معارج القبول بشرح سلم الوصولَالثَّانِى الْيَقِينُ الْمُنَافِي لِلشَّكِّ

َالثَّانِى الْيَقِينُ الْمُنَافِي لِلشَّكِّ

عن هذه الطبعة
عَلَم
حافظ بن أحمد حكمي
الكتاب
معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول
المؤلف
حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: 1377هـ)
المحقق
عمر بن محمود أبو عمر
الناشر
دار ابن القيم - الدمام
الطبعة
الأولى، 1410 هـ - 1990 م
عدد الأجزاء
3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مشكول ومذيل بالحواشي]

بِأَنْ يَكُونَ قَائِلُهَا مُسْتَيْقِنًا بِمَدْلُولِ هَذِهِ الْكَلِمَةِ يَقِينًا جَازِمًا, فَإِنَّ الْإِيمَانَ لَا يُغْنِي فِيهِ إِلَّا عِلْمُ الْيَقِينِ لَا عِلْمُ الظَّنِّ, فَكَيْفَ إِذَا دَخَلَهُ الشَّكُّ, قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الْحُجُرَاتِ: 15] فَاشْتَرَطَ فِي صِدْقِ إِيمَانِهِمْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ كَوْنَهُمْ لَمْ يَرْتَابُوا أَيْ: لَمْ يَشُكُّوا, فَأَمَّا الْمُرْتَابُ فَهُوَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ, وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ, الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ: ﴿إِنَّمَا يَسْتَأْذِنُكَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَارْتَابَتْ قُلُوبُهُمْ فَهُمْ1

فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ﴾ [التَّوْبَةِ: 45] وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ, صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ, لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ" 1, وَفِي رِوَايَةٍ: "لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا فَيُحْجَبُ عَنِ الْجَنَّةِ" 2.
وَفِيهِ عَنْهُ -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ أَنَّ النَّبِيَّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَعَثَهُ بِنَعْلَيْهِ فَقَالَ: "مَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ" 1 الْحَدِيثَ, فَاشْتَرَطَ فِي دُخُولِ قَائِلِهَا الْجَنَّةَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَيْقِنًا بِهَا قَلْبُهُ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهَا, وَإِذَا انْتَفَى الشَّرْطُ انْتَفَى الْمَشْرُوطُ.
"وَ" الثَّالِثُ "الْقَبُولُ" لِمَا اقْتَضَتْهُ هَذِهِ الْكَلِمَةُ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ, وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْنَا مِنْ أَنْبَاءِ مَا قَدْ سَبَقَ مِنْ إِنْجَاءِ مَنْ قَبِلَهَا وَانْتِقَامِهِ مِمَّنْ رَدَّهَا وَأَبَاهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ، قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ، فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ﴾ [الزُّخْرُفِ: 23-25] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ حَقًّا عَلَيْنَا نُنْجِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [يُونُسَ: 103] . وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ رُسُلًا إِلَى قَوْمِهِمْ فَجَاءُوهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَانْتَقَمْنَا مِنَ الَّذِينَ أَجْرَمُوا وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الرُّومِ: 47] ، وَكَذَلِكَ أَخْبَرَنَا بِمَا وَعَدَ بِهِ الْقَابِلِينَ لَهَا مِنَ الثَّوَابِ, وَمَا أَعَدَّهُ لِمَنْ رَدَّهَا مِنَ الْعَذَابِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ، مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ، وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْؤُولُونَ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿إِنَّهُمْ كَانُوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ يَسْتَكْبِرُونَ، وَيَقُولُونَ أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ [الصَّافَّاتِ: 22-36] , 1، 2 مسلم "1/ 55-57/ ح27" في الإيمان، باب الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعًا.

فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى عِلَّةَ تَعْذِيبِهِمْ وَسَبَبَهُ هُوَ اسْتِكْبَارَهُمْ عَنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ, وَتَكْذِيبَهُمْ مَنْ جَاءَ بِهَا, فَلَمْ يَنْفُوا مَا نَفَتْهُ وَلَمْ يُثْبِتُوا مَا أَثْبَتَتْهُ بَلْ قَالُوا إِنْكَارًا وَاسْتِكْبَارًا ﴿أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ, وَانْطَلَقَ الْمَلَأُ مِنْهُمْ أَنِ امْشُوا وَاصْبِرُوا عَلَى آلِهَتِكُمْ إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ, مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي الْمِلَّةِ الْآخِرَةِ إِنْ هَذَا إِلَّا اخْتِلَاقٌ﴾ [ص: 5-7] ، وقالوا ههنا: ﴿أَإِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ﴾ فَكَذَّبَهُمُ اللَّهُ -عَزَّ وَجَلَّ- وَرَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ عَنْ رَسُولِهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فَقَالَ: ﴿بَلْ جَاءَ بِالْحَقِّ وَصَدَّقَ الْمُرْسَلِينَ﴾ [الصَّافَّاتِ: 37] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
ثُمَّ قَالَ فِي شَأْنِ مَنْ قَبِلَهَا: ﴿إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ, أُولَئِكَ لَهُمْ رِزْقٌ مَعْلُومٌ, فَوَاكِهُ وَهُمْ مُكْرَمُونَ, فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ﴾ [الصَّافَّاتِ: 41] إِلَى آخِرِ الْآيَاتِ.
وَقَالَ تَعَالَى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ﴾ [النحل: 89] ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى -رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ- عَنِ النَّبِيِّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- قَالَ: "مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا, فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ الْكَثِيرَ, وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ, فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا, وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً, فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقِهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ, وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أَرْسِلْتُ بِهِ" 1.

جارٍ التحميل