الْمَعْقِدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: شَغَفُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهِ
فَصِدْقُ الطَّلَبِ لَهُ يُوجِبُ مَحَبَّتَهُ، وَتَعَلُّقَ الْقَلْبِ بِهِ، وَلَا يَنَالُ الْعَبْدُ دَرَجَةَ الْعِلْمِ حَتَّى تَكُونَ لَذَّتُهُ الْكُبْرَى فِيهِ.
قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ - رَحِمَهُ اللهُ تَعَالَى - فِي «مِفْتَاحِ دَارِ السَّعَادَةِ»:
«وَمَنْ لَمْ يُغَلِّبْ لَذَّةَ إِدْرَاكِهِ وَشَهْوَتَهُ عَلَى لَذَّةِ جِسْمِهِ وَشَهْوَةِ نَفْسِهِ، لَمْ يَنَلْ دَرَجَةَ الْعِلْمِ أَبَدًا».
وَإِنَّمَا تُنَالُ لَذَّةُ الْعِلْمِ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ، ذَكَرَهَا أَبُو عَبْدِ اللهِ ابْنُ الْقَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ فِي كِتَابِهِ السَّالِفِ:
أَحَدُهَا: بَذْلُ الْوُسْعِ وَالْجَهْدِ.
وَثَانِيهَا: صِدْقُ الطَّلَبِ.
وَثَالِثُهَا: صِحَّةُ النِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ.
وَلَا تَتِمُّ هَذِهِ الْأُمُورُ الثَّلَاثَةُ، إِلَّا مَعَ دَفْعِ كُلِّ مَا يُشْغِلُ عَنِ الْقَلْبِ.
١٢٧
وَمَنْ سَبَرَ هَذِهِ اللَّذَّةَ فِي أَحْوَالِ السَّابِقِينَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ، رَأَى عَجَبًا، فَلِسَانُ أَحَدِهِمْ:
مَا لَذَّتِي إِلَّا رِوَايَةُ مُسْنِدٍ ... قَدْ قُيِّدَتْ بِفَصَاحَةِ الْأَلْفَاظِ
وَمَجَالِسٌ فِيهَا تَجِلُّ سَكِينَةٌ ... وَمُذَاكَرَاتُ مَعَاشِرِ الْحُفَّاظِ
إِنَّ لَذَّةَ الْعِلْمِ فَوْقَ لَذَّةِ السُّلْطَانِ وَالْحُكْمِ الَّتِي تَتَطَلَّعُ إِلَيْهَا نُفُوسٌ كَثِيرَةٌ، وَتُبْذَلُ لِأَجْلِهَا أَمْوَالٌ وَفِيرَةٌ، وَتُسْفَكُ دِمَاءٌ غَزِيرَةٌ.
بَاتَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّسَفِيُّ مَهْمُومًا مِنْ ضِيقِ الْبَالِ، وَسُوءِ الْحَالِ، وَكَثْرَةِ الْعِيَالِ، فَوَقَعَ فِي خَاطِرِهِ فَرْعٌ مِنْ فُرُوعِ مَذْهَبِهِ - وَكَانَ رَحِمَهُ اللهُ حَنَفِيًّا - فَأُعْجِبَ بِهِ، فَقَامَ يَرْقُصُ فِي دَارِهِ، وَيَقُولُ: «أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ؟! أَيْنَ الْمُلُوكُ وَأَبْنَاءُ الْمُلُوكِ؟!».
إِذَا خَاضَ فِي بَحْرِ التَّفَكُّرِ خَاطِرِي ... عَلَى دُرَّةٍ مِنْ مُعْضِلَاتِ الْمَطَالِبِ
حَقَّرْتُ مُلُوكَ الْأَرْضِ فِي نَيْلِ مَا حَوَوْا ... وَنِلْتُ الْمُنَى بِالْكُتُبِ لَا بِالْكَتَائِبِ
وَلِهَذَا كَانَتِ الْمُلُوكُ تَتُوقُ إِلَى لَذَّةِ الْعِلْمِ، وَتُحِسُّ فَقْدَهَا، وَتَطْلُبُ تَحْصِيلَهَا.
١٢٩
قِيلَ لأبي جَعفَرٍ المَنصور - الخَليفَةِ العَباسيِّ المَشهور، الَّذي كانَت مَمالِكُه تَملأُ الشَّرقَ والغَرب -: هَل بَقِيَ مِن لَذّاتِ الدُّنيا شَيءٌ لَم تَنَلْهُ؟ فَقال - وهُوَ مُستَوٍ عَلى كُرسِيِّهِ وسَريرِ مُلكِه -: «بَقِيَت خَصلَةٌ: أَن أَقعُدَ عَلى مِصطَبَةٍ، وحَولي أَصحابُ الحَديثِ - أَي طُلّابِ العِلم - فَيَقولَ المُستَمِلي: مَن ذَكَرْتَ رَحِمَكَ اللهُ؟»
يَعني فَيَقولَ: حَدَّثَنا فُلانٌ، قالَ: حَدَّثَنا فُلانٌ، ويَسُوقَ الأحاديثَ المُسنَدَة.
فَانظُر إِلى شِدَّةِ افتِقارِ هَذا الخَليفَةِ إِلى لَذَّةِ العِلم، وطَلَبِه تَحصيلَها، وَجَوَعَتَهُ إِلَيها.
ومَتى عُمِرَ القَلبُ بِلَذَّةِ العِلم سَقَطَت لَذّاتُ العاداتِ، وذَهَلَتِ النَّفسُ عَنها، فَالنَّضرُ بنُ شُمَيل يَقولُ: «لا يَجِدُ المَرءُ لَذَّةَ العِلم حَتّى يَجوعَ ويَنسَى جُوعَه».
بَل تَستَحيلُ الآلامُ لَذَّةً بِهَذِهِ اللَّذَّة.
ومُحَمَّد بن هارون الدِّمَشقيُّ يَقولُ:
لَمِحبَرَةٌ تُجالِسُني نَهاري ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِن أُنْسِ الصَّدِيقِ
وَرُزمَةُ كَاغِدٍ في البَيتِ عِندي ... أَحَبُّ إِلَيَّ مِن عَـدَلِ الدَّقِيقِ
١٣١
ولطمةٌ عالم في الخدِّ منّي ... ألذُّ لديَّ من شربِ الرَّحيقِ
ولا تعجب؛ فما هذه الأحوال إلا مسُّ عشقِ العلم؛ فابن القيِّم يقول في «روضة المحبِّين»:
«وأمَّا عُشَّاق العلم فأعظم شغفًا به وعِشقًا له من كل عاشق بمعشوقه، وكثيرٌ منهم لا يشغله عنه أجمل صورةٍ من البشر».
فأين هذا الشَّغف - يا طُلَّاب العلم - ممن يُقدِّم حظَّه من عرسه على حظِّه من درسه؟ ويكون جلوسه إلى السَّمَّار وشيوخ القمراء أحبَّ إليه من الجلوس إلى العلماء!، وتقوى عزيمته للتَّنقُّل في الفَلَوَاتِ، ولا تقوى على السَّير في نقل المعلومات، وينهض نشيطًا لقنص الطَّير ويرقد كسلًا عن صيد الخير! فما حظُّ هؤلاء - وكثيرٌ هم - ما حظُّهم من تعظيم العلم وقلوبهم مأسورة بمحبة غيره؟!
١٣٣