بَابُ صِفَةِ الحَجِّ والعُمْرَةِ
يُسَنُّ لِمُتَمَتِّع حَلَّ من عُمْرَتِهِ، ولغيرِهِ من المُحِلِّينَ بِمَكَّةَ أو قُرْبِها، الإحْرَامُ بالحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ وهو الثَّامِنُ من ذي الحِجَّةِ إلَّا من لَمْ يَجِدْ هديًا وَصَامَ، ففي سَابِعِهِ، وَيَفْعَلُ ما يَفْعَلُهُ في إحرامِهِ من المِيقَاتِ من غُسْلٍ وغيرِه، ثُمَّ يَطُوفُ ويُصَلِّي رَكْعَتَين، ثُمَّ يُحْرِمُ من المَسْجِدِ والأَفضل مِن تَحْتِ الميزابِ، ويَصِحُّ من خَارِجِ الحَرَمِ ولا دَمَ، ولا يَطُوفُ بَعْدَهُ قَبْلَ خروجِهِ لِوَداعِ البيت، فلو طافَ وَسَعَى بعده، لم يُجْزِئْهُ عن السَّعِي الواجبِ.
ثُمَّ يَخْرُجُ إلى مِنًى قَبْلَ الزَّوالِ فَيُصَلِّي بِهَا الظُّهْرَ مَعَ الإمامِ، ويبيتُ بها إلى أن يُصَلِّيَ مَعه الفَجْرَ، ولو صَادَفَ يَوْمَ جُمُعةٍ، وهو مُقِيمٌ بِمَكَّةَ مِمَّن تَجِبُ عليهِ وَزَالتِ الشَّمْسُ، لَمْ يَخْرُجْ قَبْلَ صلاتِها، وَقَبْلَ الزَّوالِ يُخَيَّرُ، فإذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ سَارَ إلى عَرَفَة فَأَقامَ بِنَمِرَةَ نَدْبًا حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ، فإذا زَالت الشَّمْسُ استُحِبَّ للإمامِ أو نائبِهِ أن يَخْطُبَ خُطْبَةً واحدةً يُقَصِّرُها، وَيَفْتَتِحُها بالتكْبيرِ، يُعَلِّمُ النَّاسَ فيها
مَناسِكَهم مِنَ الوقوفِ وَوَقْتِهِ والدَّفْعِ من عَرَفَاتٍ والمبيتِ بِمُزْدَلِفَة وغيرِ ذلك من الأَحكامِ، فإذا فَرَغَ نَزَلَ فَصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمْعًا إن جاز لَهُ بأذانٍ وإِقامَتَيْنِ، وإن تَرَك الأَذانَ فلا بَأْسَ، وكذا يجمَعُ المُنْفَرِدُ أيضًا.
ثُمَّ يأتي الموقِفَ ويَغْتَسِلُ لَه، وعرفةُ كُلُّها مَوْقِف إلَّا بطنَ عُرَنْةَ، وَحَدُّ عَرَفَةَ من الجَبَلِ المُشْرِفِ على عُرَنَةَ إلى الجِبالِ المُقَابِلَةِ له إلى ما يَلي حَوائِط بني عامِرٍ.
وَيُسَنُّ أن يَقِفَ عِنْدَ الصَّخَراتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ واسمُه إلالٌ، على وَزْنِ هِلالٍ، ولا يُشْرَعُ صُعُودُهُ، وَيَقِفُ مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ، رَاكِبًا بِخلافِ سَائِرِ المَناسِكِ والعباداتِ فإنه يكونُ فيها راجلًا، ويُكْثِرُ مِنَ الدُّعاءِ ومن قَوْلِ: "لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيي ويُميتُ وهو حَيٌّ لا يموتُ، بيدِهِ الخَيْرُ وهو على كُلِّ شيءٍ قديرٌ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ في قَلْبِي نُورًا، وفي بَصَرِي نُورًا، وفي سَمْعي نورًا، وَيَسِّرْ لي أمْري" 1. وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ.
وَوَقْتُ الوُقُوفِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَة إلى طُلُوعِ الفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، فمَن حَصَلَ بعَرَفَةَ في هذا الوَقْتِ ولو لَحْظَةً، وَلو مَارًّا بها، أو نَائِمًا، أو جَاهِلًا بها، وهو من أَهْلِ الوقُوفِ، صَحَّ حَجُّهُ،
لا مَجْنُونٌ وَمُغْمًى عليه وَسَكْرانُ، إلَّا أن يُفيقُوا وهم بها قبلَ خروج وقتِ الوقوفِ.
وَيُسَنُّ أن يَقِفَ طَاهِرًا من الحَدَثَينِ، وَيَصِحُّ وقوفُ حَائِضٍ إجماعًا؛ لأَن عائشة رضي الله عنها وَقَفَتْ حَائِضًا بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ 1، ولا تُشْتَرَطُ سترةٌ ولا استقبالٌ، ولا نِيَّةٌ.
وَيَجِبُ أن يَجْمَعَ في الوقوفِ بَيْنَ اللَّيْل والنَّهارِ إن وَقَفَ نهارًا، فإن دَفَعَ قَبْلَ الغُروبِ فَعَليه دَمٌ إن لم يَعُدْ قبلَهُ، وإن وافاها لَيْلًا فَوَقَفَ بها فلا دَمَ عليه، وإن خَافَ فَوْتَ الوقوفِ إن اشتغلَ بالصَّلاة فَلَهُ صَلاةُ خَائِفٍ.
تَتِمَّةٌ: وقْفَةُ الجُمُعَة في آخِرِ يَوْمِها سَاعَةُ الإجَابَةِ، فإذا اجتمَعَ فَضْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ مع يَوْمِ عَرَفَةَ، كان لها مَزِيَّةٌ على سائرِ الأَيامِ، لكن ما اشتَهَرَ على ألْسِنَةِ النَّاس مِنَ العَوَامِّ أنها تَعْدِلُ ثِنْتَيْنِ وَسَبْعِينَ حِجَّةً، باطِلٌ لا أصْلَ لَهُ.
ثُمَّ يَدْفَعُ بَعْدَ غُروبِ الشَّمْسِ بسَكينةٍ مُسْتَغْفِرًا إلى مُزْدَلِفةَ وهي ما بين المَأْزِمَيْنِ ووادي مُحَسِّرٍ - مع أميرِ الحَاجِّ أو نائبه، ويُكْرَهُ قَبْلَهُ، يُسْرِعُ في الفَجْوَةِ، ويُلبِّي في الطَّرِيقِ، وَيَذْكُرُ اللهَ، ويَنْوي جَمْعَ المَغْرِبِ مع العِشاءِ تأخيرًا، فإذا وَصَلَها صَلَّاهُما قَبْلَ حَطِّ رَحْلِهِ بإقامَةٍ لِكُلِّ صَلاةٍ بلا أَذانٍ، وإن أَذَّنَ للأُولى فَحَسَنٌ، فإن فاتَتْهُ الصَّلاةُ مع
الإمامِ بها أو بِعَرَفَةَ جَمَعَ وَحْدَهُ، ثُمَّ يَبِيتُ بِها حَتَى يُصْبِحَ ويُصلي الفجرَ.
