجِبُ على وَلِيِّ مُمَيِّزٍ أَمْرُهُ بِهِ، وضَرْبُهُ عليه إن أطاقَهُ.
الخَامِسُ: العَقْلُ، وإن نواهُ لَيْلًا وجُنَّ أو أُغْمِيَ عليه جَمِيعَ النَّهَارِ إلَّا لَحْظَةً أَجْزَأَهُ.
السَّادِسُ: النِّيَّةُ كُلَّ لَيْلَةٍ لِكُلِّ صَوْمٍ واجِبٍ، فَمَنْ خَطَرَ بقلبِهِ لَيْلًا إنه صَائِمٌ غَدًا أو أَكَلَ أو شَرِبَ بِنِيَّةِ الصَّوْمِ فقد نَوَى، ولا يَضُرُّ الإِتيانُ بَعْدَ النِّيَّةِ بِمُنَافٍ للصَّوْمِ.
وَفَرْضُهُ: إمْسَاكٌ عن المُفَطِّرَاتِ من طُلُوعِ الفَجْرِ الثَّاني إلى غُروبِ الشَّمْسِ.
وَسُنَنُهُ تِسْعَةٌ: تَعْجِيلُ الفِطْرِ، وتأْخِيرُ السُّحُورِ، والزِّيَادةُ في أَعْمَالِ الخَيْرِ، والإِكثارُ من قراءَةِ القُرْآنِ، ومِنَ العُمْرَةِ، واغتسالُ مَنْ أَجْنَبَ لَيْلًا قَبْلَ طُلُوعِ الفجر، وقولُهُ جَهْرًا بِرَمَضان وسِرًّا بغيرِهِ إذا شُتِمَ: إِنِّي صَائِمٌ، يَزْجُرُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وقَوْلُهُ عِنْدَ فِطْرِهِ: "اللَّهُمَّ لَكَ صُمْتُ، وَعلى رِزْقِكَ أَفْطَرْتُ، سُبْحَانَكَ وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ تَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ" 1، وفطرُهُ على رُطَبٍ، فإن عُدِمَ فَعَلَى تَمْرٍ،
الجزء: 1 - الصفحة: 220
فإن عُدِمَ فعلى الماءِ، وأن يدعُوَ عِنْدَ فِطْرِهِ، وأن يُفَطَرَ الصَّائِمَ، والتتابُعُ في قَضَاءِ رَمَضان.
فَصْلٌ
يَحْرُمُ الفِطْرُ بِرَمَضانَ بِلا عُذْرٍ، وهو من أَعْظَمِ الكَبَائِرِ، فَيُعَزَّرُ فَاعِلُهُ تَعْزِيرًا بَلِيغًا.
ويَجِبُ الفِطْرُ على الحائِضِ، والنُّفَسَاءِ، وعلى من يَحْتَاجُهُ لإنقَاذِ مَعْصُومٍ مِن مَهْلَكَةٍ.
ويُسَنُّ لِمُسَافِرٍ يَسْتَبِيحُ القَصْرَ، ولِمَرِيضٍ يَخَافُ الضَّرَرَ.
ويُبَاحُ لِمَن سَافَرَ في أَثناءِ يَوْمٍ، ولِحَامِلٍ ومُرْضِعٍ خَافَتَا على أنفُسِهمَا أو على وَلَدَيْهِمَا، وَمَنْ أفْطَرَتْ خَوْفًا على الولَدِ أطعَمَتْ لِكُلِّ يَوْمٍ مسكينًا من مَالِ الولد أو من يَمُونُهُ.
وإن أَسْلَمَ الكَافِرُ، وَطَهُرَتِ الحَائِضُ، وَبَرئَ المَرِيضُ، وقَدِمَ المُسَافِرُ، وبَلَغَ الصَّغِيرُ، وعَقَلَ المَجْنُونُ في أَثناءِ يومٍ لَزِمَهُم الإمساكُ والقَضَاءُ.
