أهل الأثرالأرشيف العلمي

الْمَعْقِدُ الْأَوَّلُ: تَطْهِيرُ وِعَاءِ الْعِلْمِ

وَهُوَ الْقَلْبُ؛ فَإِنَّ لِكُلِّ مَطْلُوبٍ وِعَاءً، وَإِنَّ وِعَاءَ الْعِلْمِ الْقَلْبُ، وَوَسَخُ الْوِعَاءِ يُعَكِّرُهُ وَيُغَيِّرُ مَا فِيهِ، وَبِحَسَبِ طَهَارَةِ الْقَلْبِ يَدْخُلُهُ الْعِلْمُ، وَإِذَا ازْدَادَتْ طَهَارَتُهُ ازْدَادَتْ قَابِلِيَّتُهُ لِلْعِلْمِ، وَمَثَلُ الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ كَنُورِ الْمِصْبَاحِ، إِنْ صَفَا زُجَاجُهُ شَعَّتْ أَنْوَارُهُ، وَإِنْ لَطَّخَتْهُ الْأَوْسَاخُ كَسَفَتْ أَنْوَارُهُ.

فَمَنْ أَرَادَ حِيَازَةَ الْعِلْمِ فَلْيُزَيِّنْ بَاطِنَهُ، وَيُطَهِّرْ قَلْبَهُ مِنْ نَجَاسَتِهِ؛ فَالْعِلْمُ جَوْهَرٌ لَطِيفٌ، لَا يَصْلُحُ إِلَّا لِلْقَلْبِ النَّظِيفِ.

وَطَهَارَةُ الْقَلْبِ تَرْجِعُ إِلَى أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ:

أَحَدُهُمَا: طَهَارَتُهُ مِنْ نَجَاسَةِ الشُّبُهَاتِ.

وَالْآخَرُ: طَهَارَتُهُ مِنْ نَجَاسَةِ الشَّهَوَاتِ.

وَلِمَا لِطَهَارَةِ الْقَلْبِ مِنْ شَأْنٍ عَظِيمٍ، أُمِرَ بِهَا النَّبِيُّ ﷺ فِي أَوَّلِ مَا أُمِرَ؛ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُدَّثِّرِ: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.

١٩

في قولِ من يُفَسِّر الثِّيابَ بالباطنِ، وهو قولٌ حسنٌ، له مأخذٌ صحيحٌ.

وإذا كنتَ تستحي من نظرِ مخلوقٍ مثلكَ إلى وسخِ ثوبك، فاستحِ من نظرِ الله إلى قلبك، وفيه إِحَنٌ وبلايا، وذنوبٌ وخطايا.

قال مسلم بن الحجّاج: حدّثنا عمرو الناقد، حدّثنا كثير ابن هشام، حدّثنا جعفر بن بُرقان، عن يزيد الأصمّ، عن أبي هريرةَ رضي الله عنه، أنَّ النَّبيَّ ﷺ قال: «إِنَّ الله لا ينظرُ إلى صوركم وأموالكم، ولكن ينظرُ إلى قلوبكم وأعمالكم».

واحذرْ كمائنَ نفسك اللّاتي متى ... خرجتْ عليكَ كُسِرْتَ كسرَ مُهانِ

من طهّر قلبه فيه العلمُ حَلَّ، ومن لم يرفع منه نجاسته وَدَّعَه العلمُ وارتحل.

وإذا تصفَّحت أحوالَ طائفةٍ من طُلّابِ العلمِ في هذا المعقد، رأيتَ خللًا بَيِّنًا، فأين تعظيمُ العلمِ من أمرئٍ تغدو الشَّهوات والشُّبهات في قلبه وتروحُ؟!

تدعوه صورةٌ محرَّمةٌ، وتستهويه مقالةٌ مجرمةٌ، حَشْوُه المنكرات، والتَّلذُّذُ بالمحرّمات، فيه غِلٌّ وفسادٌ، وحسدٌ وعنادٌ، ونفاقٌ وشقاقٌ، أنّى لهؤلاء وللعلم؟! ما هم منه، ولا هو إليهم.

٢١

قال سهل بن عبد الله رحمه الله: «حرامٌ على قلبٍ أن يدخله النُّور، وفيه شيءٌ ممَّا يكرهه الله عز وجل».

٢٣

فصول الكتاب · 23 فصل
خلاصة تعظيم العلم
تأليف صالح بن عبد الله العصيمي
تقدّمك في الكتاب: الْمَعْقِدُ الْأَوَّلُ: تَطْهِيرُ وِعَاءِ الْعِلْمِ — 3 من 23
فصول خلاصة تعظيم العلم
مقدمة الكتابغَفَرَ اللَّهُ لَهُ وَلِوَالِدَيْهِ وَلِمَشَايِخِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَالْمَعْقِدُ الْأَوَّلُ: تَطْهِيرُ وِعَاءِ الْعِلْمِالْمَعْقِدُ الثَّانِي: إِخْلَاصُ النِّيَّةِ فِيهِالمعقدُ الثالثُ: جمعُ هِمَّةِ النَّفسِ عليهِالْمَعْقِدُ الرَّابِعُ: صَرْفُ الْهِمَّةِ إِلَى عِلْمِ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِالمعقِدُ الخامسُ: سلوكُ الجادَّةِ الموصلةِ إليهِالْمَعْقِدُ السَّادِسُ: رِعَايَةُ فُنُونِهِ فِي الْأَخْذِ، وَتَقْدِيمُ الْأَهَمِّ فَالْمُهِمِّالمعقدُ السابعُ: المبادرةُ إلى تحصيلِه، واغتنامُ سِنِّ الصِّبا والشبابِالمعقدُ الثامنُ: لزومُ التأنِّي في طلبِهِ، وتركُ العجلةِالْمَعْقِدُ التَّاسِعُ: الصَّبْرُ فِي الْعِلْمِ تَحَمُّلًا وَأَدَاءًالمعقدُ العاشر: ملازمةُ آدابِ العلمِالمعقدُ الحادي عشر: صيانةُ العلمِ عمَّا يَشينُ، مِمَّا يُخالفُ المروءةَ ويخرِمُهاالمعقدُ الثاني عشر: انتخابُ الصُّحبةِ الصَّالحةِ لهالمَعْقِدُ الثَّالِثَ عَشَرَ: بذلُ الجهدِ في تحفُّظِ العلمِ، والمذاكرةِ بهِ، والسُّؤالِ عنهُالْمَعْقِدُ الرَّابِعَ عَشَرَ: إِكْرَامُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَوْقِيرُهُمْالمعقِدُ الخامسَ عشرَ: ردُّ مُشكِلِهِ إلى أهلِهِالمعقِدُ السَّادسَ عشرَ: توقير مجالس العلمِ، وإجلال أوعيتهالمعقدُ السَّابعَ عشرَ: الذَّبُّ عنِ العِلمِ، والذَّودُ عن حِياضِهالمَعْقِدُ الثَّامِنَ عَشَرَ: التَّحَفُّظُ فِي مَسْأَلَةِ العَالِمِالْمَعْقِدُ التَّاسِعَ عَشَرَ: شَغَفُ الْقَلْبِ بِالْعِلْمِ وَغَلَبَتُهُ عَلَيْهِالمعقد العشرون: حفظ الوقت في العلمالخاتمة
جارٍ التحميل