ولَيْسَ لِغَيْرِ رُعَاةٍ وسُقَاةٍ الدَّفْعُ قَبْلَ نِصْفِ اللَّيْلِ، فإن فَعَلَ فعليه دمٌ ما لم يُوافِها بعدَهُ قبل الفجرِ كالذي لم يَأْتِها إلَّا في النِّصف الثاني، وله الدَّفْعُ قبل الإمامِ.
ومَن أصبحَ بها صَلَّى الصُّبْحَ بِغَلَسٍ ثُمَّ أتى المَشْعَرَ الحرامَ فَرَقى عليه أو وَقَفَ عِنْدَهُ وحَمِدَ الله تعالى، وهلَّلَ وَكَبَّرَ وَدَعا، فيقول: اللَّهُمَّ كَمَا وَقَفْتَنا فيه وَأَرَيْتَنا إيَّاه، فَوَفِّقْنا لِذِكْرِك كما هَدَيْتَنا، واغْفِرْ لَنَا، وارْحَمْنا كما وَعَدْتَنا بقولك -وقَوْلُك الحَقُّ-: ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّالِّينَ (198) ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (199)﴾ [البقرة: 198، 199].
ويستَمِرُّ يَدعو حَتَّى يُسْفِرَ جدًّا، ثُمَّ يَدْفَعُ قبل طُلُوعِ الشَّمْسِ إلى مِنًى وعليه السَّكينةُ، فإذا بَلَغَ وادي مُحَسِّرٍ أسْرَعَ راكبًا كان أو ماشيًا قَدْرَ رَمْيَةِ حَجَرٍ، ويكونُ مُلَبِّيًا إلى أن يَرْمِيَ جَمْرَةَ العَقَبَةِ، وهي آخِرُ الجَمَراتِ مِمّا يلي مِنًى، وأولُها مِمَّا يلي مَكَّة، ويأخذُ حَصَى الجِمارِ من طريقِه قبلَ أن يَصِلَ إلى مِنًى، أو من مُزْدَلِفَةَ، ومن حيثُ أَخَذَه جَازَ، ويُكْرَهُ مِن مِنى وسائرِ الحَرَمِ، وتكسيرهُ، ويكونُ أكبَرَ مِن
الحِمَّصِ ودُونَ البُنْدُقِ، فلا يُجْزِئُ صغيرٌ جِدًا ولا كبير، ويُجْزِئُ مع الكراهةِ نَجِسٌ وحصاةٌ في خاتَمٍ، إن قَصَدَها، وتُجْزِئُ من مِسَنٍّ وَبِرامٍ ومَرْمَرٍ ورُخامٍ وغيرِها لا ما رُمِيَ بِهِ، أو غَيْرُ الحَصَاةِ كَجَوْهَرٍ وَذَهَبٍ ونحوهِما، وعَدُد الحصى سبعون حصاة.
ولا يسن غسله.
فإذا وَصَلَ إلى مِنًى -وَحدُّها من وَادي مُحَسِّرٍ إلى جمرةِ العَقَبَةِ- بَدَأَ بها الرَّاكِبُ رَاكبًا والماشي ماشِيًا، لأَنَّها تَحِيَّةُ مِنى، فَرَمَاها بِسَبع حَصَيَاتٍ واحدةً بعد واحدةٍ بعد طلوع الشَّمْسِ نَدْبًا، فإن رَمى بَعْدَ نِصْفِ ليلةِ النَّحْرِ أَجْزَأَ، وإن غرَبت الشَّمْسُ فبعدَ الزَّوالِ من الغَدِ.
فإن رَماها دَفْعَةً واحدةً لم يُجْزِئْهُ وَيُؤَدَّبُ.
ويشترطُ عِلْمُه بحصولها في المَرْمَى، فلو وقعت خَارِجَهُ ثُمَّ تَدَحْرَجَت فيه أو على ثَوْبِ إنسانٍ ثُمَّ صارت فيه ولو بِنَفْضِ غيره أجْزَأَتْهُ.
ويُسَنُّ أن يُكَبِّرَ مع كُلِّ حَصاةٍ وأن يقول: اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ حَجًّا مَبْرورًا، وَذَنْبًا مَغْفُورًا، وَسَعيًا مَشْكُورًا.
وَيَسْتَبْطِنُ الوادِيَ، وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ وَيَرْمي عن جانبِهِ الأَيْمَنِ، وَيَرْفَعُ يُمناهُ حَتَّى يُرى بياضُ إبطه، ولا تقِفُ عِنْدها بل يرميها وهو ماشٍ، وله رميها من فوقِها.
وَيَقْطَعُ التلبية بَأَوَّل الرَّمي، ثُمَّ يَنْحَرُ هديًا مَعَهُ، ثُمَّ يَحْلِقُ رأسَهُ ويبدأُ بأيمنِهِ ويستقْبِلُ القِبْلَةَ فيه، ويُكبِّرُ وَقْتَ الحَلْقِ، والأَوْلَى أن لا يشارِطَ الحَلَّاقَ على الأُجْرَةِ.
وإن قَصَّرَ فمن جميع شعر رأْسِهِ لا من كُلِّ شَعْرةٍ بعينها، والمرأةُ تُقَصِّرُ قَدْرَ أُنمُلَةٍ فَأقَلَّ من رؤوس الضَّفَائِرِ كَعَبْدٍ، ولا يَحلِقُ إلَّا بإذن سيدِه.
ويُسَنُّ أخذُ ظفُرِه وشاربِهِ ونحوه، وإمرارُ المُوسَى على من عَدِمَ الشَّعْرَ، ثُمَّ قَد حَلَّ لَهُ كُلُّ شيءٍ إلَّا النِّساءَ، وعَقْدَ النَكَاحِ.
فَائِدَةٌ: الحَلْقُ والتَّقْصِيرُ لِذَكَرٍ والتِّقْصِيرُ لأُنْثى نُسُكٌ في تَرْكهما دَمٌ؛ لا إن أَخَّرَهُما عن أيامِ مِنًى أو قَدَّمَ الحَلْقَ على الرَّمْيِ أو على النَّحْرِ أو نَحرَ أو طافَ قَبْلَ رميه، وَيُكْرَه مع العلم.
فَرْعٌ: ويحصُلُ التَّحَلُلُ الأَولُ باثنينِ من ثَلاثَةٍ وهي الرَّمْيُ والحَلْقُ والطَّوافُ، والثَّاني بما بَقِيَ منها مع السَّعي.
ثُمَّ يَخْطُبُ الإِمامُ بِمنًى يوم النَّحْرِ خُطْبَةً يَفْتَتِحُها بالتكْبِيرِ يُعَلِّمُهُم فيها النَّحْرَ والإفاضَةَ والرَّمْيَ، ثُمَّ يُفيض 1 إلى مكة، فيطوفُ مُفْرِدٌ وقارِنٌ لم يَدْخُلاها قبل ذَلِكَ للقدومِ ويرمُلُ.
