مختصر الإفادات في ربع العبادات والآداب وزياداتصفحات 101-140

ويُبَاحُ بقراءةٍ وتكبيرٍ ونحْوِه.
ويُكْرَهُ بِنَحْنَحَةٍ وصَفِيرٍ، كتَصْفيقِه وَتَسْبيحِها، وصَفَّقَتِ امْرَأةٌ بِبَطْنِ كَفِّها على ظَهْرِ الأُخرى، وإن كَثُرَ بَطَلَتْ.
وَلو عَطَسَ فقال: "الحَمْدُ للهِ"، أو لَسَعَهُ شَيءٌ فقال: "بِسْمِ اللهِ"، أو سَمعَ أوَ رَأَى ما يَغُمُّهُ فقال: "إِنّا للهِ وإِنَّا إِليه راجعون"، ونحوِ ذَلِكَ كُرِهَ وَصَحَّتْ.
وكذا لو خَاطَبَ بشيءٍ من القرآن كقوله لِمُستَأذنٍ عليه: ﴿ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ (46)﴾ [الحجر: 46].
وإن بَدَرَهُ مُخاطٌ أو بُزَاقٌ ونحوُه في المَسْجِدِ، بَصَقَ في ثوْبِهِ، وفي غيرِهِ عن يسارِه تحت قدمِهِ اليُسْرى، وفي ثَوْبِهِ أَوْلى إن كان في صلاةٍ، وكُرِهَ أمامَه وعن يمينهِ مُطْلَقًا.
وَتُسَنُّ صلاةُ غير مَأْمُومٍ إلى سُتْرَةٍ من جِدارٍ أَوْ شيءٍ مِثْلِ آخِرَةِ الرَّحْلِ طولَ ذراعٍ فأكْثَرَ، وأن يقرُبَ منها قَدْرَ ثلاثةِ أَذْرُعٍ من قَدَمَيْه، وانحِرافُه عنها يَسيرًا.
فإن تَعَذرَ شاخِصٌ وتَعَذرَ غَرْزُ عَصا ونحوِه خَطَّ خَطًّا كالهِلالِ.
ولا تُجْزِئُ مَغْصُوبَة فتُكرهُ الصَّلاةُ إليها وتجزئُ نجسةٌ.
ولا يُكْرَهُ المرورُ وراءَ السُّتْرَةِ، وإن مرَّ بينَهُ وبينَهَا أو لم تَكُن فَمَرَّ بين يديهِ قَرِيبًا مِنْهُ قدرَ ثلاثةِ أَذْرُع كَلْبٌ أَسْوَد بَهيمٌ وهو ما لا لَونَ فيه سِوَى السَّواد بَطَلَت صلاتُهُ، ولا تَبْطُلُ بمرورِ شيءٍ غَيْرِهِ.

فَصْلٌ

أركانُها أربعةَ عَشَرَ وهي: القِيَامُ في فَرْضٍ لِقَادِرٍ سِوَى عُرْيانٍ، وخائفٍ، ولِمُدَاوَاةٍ، ونحوِه.
وَحدُّهُ ما لم يَصِرْ راكعًا.
والرُّكْنُ منه الانتِصابُ بِقَدْرِ تكبيرةِ الإحْرام، وقِراءَةِ الفَاتِحَةِ في الرَّكْعَةِ الأُولى، وبِقَدْرِ قراءَةِ الفَاتِحَةِ فيما بَعْدَها، وبقدرِ التَّحْريمَةِ في حَقِّ مَنْ أَدْرَكَ إمامَهُ في الرُّكوعِ.
وتكبيرَةُ الإِحرامِ.
وقراءَةُ الفَاتِحَةِ على غَيْرِ مَأْمُومٍ.
والرُّكوعُ.
والاعتدالُ عنهُ، ولا يَضُرُّ تطويلُهُ.
والسُّجُودُ.
والاعتدالُ عَنه.
والجلوسُ بين السَّجْدَتَيْن.
والطُّمَأْنينَةُ في هذهِ الأَفْعَالِ بِقَدْرِ الذِّكْرِ الوَاجِبِ لذاكِرِه، ولناسِيه بِقَدْرِ أدنَى سُكون.
والتَّشَهُّدُ الأَخيرُ، والرُّكْنُ مِنْهُ ما يُجْزِئُ في التَّشَهُّدِ الأَوَّلِ، وهو: "التَّحِيّاتُ للهِ، سَلامٌ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ، سَلامٌ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلهَ إلَّا اللهُ، وأَنَّ مُحَمَّدًا رسُول الله - أَو عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ -".

والصَّلاةُ على النَّبِيِّ عليه السلام بَعْدَهُ، والرُّكْنُ مِنْهُ: "اللَّهُمَّ صَلِّ عَلى مُحَمّدٍ".
والجلوس لَهُ.
والتَّسْليمَتانِ إلَّا في صَلاةِ جنازَةٍ، فالثانيةُ مُبَاحَةٌ فيها، وفي نافِلَةٍ فهي سُنَّةٌ.
والتَّرتِيبُ.
وواجباتُها ثمانية: تكبيرُ الانتقَالِ في محلِّهِ، فَلَوْ شَرَعَ فيه قبلَ انْتِقَالِه أو كَمَّلَه بعد انْتِهَائِه، لم يُجْزِئْه كَتكميلِه واجِبَ قراءةٍ رَاكعًا، وشروعِهِ في تَشَهُّدٍ قَبْلَ قُعودِهِ، لكن مَنْ أَدْرَكَ الإِمامَ رَاكعًا فالتكبيرةُ الثانية سُنَّةٌ لَهُ، والتَّسْمِيعُ للإمَامِ والمُنْفَرِد، والتَّحْمِيدُ لِلكُلِّ.
وَتَسْبيحُ رُكوعٍ، وسُجودٍ، "ورَبِّ اغْفِرْ لي" مَرَّةً مَرَّةً، وَتَشَهُّدٌ أَوَّلٌ على غير مأمومٍ قامَ عنه إِمَامُهُ سَهْوًا، والجلوسُ له، وما عدا ذَلِك سُنَنُ أقوالٍ وأفعالٍ وهَيْئاتٍ.
فَسُنَنُ الأَقوالِ سَبْعَةَ عَشَرَ: دُعاء الاسْتِفْتَاحِ، والتَّعوذُ، والبَسْمَلةُ، والتَّأْمِينُ، وقراءةُ السُّورة في فَجْرٍ وجُمُعَةٍ وعيدٍ وأولَيَيْ غيرِ فجْرٍ وتَطَوعٍ كُلِّهِ، والجَهْرُ والإِخْفَاتُ، وَقَوْلُ: "مِلْءَ السَّماءِ".
بعدَ التَّحْميدِ، وما زادَ على المرَّةِ في تَسْبِيح ركوعٍ وسجودٍ، وفي سُؤال المَغْفرَةِ، والدُّعاءِ في التشهدِ الأَخير، والصلاةُ فيه على آله عليه السَّلامُ، والبَرَكةُ فيه عليهِ وعليهم، وما زادَ على المُجزِئِ في التَّشَهُّدِ، والقُنوتُ في الوِتْرِ.

وسُنَنُ الأفعالِ مع الهَيْئَاتِ خَمْسٌ وأربعون وهي: رَفْعُ اليَدَيْنِ عِنْدَ الإِحرامِ وعند الرُّكوعِ والرَّفع مِنْه، وَحَطُّهُمَا عَقِبَ ذَلِكَ، وقَبْضُ اليمين على كُوع الشِّمَالِ وَجَعْلُهما تحتَ سُرَّتهِ، والنَّظَرُ إلى مَوْضِع سُجودِه، وَتَفْرِيقُه بينَ قَدَمَيْه في قيامِهِ، ومُراوحَتُه بينَهما قَليلًا.
والجَهْرُ والإِخْفَاتُ، وترْتيلُ القِرَاءَةِ والتَّخْفيفُ فيها للإِمامِ، والإِطالَةُ في الأولى، والتَّقْصيُر في الثَّانِية.
وَقَبْضُ رُكْبَتَيْه بيَدَيْهِ في الرُّكوع، وَمَدُّ ظَهْرِهِ فيه، وَجَعْلُ رَأْسِه حيالَه، والبَداءةُ بوَضْع رُكْبَتَيْه قبلَ يَدَيْه في سجودِهِ، ورفْعُ يَدَيْه أَوَّلًا في القيام.
وَتَمْكينُ كُلِّ جَبْهَتِه وأنْفِهِ، وَكُلِّ بقيّةِ أعضاءِ السُّجودِ مِن الأَرْضِ في سُجوده.
ومُجافاةُ عَضُديْه عن جَنْبَيْه وَبَطْنِه عن فَخِذَيْه، وفَخِذَيْه عن ساقَيْه.
والتَّفْرِيقُ بينَ رُكبتيهِ وإقامَةُ قَدَمَيْه، وجَعْلُ بُطونِ أصابِعِهما على الأَرْضِ مُفَرّقَةً فيه وفي الجلوس.
وَوَضْعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبيْهِ مَبْسوطَةً، وَتَوْجيهُ أصابِعهما مَضْمُومَةً نحو القِبْلة فيه.
ومُبَاشَرَةُ المُصَلَّى بأعضاءِ السُّجودِ وَعَدَمُها بالرُّكبتينِ، وقيامُهُ إِلى الركَّعَةِ على صدورِ قَدَميه معتمدًا على رُكبَتيهِ بيديه، والافتراشُ في مَحَلِّه والتَّورُكُ في مَحلِّه، ووضعُ اليَدينِ على الفَخِذَينِ في التَّشَهُّدِ بصفتِهِ المُتقَدِّمَة، والإِشارةُ بسبّابة اليُمنى عند ذِكْرِ اللهِ، والتفاتُهُ في تسليمهِ وتفضيلُ الشِّمَالِ على

اليمينِ فيه، ونيتُهُ به الخروجَ من الصَّلاة، والخشوعُ وهو مَعْنًى يقومُ بالنَّفْسِ يظْهَرُ مِنْهُ سُكونُ الأَطرافِ.
تنبيهٌ: الرُّكْنُ ما كانَ داخِلَ الماهية، والشَّرطُ ما كانَ خَارِجَهَا ويَبْقى إلى انْقِضَائها، ولا يسقُطُ واحدٌ مِنهما عمدًا ولا سَهْوًا ولا جَهْلًا.
والواجِبُ ما كان داخِلَها ويسقُطُ سَهْوًا وَجَهْلًا، والسُّنَّةُ تسقطُ مُطْلقًا، ولا يُشْرَعُ لها السُّجودُ مُطلقًا، وإن سَجَدَ فلا بَأْسَ.
فائدة: ولا يُشْتَرطُ أن يَعرِفَ المُصلي الشَّرْطَ من الرُّكْنِ، فإذا اعتقدَ الفَرْضَ سُنَّةً أو عكسَهُ أو لم يَعْتَقِدْ شيئًا وأدَّاهَا على ذلك وهو يَعْلمُ أن ذَلِكَ كُلَّهُ من الصَّلاة صَحَّتْ.

