الْفِرْقَةُ النَّاجِيَةُ:
عن هذه الطبعة
- عَلَم
- حافظ بن أحمد حكمي
- الكتاب
- معارج القبول بشرح سلم الوصول إلى علم الأصول
- المؤلف
- حافظ بن أحمد بن علي الحكمي (المتوفى: 1377هـ)
- المحقق
- عمر بن محمود أبو عمر
- الناشر
- دار ابن القيم - الدمام
- الطبعة
- الأولى، 1410 هـ - 1990 م
- عدد الأجزاء
- 3 [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع، وهو مشكول ومذيل بالحواشي]
وَقَدْ أَخْبَرَنَا الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- أَنَّ الْفِرْقَةَ النَّاجِيَةَ هُمْ مَنْ كَانَ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ عَلَيْهِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ, وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ كَذَلِكَ بَلْ إِنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ, وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَا كَانَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَأَصْحَابُهُ إِلَّا مِنْ طَرِيقِ سُنَنِهِ الْمَرْوِيَّةِ وَآثَارِهِ الْمُصْطَفَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ الشَّرِيعَةُ الْغَرَّاءُ وَالْمَحَجَّةُ الْبَيْضَاءُ وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَبْعَدِ النَّاسِ عَنْهَا وَأَنْفَرِهِمْ مِنْهَا, وإنما تصلح هده الصِّفَةُ لِحَمَلَتِهَا وَحُفَّاظِهَا وَنُقَّادِهَا الْمُنْقَادِينَ لَهَا الْمُتَمَسِّكِينَ بِهَا, الذَّابِّينَ عنها يقفون يَقِفُونَ عِنْدَهَا وَيَسِيرُونَ بِسَيْرِهَا, لَا يَنْحَرِفُونَ عَنْهَا يَمِينًا وَلَا شِمَالًا وَلَا يُقَدِّمُونَ عَلَيْهَا لِأَحَدٍ مَقَالًا وَلَا يُبَالُونَ مَنْ خَالَفَهُمْ وَلَا مَنْ خَذَلَهُمْ, وَلَا يَضُرُّهُمْ ذَلِكَ حَتَّى يَأْتِيَ أَمْرُ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى, أَعْنِي بِذَلِكَ أَئِمَّةَ الْحَدِيثِ وَجَهَابِذَةَ السُّنَّةِ وَجَيْشَ دَوْلَتِهَا الْمُرَابِطِينَ عَلَى ثُغُورِهَا الْحَافِظِينَ حُدُودَهَا الْحَامِينَ حَوْزَتَهَا وَفَّقَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلِاسْتِضَاءَةِ بِنُورِهَا وَالِاهْتِدَاءِ بِهَدْيِهَا الْقَوِيمِ, وَهَدَاهُمْ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ, فَآمَنُوا بِمَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ كِتَابِهِ وَأَخْبَرَ بِهِ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ مُحَمَّدٌ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي سُنَّتِهِ, وَتَلَقَّوْهُ بِالْقَبُولِ وَالتَّسْلِيمِ إِثْبَاتًا بِلَا تَكْيِيفٍ وَلَا تَمْثِيلٍ وَتَنْزِيهًا بِلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ فَهُمُ الْوَسَطُ فِي فِرَقِ هَذِهِ الْأُمَّةِ كَمَا أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ هِيَ الْوَسَطُ فِي الْأُمَمِ فَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ أَهْلِ التَّعْطِيلِ الْجَهْمِيَّةِ وَأَهْلِ التَّمْثِيلِ الْمُشَبِّهَةِ وَهُمْ وَسَطٌ فِي بَابِ أَفْعَالِ اللَّهِ تَعَالَى بَيْنَ الْجَبْرِيَّةِ وَالْقَدَرِيَّةِ وَفِي
بَابِ وَعِيدِ اللَّهِ بَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْوَعِيدِيَّةِ مِنَ الْقَدَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ وَفِي بَابِ الْإِيمَانِ وَالدِّينِ بَيْنَ الْحَرُورِيَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَبَيْنَ الْمُرْجِئَةِ وَالْجَهْمِيَّةِ وَفِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- بَيْنَ الرَّافِضَةِ وَالْخَوَارِجِ.
