َمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الْخَوْفُ مِنَ اللَّهِ
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- حافظ بن أحمد حكمي
- الكتاب
- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول
- المؤلف
- حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: 1377هـ)
- المحقق
- عمر بن محمود أبو عمر
- الناشر
- دار ابن القيم - الدمام
- الطبعة
- الأولى، 1410 هـ - 1990 م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مشكول ومذيل بالحواشي]
عَزَّ وَجَلَّ, قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:12345
﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 175] وَقَالَ سُبْحَانَهُ: ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ﴾ [الرَّحْمَنِ: 46] وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ﴾ وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ﴾ [الْإِسْرَاءِ: 57] وَقَالَ تبارك اسمه: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ﴾ [الزُّمَرِ: 9] الْآيَةَ وَغَيْرَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا, وَمَا تَلَذَّذْتُمْ بِالنِّسَاءِ عَلَى الْفُرُشَاتِ, وَلَخَرَجْتُمْ إِلَى الصُّعُدَاتِ تَجْأَرُونَ" رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَاجَهْ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ1.
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أُمِّ الْعَلَاءِ الْأَنْصَارِيَّةِ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "وَاللَّهِ لَا أَدْرِي, وَاللَّهِ لَا أَدْرِي وَأَنَا رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ" 2 وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَا رَأَيْتُ مِثْلَ النَّارِ نَامَ هَارِبُهَا, وَلَا مِثْلَ الْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا" 3 وَفِيهِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ, وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ. أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ, أَلَا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ"4.
وَلَهُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "يَقُولُ اللَّهُ جَلَّ ذِكْرُهُ: أَخْرِجُوا مَنْ ذَكَرَنِي يَوْمًا أَوْ خَافَنِي فِي مَقَامِي" 5 وَلَهُ
هُوَ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشِةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 60] هُمُ الَّذِينَ يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ وَيَسْرِقُونَ؟ قال: "لا يابنة الصِّدِّيقِ, وَلَكِنَّهُمُ الَّذِينَ يَصُومُونَ وَيُصَلُونَ وَيَتَصَدَّقُونَ وَهُمْ يَخَافُونَ أَنْ لَا يُقْبَلَ مِنْهُمْ: ﴿أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 61] "1. وَفِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ شِبْتَ قَالَ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَأَخَوَاتُهَا" 2, وَمِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: "شَيَّبَتْنِي هُودٌ وَالْوَاقِعَةُ وَالْمُرْسَلَاتُ وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ وَإِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ" 3, وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
"تَوَكُّلٌ" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَهُوَ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ
عَلَيْهِ وَثِقَتُهُ بِهِ وَإِنَّهُ كَافِيهِ, قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [الْمَائِدَةِ: 23] فَجَعَلَهُ تَعَالَى شَرْطًا فِي الْإِيمَانِ كَمَا وَصَفَ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهُمْ أَهْلُهُ, إِذْ قَالَ تَعَالَى: ﴿وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وَقَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: ﴿إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا﴾ [يُونُسَ: 84] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ رُسُلِهِ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ: ﴿وَمَا كَانَ لَنَا أَنْ نَأْتِيَكُمْ بِسُلْطَانٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ، وَمَا لَنَا أَلَّا نَتَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ وَقَدْ هَدَانَا سُبُلَنَا وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: 11، 12] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ نَبِيِّهِ هُودٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا﴾ [هُودٍ: 56] الْآيَةَ.
وَكَذَلِكَ عَنْ نَبِيِّهِ نُوحٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِذْ قال لقومه: ﴿يَا قَوْمِ إِنْ كَانَ كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَقَامِي وَتَذْكِيرِي بِآيَاتِ اللَّهِ فَعَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْتُ فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً﴾ [يُونُسَ: 71] الْآيَةَ.