بَابُ سُجُودِ السَّهُوِ

يُشْرَعُ للسَّهْوِ لا للعَمْدِ لِزِيَادَةٍ ونَقْصٍ وشَك في كُلِّ صلاةٍ ذاتِ رُكوعٍ وسجودٍ، لا لحديثِ نَفْسٍ وكثْرَةِ وَسواسٍ.
فَمتَى زادَ من جِنْسِ الصَّلاةِ قِيَامًا أَو قُعودًا أَو رُكوعًا أَو سُجُودًا عَمْدًا، بَطَلَت، وَسَهْوًا - وَلَوْ قَدْرَ جلسَةِ الاسْتِراحَةِ - سَجَدَ.
وَمَتَى ذَكَر، عَادَ إلى تَرْتيبِ الصَّلاةِ بِغيرِ تَكْبيرٍ.
وإن زَادَ رَكْعَةً قَطَعَ متى ذَكَرَ وَبَنى، ثُمَّ إن كانَ تَشَهَّدَ سَجَدَ وسَلَّمَ، ولا يعتَدُّ بِهَا مَسْبُوقٌ، ولا يَصِحُّ أَنْ يُدْخِلَ مَعَهُ فيها من عَلِمَ أنَّها زَائِدَةٌ.
وإن كانَ إمامًا أو مُنْفَرِدًا فنبّهَهُ ثِقَتانِ لَزِمَهُ الرُّجُوعُ وَلَوْ ظَنَّ خَطأهُما، ما لم يَتيَقنْ صوابَ نَفْسِه فَيَعْمَلَ بيقينِهِ، أو يَخْتَلِفْ عليه المُنَبِّهون فيَسْقُطَ قَوْلُهُم، ولا يَلْزَمُه الرُّجوعُ إلى فِعْلِهم من غَيْرِ تَنْبِيهٍ.
فإن لم يَرْجِعْ إمامٌ إلى قول الثِّقَتَيْنِ، فإن كان عَمْدًا وكان لجبْرانِ نَقْصٍ كما إذا لَمْ يَرْجع لِتدَارُك الواجب لم تَبْطُلْ، وإلَّا بَطَلَتْ صَلاتهُ

وصلاةُ المأمومِ، وإن كانَ سَهْوًا بَطَلَت صلاتهُ وصلاةُ من تَبِعَهُ - عَالِمًا لا جَاهلًا أو نَاسِيًا - وَوَجَبَتْ مُفارَقتُهُ.
ويَرْجِعُ طائِفٌ إلى قَوْلِ ثِقَتَيْنِ.
وَلَوْ نَوى نَهَارًا رَكْعَتَيْنِ نَفْلًا فقامَ إلى ثالثةٍ سَهْوًا، فالأَفضَلُ إتمامُها أرْبَعًا، ولا يَسْجُدُ.
وله أن يَرْجِعَ وَيَسْجُدَ، وإن لم يَرْجِعَ ليلًا بَطَلَت.
وَعَمَلٌ مُتَوالٍ مُسْتكْثَرٌ عادةً، من غير جنسِ الصَّلاةِ، كمَشْيٍ وَفَتْحِ بابٍ ونحوِه، يُبْطِلُها عَمْدُه وسَهْوهُ وَجَهْلُه إن لم تَكُنْ ضَرورةٌ، ولا بأس بيسيرٍ لحاجةٍ، ويُكْرَهُ لغيرِها ولا سُجُودَ.
وإنْ أَكَلَ أو شَرِبَ عَمْدًا؛ بَطَلَ فرضُهُ مُطْلقًا، ونفلُهُ بكثيرِ شُرْبٍ عُرْفًا.
وإن كان سَهْوًا أو جَهْلًا، لم تَبْطُلْ بيسيرٍ مُطْلقًا.
ولا بَأْس بِبَلْعِ ما بَقِيَ في فيهِ، أو بينَ أسنانِهِ بلا مَضْغٍ، وبَلعُ ذَوْبِ سُكَّرٍ ونحوِه كأَكْلٍ.
وإن أتى بقوْلٍ مشْروعِ في غيرِ محلِّه - غيرَ سلامٍ - كالقِرَاءةِ في السُّجودِ والقُعود، والتَّشَهُدِ في القيامِ ونحو ذلك، لم تَبْطُلْ.
ويُسَنُّ السُّجود لِسَهْوِه.
وإِن سَلَّمَ قبل إتمَامِهَا عمدًا بَطَلَت.
وإن كان سَهْوًا ثُمَّ ذَكَرَ قرِيبًا عُرْفًا أتمَّها وَسَجَدَ، ولَوْ خَرَجَ من المَسْجِدِ.
فإن لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى قَامَ، فعليهِ أن يَجْلِسَ لِينْهَضَ إلى إتمَامِها

عن جُلوسٍ مع النِّيَّة.
وإن لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى شَرَعَ في غيرها قَطَعَها.
وإن كان سَلامُهُ ظَنًّا أن صَلاتَه قد انْقَضَتْ فَكَذَلِكَ.
فإن طَالَ الفَصْلُ أَو أَحْدَثَ أو تَكَلَّمَ لغيرِ مَصْلَحَتِها بَطَلَتْ.
وإن تَكَلَّمَ يَسيرًا لِمَصْلَحَتِها لم تَبْطُلْ.
والاحتياطُ إعادَتُها.
وإِن سَلَّمَ من رُباعية يَظُنُّها فَجْرًا أَو جُمْعةً أو التَّراويح، ثُمَّ ذَكَرَ بَطَل، وَتَقدَّمَ في النِّيَّةِ.
وإن تَكلَّمَ المُصَلّي مَغْلُوبًا على الكَلامِ، مِثْلَ إن سَلَّم سَهْوًا، أو نَامَ فَتكلَّمَ، أو سَبَقَ على لِسَانِه حالَ قِراءتِه كلِمَةٌ من غير القُرآنِ، أو غَلَبَه سُعَالٌ أو عُطاسٌ أو تثاؤُبٌ لم تَبْطُلْ، وإن قَهْقَهَ بَطَلَت، وإن لم يَبِنْ حَرْفَان، وإن تَكَلَّمَ أو نَفَخَ أو انْتَحَبَ، لا من خَشْيَةِ اللَّهِ، أو تنحْنَح بلا حَاجَةٍ فَبَانَ حَرْفَانِ بَطَلَتْ.
ويُكْرَهُ اسْتِدْعاءُ البُكاءِ كالضَّحِكِ.

فَصْلٌ

مَنْ نَسِيَ رُكْنًا غيرَ التَّحْرِيمَةِ فَذَكَرَ بعدَ شروعِهِ في قِراءَةِ ركعَةٍ أُخْرَى بَطَلَت التي تَرَكَهُ منها وصارت التي قَرأَ لها مكانَهَا.
فإن رَجَعَ عالمًا عَمْدًا، بَطَلَت صَلاتُهُ.
وقبلَه، عادَ فأتَى بِهِ وبما بعدَه، فإن لم يَعُدْ عَمْدًا بَطَلَت، وسَهْوًا أو جَهْلًا، تبطُلُ الرَّكعةُ، وبعد السَّلام فَكَتركِ ركعةٍ.

فإن كانَ المَتْروكُ تَشهُدًا أخيرًا أو سَلامًا، أَتَى به وَسَجَدَ وَسَلَّمَ.
وإن نَسِيَ أَرْبَعَ سَجَدَاتٍ من أرْبَعِ رَكَعَاتٍ فَلَمْ يَذْكُر حَتَى قَرَأَ في خامسةٍ فهي الأُولى، وقبله يسجُدُ سجدةً فَتُصْبِحُ له رَكعةٌ ويأتي بثلاثٍ، وبعد السَّلامِ تَبْطُلُ.
وإن نَهَضَ عن التَّشَهُّدِ الأَولِ نَاسِيًا لَزِمَ رجوعُهُ.
وكُرِهَ إن اسْتَتَمَّ قائمًا، وَحَرُمَ إن شَرَعَ في القِراءَةِ، وَبَطَلَت بشروعه صلاةُ غيرِ نَاسٍ وَجَاهِلٍ، ويَلْزَمُ المأمومَ متابَعَتُهُ، وكذا كُلُّ واجِبٍ، فَيَرجِعُ إلى تَسْبِيحِ رُكوعٍ وسجودٍ قبل اعتدالٍ لا بَعْدَهُ، وإنْ لَمْ يَرْجِعْ لِتدارُكِ الواجبِ حَرُم ولم تَبْطُل، وعليه السُّجُودُ لِلكُلِّ.
وإن ذَكَرَ تركَ رُكْنٍ وجَهلَ محلَّهُ بَنَى على الأَحْوَطِ؛ فلو ذَكَرَ في التَّشَهُّدِ أَنّهُ تَرَكَ سَجْدَةً لا يَعْلَمُ هي من الأُولى أو الثانيةِ؟ جَعَلَها من الأُولى، وأَتَى بِرَكْعَةٍ، وإن تَرَكَ سَجْدَتَين لا يَعْلَمُ أَهُما من ركعةٍ أو ركعتينِ سَجَدَ سَجْدَةً فَحَصَلَت لَهُ ركعةٌ.
وإن ذَكَرَهُ بعد شُروعِهِ في قراءةِ الثَّالثة لَغَتِ الأَوَّلتَانِ.
وإن تَرَكَ سَجْدَةً لا يَعْلَمُ من أَيِّ ركعةٍ هي؟ أتَى برَكْعةٍ.
ولو جَهِلَ عَيْنَ الرُّكْنِ المَتْروكِ، بَنَى على الأَحْوَطِ أيضًا، فإن شَكَّ في القِراءةِ والرُّكوع، جَعَلَهُ قِرَاءَةً، أو الرُّكوعِ والسُّجودِ، جَعَلَهُ رُكوعًا.

وإن تَرَك آيَتَيْن مُتواليتيْن من الفاتِحَةِ جَعَلَهُما من ركعةٍ، وإن لَمْ يَعْلَمْ تَواليَهما، جَعَلَهُما من رَكْعتين.