= فيه عبد الملك بن هارون بن عنترة، قال الحافظ الذهبي في "المغني في الضعفاء" (2/ 409): "اتهمه الجوزجاني، وقال غير واحد: متروك".
وبه أعله الهيثمي في "المجمع" (3/ 156)، وقال الحافظ ابن حجر: "غريب وسنده واه جدًّا".
"الفتوحات الربانية" (4/ 341).
الجزء: 1 - الصفحة: 221
فَصْلٌ في المُفَطِّراتِ
وهي ثلاثةَ عَشَرَ:
خُرُوجُ دَمِ الحَيْضِ، والنِّفَاسُ، والمَوْتُ، والرِّدَّةُ، والعَزْمُ على الفِطرِ والتَّرَدُّدُ فيه، والقيءُ عَمْدًا، والاحتقانُ من الدُّبُرِ، وبَلْعُ النُّخَامَةِ بعد وصولها إلى الفَمِ، وَأَوَّلُهُ مَخْرَجُ الخَاءِ، والحِجَامَةُ لِلْحَاجِمِ والمَحْجُومِ، وإنزالُ المَني بتكرارِ النَّظَرِ لا بِنَظْرَةٍ وفِكْرٍ واحتِلامٍ، وخُروجُ مَنيٍّ أو مَذِيٍّ بِتَقْبِيلٍ، أو لَمْسٍ أو استمنَاءٍ، أو مُبَاشَرَةٍ دونَ الفَرْجِ والجِمَاعُ فيه.
وكُلُّ ما وَصَلَ إلى الحَلْقِ أو الجَوْفِ أو الدماغِ من مَائِعٍ وغيرِهِ، فَيُفطِرُ إن قَطَرَ في أُذُنِهِ مَا وَصَلَ إلى دِمَاغِهِ، أو دَاوى الجَائِفَةَ فَوَصَلَ إلى جَوْفِهِ، أو اكْتَحَلَ بما عَلِمَ وصولَهُ إلى حلقِهِ، أو مَضَغَ عِلْكًا أو ذاقَ طَعَامًا فوَجَدَ طعْمَهُ في حلقِهِ، أو بَلَعَ ريقَهُ بَعْدَ أَن وَصَلَ إلى ما بين شفتَيهِ، وإن فَعَلَ شَيئًا من ذَلِكَ نَاسِيًا أو مُكْرَهًا لم يُفْطِرْ إلَّا بالجماعِ.
ومَن جَامَعَ في نَهَارِ رَمضَانَ في فَرْجٍ أو دُبُرٍ لآدميٍّ أو بهيمةٍ في حَالَةٍ يلزَمُهُ فيها الإِمساكُ لَزِمَتْهُ الكَفارَةُ، وكذا من جُومِعَ إن طاوعَ غَيْرَ جَاهِلٍ أو نَاسٍ، وهي عِتْقُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ سَلِيمَةٍ من العيوبِ المُضِرَّةِ
الجزء: 1 - الصفحة: 222
بالعَمَلِ، فإن لم يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرينِ مُتَتَابِعَينِ، فإن لم يَسْتَطِعْ فإطْعامُ ستينَ مِسْكِينًا، فإن لم يَجِد سَقَطَت بِخِلافِ غيرِها من الكَفّارَاتِ.
ولا كَفَّارَةَ بِمُفَطِّرٍ غير الجِمَاعِ.
فَصْلٌ فيما يُكْرَهُ فيه وحُكْمُ قَضَائِهِ
يُكْرَهُ لِلصَّائمِ أن يَجْمَعَ رِيقَهُ فَيَبْتَلِعَهُ، والمُبَالَغَةُ في المَضْمَضَةِ والاسْتِنْشَاقِ، ومَضْغُ عِلْكٍ لا يتحلَّلُ، وذَوْقُ طَعَامٍ بِلا حَاجَةٍ، وإن وَجَدَ طَعْمَهُ في حَلْقِهِ أَفْطَرَ، وَتَرْكُ بقيةِ طَعَامٍ بين أَسنانِهِ، وشمُّهُ ما لا يَأْمَنُ أن يَجْذِبَهُ نَفَسُهُ إلى حَلْقِهِ، كَسَحِيقِ مِسْكٍ وكافُورٍ ودُهْنٍ ونحوِهِ، وقُبْلَةٍ، ودَواعِي وَطْءٍ من تُحَرِّكُ شَهْوَتَهُ، ويَحْرُمُ ذَلِكَ إن ظَنَّ إنْزالًا، ومَضْغُ عِلْكٍ يَتَحَلَّلُ، ويتأكدُ في حَقِّهِ وجوبُ اجْتِنَابِ نَحْوِ كَذِبٍ وغِيبَةٍ ونَمِيمَةٍ وَشَتْمٍ وفُحْشٍ.