وَقَالَ تَعَالَى عَنْ شُعَيْبٍ: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هُودٍ: 88] . وَقَالَ تَعَالَى لِنَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ﴾ [النَّمْلِ: 79] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلِلَّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ﴾ [هُودٍ: 123] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا﴾ [الْمُزَّمِّلِ: 9] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ [التَّوْبَةِ: 129] . وَقَالَ تَعَالَى فِي مَدْحِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 173] . وَقَالَ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الْأَنْفَالِ: 2] . وَقَالَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ [الشُّورَى: 36] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطَّلَاقِ: 3] أَيْ: كَافِيهِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكَافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزُّمَرِ: 36] الْجَوَابُ: بَلَى, وَالْآيَاتُ فِي هَذَا الْبَابِ كَثِيرَةٌ.
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ -رَضِيَ
اللَّهُ عَنْهُمَا- فِي هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 173] : قَالَهَا إِبْرَاهِيمُ -عَلَيْهِ السَّلَامُ- حِينَ أُلْقِيَ فِي النَّارِ, وَقَالَهَا مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ حِينَ: ﴿قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾ [آلِ عِمْرَانَ: 173] 1. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا بِلَا حِسَابٍ, هُمُ الَّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَتَطَيَّرُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ" 2, وَفِي السُّنَنِ: "الطِّيَرَةُ شِرْكٌ, الطِّيَرَةُ شِرْكٌ" قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: وَمَا مِنَّا إِلَّا, وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ3.
وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: "لو أنكم تتوكلون عَلَى اللَّهِ حَقَّ تَوَكُّلِهِ, لَرَزَقَكُمْ كَمَا يَرْزُقُ الطَّيْرَ, تَغْدُو خِمَاصًا وَتَرُوحُ بِطَانًا" 4, وَفِي حَدِيثِ الْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ: "وَاعْلَمْ أَنَّ مَا أَصَابَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَكَ, وَمَا أَخْطَأَكَ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَكَ" 5 وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "إِنِّي لَأَعْلَمُ آيَةً فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَوْ أَخَذَ النَّاسُ بِهَا لَكَفَتْهُمْ: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا، وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾ [الطَّلَاقِ: 2] 6, وَلِابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ
رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّ قَلْبَ ابْنِ آدَمَ لِكُلِّ وَادٍ شُعْبَةٌ, فَمَنْ أَتْبَعَ قَلَبَهُ الشُّعَبَ كُلَّهَا لَمْ يُبَالِ اللَّهُ بِأَيِّ وَادٍ هَلَكَ, وَمَنْ تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ كَفَاهُ الشُّعَبَ"1, وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ وَالْأَحَادِيثِ.
"كَذَا الرَّجَاءُ" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الرَّجَاءُ, قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا﴾ [الْكَهْفِ: 110] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللَّهِ فَإِنَّ أَجَلَ اللَّهِ لَآتٍ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾ [الْعَنْكَبُوتِ: 5] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ، أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [يُونُسَ: 7] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ, وَفِي الْحَدِيثِ: "أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي, فَلْيَظُنَّ بِي مَا شَاءَ" 2. وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: "إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ الرَّحْمَةَ يَوْمَ خَلَقَهَا مِائَةَ رَحْمَةٍ, فَأَمْسَكَ عِنْدَهُ تِسْعًا وَتِسْعِينَ رَحْمَةً وَأَرْسَلَ فِي خَلْقِهِ كُلِّهِمْ رَحْمَةً وَاحِدَةً, فَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الرَّحْمَةِ لَمْ يَيْأَسْ مِنَ الْجَنَّةِ, وَلَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ بِكُلِّ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعَذَابِ لَمْ يَأْمَنِ النَّارَ" 3, وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي دُعَاءِ الْمَكْرُوبِ: "اللِّهُمَّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو, فَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي وَلَا إِلَى أَحَدٍ مِنْ خَلْقِكَ طَرْفَةَ عَيْنٍ" الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ4.
"وَرَغْبَةٌ وَرَهْبَةٌ خُشُوعُ" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الرَّغْبَةُ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مِنَ الثَّوَابِ وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى الرَّجَاءِ, وَالرَّهْبَةِ مِمَّا عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْعِقَابِ وَهِيَ رَاجِعَةٌ إِلَى مَعْنَى الْخَوْفِ.