ويطوفُهُ مُتَمَتِّعٌ بلا رَمَلٍ ثُمَّ يطوفُ للزِّيَارَةِ وَيُسمَّى طوافَ الإفاضَةِ والصَّدَرِ 2 يُعَيِّنُه بنيتِهِ وهو رُكنٌ لا يتم الحَجُّ إلَّا بِهِ، ووقتُهُ من نِصْفِ لَيْلَةِ النَّحْرِ لِمن وَقَفَ ولغيرِهِ بعد الوقوفِ، وفعلهُ يَوْم النَّحْرِ أَفْضَلُ،
وإن أَخَّرَهُ عن أيامِ مِنًى جَازَ ولا شيءَ فيه كالسَّعْيِ، ثُمَّ يَسْعَى المُتَمَتِّعُ ومن لَم يَكُن سَعَى مع طوافِ القدُومِ، ثُمَّ يَشْرَبُ من زمزمَ لِمَا أحَبَّ، لأَن ماءَ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ، وَيَتَضَلُّعُ مِنه وَيَرُشُّ على بَدَنِهِ وثَوْبِهِ ويقول: بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ لَنَا عِلْمًا نَافِعًا، وَرِزْقًا واسِعًا، ورِيًّا وَشِبَعًا، وَشِفاءً من كُلِّ داءٍ، واغْسِلْ بِهِ قَلْبِي، وامْلأَهُ من خَشْيَتِكَ وَحِكْمَتِكَ.
فَائِدَةٌ: وَيُسَنُّ أن يَدْخُلَ البَيْتَ والحِجْرُ منه، ويكونَ حافِيًا بلا خُفٍّ ولا نَعْلٍ بِغَيْرِ سِلاحٍ، ويُكَبِّرُ وَيَدْعُوفي نواحِيه، ويُصَلِّي فيه رَكْعَتَيْنِ، ويُكْثِرُ النَّظَرَ إِليه.
فَائِدَةٌ: وإذا أرادَ أن يَسْتَشْفِيَ بشيءٍ من طيبِ الكَعْبَةِ، فليأتِ بطيبٍ من عِنْدِهِ 1، فَيَلْزِقَه عليها ثُمَّ يأخذَهُ، ولا يأخُذُ من طِيبِها شيئًا، وإذا نَزَعَ ثَوْبَها تَصَدَّقَ بِهِ.
ثُمَّ يَرْجِعُ إلى منى فَيُصَلِّي بها ظُهْرًا لِنَحْرٍ ويبيتُ بها ثَلاث ليالٍ، وَيَرْمي الجمراتِ بها أَيَّامَ التَّشْرِيقِ كُلَّ يومٍ بَعْدَ الزَّوالِ وجوبًا.
ويُسَنُّ قَبْلَ الصَّلاةِ إلَّا السُّقَاةَ والرُّعَاةَ، فلهم الرَّمْيُ كُلَّ وَقْتٍ، ولو في يومٍ واحدٍ أو لَيْلَةٍ واحدةٍ من أيامِ التِّشْرِيقِ، وآخِرُ رَمْيِ كُلِّ يومٍ إلى الغُروبِ.
ولا يَدَعُ الصَّلاة مع الإمامِ في مَسْجِدِ مِنًى وهو مَسْجِدُ الخَيْفِ،
فَيَرْمِي كُلَّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَياتٍ واحدةً بعد واحدةٍ، فيبدأُ بالجَمْرَةِ الأُولى، وهي أبْعَدُهُنَّ من مكِّةَ، وَتَلي مَسْجِدَ الخَيْفِ، فَيَجْعَلُها عن يسارِهِ وَيَرميها، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قليلًا، لِئَلَّا يُصِيبَهُ الحَصَى، فَيَقِفُ وَيَدْعُو اللَّهَ رَافِعًا يَدَيْهِ ويُطِيلُ، ثُمَّ يأتي الوُسْطى، فَيَجْعَلُها عن يَمينه، وَيَرميها كذلك، وَيقِفُ عِنْدَها وَيدْعُو كَذَلِكَ، ثُمَّ يَرْمِي جَمَرَةَ العَقَبَةِ كَذَلِكَ وَيَجْعَلُها عن يمينِهِ وَيَسْتَبْطِنُ الوَادِيَ، ولا يَقِفُ عِنْدَها.
وَيَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في الجَمَراتِ كُلِّها، وتَرْتيبُها شرطٌ بأنْ يَرْمِيَ أوَّلًا التي تَلِي مَسْجِدَ الخَيْفِ، ثُمَّ الوُسْطى ثُمَّ العَقَبَةَ، فإن نكسه لم يُجْزِئْه، وإن أَخَلَّ بحصَاةٍ من الأولى، لم يَصِحَّ رَمْيُ ما بعدَهَا، وإن جَهِلَ مَحَلَّها بنى على اليقينِ، ثُمَّ يَرْمِي في اليوم الثَّاني والثَّالث كذلك، وإن أَخرَ الرَّمْيَ كُلَّه ورمْيَ يَوْمِ النَّحْر، فَرَماهُ آخِرَ أيَّامِ التَشْرِيقِ، أَجْزَأَهُ أداءً وكان تاركًا للأَفْضَلِ.
وَيَجِبُ ترتيبُهُ بنيَّتِهِ، وكذا لو أَخَّرَ رَمْيَ يومٍ أو يومينِ.
وفي تأْخِيرِ رمي جَمْرةٍ أو الكُلِّ من أيامِ مِنًى دمٌ، وفي تَرْكِ حصاةٍ ما في شعْرَةٍ، وفي حَصاتَيْن ما في شَعْرَتَيْنِ.
ولا مَبيتَ على سُقاةٍ ورُعاةٍ، فإن غَرَبتِ الشَّمسُ وهم بها لَزِمَ الرُّعاةَ فقط المبيتُ، وإن تَرَكَهُ غيرُهُم ليلةً فعليه دَمٌ.
ومن كانَ مَريضًا أو مَحْبُوسًا أو لَهُ عُذْرٌ جازَ له أن يستنيبَ من يَرْمِيَ عَنْهُ والأَوْلى أن يشهدَهُ إن قَدَرَ.
ويُسَنُّ أن يَضَعَ الحَصى في يدِ النَّائِبِ ليكونَ لَهُ عمل في الرَّمْي.
وَيَخْطُبُ الإِمامُ ثَانيَ أيَّامِ التَّشْرِيقِ خُطْبَةً يُعَلِّمُهُم حُكْمَ التَّعْجيلِ والتَّأخِيرِ وتوديعَهُم.
ولِكُلِّ حَاجٍّ غَيْرِ الإمامِ المُقيمِ للمنَاسِكِ التَّعْجيلُ في ثاني التَّشْرِيقِ وهو النَّفْرُ الأَولُ لكن ينفرُ قَبْلَ غروبِ الشَّمْسِ، فإن غَرَبَت وهو بها لَزِمَهُ المبيتُ والرَّمْيُ مِن الغَدِ، ثُمَّ يَنْفِرُ وهو النَّفْرُ الثَّاني، ويسقُطُ رَمْيُ اليومِ الثَّالثِ، ويدفِنُ حصاهُ في المَرْمَى، ولا يَضُرُّ رجوعُهُ.
وإذا نَفَرَ من مِنًى يسن نزوله بالأَبطحِ -وهو المُحَصَّبُ، وَحَدُّهُ ما بينَ الجَبَلَيْنِ إِلى المَقْبَرَةِ- فَيُصَلِّي به الظُهْرَيْنِ والعِشائَيْنِ، وَيَهْجَعُ يَسيرًا، ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ.