وَمَنْ فَاتَهُ رَمَضَانُ قَضَى عَدَدَ أَيَّامِهِ.
ويُسَنُّ على الفَوْرِ مُتَتَابِعًا إِلَّا إذا بَقِيَ من شعبانَ قَدْرُ ما عليهِ فَتَتَعَيَّنُ المُبَادَرَةُ بِهِ.
ويَجِبُ تقديمُهُ على نَذْرٍ لم يَخَفْ فَوْتَهُ.
ولا يَصِحُّ تَطَوُّع بِصَوْمٍ قَبْلَهُ، ويَحْرُمُ تأخيرُهُ إلى رَمَضانَ آخرَ بلا عُذْرٍ، فإن فَعَلَ وَجَبَ مع القَضَاءِ إطعامُ مسكينٍ لِكُلِّ يَوْمٍ، ولِعُذْرٍ يَقْضِي بِلا كَفَّارَةٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 223
وإن ماتَ مَنْ أخرَهُ إلى رَمَضانَ فأكثَرَ بِلا عُذْرٍ أُطْعِمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مسكِينٌ ولا يمضَى، ولِعُذْرٍ لا يَجِبُ شيءٌ.
وَمَنْ مَاتَ وَعَلَيْهِ نَذْرُ صَوْمٍ، أو حَجٍّ، أو صَلاةٍ، أو طَوافٍ، أو اعتِكَافٍ في الذّمَّةِ لم يَفْعَلْ مِنْهُ شَيْئًا مع إمكانِهِ، سُنَّ لِوَليّهِ قَضَاؤهُ، ويَجُوزُ لِغَيْرِهِ بإذْنِهِ ودونِهِ، ويُجْزِئُ صَوْمُ جَمَاعَةٍ في يَوْمٍ وَاحِدٍ.
وإن خَلَّفَ مالًا وَجَبَ، فَيَفْعَلُهُ وَلِيُّهُ أو يدفَعُ مَالًا من يفعَلُهُ عنه، ولا يُقْضَى مُعَيَّنٌ مَات قبلَهُ، وفي أثنائِهِ يسقُطُ الباقي.
والحَجُّ المَنْذورُ يُفْعَلُ عَنْهُ، وإن لم يَتمكَّن مِنْهُ، وإن كان عليه صَوْمٌ من كَفَّارَةٍ أو مُتْعَةٍ أو قِرانٍ أُطعمَ عَنْهُ لِكُلِّ يَوْمٍ مِسْكينٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 224
بَابُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ
أَفْضَلُهُ صَوْمُ يَوْمِ وفِطْرُ يَوْمِ، وَيُسَنُّ صَومُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرِ، والأَفْضَلُ أيامُ البِيضِ وهي الثَّالِثَ عَشَرَ، والرَّابِعَ عَشَرَ والخَامِسَ عَشَرَ، وهو كَصَوْمِ الدَّهْرِ.
وَيُسَنُّ صَوْمُ يومِ الاثنينِ والخَمِيسِ، وسِتَّةِ أَيامِ من شَوالِ وَلو متفرقةً، مَنْ صَامَهَا بَعْدَ أَن صَامَ رَمَضَانَ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرِ.