فَصْلٌ

من شَكَّ في رُكْنٍ أو عَدَدِ ركعاتٍ بنى على اليقينِ، وهو الأَقَلُّ، ويأْخُذُ مأمومٌ عند شكِّهِ بفعل إمامِهِ إذا كان المأمومُ اثنينِ فأكثر، وفي فِعْلِ نفسِهِ يَبْني على اليقين.
فلو شَك هل دَخَلَ معه في الأُولى أو الثَّانيةِ؟ جَعَله في الثَّانية.
ولو أَدْرَكَ الإِمامَ راكِعًا، ثُمَّ شَكَّ بعد تَكْبيره في رَفعِ الإِمامِ رأْسَهُ قبل إدراكِه راكعًا، لم يَعْتَدّ بتلك الرّكْعَة.
وحيثُ بَنَى على اليَقينِ أتَى بِمَا بَقِيَ عليه وسَجَدَ للسَّهْوِ، والمأمومُ يأتي بِذَلِكَ بعد سَلامِ الإِمامِ ولا أثَرَ لِشَكِّه بعد سَلامِه.
وكذلك سائرُ العِباداتِ لا أثَرَ لِشَكِهِ بعد فَرَاغِهَا.
ولا يَسْجُدُ لِشَكِّهِ في تَرْكِ واجِبٍ ولا لِشَكِّه في زيادة إلَّا إذا شك وقت فعلها، ولا لِشَكِّهِ إذا تَبَيَّنَ أنَّهُ مُصِيبٌ.
وإن سَجَدَ لِشَكِّهِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أنَّهُ لَمْ يَكُنْ عليه سجودٌ سَجَدَ لذلك، وَلَوْ شَكَّ هَلْ سَجَدَ للسَّهْوِ أو لا؟ سَجَدَ.
وليسَ على المأمُوم سُجودُ سَهْوٍ، إلَّا أن يَسْهُو إمامُه فيَسْجُدَ معه، ولو لم يَكُن أَتَمَّ تَشَهُّدَهُ، ثُمَّ يُتِمُّهُ بعدَهُ، فلو قامَ بعد سَلامِ إمامِهِ، رَجَعَ فَسَجَدَ معَه، إن لم يَكُنْ شَرَعَ في القِراءَةِ.

وإن أدْرَكَهُ في آخِرِ سَجْدَتَيْ السَّهْو سَجَدَ مَعَهُ.
فإذا سَلَّمَ أتى بِالثَّانِيَةِ ثُمَّ قَضَى صلاتَهُ، وَإنْ أَدْرَكَهُ بَعْدَهُما وقَبْلَ السَّلامِ، لَمْ يَسْجُد.
ويَسْجُدُ مَسْبُوقٌ لِسَلامِهِ مَعَهُ سَهْوًا، ولِسَهْوِهِ مَعَهُ، وفيما انفرَدَ بِه، وإن لم يَسْجُدْ مَعَهُ سَجَدَ آخِرَ صَلاتِهِ.
وإن أَيِسَ المأْمُومُ من سجودِ الإِمامِ سَجَدَ بعد سَلامِهِ، ويسجدُ المسبُوقُ إذا فَرَغَ.
تَنْبِيهٌ: وهو واجِبٌ، ومسنونٌ، ومُبَاحٌ.
فواجبٌ لِما يُبطلُ عَمْدُهُ الضَلاةَ، ولِلَحْنٍ يُحِيلُ المَعْنَى، سَهْوًا أو جَهْلًا، ومندوبٌ لإِتيانٍ بقولٍ مشروع في غيرِ مَحلِّهِ، ومُبَاحٌ لِتَرْكِ سُنَّةٍ، وَتَقَدَّمَ بيان ذلك كُلِّه.
ومَحَلُّه قَبْلَ السَّلامِ نَدْبًا، إلَّا إن سَلَّم عن نَقْصِ رَكْعةٍ فأكثَرَ فبعدَهُ ندبًا.
فإذا ترَكَ المشروعَ قَبْلَهُ أتى به بعدَهُ ما لم يَطُلِ الفصلُ عُرْفًا أو يَخْرُجْ من المَسْجِد أو يُحْدِثْ، وإن شَرَعَ في أُخرى قَضَاهُ إذا سَلَّمَ.
فإن لي يَأْتِ بِهِ عَمْدًا وهو واجبٌ بَطَلَت.
وإن تَرَكَ المَشْرُوعَ بَعدَه قَضَاهُ كَذلِك.
فإن لم يَفْعَل عَمْدًا لم تَبْطُل، لأَنه واجبٌ لَها مُنْفَرِدٌ عنها كالأَذَانِ.

ويَكْفي لِجَمِيعِ السَّهْوِ سَجْدَتانِ ولو اختلف محلُّهُ، ويُغَلَّبُ ما قَبْلَ السَّلامِ، وإن شَكَّ في مَحَلِّه سَجَدَ قَبْلَهُ.
تنبيهٌ: مَتَى سَجَدَ بَعْدَ السَّلامِ كَبَّرَ وَسَجَدَ سَجْدَتين ثُمَّ جَلَسَ فتشهَدَ وجُوبًا التَّشَهُد الأَخيرَ ثُمَّ سَلّمَ، ولا يَتَوَّرك في ثُنَائِيَّةٍ.
وقبلَهُ يَسْجُدُهُما بعد تشهُّدِهِ ثُمَّ يَجلسُ فَيُسَلِّم، وهُما وما يقالُ فيهما وبينَهُما كَسجود صُلْبِ الصَّلاةِ 1.

بَابُ صَلاةِ التَّطَوُّعِ

هِيَ آكَدُ تطوعاتِ البَدَنِ بَعْدَ جهادٍ فتوابِعِهِ، فَعِلْمٌ - تَعلُّمُهُ وتَعْلِيمُهُ - من حَدِيثٍ وفِقْهٍ ونحوِهِمَا.
ثُمَّ بعدها ما تَعَدَّى نَفْعُهُ؛ من عِيَادَةِ مَريضٍ، وقَضاءِ حَاجةِ مُسْلِمٍ، وإصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ، ونحْوِهِ، وهو مُتَفاوتٌ، فَصَدَقَةٌ على قَريبٍ مُحْتاجٍ أفْضَلُ من عِتْقٍ، وعِتْق أفْضَلُ منها على أَجْنَبيٍّ إلَّا زَمَنَ غَلاءٍ وحاجَةٍ.
ثُمَّ حَجٌّ، ثُمَّ عِتْقٌ، ثُمَّ صَوْمٌ.
وأفضلُهَا ما يُسَنُّ جماعةً، وآكدُها كسُوفٌ فاستسقاءٌ فتراويحٌ فَوِتْرٌ.
ولا يجب إلَّا على النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَفْضَلُ الرَّاتِبَةِ سُنَّةُ فَجْرٍ، ثُمَّ سُنَّةُ مَغْرِبٍ، ثُمَّ سَواءٌ.
ووقتُ الوِتْرِ ما بَيْنَ صلاة العِشَاءِ وطلوعِ الفَجْرِ، وَفِعْلُهُ آخِرَ الليلِ أَفْضَلُ إن وَثِقَ من قيامِهِ فيه.

وأَقَلُّهُ رَكْعَةٌ، وأَكْثرُهُ إحدى عَشْرَةَ، يُسَلِّمُ من كُلِّ رَكْعَتَيْنِ، ويُؤتِرُ بِرَكْعَةٍ عَقبَ الشَّفْعِ بلا تَأْخِيرٍ نَدْبًا.
وإن صَلَّاها بِسَلامٍ أو سَرَدَ عشرًا وَتَشَهَّدَ، ثُمَّ قَامَ فأتَى بِرَكْعَة جَازَ، وكذا ما دونَها.
وإن أَوْتَرَ بِتِسْع، سَرَدَ ثمانيًا نص عليه، وَتَشَهَّدَ ثُمَّ [أتى] 1 بالتَّاسِعَة، وَتَشَهَّدَ وَسَلَّم.
وإن أوْتَرَ بِسَبْعٍ أوْ خَمْسٍ، فالأَفْضَلُ سَرْدُهُنَّ.
وأَدنى الكَمَالِ ثلاثٌ بِسَلامَيْنِ، ويجوزُ بِسَلامٍ واحدٍ كالمغربِ، وسردًا.
وَمَنْ أَدْرَكَ مَعَ الإِمامِ ركعةً فإن كان سَلَّمَ من ثنتين أَجْزَأَ وإلَّا قَضَى.
وَيَقْرَا في الأُولى: ﴿سَبَّحَ﴾، وفي الثانية ﴿الْكَافِرُونَ﴾، وفي الثالثة: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)﴾.
ويَقْنُت فيه جَميع السَّنَةِ بعد الرُّكوع.
فَلَوْ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَنَتَ قبلَه، جَازَ.
فَيَرْفَعُ فيه يَدَيْهِ إلى صَدْرِهِ، وَيَبْسُطُهُمَا وبُطُونُهما نحوَ السَّماء، فيقولُ جَهرًا: "اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُكَ، وَنَسْتَهْدِيكَ، وَنَسْتَغْفِرُكَ، ونتوبُ إلَيْكَ، ونُؤْمِنُ بِكَ، وَنتَوَكَّلُ عَلَيْكَ، وَنُثْني عَلَيْكَ الخَيْرَ كُلَّهُ،

نَشْكُرُكَ ولا نكفُرُكَ، اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ، وَلَكَ نُصَلِّي وَنَسْجُدُ، وَإِلَيْكَ نَسْعَى وَنَحْفِدُ، نَرْجُو رَحْمَتَكَ، وَنَخْشَى عَذَابَكَ، إنَّ عَذَابَكَ الجِدَّ بالكُفارِ مُلْحِقٌ 1 ". "اللَّهُمَّ اهْدِنَا فِيمَنْ هَدَيْتَ، وَعافِنَا فيمَنْ عافَيْتَ، وَتَولَّنَا فيمَن توَلَّيْتَ، وَبَارِكْ لنا فيما أَعْطَيْتَ، وَقِنَا شَرَّ ما قَضَيْتَ، إنَّكَ تَقْضِي ولا يُقْضَى عَلَيْكَ، إنَّهُ لا يَذِلُّ من وَالَيْتَ، ولا يَعِزُّ من عَادَيْتَ، تَبَارَكْتَ رَبَّنَا وَتَعَالَيْتَ" 2. "اللَّهُمَّ إنَّا نَعُوذُ بِرِضَاكَ من سَخَطِكَ، وبِعَفْوِكَ من عُقُوبَتِكَ، وبِكَ مِنْكَ، لا نُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" 3. ثُمَّ يُصَلِّي على النَّبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا بأْسَ وعلى آلِه.

ويُؤَمِّنُ مَأْمُومٌ، ويُفْرِدُ مُنْفَرِد الضَّمِيرَ، ثُمَّ يمسح وَجْهَهُ بِيَدَيْهِ هُنا وإذا دعا خَارِج الصَّلاةِ، ويَرْفَعُ يَديهِ إذا أرادَ السُّجُودَ.
ويُسَنُّ قولُهُ إذا سَلَّمَ: "سُبْحانَ المَلِكِ القُدُّوسِ" ثلاثًا.
يَرْفَعُ بِها صَوْتَهُ في الثَّالِثَّةِ، وأن يَتَكَلَّم بَيْنَ الشَّفْعِ والوترِ.
وكُرِهَ قُنوتٌ في غَيْرِهِ إلَّا أن ينزِلَ بالمُسْلِمينَ نازِلَةٌ غيرُ الطَّاعُونِ، فَيُسَنُّ لإِمامِ الوَقْتِ خَاصَّةً في غير الجُمُعَةِ.
وإن قَنَت كُلُّ مُصَلٍّ لم تَبْطُلْ صَلاتُهُ.
تنبيهٌ: ومن ائتم بمَن يقنت في فَجْرٍ أو نازلةٍ تابَعَهُ إن سَمِعَ وإلَّا دعا.
والرَّواتِبُ المُؤكَّدَةُ عَشْرُ رَكَعاتٍ ورَكْعَة الوِتْرِ، فَيُتَأَكدُ فِعْلُهُنَّ وَيُكْرَهُ تَرْكُهُنَّ.
ولا تُقْبَلُ شَهادةُ من دَاوَمَ عَلَى تركِهِنَّ؛ لِسُقُوطِ عدالتِهِ، لكن يُخَيّرُ في سَفرٍ بين فِعْلِها وتركِها، إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ ووتْر فيُفعَلانِ فيهِ.
وهِيَ رَكْعَتانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتان بعدها، وَرَكْعَتان بعد المَغْرِب، يقرأ في أولاهُما بعدَ الفَاتحةِ: (الكافرون) وفي الثانية: (الإِخلاص)، وركعتانِ بَعْدَ العِشَاءِ، وركعتانِ قَبْلَ الفَجْرِ، ويُسَنُّ تَخْفِيفُهُما، والقِراءَةُ فيهما كسُنَّةِ المَغْرِب، والاضْطِجَاعُ بعدَهما على جنبه الأَيْمَنِ.