فإذا أتَى مَكَّةَ لم يَخْرُجْ حَتَّى يُودِّعَ البَيْتَ بالطَّوافِ بَعْدَ الفَراغِ من جميعِ أمُورِهِ وهو على كُلِّ خَارِجٍ من مكَّةَ، ثُمَّ يُصلِّيَ ركعتينِ خَلْفَ المَقَامِ، ويأتِيَ الحَطِيمَ -وهو تحتَ المِيزابِ- فَيَدْعُوَ، ثُمَّ يَأْتِيَ زَمْزَمَ فَيَشْرَبَ منه ثُمَّ يَسْتَلِمَ الحَجَرَ ويقَبِّلَهُ ويقفُ في المُلْتَزَمِ -وهو ما بَيْنَ الحَجَرِ الأَسْودِ وباب الكَعْبَةِ- فَيَلْتَزِمُهُ مُلْصِقًا بِهِ صَدْرَهُ، وَوَجْهَهُ، وَبَطْنَهُ، ويَبْسُطُ يديه عليه، وَيَجْعَلُ يمينَهُ نحو البَابِ، ويسارَهُ نحو الحَجَرِ، وَيَدْعُو بِما أَحَبَّ من خَيْرَيِ الدُّنيا والآخِرَةِ ومنه: اللَّهُمَّ هذا بَيْتُكَ، وَأَنا عَبْدُكَ وابنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَني على ما سَخَّرْتَ لي من
خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِي في بِلادِكَ حَتَّى بَلَّغْتَنِي بِنِعْمَتِكَ إلى بَيْتِكَ، وَأَعَنْتَنِي على أداءِ نُسُكي، فإن كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّي فَازْدَدْ عَنِّي رضًا، وإلَّا فَمُنَّ الآنَ قَبْلَ أن تَنْأَى عن بَيْتِكَ دَارِي، فهذا أوانُ انْصِرَافِي إن أَذِنْتَ لِي، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ ولا بِبَيْتِكَ، ولا رَاغِبٍ عَنْكَ ولا عن بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصْحِبْنِي العافيةَ في بَدَني، والصِّحَّةَ فِي جِسْمِي، والعِصْمَةَ في ديني، وأَحْسِنْ مُنْقَلَبِي، وارْزُقْنِي طاعَتَك ما أَبْقَيْتَنِي، واجْمَعْ لي بَيْنَ خَيْرَي الدُّنيا والآخرةِ، إِنَّك على كُلِّ شيءٍ قديرٌ.
ويُصَلِّي على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فإذا خَرَجَ وَلَّاها ظَهْرَهُ ولا يَلْتَفِتُ، فإن فَعَلَ أَعادَ الوَدَاع نَدْبًا.
والحَائِضُ تَقِفُ على بَابِ المَسْجِدِ وَتَدْعو بِذَلِكَ، ولا وَداعَ عَليها ولا فِدْيَةَ إلَّا أن تَطْهُرَ قَبْلَ مُفارقَةِ البُنْيانِ فَتَرْجِعُ وتُوَدِّعُ، فإن لم تَفْعَل ولو لِعُذْرٍ فَعَليها دَمٌ.
فإذا وَدَّع ثُمَّ اشْتَغَلَ بِغَيْرِ شَدِّ رَحْلٍ ونحوِهِ، أو اتَّجَرَ أو أَقَامَ أعادَ الوداعَ، لا إن اشترى حاجةً في طريقِهِ أو صَلَّى، وإن خَرَجَ قبلَهُ فعليه الرُّجُوعُ إِليه لِفِعْلِهِ إن كانَ قريبًا ولم يَخَفْ على نَفْسٍ أو مَالٍ أو فواتِ رُفْقَتِهِ أو غَيْرِ ذَلِكَ ولا شيءَ عليه إذا رَجَعَ، فإن لم يمكنهُ أو أمكنَهُ ولم يَرْجِعْ أو أَبْعَدَ مسافَةَ قَصْرٍ فَعليه دَمٌ رَجَعَ أو لا، وسواء تركَهُ عَمْدًا أَو خَطأً أو نسيانًا.
وَمَتى رَجَعَ مع القُرْبِ لم يَلْزَمْهُ إحرامٌ، وَيَلْزَمُهُ مع البُعْدِ بِعُمْرَةٍ يأتي بها، ثُمَّ يَطوفُ للوداعِ.
فَائِدَةٌ: وإن أَخَّرَ طوافَ الزِّيَارَةِ أو القدُومِ فطافَهُ عِنْدَ الخروجِ كفاهُ عَنْهُمَا (1).
فَصْلٌ في زِيَارَةِ قَبْرِهِ الشَّريفِ عليه السَّلامُ وَقَبْرِ صاحبيهِ، رَضي الله عنهما
وهي سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِذَكَرٍ وَأُنْثى 2، فإذا دَخَلَ مَسْجِدَ المَدِينَةِ قَالَ ما يَقُولُهُ في دُخُولهِ غَيْرَهُ مِنَ المَساجِدِ، ثُمَّ يُصلِّي تَحِيَّةَ المَسْجِدِ ثُمَّ يأتي القَبْرَ الشَّرِيفَ، فَيَقِفُ قُبَالَةَ وَجْهِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْتَدْبِرَ القِبْلَةِ، وَيَسْتَقْبِلُ جِدَارَ الحُجْرَةِ والمِسْمَارَ الفِضَّةَ الذي في الرُّخامَةِ1
الحَمْراءِ، فَيُسَلِّمُ على جَنَابِهِ الشَّريفِ فيقولُ: السَّلامُ عَلَيْكَ يا رسول الله، وإن زَادَ على ذَلِكَ فَحَسَنٌ، ولا يَرْفَعُ صَوْتَهُ، ثُمَّ يَسْتقبلُ القِبْلَةَ، والحُجْرَةُ عن يَسارِهِ قَريبًا لِئَلَّا يَسْتَدْبِرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَيَدْعُو 1، ثُمَّ يَتَقَدَّمُ قليلًا من مَقَامِ سَلامِهِ نحوَ ذِراعٍ على يمينِهِ، فَيُسَلِّمُ على أبي بكرٍ -رضي الله عنه- ثُمَّ يَتَقَدَّمُ نحوَ ذراعٍ على يمينِهِ، أيضًا، فَيُسَلِّمُ على عُمر رَضِيَ الله عنه.
وَيَحْرُمُ الطَّوافُ بالحُجْرَةِ، ويُكْرَهُ رَفْعُ الصَّوْتِ عِنْدها.
ولا يَتَمَسَّحُ بِقَبْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، ولا يمسُّهُ ولا حائِطَهُ، ولا يُلْصِقُ بِهِ صَدْرَهُ ولا يقَبِّلُه.
وَتُسَنُّ الصَّلاةُ بِمَسْجِدِه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وأن يَأْتيَ مَسْجِدَ قُباءَ فَيُصَلِّيَ فيه ركعتينِ، وعادَ إلى قَبْرِ رسول الله صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَدَّع، وأعادَ الدُّعاءَ.