وَصَوْمُ التِّسْعِ من ذِي الحجَّةِ، وآكَدُهَا التَّاسِعُ وَهْوَ يَوْمُ عَرَفَةَ، ثُمَّ الثَّامِنُ وهو يومُ التَّرْوِيَةِ، وَصَوْمُ المُحَرَّمِ، وهو أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ صيامِ شَهْرِ رَمَضانَ، وأفضلُهُ يومُ عَاشُورَاء، وهو العاشِرُ مِنْهُ ثُمَّ تاسوعاء، وهو التَّاسِعُ.
وَصَوْمُ يَوْمِ عاشورَاء كفارةُ سَنَةٍ، ويَوْمِ عَرَفَةَ كَفَّارَةُ سنتينِ.
والمُرَادُ بالتَّكْفِيرِ بالصَّومِ والصَّلاةِ والحَجِّ والطَّهَارةِ وغير ذَلِكَ أنَّهُ مِنَ الصَّغَائِرِ، فإن لم تَكُن رُجِيَ التَّخْفِيفُ من الكبائِرِ، فإن لم تكن رُفِعَ لَهُ دَرَجَاتٌ.
الجزء: 1 - الصفحة: 225
ولا يُسَنُّ لِمَن بِعَرَفَةَ صَومُ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَّا لِمُتَمَتِّعٍ وقَارِنٍ عَدِما الهَدْيَ.
وَيُكْرَهُ إفرادُ رَجَبٍ بالصَّوْمِ، وتزولُ الكَرَاهَةُ بِفطرِ يَوْمٍ فِيهِ أو بصومِ شَهْرٍ آخَرَ من السَّنَةِ، وإفرادُ يوم الجُمُعَة، والسَّبْتِ، والشَّكِّ، والنَّيْروزِ، والمِهْرجَانِ، وهما عيدانِ للكُفّارِ، وإفرادُ كُلِّ عيدٍ لهم أو يومٍ يُفْرِدونَهُ بتعظيمٍ إلَّا أن يُوافِقَ عادةً في الكُلِّ.
ويُكْرَهُ تَقَدُّمُ رَمَضانَ بِيَوْمٍ أو يومينِ لا بِأَكْثَرَ، ويُكْرَهُ الوِصَالُ وهو أن لا يُفْطِرَ بَيْنَ اليَوْمَينِ إلَّا للنَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَيَحْرُمُ صَوْمُ يَوْمَي العِيدينِ، وَكَذا أيامُ التَّشريقِ إلَّا عن دمِ مُتْعَةٍ وقِرَانٍ.
ويَجُوزُ صَوْمُ الذَهْرِ إذا لم يَتْرُك بِهِ حَقًّا ولا خاف منه ضرَرًا، أو لم يَصُم هذِهِ الأَيامَ.
وَمَنْ دَخلَ في حَجٍّ أو عُمْرَةٍ تَطَوعًا وَجَبَ عليه إتمامُهَا، وإن كان غيرَهُمَا اسْتُحِبَّ له إتمامُهُ.
وكُرِهَ قَطْعُهُ بِلا عُذْرٍ، وسُنَّ قضاؤهُ مُطْلَقًا.
وإن دَخَلَ في فَرْضِ كِفَاتةٍ أو واجِبٍ مُوَسَّعٍ كَقَضَاءِ رَمَضانَ قَبْلَ رَمَضانَ آخر، وكالمكتُوبَةِ في أَوَّلِ وقتِهَا، وكَنَذْرٍ مُطْلَقٍ، وكفَّارَةٍ، حَرُمَ خروجُهُ منه بلا عُذْرٍ، ويجب قَطْعُهُ لِرَدّ مَعْصُومٍ عن هَلَكَةٍ وإنقاذِ غَرِيقٍ ونحوِهِ، ويَجُوزُ لِهَرَبِ غَرِيمٍ وقلبُهُ نَفْلًا.