وَالْخُشُوعُ هُوَ التَّذَلُّلُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, قَالَ تَعَالَى فِي
آلِ زَكَرِيَّا عَلَيْهِمُ السَّلَامُ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 90] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ [الْإِسْرَاءِ: 109] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [الْبَقَرَةِ: 45, 46] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 2] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ﴾ [الْبَقَرَةِ: 40] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَإِذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإِلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾ [الانشراح: 8] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ. وَفِي حَدِيثِ الدُّعَاءِ عِنْدَ النَّوْمِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْلَمْتُ نَفَسِي إِلَيْكَ, وَوَجَّهْتُ وَجْهِي إِلَيْكَ, وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ, وَفَوَّضْتُ أَمْرِي إِلَيْكَ, رَغْبَةً وَرَهْبَةً إِلَيْكَ" الْحَدِيثَ فِي الصَّحِيحَيْنِ1.
وَلِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ فِي خُطْبَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: أَمَّا بَعْدُ فَإِنِّي أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَتُثْنُوا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ, وَتَخْلِطُوا الرَّغْبَةَ بِالرَّهْبَةِ, وَتَجْمَعُوا الْإِلْحَافَ بِالْمَسْأَلَةِ؛ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَثْنَى عَلَى زَكَرِيَّا وَأَهْلِ بَيْتِهِ فَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 90] 2. وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ: "خَشَعَ لَكَ سَمْعِي وَبَصَرِي وَمُخِّي وَعَظْمِي وَعَصَبِي" 3 وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
الْخُشُوعُ لِلَّهِ "وَخَشْيَةٌ" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الْخَشْيَةُ, وَهِيَ مُرَادِفَةٌ لِلْخَوْفِ.
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ﴿فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ﴾ [الْبَقَرَةِ: 150] وَقَالَ تَعَالَى فِي مَدْحِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ هُمْ مِنْ خَشْيَةِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 57] الْآيَاتِ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ مِنْ عَذَابِ رَبِّهِمْ مُشْفِقُونَ﴾ [الْمَعَارِجِ: 27] الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ كِتَابِهِ الْعَزِيزِ: ﴿وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾ [الْأَنْعَامِ: 51] الْآيَاتِ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى﴾ [طه: 1-3] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ﴾ [يس: 11] الْآيَةَ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزُّمَرِ: 23] الْآيَةَ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿هَذَا مَا تُوعَدُونَ لِكُلِّ أَوَّابٍ حَفِيظٍ مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ﴾ [ق: 33] الْآيَاتِ, وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ السَّاعَةِ: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا﴾ [النَّازِعَاتِ: 45] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ [الْأَعْلَى: 10] وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾ [لُقْمَانَ: 33] الْآيَةَ.
وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَلِجُ النَّارَ رَجُلٌ بَكَى مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَعُودَ اللَّبَنُ فِي الضَّرْعِ" 1 وَفِيهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ -رِضَى اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ وَأَثَرَيْنِ: قَطْرَةِ دُمُوعٍ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ, وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهْرَاقَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَأَمَّا الْأَثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ, وَأَثَرُ فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى" وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ2 وَفِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ أَخْشَاكُمْ وَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ أَنَا" 3.
الْحَدِيثَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
"إِنَابَةٌ" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الْإِنَابَةُ وَهِيَ التَّوْبَةُ النَّصُوحُ, وَالرُّجُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى, قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ﴾ [الزُّمَرِ: 54] وَقَالَ تَعَالَى فِي ذِكْرِ شُعَيْبٍ: ﴿وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [هُودٍ: 88] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبِّي عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ﴾ [الشُّورَى: 10] وَقَالَ تَعَالَى عَنْ إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ: ﴿رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ [الْمُمْتَحِنَةِ: 4] وَقَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ﴾ [الزُّمَرِ: 17] وَقَالَ عَنْ عَبْدِهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ﴾ [ص: 24] وَفِي ذَلِكَ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ سَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَيَسَّرَ مِنْهَا فِي بَابِهِ.