فَهُمْ وَاللَّهِ "أَهْلُ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ" وَهُمُ الطَّائِفَةُ الْمَنْصُورَةُ إِلَى قِيَامِ السَّاعَةِ, الَّذِينَ لَمْ تَزَلْ قُلُوبُهُمْ عَلَى الْحَقِّ مُتَّفِقَةً مُؤْتَلِفَةً, وَأَقْوَالُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ وَعَقَائِدُهُمْ عَلَى الْوَحْيِ لَا مُفْتَرِقَةً وَلَا مُخْتَلِفَةً.
فَانْتَدَبُوا لِنُصْرَةِ الدِّينِ دَعْوَةً وَجِهَادًا وَقَاوَمُوا أَعْدَاءَهُ جَمَاعَاتٍ وَفُرَادَى, وَلَمْ يَخْشَوْا فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ وَلَمْ يُبَالُوا بِعَدَاوَةِ مَنْ عَادَى.
فَقَهَرُوا الْبِدَعَ الْمُضِلَّةَ وَشَرَّدُوا بِأَهْلِهَا وَاجْتَثُّوا شَجَرَةَ الْإِلْحَادِ بِمَعَاوِلِ السُّنَّةِ مِنْ أَصْلِهَا, فَبَهَتُوهُمْ بِالْبَرَاهِينِ الْقَطْعِيَّةِ فِي الْمَحَافِلِ الْعَدِيدَةِ وَصَنَّفُوا فِي رَدِّ شُبَهِهِمْ وَدَفْعِ بَاطِلِهِمْ وَإِدْحَاضِ حُجَجِهِمُ الْكُتُبَ الْمُفِيدَةَ, فَمِنْهُمُ الْمُتَقَصِّي لِلرَّدِّ عَلَى الطَّوَائِفِ بِأَسْرِهَا وَمِنْهُمُ الْمُخَلِّصُ لِعَقَائِدِ السَّلَفِ الصَّالِحِ مِنْ غَيْرِهَا, وَلَمْ تَنْجُمْ بِدْعَةٌ مِنَ الْمُضِلِّينَ الْمُلْحِدِينَ إِلَّا وَيُقَيِّضُ اللَّهُ لَهَا جَيْشًا مِنْ عِبَادِهِ الْمُخْلَصِينَ, فَحَفِظَ اللَّهُ بِهِمْ دِينَهُ عَلَى الْعِبَادِ, وَأَخْرَجَهُمْ بِهِمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الزَّيْغِ وَالضَّلَالَةِ إِلَى نُورِ الْهُدَى وَالرَّشَادِ, وَذَلِكَ مِصْدَاقُ وَعْدِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِحِفْظِهِ الذِّكْرَ الَّذِي أَنْزَلَهُ, كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الْحِجْرِ: 9] وإعلاء لكلمته وتأييدا لِحِزْبِهِ إِذْ يَقُولُ: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصَّافَّاتِ: 173] .
سَبَبُ نَظْمِ الْمَتْنِ وَتَأْلِيفِ الشَّرْحِ
وَقَدْ سَأَلَنِي مَنْ لَا تَسَعُنِي مُخَالَفَتُهُ مِنَ الْمُحِبِّينَ1، أَنْ أَنْظِمَ مُخْتَصَرًا يَسْهُلُ حِفْظُهُ عَلَى الطَّالِبِينَ وَيَقْرُبُ مَنَالُهُ لِلرَّاغِبِينَ, ويفصح عَنْ عَقِيدَةِ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَيُبِينُ.
فَأَجَبْتُهُ إِلَى ذَلِكَ مُسْتَعِينًا بِاللَّهِ رَاجِيًا الثَّوَابَ مِنَ اللَّهِ, قَائِلًا لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ.
وَضَمَمْتُ إِلَى ذَلِكَ مَسَائِلَ نَافِعَةً تَتَعَلَّقُ بِهَذِهِ الْعُصُورِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى مَا افْتَتَنَ بِهِ الْعَامَّةُ مِنْ عِبَادَةِ الْأَشْجَارِ وَالْأَحْجَارِ وَالْقُبُورِ, وَمُنَاقَضَتِهِمُ التَّوْحِيدَ بِالشِّرْكِ الَّذِي هُوَ
أَقْبَحُ الْمَحْظُورِ وَصَرْفِ جُلِّ الْعِبَادَةِ لِغَيْرِ اللَّهِ مِنَ الدُّعَاءِ وَالرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَالْمَحَبَّةِ وَالذَّبْحِ وَالنُّذُورِ, فَيَسَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ بِمَنِّهِ وَإِفْضَالِهِ, وَأَعَانَنِي وَلَهُ الْحَمْدُ وَالْمِنَّةُ عَلَى إِكْمَالِهِ.