ولَيلَةُ القَدْرِ لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ مُعَظَّمَةٌ، تُرْجَى إِجَابَةُ الدُّعاءِ فيها، وهي مُخْتَصَّةٌ بالعَشْرِ الأَخيرِ من رَمَضانَ فَتُطْلَبُ فيه، وليالي الوِتْرِ آكَدُ،
الجزء: 1 - الصفحة: 226
وأَرْجَاها ليلةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، وهي أَفْضَلُ اللَّيالي حَتَى ليلةِ الجُمُعَةِ، وهو أَفْضَلُ الأَيامِ.
وَيُسَنُّ أن يَنَامَ فيها مُتَرَبِّعًا مُسْتَنِدًا إِلى شَيْءٍ، ويَذْكُرُ حاجَتَه في دُعائِهِ، وأن يكون من دُعائِهِ: "اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ العَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي" 2.
وَتَنْتَقِلُ في العَشْرِ الأَخيرِ، فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أنتِ طَالِقٌ لَيْلَةَ القَدْرِ.
إن كان قَبْلَ مُضِيِّ أول لَيلةٍ مِنَ العَشْرِ وَقَعَ في اللَّيْلَةِ الأَخِيرَةِ، وإن كانت مَضَت وقع في اللَّيْلَةِ الأَخيرةِ من العام المُقْبِل.
وَمَنْ نَذَرَ قِيَامَ لَيْلَةِ القَدْرِ، قَامَ العَشْرَ كُلَّهُ.
وَنَذْرُهُ في أثْنَائِهِ كَطَلاقٍ.
الجزء: 1 - الصفحة: 227
بَابُ الاعْتِكَافِ
وَهُوَ سُنَّةٌ مُؤكَّدَةٌ كُلَّ وَقْتٍ، وفي رَمَضانَ آكَدُ، وآكَدُهُ عَشْرُهُ الأَخيرُ، ويَجِبُ بالنَّذْرِ.
وأَقَلُّهُ سَاعَةٌ وتَكفي من نَذَرَهُ وأَطْلَقَ.
ويُسَنُّ أن لا يَنْقُصَ عن يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ، وأن يكُونَ صَائِمًا.
وشُروطُ صِحَّتِهِ سِتَّةٌ: النِّيَّةُ، وَالإِسْلامُ، والعَقْلُ، والتَّمْييزُ، والطَّهَارَةُ مِمَّا يُوجِبُ الغُسْلَ، وأن يكونَ بِمَسْجِدٍ تُقَامُ فيه الجَمَاعَةُ إن كانَ مِمَّن تَلْزَمُهُ وَأَتى عَليه وَقْتُ صَلاةٍ.
ومن المَسْجِدِ ما زِيدَ فيه، وسطحُهُ، ورحبتُهُ المَحُوطَةُ، ومَنَارَتُهُ التي هي أو بَابها فيه.
وإن نَذَرَ الاعتِكَافَ أو الصَّلاةَ بِمَسْجِدٍ من الثَّلاثَةِ تَعَيَّنَ هُوَ أو الأَفْضَلُ.
وَأَفْضَلُهَا المَسْجِدُ الحَرامُ، فَمَسجِدُ المَدينةِ، فالأَقْصى، وإن عَيَّنَ غيرَها أَجْزَأَهُ في غيرِهِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 228
وإن نَذَرَ زَمَنًا مُعينًا شَرَعَ قَبْلَ دخولِهِ وَتأَخَّر حَتَّى يَنْقَضِيَ وَتَابَعَ، ولو أَطْلَقَ.
وإن نَذَرَ عَدَدًا فَلَهُ تَفْريقُهُ ما لم يَنْوِ التَّتَابُعَ.
ولا تدخُلُ ليلةُ يَوْمِ نَذْرٍ كما لا يَدْخُلُ يوم ليلةٍ.
ومَن نَذَرَ شَهْرًا أو عَشْرًا مُطْلَقًا تَابَعَ وَدَخَلَت اللَّيالي، ومن نَذَرَ يومَينِ أو ليلتَينِ فأكثر مُتَتَابِعَةً لَزِمَهُ ما بَيْنَ ذَلِكَ من ليلةٍ أو نَهَارٍ.