"خُضُوعٌ" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الْخُضُوعُ وَهُوَ وَالْخُشُوعُ والتذلل بمعنى واحد, وَتَقَدَّمَتِ الْآيَاتُ والأحاديث فيه.
و"الاستعاذة" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الِاسْتِعَاذَةُ, وَهِيَ الِامْتِنَاعُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالِالْتِجَاءُ إِلَيْهِ, قَالَ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [النَّحْلِ: 98] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 97, 98] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [الْأَعْرَافِ: 200] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ﴾ [الْفَلَقِ: 1, 2] السُّورَةَ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ مَلِكِ النَّاسِ إِلَهِ النَّاسِ مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [النَّاسِ: 1-4] السُّورَةَ, وَقَالَ عَنْ كَلِيمِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لَا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ﴾ [غَافِرٍ: 27] وَقَالَ تَعَالَى عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ﴾ [الدُّخَانِ: 20] وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَعُوذُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ وَبِسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ, مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ.
مِنْ هَمْزِهِ وَنَفْخِهِ
وَنَفْثِهِ" 1. وَقَالَ: "أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّاتِ مِنْ شَرٍّ مَا خَلَقَ" 2, وَقَالَ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ, وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ, وَبِكَ مِنْكَ" 3 وَقَالَ: "تَعَوَّذُوا بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ" 4, وَاسْتَعَاذَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْهَمِّ وَالْحَزَنِ وَالْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْبُخْلِ وَالْجُبْنِ وَضَلَعِ الدَّيْنِ وَغَلَبَةِ الرِّجَالِ, وَمِنَ الرَّدِّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ, وَمِنَ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ, وَمِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ, وَمِنْ فِتْنَةِ النَّارِ وَعَذَابِ النَّارِ, وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْغِنَى, وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْفَقْرِ, وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ, وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ, وَغَيْرِ ذَلِكَ.
"وَالِاسْتِعَانَةُ" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الِاسْتِعَانَةُ, وَهِيَ طَلَبُ الْعَوْنِ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الْفَاتِحَةِ: 4] أَيْ: لَا نَعْبُدُ إِلَّا إِيَّاكَ وَلَا نَسْتَعِينُ إِلَّا بِكَ, وَنَبْرَأُ مِنْ كُلِّ مَعْبُودٍ دُونَكَ وَمِنْ عَابِدِيهِ, وَنَبْرَأُ مِنَ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ إِلَّا بِكَ, فَلَا حَوْلَ لِأَحَدٍ عَنْ مَعْصِيَتِكَ وَلَا قُوَّةَ عَلَى طَاعَتِكَ, إِلَّا بِتَوْفِيقِكَ وَمَعُونَتِكَ. وَقَالَ عَنْ نَبِيِّهِ يَعْقُوبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [يُوسُفَ: 18] وَقَالَ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ﴿قَالَ رَبِّ احْكُمْ بِالْحَقِّ وَرَبُّنَا الرَّحْمَنُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ﴾ [الْأَنْبِيَاءِ: 112] وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ وَصِيَّةِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ, وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ" الْحَدِيثَ, وَقَالَ فِيهِ: حَسَنٌ صَحِيحٌ5.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ: "احْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ،
وَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ" 1, وَفِي التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَى ذِكْرِكَ, وَشُكْرِكَ, وَحُسْنِ عِبَادَتِكَ" 2, وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
"كَذَا اسْتِغَاثَةٌ بِهِ سُبْحَانَهُ" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الِاسْتِغَاثَةُ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, وَهِيَ طَلَبُ الْغَوْثِ مِنْهُ تَعَالَى, مِنْ جَلْبِ خَيْرٍ أَوْ دَفْعِ شَرٍّ, قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ﴾ [الْأَنْفَالِ: 9] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ وَيَكْشِفُ السُّوءَ وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ أَإِلَهٌ مَعَ اللَّهِ﴾ [النَّمْلِ: 62] الْآيَةَ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ﴾ [الشُّورَى: 28] الْآيَةَ, وَمِنْ دُعَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ, يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ, يَا بَدِيعَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ, بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ" 3, وَفِي الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادِهِ مِنْ حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مُنَافِقٌ يُؤْذِي الْمُؤْمِنِينَ, فَقَالَ بَعْضُهُمْ: قُومُوا بِنَا نَسْتَغِيثُ بِرَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- مِنْ هَذَا الْمُنَافِقِ, فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "إِنَّهُ لَا يُسْتَغَاثُ بِي, وَإِنَّمَا يُسْتَغَاثُ بِاللَّهِ"4.
وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الِاسْتِسْقَاءِ: فَرَفَعَ رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ: "اللَّهُمَّ أَغِثْنَا, اللَّهُمَّ أَغِثْنَا, اللَّهُمَّ أَغِثْنَا" 5 وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ.
"وَالذَّبْحُ" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ الذَّبْحُ نُسُكًا لِلَّهِ تَعَالَى مِنْ هَدْيٍ وَأُضْحِيَةٍ
وَعَقِيقَةٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ, قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ﴾ [الْكَوْثَرِ: 3] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ﴾ [الْأَنْعَامِ: 163] الْآيَاتِ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا﴾ [الْحَجِّ: 36] الْآيَاتِ.
وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَلِيٍّ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: حَدَّثَنِي رَسُولُ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بِأَرْبَعِ كَلِمَاتٍ: "لَعَنَ اللَّهُ مَنْ ذَبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ" 1 الْحَدِيثَ.
وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "دَخَلَ الْجَنَّةَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ, وَدَخَلَ النَّارَ رَجُلٌ فِي ذُبَابٍ" قَالُوا: وَكَيْفَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "مَرَّ رَجُلَانِ عَلَى قَوْمٍ لَهُمْ صَنَمٌ لَا يُجَاوِزُهُ أَحَدٌ حَتَّى يُقَرِّبَ لَهُ شَيْئًا, فَقَالُوا لِأَحَدِهِمَا: قَرِّبْ قَالَ: لَيْسَ عِنْدِي شَيْءٌ أُقَرِّبُ.
فَقَالُوا لَهُ: قَرِّبْ وَلَوْ ذُبَابًا, فَقَرَّبَ ذُبَابًا فَخَلَّوْا سَبِيلَهُ فَدَخَلَ النَّارَ.
فَقَالُوا لِلْآخَرِ: قَرِّبْ قَالَ: مَا كُنْتُ لِأُقَرِّبَ لِأَحَدٍ شَيْئًا دُونَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, فَضَرَبُوا عُنُقَهُ فَدَخَلَ الْجَنَّةَ" 2.
"وَالنَّذْرُ" أَيْ: وَمِنْ أَنْوَاعِ الْعِبَادَةِ النَّذْرُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ وَقَالَ تَعَالَى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا﴾ [الْإِنْسَانِ: 7] وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ نَفَقَةٍ أَوْ نَذَرْتُمْ مِنْ نَذْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُهُ﴾ [الْبَقَرَةِ: 270] الْآيَةَ.
وَعَنْ عَائِشَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَنْ نَذَرَ أَنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ, وَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَعْصِيَ اللَّهَ فَلَا يَعْصِهِ" رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ إِلَّا مُسْلِمًا 3. وَعَنْ عُمَرَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: نَذَرْتُ نَذْرًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ،
فَسَأَلْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعْدَمَا أَسْلَمْتُ, فَأَمَرَنِي أَنْ أُوفِيَ بِنَذْرِي, رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ1.
وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: بَابُ إِثْمِ مَنْ لَا يَفِي بِالنَّذْرِ, وَذَكَرَ حَدِيثَ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "خَيْرُكُمْ قَرْنِي ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ" قَالَ عِمْرَانُ: لَا أَدْرِي ذَكَرَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا بَعْدَ قرنه "ثم يجيء قَوْمٌ يَنْذِرُونَ وَلَا يُوفُونَ, وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ, وَيَشْهَدُونَ وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ, وَيَظْهَرُ فِيهِمُ السِّمَنُ" 2. وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ عُمَرَ قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي نَذَرْتُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَنْ أَعْتَكِفَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ" وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا3, وَلَعَلَّهُ هُوَ النَّذْرُ الَّذِي فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مُبْهَمًا فَسَّرَتْهُ رِوَايَةُ الصَّحِيحِ, وَفِي حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي سَأَلَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ لَهُ: إِنَّ أُخْتِي نَذَرَتْ أَنْ تَحُجَّ وَإِنَّهَا مَاتَتْ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَوْ كَانَ عَلَيْهَا دِينٌ أَكَنْتَ قَاضِيَهُ"؟ قَالَ: نَعَمْ قَالَ: "فَاقْضِ اللَّهَ؛ فَاللَّهُ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ" 4 وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَمْرِ بِوَفَاءِ النَّذْرِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَمِنْ شَرْطِ النَّذْرِ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يَكُونَ طَاعَةً, وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا يُطِيقُهُ الْعَبْدُ, وَأَنْ يَكُونَ فِيمَا يَمْلِكُ, وَأَنْ لَا يَكُونَ فِي مَوْضِعٍ كَانَ يُعْبَدُ فِيهِ غَيْرُ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ ذَرِيعَةً إِلَى عِبَادَةِ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى, وَلِمَنْ كَانَ مُعَلِّقًا بِحُصُولِ شَيْءٍ فَلَا يَعْتَقِدُ النَّاذِرُ تَأْثِيرَ النَّذْرِ فِي حُصُولِهِ.
أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا نَذْرَ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ وَلَا فِي قَطِيعَةِ رَحِمٍ" الْحَدِيثُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ5 وَكَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ السَّابِقُ وَغَيْرُهُ.
وَأَمَّا الثَّانِي
فَلِحَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: نَذَرَتْ أُخْتِي أَنْ تَمْشِيَ إِلَى بَيْتِ اللَّهِ, فَأَمَرَتْنِي أَنْ أَسْتَفْتِيَ لَهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ, فَاسْتَفْتَيْتُهُ فَقَالَ: "لِتَمْشِ وَلْتَرْكَبْ" مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ1.
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ: بَيْنَمَا النبي -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يخطب إذا هُوَ بَرَجُلٍ قَائِمٍ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: أَبُو إِسْرَائِيلَ نَذَرَ أَنْ يَقُومَ فَلَا يَقْعُدُ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَيَصُومَ, فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مُرْهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلْيَسْتَظِلَّ وَلْيَقْعُدْ وَلْيُتِمَّ صَوْمَهُ" 2 فَأَمَرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَرْكِ مَا لم يكن مطيقه ولم يَكُنْ مَشْرُوعًا, وَأَمَرَهُ بِإِتْمَامِ الصَّوْمِ لِكَوْنِهِ يُطِيقُهُ وَلِكَوْنِهِ مَشْرُوعًا. وَأَمَّا الثَّالِثُ فَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ, وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ3.
وَأَمَّا الرَّابِعُ فَلِحَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ إِبِلًا بِبُوَانَةَ, فَقَالَ: "كَانَ فِيهَا وَثَنٌ مِنْ أَوْثَانِ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْبَدُ"؟ فَقَالُوا: لَا قَالَ: "فَهَلْ كَانَ فِيهَا عِيدٌ مِنْ أَعْيَادِهِمْ"؟ قَالُوا: لَا قَالَ: "أَوْفِ بِنَذْرِكَ, فَإِنَّهُ لَا وَفَاءَ لِنَذْرٍ فِي مَعْصِيَةِ اللَّهِ, وَلَا فِيمَا لَا يَمْلِكُ ابْنُ آدَمَ" رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ4.
وَفِي سَدِّ الذَّرَائِعِ إِلَى ذَلِكَ حَدِيثُ النَّهْيِ عَنِ اتِّخَاذِ الْقُبُورِ مَسَاجِدَ وَلَعْنِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كَمَا سَيَأْتِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
أَمَّا الْخَامِسُ فَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ النَّذْرَ لَا يُقَدِّمُ شَيْئًا وَلَا يُؤَخِّرُهُ, وَإِنَّمَا يُسْتَخْرَجُ بِالنَّذْرِ مِنَ الْبَخِيلِ" 5 وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ.
وَفِيهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنِ النَّذْرِ وَقَالَ: "إِنَّهُ لَا يَرُدُّ شَيْئًا, وَلَكِنَّهُ يُسْتَخْرَجُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ" 6 وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ:
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "لَا يَأْتِي ابْنَ آدَمَ النَّذْرُ بِشَيْءٍ, وَلَكِنْ يُلْقِيهِ النَّذْرُ إِلَى الْقَدَرِ قَدْ قُدِّرَ لَهُ, فَيَسْتَخْرِجُ اللَّهُ بِهِ مِنَ الْبَخِيلِ, فَيُؤْتِي عَلَيْهِ مَا لَمْ يَكُنْ يُؤْتِي عَلَيْهِ مِنْ قَبْلُ" 1 وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنَ الْأَحَادِيثِ, وَفِيمَا ذَكَرْنَا كِفَايَةٌ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى.
[أَنْوَاعٌ أُخْرَى مِنَ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ] :
"وَغَيْرُ ذَلِكَ" أَيْ: مِنَ الْعِبَادَاتِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَالتَّهْلِيلِ وَالتَّكْبِيرِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ وَتَعَلُّمِهِ وَتَعْلِيمِهِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ الْمَشْرُوعَةِ وَمَحَبَّةِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْمُؤْمِنِينَ, وَالْحُبِّ فِي اللَّهِ وَالْبُغْضِ فِيهِ وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ لِأَجْلِهِ, وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْعِبَادَاتِ الَّتِي لَا تَخْرُجُ عَنْ تَعْرِيفِنَا السَّابِقِ بِأَنَّ الْعِبَادَةَ اسْمٌ جَامِعٌ لِكُلِّ مَا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَيَرْضَاهُ مِنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ, وَأَنَّ مَنَاطَهَا الَّذِي لَا قِوَامَ لَهَا إِلَّا بِهِ هُوَ كَمَالُ الْحُبِّ وَغَايَتُهُ مَعَ غَايَةِ الذُّلِّ, وَلَا تُسَمَّى عِبَادَةً إِلَّا مَعَ ذَلِكَ كُلِّهِ.
فَالْمَحَبَّةُ وَحْدَهَا الَّتِي لَمْ يَكُنْ مَعَهَا خَوْفٌ وَلَا تَذَلُّلٌ كَمَحَبَّةِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَالْوَلَدِ وَغَيْرِ ذَلِكَ لَيْسَتْ بِعِبَادَةٍ, وَكَذَلِكَ الْخَوْفُ بِدُونِ مَحَبَّةٍ لِلْمَخُوفِ مِنْهُ كَالْخَوْفِ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِبَادَةً, فَإِذَا اجْتَمَعَا فِي الْعَمَلِ كَانَ عِبَادَةً: إِنْ كَانَتْ لِلَّهِ فَهُوَ التَّوْحِيدُ الَّذِي هُوَ أَشْرَفُ الْمَطَالِبِ, وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ فَالشِّرْكُ الْأَكْبَرُ الْمُخَلَّدُ صَاحِبُهُ فِي النَّارِ وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ.