وَيُسَنُّ قَضَاءُ الكُلِّ، ووترٍ مع شفِعِه إلَّا ما فَاتَ مع فرضِهِ وَكَثُرَ فالأَوْلَى تَرْكُهُ إلَّا سُنَّةَ فَجْرٍ، ويخيّرُ في الوِتْرِ.
ووقتُ كُلِّ راتِبَةٍ قَبْلَ الفَرْضِ من دُحْولِ وَقْتِهِ إلى فِعْلِهِ، وما بعدُهُ من فِعْلِهِ إلى آخِر وَقْتِهِ.
والسُّنَنُ التَّابِعَةُ للفَرائِضِ - غَيْرُ الرَّوَاتِبِ - عِشْرونَ: أَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ، وَأَرْبَعٌ بَعْدَها، وأربعٌ قَبْلَ العَصْر، وأَرْبَعٌ بَعْدَ المَغْرِبْ، وقال المُوفّقُ 1: سِتٌّ.
وأَرْبَعٌ بَعْدَ العِشَاءِ.
ويُسَنُّ لِمَنْ شَاءَ ثِنْتَانِ بعدَ الوِتْرِ جَالِسًا، وثنتَان بعد أذانِ المَغْرِبِ، وفِعْلُ الكُلِّ بِبَيْتٍ أَفْضلُ.
ويُسَنُّ الفَصْلُ بَيْنَ الفرضِ وسُنَّتِهِ بكلامٍ أو قيامٍ.
ولا رَاتِبَةَ للجُمُعَةِ قَبْلَها، وَأَقلُّها بعدَهَا ركعتانِ وأكثرها سِتٌّ، وفِعْلُهَا في المسجدِ مكانَهُ أَفْضَلُ.
ويُسَنُّ قَبْلَهَا أَرْبَعٌ.
والتَّرَاوِيحُ عِشْرونَ ركعةً بِرمضان، ولا بَأْسَ بالزِّيَادَةِ، وَفِعْلُها جماعةً وفي المَسْجِدِ أوَّلَ اللَّيْلِ أَفْضَلُ.
ويُسَلِّمُ من كُلِّ ثِنْتَيْنِ بنيةٍ أَوَّلَ كُلِّ ركعتين، وَيَسْتَريحُ بَعدَ كُلِّ أَرْبَع بلا دُعاءِ.

ووقتُها بين سُنَّةِ عِشاء ووترٍ، ويوتِرُ بعدها في الجَمَاعَةِ بثلاثِ رَكعاتٍ، فإن كان لَه تَهَجُّدٌ جَعَلَهُ بَعْدَه نَدْبًا، فإن أَحَبَّ متابعةَ الإِمامِ، قَامَ إذا سَلَّم فَشَفَعَها بِأُخْرَى.
وَمَنْ أَوْتَرَ ثُمَّ أَرَادَ الصَّلاة بَعْدَهُ، لم يَنقُضهُ، وصَلَّى شَفْعًا ما شاء، ولم يُوْتِرْ.
وَيُكْرَهُ النفْلُ بينَ التَّراويح، لا الطَّواف، ولا التَّعْقِيبُ، وهو النَّفْلُ بَعْدَها وبعد الوِتْر جَمَاعَةً.
والسُّنَّةُ أنْ يقرَأَ في التَّراويحِ خَتْمَةً، ولا يزيدَ إلَّا أن يُؤثرَ جماعةٌ محصورون يبتدئُهَا أولَ ليلةٍ بسورةِ القَلَمِ بعد الفَاتِحَة، فإذا قَامَ إلى الثَّانِية قَرَأَ من البَقَرة.
وَيَخْتِمُ آخِرَ لَيْلَة في آخِرَ رَكْعةٍ من التَّراوِيح، ويَدعو بِدُعاءِ القُرآنِ، وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ ويُطِيلُ ويَعِظُ بَعْدَها.

فَصْلٌ

حِفْظُ القُرآنِ فَرْضُ كِفَايَةٍ إجْمَاعًا، وهو أَفْضَلُ من سائِرِ الذِّكْرِ، ومِنْ التَّوراةِ والإِنجيلِ، وَبَعْضُهُ أَفْضَلُ من بَعْضٍ.
ويَجِبُ مِنْهُ الواجبُ في الصَّلاةِ.
وَيَبْدَأ الصَّبيَّ وليُّهُ بِهِ قَبْلَ العِلْمِ، فَيَقْرَأُهُ كُلَّهُ إلَّا أنْ يَشُقَّ، والمُكَلَّفُ يُقَدِّمُ العِلْمَ بَعْدَ حِفْظِ القِراءَةِ الواجِبَةِ مُطْلَقًا.

وَيُسَنُّ ختْمُهُ في كُلِّ أُسْبُوع، وَيَحْسُنُ في ثَلاثٍ، ولا بَأْسَ بِهِ فِيما دُونَها أحيانًا، وفي رمضان ونحوِه، ومكةَ ونحوِها.
ويُكْرَهُ تأخيرُهُ فَوْقَ أَربعين بلا عُذْرٍ.
ويَحْرُمُ إن خَافَ نِسْيَانَهُ، فنسيانُهُ، وكذا نسيانُ شيءٍ منه كَبيرةٌ كما صَرَّحَ بِهِ النَّووي في "الرَّوْضَةَ" وغيرها، لحديث أبي داود وغيره: "عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي، فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ من سُورَةٍ أَوْ آيَةٍ أُوْتيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيها" 1 وحديثه أيضًا: "مَنْ قَرَأَ القُرانَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللهَ يوم القِيَامَةِ أَجْذَمَ" 2. وقال الإِمامُ أَحمد: ما أشَدَّ ما جاءَ فِيمَنْ حَفِظَهُ ثُمَّ نَسِيَ.
ويُسَنُّ السِّواكُ والتَّعَوُّذُ قَبْلَ القِراءَةِ، وحَمْدُ الله عِنْدَ قَطْعِها على تَوْفِيقِهِ ونِعْمَتِهِ، وسؤالُ الثَّباتِ والإِخْلاص.
فإن قَطَعَها قَطْعَ تَرْكٍ وإهْمَالٍ أعادَ التَّعَوُّذَ، وإن قَطَعَهَا لِعُذْرٍ

عَازِمًا على العَوْدِ كتناوُلِ شيءٍ، وإجَابَةِ سَائِلٍ، وَلَم يَطُلْ كَفَاهُ التَّعُّوذ الأَول.
وَيَخْتِمُ في الشِّتَاءِ أَوَّلَ اللَّيْلِ، والصيف عَكْسهُ، وَيَجْمَعُ أهلَهُ وَوَلَدَه عِنْدَ خَتْمِهِ وَيَدْعُو، وَيُكَبِّرُ فَقط لِخَتْمِهِ آخِرَ كُلِّ سُورَةٍ من آخِر (الضُّحَى).
وَيُسَنُّ تَحسينُ القِراءَةِ وتَرتيلُها، ولا يجوزُ الإِخلالُ بإعرابِهَا، ويُؤَدَّبُ فَاعِلُهُ عَمْدًا لتغييرِهِ القُرآنَ.
وَالتَّفَهُمُ فيهِ وتَدَبُّرُهُ بالقَلبِ أفضَلُ من إدراجهِ كثيرًا من غَيْرِ تَفَهُّمٍ، ويُمَكِّنُ حُروفَ المَدِّ واللِّين من غير تَكَلُّفٍ.
وقِرَاءَةُ الكَلِمَةِ الوَاحِدَةِ بِقِراءَةٍ مُتواتِرةٍ لقارئٍ والأُخرى بِقِراءَة متواتِرةٍ لآخَرَ جَائِزَةٌ، مَا لم يَكُنْ في ذلك إحالةٌ لمعنى القُرْآنِ.
ولا بَأْسَ بالقِراءَةِ قائمًا ومُضْطَجِعًا، وفي الطَّريقِ، ومع نَجَاسَةِ ثَوْبٍ وَبَدَنٍ وَفَمٍ، ومع مَسِّ زَوْجَةٍ وسُرِّيَّةٍ وَذَكَرٍ.
وتُكْرَهُ في المَواضِعِ القَذِرَةِ، واسْتِدامَتُها حالَ خُروجِ الرِّيحِ، وَجَهْرُهُ بها مع الجنازَةِ.
وتُسَنُّ في المُصْحَفِ، والاسْتِماعُ لها، ويُكْرَهُ الحديثُ عَنْدَها بما لا فَائِدة فيه، وقراءةُ الأَلْحانِ؛ فإن حَصَلَ تَغْييرٌ كَجَعْلِ الحَركَات حُروفًا حَرُمَ.
وكُرِهَ رَفْعُ الصَّوْتِ بقراءةٍ تُغَلِّطُ المُصَلِّينَ.

فَاِئدَةٌ: يَجُوزُ تفسيرُ القُرْآنِ بِمُقْتَضَى اللُّغَةِ، ويَلْزَمُ الرُّجُوعُ إلى تَفسيرِ الصَّحابِي لا التَّابِعي، و "مَنْ قَالَ في القُرْآنِ بِرَأَيِهِ، أَوْ بِمَا لا يَعْلَمُ فَلْيَتبَوَّأْ مَقْعَدَهُ من النَّارِ" (1)، وأَخْطأَ وَلَوْ أَصَابَ.
ولا يجوزُ أن يَجْعَلَ القُرْآنَ بَدَلًا من الكَلامِ، مِثْلَ أن يَرى رَجُلًا جاء في وَقْتِهِ فيقول: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَى قَدَرٍ يَامُوسَى﴾ [طه: 40]، ولا النَّظَرُ في كُتُبِ أَهْلِ الكِتَابِ، وأَهْلِ البِدَعِ، والكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ على الحَقِّ والبَاطِل ولا رِوايتُها.