وَيَبْطُلُ التّتابُعُ بالخُرُوجِ مِنَ المَسْجِدِ لِغيرِ عُذْرٍ، وبِنِيَّةِ الخُروجِ مِنْهُ، وبالوطءِ في الفَرْجِ، وبالإِنْزَالِ عن مُبَاشَرَةٍ دُونَهُ، وبالرِّدَّةِ، والسُّكْرِ، لا بالإِغماءِ.
وحيثُ بَطَلَ لَزِمَ استئنافُ منذورٍ مُتَتَابِعٍ بِلا كَفارَةٍ إن لم يكن مُقَيدًا بزمنٍ وإلَّا فَمَعَ كَفَّارَةِ يمين لفواتِ المَحَلِّ.
وَلا يَبْطُلُ بخروجِهِ لما لا بُدّ مِنْهُ كَقَضَاءِ الحَاجَةِ، والطَّهَارَةِ الواجبةِ، وإزالَةِ النَّجَاسَةِ، ولِجُمُعَةٍ تَلْزَمُهُ، ولإِتيانٍ بِمَأْكَلٍ ونحوه لِعَدَمِ خَادِمٍ، ولا يعودُ مَرِيضًا، ولا يَشْهَدُ جَنَازَةَ إلَّا بِشَرْطٍ.
ويُسَنُّ اشتغالُهُ بالقُرَبِ لا إِقراءِ قُرآنٍ وَعِلْمٍ ومُنَاظَرَةٍ فيه.
ويُكْرَهُ الصَّمْتُ إلى اللَّيْلِ، وإن نَذَرَهُ لم يَفِ بِهِ.
ويُسَنُّ لَهُ تَرْكُ لُبْسِ رَفيعِ الثِّيَابِ.
الجزء: 1 - الصفحة: 229
فَصْلٌ في حُكْمِ المَسْجِدِ
" أَحَبُّ البِلادِ إِلى اللهِ مَسَاجِدُهَا، وَأَبْغَضُها إِليه أَسْوَاقُهَا" 3.
ويُسَنُّ أن يُصَانَ كُلُّ مَسْجِدٍ عن كُلِّ وَسَخٍ، وَقَذَرٍ، وقَذَاةٍ، ومُخَاطٍ، وَتَقْلِيمِ أَظْفَارٍ، وَقَصِّ شَارِبٍ، وَحَلْقِ رَأْسٍ، وَنَتْفِ إِبْطٍ، وعن رائِحَةٍ كَرِيهَةٍ؛ مِنْ بَصَلٍ وثُومٍ ونحوِهِما، وعن إخْرَاجِ الرِّيح من الدُّبُرِ، وعن بُزَاقٍ ولو في هواهُ، وهو فيه خطيئَةٌ، فإن كانت أَرْضُه حَصْبَاءَ ونحوَها، فَكَفَّارَتُها دَفْنُها وإلَّا مَسَحَها بثَوْبِهِ أو غيرِهِ، ولا يَكْفِي تَغْطِيَتُهَا بِحَصِيرٍ، وإن لم يُزِلْها فَاعِلُهَا، لَزِمَ غيرَه إزَالَتُها ولو عَلَى حَائِطِهِ.
ويُسَنُّ تَخْلِيقُ مَوْضِعِهِ؛ فإن بَدَرَه بُصاقٌ أخذَهُ بِثَوْبِهِ.
وَتَحْرُمُ زَخْرَفَتُهُ بِذَهَبٍ أو فِضةٍ، وتَجِبُ إزَالتُه.
وتُكْرَهُ بِنَقْشٍ وصُبْغٍ وكِتَابَةٍ، وغيرِ ذَلِكَ مما يُلْهِي المُصَلِّيَ عن صَلاتِهِ غَالِبًا، وإن كانَ مِن مَالِ الوَقْفِ حَرُمَ، وَوَجَبَ الضَّمَانُ، ويُصَانُ عن تَعْلِيقِ مُصْحَفٍ أوغيرِه في قِبْلَتِه.
