الخاتمة
إلى هنا بلغَ القولُ التَّمام، وحَسُنَ قطعُ الكلام بالختام، فيا شُداةَ العلم وطلابَه، ويا قُصَّاد الفقه وأربابَه، امتثلوا معاقدَ التَّعظيم، وأنتم تُقبلون على مقاعدِ التَّعليم، تجدوا نفعَه وتحمدوا عاقبتَه، وإيَّاكم والتَّهاونَ بها والعزوفَ عنها؛ فإنَّها مفتاحُ العلم ومرقاةُ الفهم، فبها تُجمع العلوم وتُوصَّل، وبها تُيسَّر الفنون وتُحصَّل.
فشمِّروا عن ساعدِ الجِدِّ، ولا تُشغلوا بميعةِ الجَدِّ، واحفظوا - رحمكم الله - قولَ أبي عبدِ الله ابنِ القَيِّمِ رَحِمَهُ اللهُ:
«طالبُ النُّفوذِ إلى الله والدَّارِ الآخرة، بل إلى كلِّ علمٍ وصناعةٍ ورئاسةٍ، بحيث يكون رأسًا في ذلك مقتدًى به فيه = يحتاجُ أن يكون شجاعًا مقدامًا، حاكمًا على وَهْمِه، غيرَ مقهورٍ تحت سلطان تخيُّلِه، زاهدًا في كلِّ ما سوى مطلوبه، عاشقًا لما تَوَجَّه إليه، عارفًا بطريقِ الوصول إليه، والطُّرُق القواطعِ عنه، مقدامَ الهمَّة، ثابتَ الجأش، لا يُثنيه عن مطلوبه لومُ لائم، ولا عذلُ عاذلٍ، كثيرَ السُّكون، دائمَ الفكر، غيرَ مائلٍ مع لذَّةِ المدح،
١٤٣
وَلَا أَلَمَ الذَّمِّ، قَائِمًا بِمَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ مِنْ أَسْبَابِ مَعُونَتِهِ، لَا تَسْتَفِزُّهُ الْمُعَارِضَاتُ، شِعَارُهُ الصَّبْرُ، وَرَاحَتُهُ التَّعَبُ، مُحِبًّا لِمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ، حَافِظًا لِوَقْتِهِ، لَا يُخَالِطُ النَّاسَ إِلَّا عَلَى حَذَرٍ، كَالطَّائِرِ الَّذِي يَلْتَقِطُ الْحَبَّ بَيْنَهُمْ، قَائِمًا عَلَى نَفْسِهِ بِالرَّغْبَةِ وَالرَّهْبَةِ، طَامِعًا فِي نَتَائِجِ الِاخْتِصَاصِ عَلَى بَنِي جِنْسِهِ، غَيْرَ مُرْسِلٍ شَيْئًا مِنْ حَوَاسِّهِ عَبَثًا، وَلَا مُسَرِّحًا خَوَاطِرَهُ فِي مَرَاتِبِ الْكَوْنِ، وَمِلَاكُ ذَلِكَ هَجْرُ الْعَوَائِدِ، وَقَطْعُ الْعَلَائِقِ الْحَائِلَةِ بَيْنَكَ وَبَيْنَ الْمَطْلُوبِ» انْتَهَى كَلَامُهُ -رَحِمَهُ اللهُ- فَمَا أَجْمَلَهُ ذِكْرَى وَتَبْصِرَةً!!
اللَّهُمَّ يَسِّرْ لَنَا تَعْظِيمَ الْعِلْمِ وَإِجْلَالَهُ، وَاجْعَلْنَا مِمَّنْ سَعَى لَهُ كَذَلِكَ فَنَالَهُ، اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، اللَّهُمَّ عَلِّمْنَا مَا يَنْفَعُنَا، وَانْفَعْنَا بِمَا عَلَّمْتَنَا، وَزِدْنَا عِلْمًا وَعَمَلًا، اللَّهُمَّ أَقْسِمْ لَنَا مِنْ خَشْيَتِكَ مَا تَحُولُ بِهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ مَعْصِيَتِكَ، وَمِنْ طَاعَتِكَ مَا تُبَلِّغُنَا بِهِ جَنَّتَكَ، وَمِنَ الْيَقِينِ مَا تُهَوِّنُ بِهِ عَلَيْنَا مَصَائِبَ الدُّنْيَا، اللَّهُمَّ مَتِّعْنَا بِأَسْمَاعِنَا وَأَبْصَارِنَا وَقُوَّتِنَا أَبَدًا مَا أَحْيَيْتَنَا، وَاجْعَلْهُ الْوَارِثَ مِنَّا، اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ الدُّنْيَا أَكْبَرَ هَمِّنَا، وَلَا مَبْلَغَ عِلْمِنَا، وَلَا إِلَى النَّارِ مَصِيرَنَا، وَلَا تُسَلِّطْ عَلَيْنَا مَنْ لَا يَخَافُكَ فِينَا وَلَا يَرْحَمُنَا.
١٤٥