فَصْلٌ

يُسَنُّ النَّفْلُ المُطْلَقُ في غيرِ وَقتِ النَّهي، وتتأَكدُ صلاةُ اللَّيْل لأَنَّها أفضلُ من صَلاةِ النَّهار، وبَعْدَ النَّوْمِ أفضلُ؛ لأَنَّ النَّاشِئَة لا تكونُ إلَّا بَعْدَ رَقْدَةٍ.
والتَّهَجُّدُ إنَّما هو بَعدَ النَّوْم، فإذا اسْتَيْقَظَ ذَكَرَ الله، وقَالَ ما وَرَدَ، ثُمَّ يَسْتاكُ.
فإذا تَوَضّأَ يُسَنُّ أن يَبْتَدِئَ تَهَجُّدَهُ بركعتين خَفِيفَتيْنِ، وأن يَقْرَأَ حِزْبَهُ من القُرآنِ فيه، وأن يُغْفِي بَعدَهُ.
وأفضل اللَّيْل ثُلُثَهُ بَعْدَ نِصْفِهِ.
وكان قيام الليل واجِبًا على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.1

ويُكْرَهُ قِيَامُهُ كُله إلَّا ليلةَ عيدٍ.
وَيُسَنُّ التَّنفُّلُ بَيْنَ العشائين وإحياؤُه وهو من قِيَامِ اللَّيْلِ، لأَنَّه من المغربِ إلى طلوع الفجر الثاني.
ويُسَنُّ أن يكونَ له تَطوعاتٌ يُداوِمُ عليها، فإذا نَشِطَ طَوَّلَهَا وإلَّا خففَها، وإذا فاتَتْ يقضيها.
وأن يَقُولَ عند الصَّبَاح والمساءِ والنوم، وفي الانتباهِ، وفي السَّفَرِ وغيره ما ورد، ويأتي ذلك في الآداب.
وصلاةُ الليل والنَّهار مَثْنَى مَثْنَى، وإن تَطَوَّعَ في النَّهارِ بِأَرْبعٍ كالظُّهْرِ فلا بَأْسَ، وإن سَرَدَها جَازَ وقد تَرَكَ الأَوْلَى، يَقْرَأ في كُلِّ رَكْعَةٍ بسورةٍ بَعْدَ الفاتحة، وإن زادَ على أربع نَهارًا أو ثنتين ليلًا كُرِهَ وَصَحَّ.
والتَّطَوُعُ الذي لا تُشْرَعُ لَهُ الجَمَاعَةُ: في البيتِ أَفْضَلُ وعَدَمُ إعلانه أولى.
ويُكْرَهُ جَهْرُهُ فيه نهارًا وليلًا، يُراعِي المَصْلَحَةَ، فإنْ كان أنشَطَ في القراءَةِ أو بِحَضرته من ينتفِعُ بقراءتِهِ فهو أفضَلُ، وإن تَضَرَّرَ به أحدٌ أو خَافَ رياءً أَسَرَّ.
ولا بَأْسَ بالجَمَاعةِ فيه.
وكثرةُ الرُّكُوعِ والسُّجودِ أفْضَلُ من طُول القِيام في غير الوَاردِ.
ويُسَنُّ الإكثارُ من الاسْتِغْفارِ في السَّحَرِ.
ومن فاتَهُ تَهجُّدُهُ قَضَاهُ قبل الظُّهْرِ، وَتَنفُّلُ القَاعِدِ بلا عُذْرٍ على نصفِ أَجْرِ القائِمِ.

ويُسَنُّ لِمَنْ صَلَّى جَالِسًا أن يكون مَوْضِعَ القيام مُتَرَبِّعًا، فإذا بَلَغَ الرُّكوعَ، فإن شَاءَ قامَ ثمَّ رَكَعَ، وإن شاءَ ثَنَى رِجْلَيه وركعَ.
ولهُ القيامُ إذا ابتدَأَها جَالِسًا وعكسُهُ، ولا يَصِحُّ من مُضْطَجِعٍ بلا عُذْرٍ وله يَصِحُّ، وَيَسْجُدُ إن قَدَرَ وإلَّا أَوْمَأَ.

بَابٌ جَامِعٌ في النَّفْلِ

تُسَنُّ صَلاةُ الضُّحَى، وَوَقْتُها من ارتفاعِ الشَّمْسِ قَدْرَ رُمْحٍ إلى قُبَيْل الزَّوالِ، وفعلُهَا إِذا اشَّتَدَّ الحَرُّ أَفْضلُ.
وأقلُّها ركعتانِ وأكثرُها ثمانٍ.
وَصَلاةُ الاستِخَارَةِ إذا هَمَّ بِأَمْرٍ، فَيَرْكَعُ رَكْعَتَيْنِ مِن غيرِ الفَريضةِ، ثُمَّ يقولُ عَقِبَهُمَا بَعْدَ أن يَحْمَدَ اللهُ ويُثنيَ عليه ويُصَلِّيَ على النَّبِيّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ، وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ، وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ العَظِيمِ، فَإِنَّكَ تَقْدِرُ، ولا أَقْدِرُ، وَتَعْلَمُ وَلا أَعْلَمُ، وأنْتَ عَلَّامُ الغُيوبِ، اللَّهُمَّ إن كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمْرَ -ويُسِمِّيهِ بِعَيْنِهِ- خَيْرٌ لِي في دِيني وَمَعَاشِي وعَاقِبَةِ أَمْري -أو في عَاجِلِ أَمْرِى وَآجِلِه-، فَاقْدُرْهُ لي وَيَسِّرْهُ لي، ثُمَّ بَارِكْ لي فيهِ مع العَافيةِ، وإنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنَّ هَذا الأَمْرَ شَرٌّ لِيَ في دِينِي وَمَعَاشِي وَعاقِبَةِ أمْرِي -أو في عَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِه- فاصْرِفْهُ عَنِّي واصْرِفْني عَنْهُ، واقْدُرْ لِي الخَيْرَ حَيْثُ كانَ ثُمَّ رَضِّنِي بِه مع العَافِية" 1.

ولا يَكونُ وَقْتَ الاسْتِخَارَةِ عَازِمًا على فِعْلِ الأَمْرِ أو تَركِه؛ لأَنَّه خِيانَةٌ في التَّوَكُّلِ، ثُمَّ يَسْتَشِيرُ ويَفعلُ ما تظهَرُ فيه المَصْلَحَةُ.
وَصَلاةُ الحَاجَةِ إلى الله تعالى وآدميٍّ فَيتوضأُ ويُحْسِنُ الوضُوء، ثُمَّ يُصلي رَكْعَتين، فإذا فَرَغَ حَمِدَ الله تعالى وأَثْنَى عليه وصلَّى على النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ليقُلْ: "لا إِلهَ إلَّا اللهُ الحَلِيمُ الكَرِيمُ، لا إِلهَ إلَّا الله العَلِيُّ العَظِيمُ، سُبْحَانَ اللهِ رَبِّ العَرْشِ العَظِيمِ، الحَمْدُ لله رَبِّ العَالَمِينَ، أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِكَ، وَعَزَائِمَ مَغْفِرَتكَ، والغَنِيمَةَ مِنْ كُلِّ بِرٍّ، والسَّلامَةَ مِنْ كُلِّ إِثْمٍ، لا تَدَعْ لِي ذَنْبًا إِلَّا غَفَرْتَه، ولا هَمًّا إلَّا فَرَّجْتَهُ، ولا حَاجَة هِيَ لَكَ رضًا إِلَّا قَضَيْتَهَا يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِين" 1. وَصَلاةُ التَّوْبَةِ إذا أَذْنَبَ ذَنْبًا فَيَتَطَهَّرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْن، ثُمَّ يَسْتَغْفِرُ اللهُ تعالى ويتُوبُ مِن ذَنْبِهِ.
وصَلاةُ التَّسْبِيح عند جماعةٍ وهي أرْبَعُ رَكَعاتٍ، يَقْرَأُ في كُلِّ ركعةٍ بالفاتِحَةِ وسُورَةٍ، ثُمَّ يُسَبِّحُ وَيَحْمَدُ ويُهَلِّلُ ويُكَبِّرُ خَمْسَ عَشْرَةَ مَرَّةٍ قَبْلَ أن يَرْكَعَ، ثُمَّ يَقُولُهُنَّ في ركوعِهِ عَشْرًا، ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ منهُ عَشْرًا، ثُمَّ في سُجُودِهِ عشرًا، ثُمَّ بَعْدَ رَفْعِهِ منهُ عَشْرًا، ثُمَّ في سُجودِهِ عَشْرًا، ثُمَّ يفعلُ كَذَلِكَ في كُلِّ رَكْعَةٍ.
فيفعَلُهَا في كُلِّ يومٍ مرةَ، فإن لم

يَفْعَل ففي كُلِّ جُمعةٍ مرَّةً، فإن لم يَفْعَل ففي كُلِّ شَهْرٍ مَرَّةً، فإن لم يَفْعَل ففي كُلِّ سَنَةٍ مَرَّةً، فإن لم يَفْعَلْ، ففي العُمُرِ مَرَّةً.
وصَلاةُ تَحيَّةِ المَسْجِد، وهي رَكْعَتانِ فَأَكْثَرُ، لِكُلِّ مَنْ دَخَلَهُ، في غيرِ وقتِ نَهْي قَصَدَ الجُلُوسَ أوْ لا، إلَّا خطيبًا دَخَلَ للخُطبةِ، وقَيِّمَهُ لتكرارِ دُخُولهِ، وداخلَهُ لِصَلاةِ عِيْدٍ، ودَاخِلَ المَسْجِدَ الحرَامَ فَلا تُسَنُّ لهم، فإن جَلَس قَبْلَ فعلها قَامَ فأتَى بها إن لم يطل.
ولا تحصُلُ بصلاةِ جَنَازَةٍ وسجودِ تلاوةٍ وشُكْرٍ، بل براتِبَةٍ وصلاةِ فَرْضٍ.
ولو دَخَلَه والمُؤذِّنُ شارِعٌ في أذان غير الخُطْبَةِ أجابَهُ ثُمَّ أَتى بها، ومن دَخَلَ والإمامُ يَخْطُبُ لم يَجْلِسْ حَتَّى يُصَلِّيَها ركعتين مُوجَزتَيْنِ مَا لَمْ يَخَفْ فَوْتَ تكبيرةِ الإحرامِ.
وصلاةُ سُنَّة الوضُوءِ، وهي ركعتانِ عَقِبَ الوضُوء، ولا يَفْعَلُ شيءٌ من ذَلِكَ وقت نهي.
ويُسَنُّ إِحياءُ بَيْنَ العِشائَيْنِ كُلّ لَيْلَةٍ بصلاةٍ أو قراءةٍ أو ذكرٍ أو غيرِ ذَلِك من أنواع العبادةِ، وإحياء لَيلتي العيدينِ عند جَمَاعةٍ.
وأَما صَلاةُ الرَّغَائبِ والصَّلاةُ الأَلفيَّةُ لَيْلَة نِصْفِ شعبان فَبِدْعَةٌ لا أصْلَ لهما، وأما لَيْلَةُ النِّصْفِ من شَعْبَان، ففيها فَضْلٌ جزيل فينبغي الاجتهادُ فيها بالعِبَادَةِ مع التَّوبَةِ النّصُوحِ، ولا بَأْسَ بالصلاةِ فيها اقتداءً

بكثيرٍ من السَّلَفِ، لكن الاجتماعُ لإحيائِهَا في المَسَاجِد بِدْعَةٌ، وهي كليلة العيدِ في قيامِهَا.