وَيَحْرُمُ فيه البَيْعُ والشِّرَاءُ والإِجَارَةُ، فإن فَعَلَ، فَباطِلٌ.
ويُسَنُّ أنْ يُقَالَ لَه: "لا أَرْبَحَ اللهُ تِجَارَتَكَ" 4.
الجزء: 1 - الصفحة: 230
ولا يَجُوزُ التَّكَسُّبُ فيه بِصَنْعَةٍ مِنْ خِيَاطَةٍ وغَيْرِهَا، ولو قَليلًا لِحَاجَةٍ، فلا يَجُوزُ أن يُتَّخَذَ المَسْجِدُ مَكَانًا للمَعَاشِ، ولا بَأْسَ باليَسيرِ لِغَيْرِ التَّكَسُّبِ كَرَقْعِ ثَوْبِهِ وَخَصْفِ نعلِهِ، ولا بالكِتَابَةِ، لأَنَّهَا نَوْعُ تحصيلِ عِلْمٍ.
وَيُسَنُّ أن يُصَانَ عن صَغيرٍ لا يُمَيِّزُ لِغَيْرِ مَصْلَحَةٍ ولا فَائِدَةٍ، وعن مَجْنُونٍ حَالَ جُنُونِهِ، وعن لَغَطٍ وخُصُومَةٍ، وكَثْرَةِ حَدِيثٍ لاغٍ، وَرَفْعِ صَوْتٍ بِمَكْرُوهٍ، وعن رَفْعِ الصِّبْيانِ أصْوَاتَهم باللَّعِبِ وغيرِه، وعن مَزامِيرِ الشَّيْطَانِ؛ مِنَ الغِنَاءِ والتَّصْفِيقِ، والضَّرْبِ بِالدُّفِّ، وعن اخْتِلاطِ النِّسَاءِ والرِّجَالِ فيه، وعن إِيذاءِ المُصَلينَ وغيرِهم بِقَوْلٍ أو فِعْلٍ.
وَيُمْنَعُ السَّكْرانُ من دُخُولهِ، ونَجِسُ البَدَنِ عنِ اللُّبْثِ فيه، ولا بَأْسَ بالمُنَاظَرَةِ في مَسَائِلِ الفِقْهِ فيه، إذا كانَ القَصْدُ طَلَبَ الحَقِّ، فإن كَانَتْ مُغَالَبَةً ومُنَافَرَةً دَخَلَ في الجِدَالِ المَنْهِى عنه، ولم يَجُزْ في المَسْجِدِ ولا غيرِه.
ويُسَنُّ أن يُصَانَ عن المرورِ فيه؛ فَلا يُجْعَلَ طَرِيقًا إلَّا لِحَاجَةٍ، كَكَوْنِهِ طَريقًا قَريبًا.
ويُسَنُّ صَوْنه عن عَمَلِ سَمَاعٍ، وإنْشَادِ ضَالَّةٍ، وأن يَقولَ لَهُ سَامِعُهُ: "لا وَجَدْتَها، ولا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ" 5، وعن إِقَامَةِ حدٍّ، وعن سَلِّ سَيْفٍ، ونحوِه.
الجزء: 1 - الصفحة: 231
ويُكْرَهُ فيه الخَوْضُ والفضُولُ، وحَدِيثُ الدُّنيا، والارْتِفَاقُ بِهِ، وإخْراجُ حَصَاهُ وتُرابِه للتَبَرُّكِ بِهِ وَغَيْرِهِ، ولا يَجُوزُ أن يُغْرَسَ فيه شَيءٌ، ويُقْلَعُ مَا غُرِسَ فيه ولو بعد إيقَافِهِ.
وَيَحْرُمُ الجِمَاعُ فيه، والبَوْلُ ولو بإناءٍ، وَفَصَدٌ، وحِجَامَة، وقيءٌ ونحوُهُ، وإن بَالَ خَارِجَهُ وجسدُهُ فيه دُونَ ذَكَرِهِ كُرِهَ.