وَسُنَّ أن يَقُولَ عِنْدَ مُنْصَرَفِهِ من حَجِّهِ مُتَوَجِّهًا: "لا إلهَ إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وهو على كُلِّ شيءٍ قَدِيرٌ، آيبُونَ تَائِبونَ عابِدونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَق اللهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ" (1).
وَيَحْسُنُ أن يُقالَ لِلْحاجِّ إذا قَدِمَ: تَقَبَّلَ اللهُ نُسُكَك، وَأَعْظَمَ أَجْرَكَ، وَأَخْلَفَ نَفَقَتَكَ.
وكانوا يَغْتَنِمُونَ أَدْعِيَةَ الحَاجِّ قَبْلَ أن يَتَلَطَّخوا بالذُّنُوبِ.
فَصْلٌ في صِفَةِ العُمْرَةِ
مَنْ كان في الحَرَمِ مِن مَكِّيٍّ وغيرِه، خَرَجَ إلى الحِلِّ، فَأَحْرَمَ مِن أدْناه، والأَفْضَلُ مِن التَّنْعِيمِ ثُمَّ مِنَ الجِعْرَانَةِ، ثُمَّ من الحُدَيْبِيَّةِ، ثُمَّ ما بَعُدَ، وَمَن كانَ خَارِجَ الحَرَمِ داخلَ الميقاتِ فمن دُوَيْرَةِ أهْلِه، وَحَرُمَ مِنَ الحَرَم، وَيَنْعَقدُ وعليه دَمٌ.
ثُمَّ يَطوفُ وَيَسْعَى، وَيَحْلِقُ وَيُقصِّرُ، ولا بَأْسَ بها في السَّنَةِ مِرارًا، وهي في غَيْرِ أَشْهُرِ الحَجِّ أَفْضَلُ، وَأَفْضَلُها في رمضان.
وَيُسَنُّ تكرَارُها فيه، ويُكْرَهُ الإكثارُ مِنْها في غيره، والموالاةُ بَيْنَهُما، وَتُسَمَّى حَجًّا أَصْغَرَ.1
فَصْلٌ في أَرْكَانِ الحَجِّ والعُمْرَةِ وَوَاجِبَاتِهِمَا
أَرْكَانُهُ أَرْبَعَةٌ:
الإحرامُ، والوقوفُ، وطوافُ الزِّيَارَةِ، والسَّعِي.
وَوَاجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ:
الإحرامُ مِن الميقاتِ، والوقُوفُ بِعَرَفَة إلى اللَّيْل، والمبيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إلى دخولِ النِّصفِ الثَّاني، والمَبيتُ بِمنىً، والرمي مُرتبًا، والحلقُ أو التَّقْصيرُ، وطوافُ الوَدَاعِ.
وأركانُها ثَلاثَةٌ:
الإحرامُ، والطَّواف، والسَّعِيُ.
وواجِبُها اثنان:
الإحرامُ من الحِلِّ، والحَلْقُ أو التَّقْصيرُ.
وما عدا ذَلِكَ سُنَنٌ، فمن تَرَكَ الإحرام لم يَنْعَقِد نُسُكُهُ أو رُكنًا غَيْرَهُ أو نيتَهُ إن شُرِطَتْ لم يَتِمَّ نُسُكُهُ إلَّا بِهِ.
وَمن تَرَك واجِبًا ولو سَهْوًا فعليه دَمٌ، ولا شيءَ في تَرْكِ السُّنَّةِ إلَّا أنَّه يَنْقُصُ بذلك أَجْرُهُ.
ويُكْرَهُ تَسْمِيةُ من لم يَحُجَّ صَرُورةً -بالصاد المهملة- لأَنَّه اسمٌ جَاهِليٌّ، وأن يقال حِجَّةُ الوَداعِ، لأَنَّه اسم على أن لا يَعُودَ، وَشَهْرُ السِّلاحِ عِنْدَ قدومِ تَبُوكَ.
بَابُ الفَواتِ والإحْصَارِ
الفَواتُ سَبْقٌ لا يُدْرَكُ، والإحْصارُ الحَبْسُ.
فمن طَلَعَ عليه فَجْرُ يَوْمِ النَّحْرِ، ولم يَقِفْ بِعَرَفَةَ لِعُذْرِ حَصْرٍ أو غيرِهِ أو لِغَيْرِ عُذْرٍ فاتَهُ الحَجُّ، وانْقَلَبَ إحرامُهُ عُمْرَةً إن لم يَخْتَرِ البَقَاءَ عليه لِيَحُجَّ من قَابِلٍ، ولا تُجْزِئُهُ عن عُمْرَةِ الإسلامِ كمنذورةٍ، وعليه القَضَاءُ، ولو نَفْلًا، وعلى مَن لم يَشْتَرِطْ أَوَّلًا هَدْيٌ شاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ من حينِ الفَواتِ يَذْبَحُه في القضاءِ، فإن كان قارِنًا قَضَى قارنًا.
فإن عَدِمَ الهَدْيَ زَمَنَ الوجُوبِ، صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ: ثَلاثةً في الحَجِّ وَسَبْعَةً إذا رَجَعَ ثُمَّ حَلَّ.
والعبدُ لا يُهْدِي، ولو أَذِنَ لَهُ سَيَّدُهُ بل يصومُ، وهكذا كُلُّ دَمٍ لَزِمَهُ في الإحرامِ، ولا يُجْزِئُهُ عنه إلَّا الصِّيامُ، فيصومُ عن كُل مُا من قيمةِ الشَّاةِ يَوْمًا.
فَائِدَةٌ: إذا وَقَفَ كُلُّ الحَاجِّ إلَّا يسيرًا الثَّامِنَ أو العَاشِرَ خطأً أَجْزَأَهُم.
ومن مُنِعَ البَيْتَ ولو بَعْدَ الوقوفِ أو في عُمْرةٍ ذَبَحَ هَديًا بنيةِ
التَّحَلُّلِ وجُوبًا، فإن لم يَجدْهُ صامَ عَشَرَةِ أيّامٍ بالنِّيَّةِ، وَحَلَّ، ولا إطْعامَ فيه، ولو نوى التَّحَلُّلَ 1 قبل أَحَدهما لم يَحِلَّ، ولَزِمَهُ دمٌ لِتَحَلُّلِهِ، ولِكُلِّ محظورٍ فَعَلَهُ بَعْدَه.
ويُبَاحُ التَّحلُّلُ لِحَاجَةِ قِتَالٍ أو بَذْلِ مَالٍ لا يسيرٍ لِمُسْلِمٍ، ولا قضاءَ على من تَحَلَّلَ قَبْلَ فَواتِ الحَجِّ في نَفْلٍ، ومثلُهُ من جُنَّ أو أُغْمِي عليه.
ومن حُصِرَ عن طوافِ الإفاضةِ فقط لم يَحِلَّ حَتَّى يَطُوفَ 2.
ومن حُصِرَ عن واجبٍ لم يَتَحَلَّلْ وعليه دَمٌ وحَجُّهُ صَحيحٌ.
ومن صُدَّ عن عَرَفَةَ في الحَجِّ تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ ولا شيءَ عليه.