فَصْلٌ سَجْدَةُ التِّلاوةِ سُنَّةٌ مُؤكَدةٌ للقارئ والمُستَمِع -وهو الذي يَقْصِدُ الاستماعَ لا السَّامِعَ وهو الذي لا يَقْصِدُهُ- ولا المُصلي لقراءَةِ غير إمامِهِ بحالٍ، ولا مَأْمومٍ لقراءَةِ نفسِهِ.
فَتُسَنُّ في الصَّلاةِ وغيرها عَقِبَ تِلاوتِهَا، ومع قِصَرِ فَصْلٍ لا مع طوله عُرْفًا.
وَيتيمَّمُ لها مُحْدِثٌ لِعُذْرٍ، والرَّاكِبُ يُومِئُ بها حيثُ كان وجهُهُ، والماشي يسجُدُ بالأَرض مُسْتقبِلًا، وهي وسجدة شُكْرٍ صلاةٌ فيعتَبرُ لهما ما يُعْتبَرُ لصلاةِ نافلةٍ من الطَّهَارَةِ وغيرها، وأن يكونَ القارئ يصلحُ إمامًا للمستَمِعِ فلا يسجُدُ قُدامَ القارئِ، ولا عن يسارِه مع خُلُوِّ يمينهِ ولا قبلَهُ، ولا رَجُل لتلاوةِ امرأة وخنثَى، ويسجُدُ لتلاوةِ أُميٍّ وَزَمِنٍ وصَبِيٍّ.
وله الرَّفْعُ قبلَ القارئِ في غير الصَّلاةِ.

وهو أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَجْدَةً: في الحَجِّ ثِنْتَانِ، وفي المُفَصَّلِ ثَلاثٌ.
وسَجْدَةُ "ص" ليست مِن عزائِم السُّجُودِ، بل سَجْدَةُ شُكْرٍ تُسَنُّ خَارِجَ الصَّلاةِ وتبطلُ بها من غيرِ جَاهِلٍ وناسٍ، وَسَجْدَةُ "حم" عند ﴿يَسْأَمُونَ (38)﴾ [

فصل

ت: 38].

ويُكَبِّرُ إذا سَجَدَ رافعًا يديهِ بلا تكبيرةِ إِحرامٍ، وإذا رَفَعَ.
وَيَجْلِسُ في غيرِ صلاةٍ ثُمَّ يُسلِّمُ واحِدَةً عن يمينه.
ويُكَرِّرُ السُّجود بتكرَارِها ويقولُ فيه ما يقولُ في سُجُودِ الصَّلاةِ، وَإِنْ زَادَ غيره مما وَرَدَ فَحَسَنٌ ومنه: "اللَّهُمَّ اكْتُبْ لِي بِها عِنْدَكَ أَجْرًا، وَضَعْ عَنِّي بِهَا وِزْرًا، واجْعَلْهَا لِي عِنْدَكَ ذُخْرًا، وَتَقَبَّلْها مِنِّي كَمَا تَقَبَّلْتَها مِن عَبْدِك دَاود" 1، والأَفضَلُ سُجودُهُ عن قِيامٍ.
ويُكْرَهُ لإمامٍ قِراءَةُ سَجْدَةٍ في صَلاةِ سِرٍّ، وسجوده لها.
فإن فَعَل لَم يَلْزم المأْمُومَ متابَعَتُهُ ولكنها أَوْلَى.
ويُكْرَهُ أن يَجْمَعَ آياتِ السُّجُودِ في ركعةٍ واحدةٍ يَسْجُدُ فيها، وأن يُسْقِطَها من قراءَتِهِ.
وَتُسَنُّ سجدةُ الشُّكْرِ عِنْدَ تجدُّدِ نِعْمَةٍ ظَاهِرَةٍ أو دَفْعِ نِقْمَةٍ ظاهِرَةٍ عَامَّتَيْنِ، أو في أمْرٍ يَخُصُّه، وإِلَّا فَنِعَمُ اللهِ في كُلِّ وقتٍ لا تُحْصَى.

وتَبْطُلُ بها صلاةُ غيرِ ناسٍ وجاهلٍ، وهي كسجدة التِّلاوةِ في أحْكَامِها.
وَمَنْ رأى مُبْتَلًى في دينِهِ، سَجَدَ بحضُورِه وغيره، وقال: "الحَمْدُ للهِ الذي عَافَانِي مِمّا ابتلاكَ بِهِ، وفَضَّلَنِي على كَثيرٍ مِمّنْ خَلَق تَفْضيلًا" (1). وإن كانَ في بَدَنه سَجَد وقال ذلك وكَتَمه منه، وسَأَلَ الله العافيةَ.
ويُكْرَهُ السُّجُودُ بلا سببٍ لا ليدعُوَ فيه، ولا يَسْجُد لِتَلاوةٍ وشُكْرٍ وقتَ نَهْيٍ.

فَصْلٌ

أَوقَاتُ النَّهْي خَمْسَةٌ: بَعْدَ طُلوعِ فَجْرٍ ثَانٍ إلى طُلوعِ الشَّمْسِ، وَبَعْدَ طُلوعِها حَتَّى تَرْتَفِعَ قَدْرَ رُمْحٍ، وعِنْدَ قِيامِها حَتَى تَزولَ، وبعدَ فَراغِ صَلاةِ عَصْرٍ حَتى تَشْرَعَ في الغروبِ، ولو جَمْعًا في وقْتِ الظُّهْرِ في حَقِّ مُصَلِّيها، وإذا شَرَعَتْ فيه حَتَّى يَتِمَّ.1

وتُفْعَلُ سُنَّةُ الصُّبْحِ بَعْدَ الفَجْرِ وقبل الصَّلاةِ.
وسُنَّةُ الظُّهْرِ بَعْدَ العَصْرِ في الجَمْعِ مُطْلقًا، ويجوزُ قضاءُ الفرائِضِ، وفِعْلُ المَنذُورةِ ونَذْرُها فيها، وَفِعْلُ رَكعتي طوافٍ، وإعادةُ جَمَاعةٍ إذا أُقيمَت وهو في المَسْجِدِ، وصلاةُ جَنَازةٍ بَعْدَ فَجْرٍ وعصر لا في غيرهما، مَا لَمْ يُخْشَ عليها.
وتَحْرُمُ على غَائِبٍ وَقَبْرٍ وَقْتَ نَهْيٍ نَفْلًا وَفَرْضًا.
ويَحْرُمُ ولا ينعقدُ التَّطَوُّع فيها بغير ما ذُكِرَ ولا جاهلًا، وكذا إيقاعُ بَعْضِهِ فيها حَتَّى الذي له سَبَبُ التَّطَوُّع؛ كسُجودِ تِلاوَةٍ وراتِبَةٍ، وَصَلاةِ كسُوفٍ وتَحيَّةِ مَسْجِدٍ إلَّا حَالَ خُطْبَةِ الجُمُعَةِ.
ومكَّةُ كغيرِها في النَّهْيِ.

بَابُ صَلاةِ الجَمَاعَةِ

أَقلُّها اثنانِ، وَهي وَاجِبَةٌ للصَّلوات الخَمْسِ المُؤَدّاةِ حَضَرًا وسَفَرًا وفي شِدَّةِ خَوْفٍ على الرِّجَالِ الأَحْرارِ القَادرِينَ دونَ النِّساء والخَنَاثى لا شَرْطٌ.
فَتَصِحُّ من مُنْفَرِدٍ ولا ينقصُ أَجْرُهُ مع عُذْرٍ، وتَفْضُلُ على صَلاةِ الفَذِّ بلا عُذْرٍ بسَبْعٍ وعشرينَ دَرَجَة، وله فِعْلُهَا في بيتِهِ وَصَحْراءَ، وفي مَسْجِدٍ 1 أَفْضَلُ.
وَتُسَنُّ لِنِساءٍ مُنْفَرِدَاتٍ عن الرِّجَالِ، ويُكْرَهُ لِحَسْنَاءَ حُضُورُهَا مَعَهُمْ، ويُبَاحُ لغيرِها، وكذا مَجَالِسُ الوَعْظِ.
ولا يَدَعُ الجماعَةَ لِمُنكرٍ بطريقِهِ؛ بل ينكِرُهُ ويأتيهَا 2. ويُسَنُّ لأَهلِ الثَّغْرِ الاجتماعُ بِمَسْجِدٍ واحدٍ والأَفضلُ لِغيرِهم الصَّلاةُ بالمَسْجِدِ الذي لا تُقامُ فيه إلَّا بحُضورِه، ثُمَّ الأَقْدَمُ ثُمَّ الأَكثرُ جَمَاعَة، وأبعدُ أَوْلى من أَقْرب.

وَحَرُمَ أن يَؤُمَّ بِمَسْجِدٍ له إمامٌ رَاتِبٌ قبلَهُ، فَلا تَصِحُّ إِلَّا إذا أَذِنَ، أو تأخَّرَ لِعُذْرٍ، أو لم يُظَنَّ حُضُورُهُ، أو ظُنَّ ولا يكرَهُ، أو ضَاقَ الوقتُ.
وإن لم يُعْلَمْ عُذْرُهُ وتأخَّرَ عن وقْتِهِ المُعْتَادِ، انْتُظِرَ ورُوْسِلَ مع قُرْبٍ وَعَدَمِ مشقةٍ، وإن بَعُدَ أو شَقَّ، صَلَّوا.
وَمَنْ صَلَّى ثُمَّ أُقيمَتْ يُسَنُّ لَهُ أن يُعِيدَ، وكذا إن جَاء مَسْجِدًا غَيْرَ وَقْتِ نَهْيٍ لغيرِ قَصْدِها إلَّا المَغْرِبَ.
والأُولى فرضه كإِعادتِها مُنْفَرِدًا، فَلا يَنْوي الثَّانيةَ فَرْضًا، بل مُعَادةً أو نَفْلًا، والمَسْبوقُ في المُعادةِ يُتِمُّها.
ويكره قَصْدُ مَسْجِدٍ لها، وفِعْلُ الجمَاعةِ بَعْدَ الراتبِ مَرَّةً بعد أُخرى في مَسْجِدَيْ مَكَةَ والمدينَة بلا عُذرٍ 1. ويَمْنَعُ شروعٌ في إقامةٍ يُريدُ الصَّلاةَ مع إمامِها انعقادَ نَافِلَةٍ، ومن فيها يُتِمُّها خَفيفةً إن أَمِنَ فَوْتَ الجَمَاعةِ.
ومن كَبَّرَ قَبْلَ تسليمةِ الإمامِ الأُولى أَدْرَكَ الجماعةَ، ومن أدركَ الركوعَ دون الطُّمَأنِينَةِ واطمَأَنَّ هو ثُمَّ تَابَعَ فقد أدركَ الرَّكعة، وأَجزأَتْهُ تكبيرةُ الإحْرامِ.
وَيُسَنُّ دخولُهُ مَعهُ كيف أدْرَكَهُ، وَينْحَطُّ بلا تَكْبيرٍ ويقومُ بِه، وإن