ويُبَاحُ فيهِ الوُضُوءُ والغُسْلُ بِلا ضَرَرٍ إلَّا أن يحصُلَ مَعَهُ بُصَاقٌ أو مُخَاطٌ.
ويُبَاحُ قَتْلُ القَمْلِ والبراغيثِ فيه إن أَخْرَجَهُ وإلَّا حَرُمَ إلقاؤهُ فيه.
وَيُمْنَعُ الكَافِرُ مِن دُخُولِ الحَرَمَيْنِ وَمَسَاجِدِ الحِلِّ ولو بِإِذْن مُسْلِمٍ.
وَيَجُوزُ دخُولُ ذِمِّيٍّ اسْتُؤْجِرَ لِعِمَارَتِها.
وإذا دَخَلَهُ وَقْتَ السَّحَرِ فلا يَتَقَدَّمُ إلى صَدْرِهِ؛ لأَن المَلائِكَةَ تكونُ قَبْلَ الصُّبْحِ في الصَّفَ الأَوَّلِ.
وَيُكْرَهُ السُّوَالُ والتَّصَدُّقُ على السَّائِلِ فيهِ لا عَلَى غَيْرِه، وَيَضَعُ نعلَيهِ بِلُطْفٍ، ولا يَرْمِ بهِمَا على وَجْهِ الكِبْرِ والتَّعَاظُمِ، ويَحْرُمُ أن يؤذِيَ بِهِمَا أَحَدًا، وإن كان ذَلِكَ سَبَبًا لإِتلاف شيءٍ ضَمِنَهُ.
ويُسَنُّ كَنْسُهُ يَوْمَ الخَمِيسِ، وإخْرَاجُ كُنَاسَتِهِ، وَتَنْظِيفُه وتَطْيِيبُه فِيهِ، وتبخيرُهُ في الجُمَعِ، وَشَعْلُ القَنَادِيلِ فيه كُلَّ لَيْلَةٍ بِقَدْرِ الحَاجَةِ، ويُكْرَهُ بِأَكْثَرَ.
الجزء: 1 - الصفحة: 232
وَيَشْتَغِلُ في المَسْجِدِ بالصَّلاةِ والقِرَاءَةِ والذِّكْرِ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، ويُكْرَهُ أن يُسْنِدَ ظهرَهُ إِليها، وأن يُشَبِّكَ أصابِعَه فيه، أو يُفَرْقِعَهَا.
ويُبَاحُ اتِّخَاذُ المِحْرَابِ فيه، وفي المَنْزِل.
ويُضْمَنُ المَسْجِدُ بالإِتْلافِ وبالغَصْبِ.
وَيَحْرُمُ أن يُبْنَى مَسْجِدٌ إلى جَنْبِ مَسْجِدٍ إلَّا لِحَاجَةٍ كضيقِ الأَوَّلِ ونحوِهِ.
ويُكْرَهُ تَطْيينُهُ وبناؤه بِنَجِسٍ.
وإذا لم يَبْقَ من أهلِ الذِّمَّةِ في القَرْيَةِ جَازَ أن تُتَّخَذَ الكنيسَةُ مَسْجِدًا.
ويُكْرَهُ لِغَيْرِ الإِمَامِ مُداوَمَةُ مَوضِعٍ منه لا يُصَلِّي إلَّا فيه، فإن دَاوَمَ، فَلَيْسَ هو أَوْلى من غيرِه بِهِ، فإذا قامَ منه فلغيرِهِ الجلوسُ فيه.
ولَيْسَ لأَحَدٍ أن يُقِيمَ مِنْهُ إنْسَانًا ويَجْلِسَ أو يُجْلِسَ غيرَهُ مكَانَهُ، إلَّا الصَّبِيَّ ونحوَهُ، فَيُؤَخَّرُ عن المكانِ الفَاضِلِ.
وإذا سَرَّحَ شَعْرَهُ فيه وجَمَعَهُ فلم يَتْرُكْ منه شيئًا فلا بَأْسَ وإلَّا كُرِهَ، والله أعلم.
الجزء: 1 - الصفحة: 233