ومن أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أو ذهابِ نَفَقَةٍ أو ضَلَّ الطَّريقَ بَقِيَ مُحْرِمًا حَتَّى يَقْدِرَ على البَيْتِ، فإن فاتَهُ الحَجُّ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، ولا يَنْحَرُ هديًا معه إلَّا بالحَرَمِ.
وَمَن شَرَطَ في ابتداءِ إحْرَامِهِ أن يُحِلَّ مَتَى مَرِضَ، أو ضاعت نفقتُهُ، أو نَفِدَتْ، ونحوُهُ، أو قال: إن حَبَسَني حَابِسٌ، فَمَحِلِّي من حيثُ حَبَسْتَنِي، فَلَهُ التَّحَلُّلُ بجميعِ ذَلِكَ ولا شيءَ عليه.
بَابُ الهَدْي والأَضَاحِي
الهَدْيُ ما يُهدَى إلى الحَرَمِ من نَعَمٍ وغيرها، والأضْحِيةُ ما يُذْبَحُ من بَهِيمَةِ الأَنْعامِ أَيَّامَ النَّحْرِ بِسَبَبِ العيدِ تَقرُّبًا إلى الله تعالى.
والأَفْضَلُ إِبلٌ ثُمَّ بَقرٌ ثُمَّ غَنَمٌ إن أَخْرَجَ كَامِلًا، والأَفْضَلُ مِن كُلِّ جِنْسٍ أَسْمَنُ ثُمَّ أغلَى ثَمَنًا، ثُمَّ أَشْهَبُ، وهو الأَمْلَحُ، وهو الأَبيضُ، أو ما بَيَاضُهُ أَكْثَرُ من سَوادِه، ثُمَّ أصْفَرُ، ثُمَّ أسْوَدُ.
وَجَذَعُ ضَأْنٍ أَفْضَلُ من ثَنِيِّ مَعْزٍ، ومِنْ سُبُعِ بقَرَةٍ أو بَدَنَةٍ شاةٌ، ومِنْ بقَرَةٍ أو بَدَنَةٍ سَبع شياهٍ، وتَعَدُّدٌ في جِنْسٍ أَفْضَلُ من المُغَالاتِ بالثَّمَنِ، وذكرٌ كَأُنثى.
ولا يُجْزِئُ إلَّا جَذَعُ ضَأْنٍ أو ثَنِيُّ غيرِهِ، فَجَذَعُ ضَأْنٍ الذي له ستةُ أَشْهُرٍ، وثنيُّ مَعْزٍ له سَنَةٌ، وثنيُّ بَقَرٍ الذي له سنتانِ، وثَنِيُّ إبلٍ الذي له خمسُ سنين، وتُجْزِئُ شاةٌ عن واحدٍ وعن أهل بيته وعيالِهِ، وبَدَنَةٌ أو بقَرَةٌ عن سبعةٍ، ويُعْتبَرُ ذَبحُها عنهم.
وَتُجْزِئُ جَمَّاءُ وَبَتراءُ وخَصِيٌّ وَمَرْضُوضُ الخُصيَتَينِ، وما خُلِقَ
بلا أذنٍ أو ذَهَبَ نِصْفُ أليتيهِ أو أُذُنِهِ، لا بيِّنَةُ العَوَرِ، ولا قَائِمَةُ العَيْنَيْنِ مع ذَهَابِ أَبْصارِهِما، ولا عَجْفَاءُ لا تُنْقِي؛ وهي الهَزِيلَةُ التي لا مُخَّ فيها، ولا عَرْجَاءُ لا تُطِيقُ مشيًا مع صحيحةٍ، ولا بيِّنَةُ المَرَضِ، ولا جَدَّاءَ وهي التي شابَ وَنَشِفَ ضَرْعُها، ولا هَتْماءُ، وهي التي ذَهَبَتْ ثنايَاها من أصْلِها، ولا عَصْماءُ، وهي ما انْكسرَ غِلافُ قَرْنها، ولا خَصِيٌّ مجبوبٌ، ولا عضباءُ وهي ما ذَهَب أكثرُ أُذُنِها أو قَرْنها، وتُكْرَهُ مَعِيبَتُهُما بِخَرْقٍ أو شَقٍّ أو قَطْعِ النِّصْفِ فَأَقَلَّ.
فَصْلٌ
والسُّنَّةُ نَحْرُ إبلٍ قَائِمَةً مَعْقُولَةً يَدُها اليُسْرَى، بأن يطعَنَها في الوَهْدَةِ وهي ما بَيْنَ أَصْلِ العُنُقِ والصَّدْرِ، وَذَبْحُ بَقَرٍ وَغَنَمٍ على جَنْبِها الأَيْسَرِ مُوَجَّهَةً إلى القِبْلَةِ، وَيَجُوزُ عكسُهُ، وَيُسَمِّي حين يُحَرِّكُ يَدَهُ بالفِعْلِ، وهي شَرْطٌ، لكنها تَسْقُطُ سَهْوًا لا جَهْلًا، ويَقُولُ: "اللَّهُمَّ هذا مِنْكَ وَلَكَ" 1.
وَيَذْبَحُ الواجِبَ قَبْلَ النَّفْلِ.
وَيُسَنُّ إسلامُ ذابحٍ، ويُكْرَه ذَبْحُ كِتابيٍّ، وذبحُ غيره من الكُفار
مَيْتَةٌ.
وَيُسَنُّ أن يتولَّى صاحِبُها ذَبْحَها بنفسِهِ، ويحضُرُ إن وَكَّلَ، وتُعتبَرُ نيتُهُ إِذَنْ إلَّا مع التَّعْيِينِ.
وَوَقْتُ ذَبْحِ أُضْحِيَةٍ، وهَدْيِ نَذْرٍ أو تَطَوُّعٍ أو مُتْعَةٍ أو قِرانٍ من بَعْدِ أَسْبَقِ صلاةِ العيدِ بالبَلَدِ أو قدرِهَا لمن لم يُصَلِّ، وإن فاتت الصَّلاةُ بالزَّوالِ ذَبَحَ وآخِرُهُ آخِرُ اليوم الثَّاني من أَيَّامِ التَّشْرِيقِ، ويُكْرَهُ في ليلتِهِمَا.
فإن فات الوقتُ قَضَى الواجِبَ وسقطَ التَّطَوُّعُ.
ووقتُ ذبحِ واجبٍ بِفِعْلِ محظورٍ من حينِهِ، وإن أرادَ فِعْلَهُ لِعُذْرٍ فَلَهُ ذَبْحُهُ قبلَهُ، وكذا ما وَجَبَ لِتَرْكِ واجِبٍ.
فَرْعٌ: وَيَتَعَيَّنُ الهَدْيُ بِقَوْلِهِ: هذا هَدْيٌ.
أو بِتَقْلِيدِهِ، أو إشْعَارِهِ مع النِّيَّةِ فيهما.
وتتعيَّنُ الأَضحيةُ بقوله: هذه أُضْحِيةٌ أو للهِ ونحوه من ألفاظِ النَّذْرِ فيهما، لا بالنِّيَّةِ حَالَ الشِّراءِ، ولا بِسَوْقِهِ مع نيتِهِ كإخراجِهِ ما لا يُتَصَدَّقُ بِهِ.
