أَصْلُ الْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- حافظ بن أحمد حكمي
- الكتاب
- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول
- المؤلف
- حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: 1377هـ)
- المحقق
- عمر بن محمود أبو عمر
- الناشر
- دار ابن القيم - الدمام
- الطبعة
- الأولى، 1410 هـ - 1990 م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مشكول ومذيل بالحواشي]
وَأَوَّلُ مَا اشْتَهَرَ الْقَوْلُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ فِي آخِرِ عَصْرِ التَّابِعِينَ لَمَّا ظَهَرَ جَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ1.
شَقِيقُ إِبْلِيسَ لَعَنَهُمَا اللَّهُ وَكَانَ مُلْحِدًا عَنِيدًا وَزِنْدِيقًا زَائِغًا مُبْتَغِيًا غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُثْبِتْ أَنَّ فِي السَّمَاءِ رَبًّا وَلَا يَصِفُ اللَّهَ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِمَّا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ, وَيَنْتَهِي قَوْلُهُ إِلَى جُحُودِ الْخَالِقِ عَزَّ وَجَلَّ.
تَرَكَ الصَّلَاةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا يَزْعُمُ يَرْتَادُ دِينًا وَلَمَّا ناظره بعض السمنية! فِي مَعْبُودِهِ قَالَ قَبَّحَهُ اللَّهُ: هُوَ هَذَا الْهَوَاءُ فِي كُلِّ مَكَانٍ, وَافْتَتَحَ مَرَّةً سُورَةَ طه فَلَمَّا أَتَى عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] قَالَ: لَوْ وَجَدْتُ السَّبِيلَ إِلَى حَكِّهَا لَحَكَكْتُهَا, ثُمَّ قَرَأَ حَتَّى أَتَى عَلَى آيَةٍ أُخْرَى فَقَالَ: مَا كَانَ أَظْرَفَ مُحَمَّدًا حِينَ قَالَهَا, ثُمَّ افْتَتَحَ سُورَةَ الْقَصَصِ فَلَمَّا أَتَى عَلَى ذِكْرِ مُوسَى جَمَعَ يَدَيْهِ وَرِجْلَيْهِ ثُمَّ رَفَعَ الْمُصْحَفَ ثُمَّ قَالَ: أَيُّ شَيْءٍ هذا ذكره ههنا فَلَمْ يُتِمَّ ذكره, وذكره ههنا فَلَمْ يُتِمَّ ذِكْرَهُ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا مِنَ الْكُفْرِيَّاتِ, وَهُوَ أَذَلُّ وَأَحْقَرُ مِنْ أَنْ نَشْتَغِلَ بِتَرْجَمَتِهِ.
وَقَدْ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَبْحَهُ عَلَى يَدِ سَالِمِ بْنِ أَحْوَزَ بَأَصْبَهَانَ وَقِيلَ بِمَرْوَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ نَائِبُهَا رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَزَاهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ خَيْرًا.
وَقَدْ تَلَقَّى هَذَا الْقَوْلَ عَنِ الْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ2 لَكِنَّهُ لَمْ يَشْتَهِرْ فِي أَيَّامِ الْجَعْدِ كَمَا اشْتَهَرَ عَنِ الْجَهْمِ, فَإِنَّ الْجَعْدَ لَمَّا أَظْهَرَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ تَطَلَّبَهُ بَنُو أُمَيَّةَ فَهَرَبَ مِنْهُمْ فَسَكَنَ الْكُوفَةَ فَلَقِيَهُ فِيهَا الْجَهْمُ بْنُ صَفْوَانَ فَتَقَلَّدَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْهُ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كَثِيرُ أَتْبَاعٍ غَيْرُهُ, ثُمَّ يَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى قَتْلَ الْجَعْدِ عَلَى يَدِ خَالِدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَسْرِيِّ الْأَمِيرِ, قَتَلَهُ يَوْمَ عِيدِ الْأَضْحَى بِالْكُوفَةِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ خَالِدًا خَطَبَ النَّاسَ فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ تِلْكَ: أَيُّهَا النَّاسُ ضَحُّوا تَقَبَّلَ اللَّهُ ضَحَايَاكُمْ, فَإِنِّي مُضَحٍّ
بِالْجَعْدِ بْنِ دِرْهَمٍ, إِنَّهُ زَعَمَ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يَتَّخِذْ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا وَلَمْ يُكَلِّمْ مُوسَى تَكْلِيمًا, تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُهُ الْجَعْدُ عُلُوًّا كَبِيرًا.
ثُمَّ نَزَلَ فَذَبَحَهُ فِي أَصْلِ الْمِنْبَرِ, رَوَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِهِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ1، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي كِتَابِ السُّنَّةِ لَهُ وَغَيْرُهُمَا, وَهُوَ مَشْهُورٌ فِي كُتُبِ التَّوَارِيخِ, وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ.
وَقَدْ أَخَذَ الْجَعْدُ بِدْعَتَهُ هَذِهِ عَنْ بَيَانِ بْنِ سَمْعَانَ, وَأَخَذَهَا بيان عن طالون ابْنِ أُخْتِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ, وَأَخَذَهَا طَالُوتُ عَنْ خَالِهِ لَبِيدِ بْنِ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيِّ الَّذِي سَحَرَ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ سُورَةَ الْمُعَوِّذَتَيْنِ2.
ثُمَّ تَقَلَّدَ هَذَا الْمَذْهَبَ الْمَخْذُولَ عَنِ الْجَهْمِ بِشْرُ بْنُ غِيَاثِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ الْمِرِّيسِيُّ الْمُتَكَلِّمُ3، شَيْخُ الْمُعْتَزِلَةِ وَأَحَدُ مَنْ أَضَلَّ الْمَأْمُونَ وَجَدَّدَ الْقَوْلَ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ, وَيُقَالُ إِنَّ أَبَاهُ كَانَ يَهُودِيًّا صَبَّاغًا بِالْكُوفَةِ, وروى عنه أقاول شَنِيعَةٌ فِي الدِّينِ مِنَ التَّجَهُّمِ وَغَيْرِهِ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ.
ثُمَّ تَقَلَّدَ عَنْ بِشْرٍ ذَلِكَ الْمَذْهَبَ الْمَلْعُونَ قَاضِي الْمِحْنَةِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي دُوَادَ4 وَأَعْلَنَ بِمَذْهَبِ الْجَهْمِيَّةِ وَحَمَلَ السُّلْطَانَ عَلَى امْتِحَانِ النَّاسِ بِالْقَوْلِ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ وَعَلَى أَنَّ اللَّهَ لَا يُرَى فِي الْآخِرَةِ, وَكَانَ بِسَبَبِهِ مَا كَانَ عَلَى أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسُّنَّةِ مِنَ الْحَبْسِ وَالضَّرْبِ وَالْقَتْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ, وَقَدِ ابْتَلَاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْفَالِجِ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ حَتَّى أَهْلَكَهُ اللَّهُ تَعَالَى سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ.
وَمَنْ أَرَادَ الِاطِّلَاعَ عَلَى ذَلِكَ وَتَفَاصِيلِهِ فَلْيَقْرَأْ كُتُبَ التَّوَارِيخِ يَرَ الْعَجَبَ.
ذِكْر