وَلِذَا قُلْنَا: "وَصَرْفُ بَعْضِهَا" أَيْ: شَيْءٍ مِنْهَا قَلَّ أَوْ كَثُرَ "لِغَيْرِ اللَّهِ" كَائِنًا مَنْ كَانَ؛ مِنْ مَلَكٍ أَوْ نَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ أَوْ قَبْرٍ أَوْ جِنِّيٍّ أَوْ شَجَرٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ غَيْرِهِ, كُلُّ ذَلِكَ "شِرْكٌ" أَكْبَرٌ "وَذَاكَ" إِشَارَةٌ إِلَى الشِّرْكِ هُوَ "أَقْبَحُ الْمَنَاهِي" عَلَى الْإِطْلَاقِ, قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لَا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ﴾ [الْأَحْقَافِ: 5] الْآيَاتِ, أَيْ: لَا أَحَدَ أَضَلُّ مِنْهُ, وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَنْ يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِنْدَ
رَبِّهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾ [الْمُؤْمِنُونَ: 117] وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لُقْمَانَ: 13] فَالشِّرْكُ أَعْظَمُ الظُّلْمِ؛ لِأَنَّ الظُّلْمَ هُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ, وَلَا أَعْظَمَ ظُلْمًا مِنْ شِكَايَةِ الْعَبْدِ رَبَّهُ -الَّذِي هُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فِيمَا أَصَابَهُ مِنْ ضُرٍّ أَوْ فَاتَهُ مِنْ خَيْرٍ- إِلَى مَنْ لَا يَرْحَمُهُ وَلَا يَسْمَعُهُ وَلَا يُبْصِرُهُ وَلَا يَعْلَمُهُ وَلَا يَمْلِكُ لِنَفْسِهِ وَلَا لِدَاعِيهِ مِنْ ضُرٍّ وَلَا نَفْعٍ وَلَا مَوْتٍ وَلَا حَيَاةٍ وَلَا نُشُورٍ, وَلَا يُغْنِي عَنْهُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ, وَعُدُولُهُ عَمَّنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ, وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ, وَيَفْزَعُ فِي قَضَاءِ حَوَائِجِهِ إِلَى مَنْ لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى شَيْءٍ الْبَتَّةَ: ﴿وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ إِنْ تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلَا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فَاطِرٍ: 13-14] وَصَرْفُهُ عِبَادَةَ خَالِقِهِ -الَّذِي خَلَقَهُ لِعِبَادَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَرَبَّاهُ بِنِعَمِهِ الظَّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ وَحَفِظَهُ وَكَلَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَحَمَاهُ مِنْ جَمِيعِ الْمَخَاوِفِ وَالْأَخْطَارِ- لِمَخْلُوقٍ مِثْلِهِ, خَلَقَهُ اللَّهُ بِقُدْرَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ قَبْلُ شَيْئًا, بَلْ هُوَ مُسَخَّرٌ مُدَبَّرٌ مَرْبُوبٌ مُتَصَرِّفٌ فِيهِ اللَّهُ تَعَالَى بِمَا شَاءَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّصَرُّفِ, لَا يُبْدِي حَرَاكًا وَلَا يَنْفَكُّ مِنْ قَبْضَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ, بَلْ هُوَ خَلْقُهُ وَمِلْكُهُ, مَخْلُوقٌ لِعِبَادَتِهِ, فَيَرْفَعُهُ مِنْ دَرَجَةِ الْعُبُودِيَّةِ وَالتَّأَلُّهِ إِلَى جَعْلِهِ مَأْلُوهًا مَعْبُودًا" ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [الرُّومِ: 28] الْآيَةَ, هَذَا وَاللَّهِ أَظْلَمُ الظُّلْمِ وَأَقْبَحُ الْجَهْلِ وَأَكْبَرُ الْكَبَائِرِ؛ وَلِذَا لَمْ تَدْعُ الرُّسُلُ إِلَى شَيْءٍ قَبْلَ التَّوْحِيدِ, وَلَمْ تَنْهَ عَنْ شَيْءٍ قَبْلَ التَّنْدِيدِ, وَلَمْ يَتَوَعَّدِ اللَّهُ عَلَى ذَنَبٍ أَكْبَرَ مِمَّا جَاءَ عَلَى الشِّرْكِ مِنَ الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ, وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ؟ قَالَ: "أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ" 1. وَسَنَذْكُرُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الْآيَاتِ, وَالْأَحَادِيثِ قَرِيبًا مَا تَقَرُّ بِهِ أَعْيُنُ الْمُوَحِّدِينَ،
وَتُدْحَضُ شُبْهَةُ الْمُعَانِدِينَ, وَيُدْمَغُ بَاطِلُ الْمُلْحِدِينَ, وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ وَبِهِ التَّوْفِيقُ.
[