وما تَعَيَّنَ جَازَ نَقْلُ المِلْكِ فيه وشراءُ خَيْرٍ مِنْهُ، ولا يجوزُ بَيْعُهُ في دَيْنٍ ولو بَعْدَ مَوْتِ من عَيَّنَهُ.
وإن عُيِّنَ مَعْلُومٌ عيبُهُ تعَيَّنَ، وإن عَلِمَ عَيْبَهُ بعد التَّعْيِينِ مَلكَ الرَّدَّ، وإن أُخِذَ الأَرْشُ تُصُدِّقَ بِهِ أو اشْتُرِيَ بِهِ لَحْم وتُصُدِّقَ بِه إن لم يَتَّسِعْ لِشاةٍ.
وله ركوبُ المُعَيَّنِ لِحَاجَةٍ فقط بلا ضَرَرٍ ويَضْمَنُ النَّقْصَ، وإن ولدت ذُبِحَ معها إن أمكنَ حملُهُ أو سَوْقُهُ وإلَّا فكَهَدْي عَطِبَ.
ولا يشربُ من لَبَنِها إلَّا ما فَضَلَ عنه، وَيَجُزُّ صُوفَها لِمَصلَحَةٍ، وَيَتَصَدَّقُ به، وله إعطاءُ الجَازِرِ منها هَدِيةً وَصَدَقةً، لا بِأُجْرَةٍ، وينتفعُ أو يَتَصَدَّقُ بِجِلْدِها وجُلِّها، وَيَحْرُمُ بيعُ شيءٍ منهما أو منها.
وإن سُرِقَ مَذْبوحٌ من أُضْحِيةٍ أو هديٍ مُعَيَّنٍ ابتداءً أو عن واجِبٍ في الذِّمَّةِ ولو بنذرٍ فلا شيءَ فيه، وإن لم يكن مُعينًا ضُمِنَ.
وإن ذَبَحها ذَابِحٌ في وقْتِها بلا إِذْنٍ، فإن نَواها عن نفسِهِ مع عِلْمِهِ أنَّها أُضحِيَةُ الغَيْرِ لم تُجْزِئْ واحدًا منهما، وإن فَرَّقَ اللحم مالِكُها أجزأَتْهُ وَضَمِنَ ذابِحٌ ما بين القيمتينِ، وإن فَرَّقَ اللَّحْمَ ضَمِنَ قيمتَها، وإن نواها عن رَبِّها أو أَطْلَقَ أجزأتْ ولا ضمان.
وإن ضَحَّى كُلٌّ بأضحيةِ الآخَرِ غَلَطًا أجزأتْهُما ولا ضمان، وإن بقِيَ اللَّحْمُ فَرَّقَ كُلٌّ أُضْحِيَتَهُ.
وإن أتلَفَها أجنبيٌّ أو صاحِبُها ضَمِنَها بقيمَتِها يَوْمَ التَّلَفِ تُصْرَفُ في مثلِها، بخلافِ عَبْدٍ تَعيَّن لعِتْقٍ فلا يلزَمُ صَرْفُ قيمتِهِ في مثلِهِ.
ولو مَرِضَتْ فَخَافَ عليها فَذَبَحَها فعليه بَدَلُهَا، ولو تَرَكَها فماتَتْ فلا، وإن فضل عن شِراءِ المِثْلِ شيءٌ فحكْمُهُ كَأَرْشِ مَعيبٍ.
وإن عَطِبَ بالطَّرِيقِ هديٌ واجِبٌ أو تطوعٌ بِنِيَّةٍ دامت ذبحَهُ
مَوْضِعَه.
ويُسَنُّ غَمْسُ نعلِهِ في دَمِهِ، وَضَرْبُ صَفْحَتِه بِها لِيَعْرِفَها الفُقراءُ فَيَأْخُذُوها، وَحَرُمَ أَكْلُهُ وأَكْلُ خاصّتِهِ منها.
وإن تَلِفَ أو عَابَ بفعلِهِ أو تفريطِهِ لَزِمَهُ بَدَلُهُ كَأُضْحِيَةٍ، وإِلَّا أَجْزَأَ ذبحُ ما تعيَّبَ مِنَ الواجِبِ بالتَّعْيينِ كتعيينهِ مَعيبًا فَبَرِئَ.
وإن وَجَبَ قَبْلَ تعيينٍ كفديةٍ ومنذورٍ في الذِّمَّةِ فلا، وعليه نظيرُهُ، ولو زَادَ عَمَّا في الذمَّةِ، وكذا لو سُرِقَ أو ضَلَّ ونحوُهُ.
ولَيْسَ له استرجاعُ عاطِبٍ، ومعيبٍ، وَضَالٍّ وُجِدَ ونحوه.
فَائِدَةٌ: يَجِبُ الهَدي بالنَّذْرِ، ومنه: إن لَبِسْتُ ثَوْبًا مِن غَزْلكَ، فهو هَدْيٌ.
فَلَبِسَهُ، أَهْداهُ وعليه إيصالُهُ إلى فُقَراءِ الحَرَمِ.
ويبيعُ غَيْرَ المَنْقُولِ كالعَقارِ، وَيَبْعَثُ ثَمَنَهُ لهم.
وإن عَيَّنَهُ لِمَوْضِع غَيْرِ الحَرَمِ لَزِمَهُ ذَبْحُهُ فيه، وَتَفْرِقَةُ لَحْمِهِ على مَسَاكِينِهِ، أو إطْلاقهُ لهم، إلَّا أن يكونَ فيه صَنَمٌ أو شيءٌ من الكُفْرِ أو المعاصِي، كبُيُوتِ النَّارِ والكنائِسِ وَنَحْوِها فلا يُوفِ به.
وإن نَذَرَ هديًا وأَطْلَقَ فَأَقَلُّ مجزئٍ شاةٌ أو سُبع بَدَنةٍ أو سُبْعُ بقَرَةٍ، وإن ذَبَح إحداهُما عنه كانَتْ كُلُّها واجِبَةً، وإن نَذَرَ بَدَنَةً أجْزأَتْهُ بقَرَةٌ إن أطلقَ، وإلَّا لَزِمَهُ ما نواهُ، وإن نَذَرَ مُعينًا أَجْزَأَهُ ولو صغيرًا أو معيبًا.
ويُسَنُّ أن يَأْكُلَ من هديهِ التَّطوعِ ويُهْدِيَ ويتصدَّقَ أثلاثًا
كالأُضْحِيَةِ، فإن أَكَلَها ضَمِنَ المشروعَ للصَّدَقَةِ منها كالأُضْحِيَةِ، وإن فَرَّق أجنبيٌّ نَذْرًا بِلا إِذْنِ لم يضمَنُ.
ولا يَأْكُلُ من واجبٍ إلَّا من دمِ مُتعَةٍ وقرانٍ، وما جازَ لَهُ أكلُهُ فَلَهُ هديتُهُ وما لا فلا، فإن فَعَلَ ضَمِنَهُ بمثلِهِ لَحْمًا، ويضمنه أجنبيٌّ بقيمَتِهِ.