وَسَمَّيْتُهُ "سُلَّمَ الْوُصُولِ، إِلَى مَبَاحِثِ عِلْمِ الْأُصُولِ" فَلَمَّا انْتَشَرَ بِأَيْدِي الطُّلَّابِ, وَعَظُمَتْ فِيهِ رَغْبَةُ الْأَحْبَابِ سُئِلَ مِنِّي أن أعلق عليه تَعْلِيقًا لَطِيفًا, يَحِلُّ مُشْكِلَهُ وَيُفَصِّلُ مُجْمَلَهُ, مُقْتَصِرًا عَلَى ذِكْرِ الدَّلِيلِ وَمَدْلُولِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَلَامِ رَسُولِهِ, فَاسْتَخَرْتُ اللَّهَ تَعَالَى بِعِلْمِهِ وَاسْتَقْدَرْتُهُ بِقُدْرَتِهِ, فَعَنَّ لِي أَنْ أَعْزِمَ عَلَى ذَلِكَ الْأَمْرِ الْمَسْئُولِ مُسْتَمِدًّا مِنَ اللَّهِ تَعَالَى الْإِعَانَةَ عَلَى نَيْلِ السُّولِ وَسَمَّيْتُهُ "مَعَارِجَ الْقَبُولِ، بِشَرْحِ سُلَّمِ الْوُصُولِ إِلَى عِلْمِ الْأُصُولِ".
وَاللَّهَ أَسْأَلُ أَنْ يُعِينَ عَلَى إِكْمَالِهِ بِمَنِّهِ وَفَضْلِهِ, وَأَنْ يَنْفَعَنِي وَطُلَّابَ الْعِلْمِ بِهِ وَبِأَصْلِهِ, وَأَنْ يَهْدِيَنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وَيَجْعَلَنَا مِنْ أَنْصَارِ التَّوْحِيدِ وَأَهْلِهِ, إِنَّهُ سَمِيعٌ قَرِيبٌ مُجِيبٌ, وَمَا تَوْفِيقِي إِلَّا بِاللَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ.
وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ.
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ خلاصة القول في تفسير البسملة: شَرْحُ مُقَدِّمَةِ الْمَنْظُومَةِ: أَبْدَأُ بِاسْمِ اللَّهِ مُسْتَعِينًا ... رَاضٍ بِهِ مُدَبِّرًا مُعِينًا "أَبْدَأُ" فِي جَمِيعِ حَرَكَاتِي وَسَكَنَاتِي وَأَقْوَالِي وَأَعْمَالِي وَفِي شَأْنِي كُلِّهِ وَمِنْهُ هَذَا التَّصْنِيفُ "بَاسْمِ اللَّهِ" مُتَبَرِّكًا وَ"مُسْتَعِينًا" بِهِ أَوْ إِيَّاهُ بِالْبَاءِ وَبِدُونِهِ أَيْ: طَالِبًا مِنْهُ الْعَوْنَ عَلَى فِعْلِ طَاعَتِهِ وَتَرْكِ مَعْصِيَتِهِ, كَمَا قَالَ تَعَالَى مُعَلِّمًا لَنَا فِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ [الْفَاتِحَةِ: 5] وَقَالَ النَّبِيُّ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- لِابْنِ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا: "إِذَا سَأَلْتَ فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ" 1 وَهُوَ خِطَابٌ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ, وَفِي ضِمْنِ ذَلِكَ الْأَمْرِ الْوَاقِعِ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ نَهْيٌ لَنَا عَنِ الِاسْتِعَانَةِ بِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ؛ لِأَنَّهُ لَا خَالِقَ لِلْعِبَادِ وَأَفْعَالِهِمْ غَيْرُهُ تَعَالَى, فَإِذَا كَانَ الْمَخْلُوقُ لَا يَقْدِرُ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ إِلَّا بِمَا أَقْدَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ تُطْلَبَ الْإِعَانَةُ مِنْهُ عَلَى فِعْلِ غَيْرِهِ وَالْعَاقِلُ يَفْهَمُ ذَلِكَ بَادِئَ بَدْءٍ.