قامَ المَسبُوقُ قبل تَسليمِ الإمامِ الثَّانية ولم يرجع ليقومَ بعدها انقلبَ فَرْضُهُ نَفْلًا، وما أَدْرَكَ آخرُ صلاتِهِ وما يقضِي أولُها فيستَفْتِحُ لهُ ويتعوذُ ويقرأُ السُّورَةَ.
لكن لَوْ أَدْرَكَ رَكعةً مِن رُباعيَّةٍ أو مَغْرِبٍ تَشَهَّدَ عَقِبَ أُخْرى، وَيَتَورَّكُ مَعَهُ ويكرِّرُ التَّشَهُّدَ الأَولَ حَتَّى يُسَلِّم.
وَيَتَحَمَّلُ إِمامٌ عن مأْمُومٍ ثمانية أشياءَ: القِراءةُ، وسُجُودُ سَهْوٍ، وتلاوةٍ، والسترةُ بين يديه، ودُعاءُ قُنوتٍ، وتَشَهُد أول إذا سُبِقَ بِرَكْعَةٍ، وقولُ: "سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ"، وقولُ: "مِلْءَ السَّماء، ومِلْءَ الأَرْضِ" 1. وَيُسَنُّ أن يَسْتَفْتِحَ وَيَتعوَّذَ في جهريَّةٍ إن لم يَسْمَعْهُ، وأن يَقْرَأَ الفاتِحَةَ وسُورةً حَيْثُ شُرِعَتْ في سكتاتِهِ، وهي قَبْلَ الفاتحةِ وبعدَهَا، وتُسَنُّ هنا بقدرِهَا، وبَعْدَ فراغِ القراءَةِ قبل الرُّكوع، وأن يقرأَ فيما لا يَجْهَرُ فيه أو لا يسمعُهُ لِبُعْدٍ أو طَرَشٍ إن لَمْ يَشْغَل من لجنْبِهِ 2. وَمَنْ رَكَعَ أَو سَجَدَ ونحوه قَبْلَ إمامِهِ عَمْدًا حَرُمَ، وعليه وعلى من فَعَلَهُ جَاهِلًا أو نَاسِيًا وذَكَرَ أن يَرجِعَ ليأتي به مَعَهُ، فإن أَبى عَالِمًا بالوجُوبِ عَمْدًا حَتَّى أَدْرَكَهُ فيه بَطَلَتْ لا جاهِلًا أو ناسيًا ويُعْتَدُّ بِهِ.
والأَوْلى أن يشرعَ في أفْعَالِها بعدَهُ، فإن وافقَهُ كُرِهَ وإن كَبَّرَ

للإحرامِ مَعَهُ أو قبل إتمَامِهِ لم تَنْعَقِد، وإن سَلَّمَ قبلَهُ عَمْدًا بلا عُذْرٍ أو سَهوًا ولم يُعْدِهُ بَطَلَتْ، ومَعَهُ يُكْرَهُ.
ولا يَضُرُّ سَبْقُه بِقَوْل غيرِهِما.
وإن سَبَقَه بِرُكْنٍ، بِأَن رَكَعَ ورفَعَ قبل رُكوعِهِ أو بِرُكْنينِ بأن رَكَعَ وَرَفَع قبل ركوعِهِ، وهَوى إلى السُّجودِ قَبْلَ رَفْعِهِ عَالِمًا عَمْدًا بَطَلَت، وجَاهِلًا أو نَاسِيًا بَطَلَت الرّكعةُ إن لم يَأْتِ بذلك مَعَهُ، لا بِرُكْنٍ غَيْرِ رُكوعٍ.
وإن تَخَلَّفَ بِرُكْنٍ بلا عُذْرٍ فكَسَبْقٍ ولِعُذْرٍ إن فَعَلَهُ وَلَحِقَهُ صَحَّتْ وإلَّا لَغَتْ الرَّكْعَةُ، وَبِرُكْنَيْنِ تبطُلُ، ولِعُذْرٍ كنومٍ وَسَهْوٍ وزِحَامٍ إن لم يَأْتِ بما تَرَكَهُ مع أَمْنِ فَوْتِ الآتية، وإِلَّا لَغَتْ الرَّكْعَةُ والتي تليها عِوَضُها.
وإن زَالَ عُذْرُ مَن أَدْرَكَ رُكوعَ الأولى وقد رَفَعَ إمامُهُ من ركوعِ الثَّانيةِ تابعَهُ، وَتَصِحُّ له ركعةٌ مُلَفَّقَةٌ من ركعَتي إِمَامِهِ يُدْرِكُ بِها الجُمُعَةَ.
وإن ظَنَّ تَحريمَ مُتَابعتِهِ فَسَجَدَ جَهْلًا اعتَدَّ بها، فلو أدركَهُ في رُكوعِ الثَّانية تَبِعَهُ وتَمَّتْ جُمُعَتُهُ، وبعدَ رفعِهِ تَبِعَهُ وَقَضَى.
وإن تَخَلَّفَ بِرَكْعَةٍ فأكثَرَ لِعُذْرٍ تَابَعَ وَقَضَى كَمَسْبُوقٍ.
ويُسَنُّ للإِمامِ التَّخفيفُ مع الإتمامِ ما لم يُؤْثِرْ مأْمومٌ مَحصورٌ التَّطْويلَ.

وتُكْرَهُ سُرْعَةٌ تَمْنَعُ المأْمُومَ فِعل ما يُسَنُّ لَهُ.
ويُسَنُّ تطويلُ قراءَةِ الرَّكعَةِ الأولى عن الثَّانية إلَّا في صَلاةِ جُمعَةٍ وانتظارُ داخلٍ إن لم يَشُقَّ على مأْمومٍ.
ومن استأذنَتْهُ امرأَتُهُ إلى المَسْجِد كُرِهَ منعُها؛ لكن بَيتُها خَيْرٌ لها، وإن خِيفَ فِتْنَةٌ بخروجِها يَجِبُ على أَبٍ ووليٍّ مَحْرَمٍ مَنْعُها منه، ومن الانفراد.

فَصْلٌ

فَائِدَةٌ: الجِنُّ مُكَلَّفونَ في الجُمْلَةِ، يَدْخُلُ كافِرُهم النَّار ومُؤْمِنُهُم الجَنَّة.
وهُم فيها على قَدْرِ ثَوابِهِم، وتنعقدُ بهم الجماعةُ، وليسَ منهُم رسولٌ، ويقبلُ قَوْلُهم أَن ما بِيَدِهِمْ مُلكُهُمْ مع إسلامِهم، وكافرُهم كالحَرْبِيِّ.
ويحرُمُ عليهم ظُلْمُ الآدميينَ، وظُلْمُ بعضِهِم بَعْضًا، وَتَحِلُّ ذبيحتُهُمْ، وبَوْلُهُم وقيئُهُم طاهرانِ.

فَصْلٌ

الأَوْلَى بالإمَامَةِ؛ الأَجوَدُ قِرَاءَةً الأَفْقَهُ، ثُمَّ الأَجْوَدُ قِراءَة الفقيهُ، ثُمَّ الأَقْرَأُ إن كانَ عَالِمًا فِقْهَ صلاتِهِ حَافِظًا للفاتحةِ، ثُمَّ الأَكثرُ قرآنًا الفَقِيهُ، ثُمَّ قَارِئٌ أَفْقَهُ، ثُمَّ قَارِئٌ فَقِيهٌ، ثُمَّ قارئٌ عَالِمٌ فِقْهَ صلاتِهِ، ثُمَّ 1 قَارِئٌ لا يَعْلَمُهُ، ثُمَّ أَفْقَهُ وأَعْلَمُ بأحكامِ الصَّلاة، ثُمَّ أَسَنُّ، ثم أَشْرَفُ وهو القُرَشِيُّ فَيُقَدَّمُ مِنْهُم بَنُو هَاشِمٍ على من سِواهُم، ثُمَّ الأَقْدَمُ

هِجْرَةً بِسَبْقِهِ إلى دارِ الإسلامِ مُسْلِمًا، ثُمَّ أسْبَقُ بإِسلامٍ، ثُمَّ الأَتْقَى والأَوْرَعُ، ثُمَّ من يختارُهُ الجيرَانُ المُصَلُّونَ أو أكثرُهُم أو كان أَعْمَرَ للمَسْجِدِ، ثُمَّ يُقْرَعُ.
وكُرِهَ تقدُّمُ غير الأَوْلَى، وصَاحِبُ البَيْتِ وإمامُ المَسْجِدِ ولو عَبْدًا أَحَقُّ بالإمامةِ إن كانَ أهلًا، فَيَحْرُمُ تقدُّمُ غيرهما عليهما بلا إِذْنٍ.
وَيُسَنُّ إذنُهما لِمَن هو أفضلُ منهما، وَيُقَدَّمُ عليهما ذو سُلطانٍ وهو الإِمامُ الأَعظَمُ، ثُمَّ نُوَّابُهُ كالقَاضي.
وسيِّدٌ في بيتِ عبدِهِ أَوْلى مِنْهُ، وَحُرٌّ أَوْلى من عَبْدٍ ومِنْ مُبَعَّضٍ.
ومُبَعَّضٌ أَوْلى مِنْ عَبْدٍ.
وحَاضِرٌ وبَصيرٌ وحَضَريُّ ومُتَوَضِّئٌ ومُعِيرٌ ومُسْتَأْجِرٌ أَوْلَى مِن ضِدَّهم.
ولا تَصِحُّ إِمَامَةُ فَاسِقٍ مُطْلقًا؛ وهو مَنْ أَتَى كبيرةً أَو دَاوَمَ على صَغِيرَةٍ 1 إلَّا في جُمُعَةٍ وعيدٍ تعذرا خَلْفَ غيرِهِ، وإن خافَ أَذى صَلَّى خَلْفَهُ وأعادَ، وإن وَافَقَهُ في الأَفعالِ مُنْفَرِدًا أو في جماعةِ خَلَّفَهُ بإمامٍ لم يُعِدْ.
وَتَصِحُّ خَلْفَ أعمى أَصَمَّ وَأَقْلَفَ، وَأَقْطَعَ يَدَيْنِ أو رِجْلين أو إِحْداهما، أَو أَنْفٍ، وكثيرِ لَحْنٍ لم يُحِل المَعْنَى، والفَأْفَاءِ الذي يُكرِّرُ الفَاءَ، والتَّمْتامِ الذي يُكَرِّرُ التَّاءَ، ومن لا يُفْصِحُ بِبَعْضِ الحُروف، أو يُصْرَعُ أو تُضْحِكُ رؤْيَتُهُ، واخْتُلِفَ في صِحَّةِ إمامَتِهِ مع الكراهَةِ فيهم لا خَلْفَ أَخْرَسَ وكَافِرٍ.