تَتِمَّةٌ: يُسَنُّ سَوْقُ الهَدْي مِنَ الحِلِّ وأن يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وإشعارُ البُدْنِ والبَقَرِ بِشَقِّ صفحةِ سَنَامِها اليُمنى أو مَحَلِّهِ مِمَّا لا سَنَامَ لها حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ، وتقليدهما مَعَ غَنَمٍ النَّعْلَ وآذانَ القِرَبِ والعُرَى، وإن ساقَهُ من قبل الميقاتِ أَشْعَرَهُ وَقَلَّدَهُ.
فَصلٌ
والأُضْحِيَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ لِمُسْلِمٍ، ولو مُكاتَبًا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ، ويُكْرَهُ تَرْكُها لقادِرٍ عليها، وتَجِبُ بِنَذْرٍ، وكانت واجِبَةً على النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَذَبْحُ أُضْحِيةٍ وعقيقةٍ أفْضَلُ من الصَّدَقَةِ بثَمَنِهِما.
وَيُسَنُّ أن يَأْكُلَ منها، ويُهْدِيَ، وَيَتَصَدَّق أَثْلاثًا ولو واجبةً، لكن لا يُهدي لِكَافِرٍ من واجبةٍ، ولا يُهْدِي ولا يَتَصَدَّقُ من أُضْحِيَةِ يَتِيمٍ ولا المُكاتَبِ.
ويجوزُ قَوْلُ مُضَحٍّ: "من شَاءَ اقْتَطَعَ" (1). وَأَكْلُها إلَّا ما يقعُ عليه الاسمُ، فلو أَكَلَ الجميع ضَمِنَ ما يَقَعُ عليه الاسم بمثلِهِ لَحْمًا، ويُعْتبَرُ تمليك الفَقِيرِ فلا يكفي إطعامُهُ.
فَائِدَةٌ: إذا دَخَلَ العَشْرُ حَرُمَ على مُريدٍ أن يُضَحِّي أو يُضحَّى عنه أَخْذُ شيءٍ من شعرِهِ أو ظُفُرِهِ أو بشرتهِ إلى الذَّبْحِ، فإن فَعَلَ تَابَ ولا فديةَ.
ويُسنُّ حَلقُهُ بَعْدَ الذَّبْحِ، ولو أَوْجَبَها ثُمَّ مات قَبْلَ الذَّبْحِ أو بعده قام وارثُهُ مَقَامَهُ.
فَصْلٌ
والعَقِيقَةُ سُنَّةٌ مُؤَكَدَةٌ في حَق الأَبِ، وهي عن الغُلامِ شاتانِ مُتقارِبتانِ سِنًّا وَشَبَهًا، فإن تَعَذَّرَتا فواحِدَةٌ، وعن الجَارِية شَاةٌ.
فإن لم يَكُنْ عِنْدَهُ ما يَعُقُّ بِهِ اقْتَرَضَ إن كَانَ لَهُ وَفَاءٌ.
ولا يعقُّ غَيْرُ الأَبِ ولا المولودُ عن نفسِهِ إذا كَبِرَ، فإن فَعَلَ لم يُكْرَه فيهما.
تُذْبَحُ في سَابِعِ ولادَتِهِ، ويُحْلَقُ فيه رَأْسُ ذَكَرٍ، ويُتَصَدَّقُ بوزنِهِ ورِقًا، وكُرِهَ لَطْخُه من دَمِها.
ولا تُجْزِئُ بَدَنَةٌ أو بقرةٌ إلَّا كامِلَةً، وتجوزُ قَبْلَ السَّابع، ويُسَمَّى فيه.
وَتَحْرُمُ التَّسْمِيةُ بِمُعَبَّدٍ لِغَيْرِ الله، كَعَبْدِ الكَعْبَةِ وَعَبْدِ النَّبِيِّ، وبما1
يُوازي أسماءَ اللَّهِ، وبما لا يليقُ إلَّا بِهِ تعالى كَبَرٍّ، وقُدّوسٍ، وخَالِقٍ، وَرَحْمَنٍ، ومُهَيْمِنٍ، وَمَلِكِ الأَمْلاكِ.
وَكُرِهَ بِحَرْبٍ، وَيَسَارٍ، ومُرَّةَ، وَحَزْنٍ، ونَافِعٍ، وَأَفْلَحَ، ونَجِيحٍ، وبَرَكَةَ، وَيَعْلَى، ومُقْبِلٍ، ورافِع، ورَباحٍ، والعاصِي، وشِهَابٍ، والمُضْطَجِعِ، وَنَبِيٍّ، وكذا ما فيه تَزْكِيَةٌ لِلنَّفْسِ كالتَّقِيِّ، والزَّكِيِّ، والأَشْرَفِ، والأَفْضَلِ، وَبَرَّةَ، لا بأسماءِ الأَنبياءِ والملائِكَةِ.
وأحبُّ الأَسماءِ إلى الله هو عَبْدُ اللهِ، وعَبْدُ الرَّحْمَنِ، وكُلُّ ما أُضيفَ إلى الله فَحَسَنٌ، ولا يُكْرَهُ التَّكَني بأبي القاسم بعد النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وتُكْرَهُ التَّسْمِيةُ بأسماءِ الشياطينِ، كَخِنْزَبٍ، وَوَلْهَانٍ، والأَعْورِ، والأَجْدَعِ، وبأسماء الفَراعِنَةِ والجَبَابِرَةِ كفِرْعَونَ، وهامانَ، والوليد.
ويُسَنُّ تَغْييرُ الاسْمِ القَبيحِ إلى اسمٍ حَسَنٍ، وَيَحْرُمُ على كُلِّ أَحَدٍ أن يُلَقِّبَ أَحَدًا بما يكرَهُهُ سواءٌ كان مُنشِئَه أولم يكن؛ لأَن الله تعالى سَمَّاهُ فُسُوقًا، والسُّنَّةُ أن تَدْعُوَ أخَاكَ بِأَحَبِّ أسمائِهِ إليه، لكن إذا لم يُمكن تَعْرِيفُهُ إلَّا باللَّقَبِ جَازَ.
تَنْبِيهٌ: فإن لم يَفْعَلِ العقيقةَ يَوْمَ السَّابِعِ ففي أربعةَ عَشَرَ، فإن فاتَ ففي إحدٍ وعشرين، ولا تُعْتبَرُ الأَسابِيعُ بَعْدَ ذَلِكَ، وينزعُها أعضاءً، ولا يكسِرُ عظمها، وطبخُهَا أَفْضَلُ.
ويكونُ منه بِحُلْوٍ.
وَحُكْمُها كأُضْحِيَةٍ؛ لكن يُباعُ جِلْدٌ ورأْسٌ وسَواقِطُ، وَيَتَصَدَّقُ بثَمَنِهِ، ولا يعتبَرُ تملِيكها للفقيرِ، وإن اتَّفَقَ وقتُ أُضْحِيةٍ وعقيقةٍ فَعَقَّ أو ضَحَّى ونوى عنهُما حَصَلا.
وَيُسَنُّ أن يعطِيَ القَابِلَةَ مِنْها فَخِذًا.
وَيَقُولُ عِنْدَ ذَبْحِها: "بِسْمِ اللهِ، اللَّهُمَّ لَكَ وإِلَيْكَ، هذِهِ عِقيقِةُ فُلانٍ بن فُلانٍ" 1.