وإن قَالَ مجهولٌ بعد سَلامِهِ: هو كافرٌ، وإنما صَلَّى تَهَزُّؤًا، أعادَ مَأْمومٌ، وإن عُلِمَ لِشَخْص حالان: إسلامٌ وكُفْرٌ وَإِفاقة أو جُنونٌ وأمَّ فيهما، ولم يُدْرَ في أَيهما ائتَمَّ فإن عَلِمَ قبلها إسلامَهُ أوإفاقَتهُ وَشَكَّ في رِدَّته أو جنونِهِ لم يُعِد.
ولا تَصِحُّ إمامةُ مَنْ بِهِ حَدَثٌ مُسْتَمِرٌّ ولا عاجزٍ عن ركوعٍ أو سُجُودٍ أو قُعُودٍ ونحوِهِ أو عن شَرْطٍ إلَّا بمثلِهِ، وكَذَا عن قيامٍ إلَّا الراتِبَ بِمَسْجِدٍ إذا كانت علَّتُهُ يُرْجى زوالُهَا، ويجلسونَ خَلْفَهُ نَدْبًا.
وإن اعْتَلَّ في أثنائِها فَجَلَسَ أتمُّوْا قِيامًا وجُوبًا.
وإن تَرَكَ إمامٌ رُكنًا أَو شَرْطًا أو وَاجِبًا عندَهُ وَحْدَهُ، أو عندَهُ وعِنْدَ المأمومِ عَالِمًا أعادا.
وإن كانَ عِنْدَ المأموم وحدَهُ فلا.
ومَنْ تَرَكَ رُكْنًا أو شَرْطًا مُخْتَلَفًا فيه، بلا تَأْوِيلٍ أو تَقْلِيدٍ أعادَ.
وإن اعتَقَدَهُ مأمومٌ مُجْمَعًا عليه، فَبَانَ بخِلافه أعادَ.
وتَصِحُّ خَلْفَ من خَالَفَ في فَرْعٍ لم يَفْسُقْ بِهِ، وَخَلْفَ من لا يَعْرِفُهُ والسُّنَّة خَلْفَ من يَعْرِفُهُ.
ولا تَصِحُّ إمامةُ امرأةٍ وخُنْثَى لِرِجال وَخَنَاثى، ولا مميِّزٍ لِبَالِغٍ في فَرْضٍ، وتَصِحُّ في نَفْلٍ مُطْلقًا وفي فَرْضٍ بمثلِهِ.
ولا إمامةُ مُحْدِثٍ ولا نَجِسٍ يَعْلَمُ ذَلِكَ، فإن جَهِلَ هو وجميع المأْمُومين حَتَّى انْقَضَتْ صَحَّتْ لمأْمومٍ وَحْدَهُ إلَّا إن كانوا بِجُمْعَةٍ وهم بإمامٍ أَوْ مَأْمُومٍ كذلك أربعونَ فقط فَيُعِيدُ الكُلُّ، ولا إمامَةُ أُمِّي إلَّا

بمثلِهِ وهو من لا يُحْسِنُ الفَاتِحَة، أو يُدْغِم فيها ما لا يُدْغَمُ، أو يُبدِلُ حَرْفًا بحرفٍ إلَّا ضاد "المغضُوبِ" و "الضالّينَ" بظاءٍ عَجْزًا، أو يَلْحن لحنًا يُحِيلُ المَعْنى كفتحِ هَمْزَةِ "اهْدِنا" وضَمِّ تاءِ "أنْعَمْتَ" عاجِزًا عن إصلاحِهِ، فإن تعمَّدَ أو قدَرَ على إصلاحِهِ لم تَصِحَّ، وإن عَجَزَ عن إصلاحِهِ قرأه في فَرْضِ القِرَاءَةِ، وإن زاد عليه بَطَلَت، ويكفرُ إن اعتقدَ إباحَتَهُ.
وإن كان لِجَهْلٍ أو نسيانٍ أو آفةٍ صَحَّتْ، ولم تُمنع إمامتَه.
فإن أمَّ أمِّيٌّ أُميًّا وقارئًا: فإن كانا عن يمينهِ أو الأميُّ فَقَطْ صَحَّتْ للإمامِ والأُميِّ وبَطَلَت من القارئِ، وإن كانا خلفَهُ أو القارئ وحدَهُ عن يمينِهِ فَسَدَتْ من الكُلِّ.
ولا يَصِحُّ اقتداءُ عَاجِزٍ عن النِّصْفِ الأَولِ من الفاتِحَةِ بعاجزٍ عن الثَّاني ولا بالعكس، ولا من يُبَدِّلُ حَرْفًا منها بِمَنْ يُبَدِّلُ غَيْرَهُ.
ومن لا يُحْسِنُ الفاتحة ويُحْسِنُ غيرها من القرآنِ بِقَدْرِهَا لا يَصِحُّ أن يُصَلِّيَ خَلْفَ من لا يُحْسِنُ شيئًا منه.
وإن سَبَقَ لِسَانُهُ إلى تغيير نظمِ القُرآنِ بِمَا هو منه على وجه يُحِيلُ معناهُ كَقَوْلهِ: (إن المتقينَ في ضَلالٍ وسُعُرٍ) ونحوِهِ لم تَبْطُل، ولم يَسْجُدْ له.
وكُرِهَ أن يؤم أجنَبيَّةً فأكثَرَ لا رجُلَ مَعَهُنَّ، أو قومًا أكثرُهُم يكرهُهُ بِحَقٍّ لا الصَّلاة خَلْفَهُ.
ولا بأسَ بإمامةِ ولدِ زِنًى، ولَقِيطٍ، ومَنْفِيٍّ بِلِعَانٍ، وخَصِيٍّ

وجُنْدِيٍّ، وأعرابيٍّ، إذا سَلِمَ دِينُهم وصَلَحوا لها، ولا أن يَأْتَمَّ مُتَوضِّئٌ بِمُتَيمِّمٍ.
ويَصِحُّ ائتمامُ من يُؤدِّي الصلاةَ بمن يَقْضِيهَا وَعكْسُهُ إذا اتفقتا بالاسْمِ، ومتنفِّلٌ بِمُفْتَرِضٍ، لا إمامةُ عَادِم الماءِ والتُّرابِ بِمَن تَطَهَّرَ بِأحدِهما، ولا ائْتمام مُفْتَرِضٍ بمتنفِّلٍ إلَّا إذا صَلَّى بهم في خوفٍ صَلاتَيْنِ (1).

فَصْلٌ

في المَوْقِفِ: السُّنَّةُ تَقَدُّمُ إِمامِ جمَاعةٍ اثنينِ فَأَكْثَرَ قَرِيبًا مِنْهُمْ إلَّا إِمَامَ العُراةِ فَوَسْطًا وجُوبًا، وإلَّا امرأَةً أَمَّت نِسَاءً فَوَسْطًا نَدْبًا، وإن تَقَدَّمَهُ مَأْمُومٌ ولو بإحرامٍ لم تَصِحَّ لَهُ إلَّا فيما إذا تقابَلا أو تَدَابرا دَاخِلَ الكَعْبَةِ، وفيما إذا استدارَ الصَّفُّ حَوْلَهَا، والإِمامُ عنها أبعدُ مِمَّنْ هو في غير جِهَتِهِ، وفي شِدَّة خَوْفٍ إذا أمكنت المتابَعَةُ.
والاعتبارُ بِمؤَخَّر القَدَمِ، وفي القُعودِ بالأَلْيَةِ.
وإن وَقَفَ جَمَاعَةٌ عن يمينِهِ أو جانبيه صَحَّ، وَتقِفُ واحدٌ رجلٌ أَو خُنْثى عن يمينه، فلو وَقَفَ خَلْفَهُ أو عن يسَارِه مع خُلُوِّ يمينِهِ لم تَصِحَّ إن صَلَّى وهو كَذَلِكَ ما تَحْصُلُ بِهِ الرَّكْعَةُ، ويأتي.
والسُّنَّةُ أن يُدِيْرَ من وَقَفَ عن يَسَارِهِ مِن ورائِه إلى جهَةِ يمينه ولا تَبْطُلُ تحريمتُهُ، وإن كَبَّرَ خَلْفَهُ ثُمَّ تَقَدَّمَ إلى يمينِهِ أو جاءَ آخَرُ فَوَقَفَ1

مَعَهُ أو تقدَّم إلى الصَّفِّ بين يَدَيْهِ جَازَ، فإن وقفا عن جانبيهِ أَخَّرَهُما خلفَهُ، فإن شَقَّ أو لم يُمكِنْ تأخرُهُما تَقَدَّم الإِمامُ، ثُمَّ إن بَطَلَتْ صلاةُ أَحدِهِمَا تَقَدَّمَ الآخَرُ إلى الصَّفِّ أو إلى يمينِ الإمامِ أو جَاء آخَرُ وإلَّا نوى المُفَارَقَةَ.
وإن أمَّ رَجُلٌ أو خُنْثى امرأةً وقفَتْ خلْفَهُ، وإن وَقَفَتْ عن جانبِهِ فكرجُلٍ.
ويُكْرَهُ وقوفُها في صَفِّ الرِّجالِ، ولا تبطُلُ صلاةُ من يليها أو خلفَها.
وإن أمَّ رَجُلًا وصبيًّا نُدِبَ وقوفُ الصَبيِّ عن يسارِهِ، وإن اجتَمَعَ أنواعٌ نُدِبَ تقديمُ رجالٍ أحرارٍ، ثُمَّ عبيدٍ الَأَفْضَلِ فالأَفْضَلِ، ثُمَّ صبيانٍ كَذَلِكَ، ثُمَّ خَنَاثى، ثُمَّ نساءٍ.
ويقَدَّمُ من الجنائزِ إلى الإمامِ، وإلى القِبْلَةِ في قَبْرٍ واحدٍ حيثُ جَازَ، رَجُلٌ حُرُّ، ثُمَّ عَبْدٌ بَالِغٌ، ثُمَّ صَبِيٌّ، ثُمَّ خُنْثى، ثُمَّ امرَأَةٌ حُرَّةٌ، ثُمَّ أَمَةٌ.
ومَن لم يَقِفْ مَعَهُ إلَّا امرَأَةٌ أو كافِرٌ أو مجنونٌ أو خُنْثَى أو مُحْدِثٌ أو نَجِسٌ أو في فرضٍ صَبِيٌّ فَفَذٌّ.
وإن لم يَعْلَم المُحْدِثُ حَدَثَهُ فيها ولا عَلِمَهُ مُصَافُّهُ فليسَ بِفَذٍّ.
وإن وَقَفَ مَعَه مُتَنَفِّلٌ أو من لا يَصِحُّ أن يَؤُمَّهُ، كالأُمَيِّ والأَخْرَسِ، والعَاجِزِ، وناقِصِ الطَّهَارَةِ، والفَاسِقِ ونحوِه جَازَ.

جارٍ التحميل