الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3كتاب النكاح
أهل الأثرالأرشيف العلمي

النكاح في اللغة: الجمع.
ومنه قولهم: أنكحنا الفرى فسنرى.
أي جمعنا حمار الوحش وأمه 1 فسيرى ما يتولد منهما.
يضرب مثلاً للأمر يجتمعون له ثم يفترقون عنه.
ومنه قول الشاعر: أنكحت ضم خفاها خف يَعْمَلَةٍ أي جمعت بين خفيها 2 وبين خف الناقة.
ومنه قول الشاعر: أيها المنكح الثُّرَيّا سُهيلاً ... عمرك الله كيف يلتقيان أي فكيف يجتمعان.
وفي الشرع: هو العقد.
وقيل: هو الوطء.
وقال القاضي: الأشبه بأصلنا أنه حقيقة فيهما؛ لقولنا بتحريم موطوءة الأب بملك اليمين أو شبهه؛ لدخوله في قوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء إلا ما قد سلف﴾ [النساء: 22].
والصحيح أنه العقد؛ لأنه أشهر استعمالاً.
ولأنه يصح نفيه عن الوطء؛ لأنه يقال في الزنا: سفاح.
وليس بنكاح.
ويروى عن النبي صلى الله عليه وسلم: «وُلدتُ من نكاحٍ لا منْ سِفَاح» 3. ولأنه يقال في السُّرية: ليست بزوجة ولا منكوحة.
وهو مشروع بالكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: 3].

وأما السنة فقوله عليه الصلاة والسلام: «يا معشرَ الشباب! من استطاعَ منكمُ الباءَةَ فليتزوّج .. مختصر» 4 متفق عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 529

وأما الإجماع فأجمع المسلمون في الجملة على مشروعيته.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (النكاح سنة.
والاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ إلا أن يخاف على نفسه مُواقعة المحظور بتركه فيجب عليه.
وعنه: أنه واجب على الإطلاق).
أما كون النكاح سنة إذا لم يخف على نفسه مواقعة المحظور على المذهب؛ فلأن فعله راجح على تركه مع جواز تركه: أما رجحان فعله؛ فلأن الله ورسوله أمرا به.
وأدنى أحوال الأمر رجحان الفعل.
ولأن في فعله خروجاً عن العهدة الآتي ذكرها بعد.
وأما جواز تركه؛ فلأن الله تعالى علّقه بالاستطابة فقال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: 3].
والواجب لا يعلق على الاستطابة.
ولأن تكملة الآية: ﴿مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: 3].
ولا خلاف في أنه لا يجب زيادة على واحدة.
وأما كون الاشتغال به أفضل من التخلي لنوافل العبادة؛ فلأن الله تعالى أمر به رسوله.
وقال عليه السلام: «ولكني أصومُ وأفطرُ، وأصلِّي وأرْقُدُ، وأتزوجُ النساء.
فمن رغبَ عن سُنتي فليسَ مني» 5. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوج وبالغ في العدد.
وفعل ذلك أصحابه.
ولا يَشْتغل هو ولا أصحابه إلا بالأفضل.

الجزء: 3 - الصفحة: 530

وعن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس: «هل تزوَّجتَ؟ قلتُ: لا.
قال: فتزوّجْ.
فإنّ خيرَ هذه الأمةِ أكثرُها نساءً» 6. أخرجه البخاري.
ولأن مصالحه أكثر: فإنه يشتمل على إحراز الدين، وتحصين المرأة، وحفظها، والقيام بواجبها، وإيجاد النسل، وتكثير الأمة، وتحقيق مباهاة النبي صلى الله عليه وسلم، وغير ذلك من المصالح الراجح إحداها على العبادة.
فمجموعها أولى.
فإن قيل: هل يدخل من لا شهوة له في الأصل؛ كالعِنّين، أو من خلقت له ثم ذهبت بكبر أو مرض؟ قيل: فيه وجهان: أحدهما: يستحب له النكاح.
وهو ظاهر كلام المصنف.
وقال القاضي: هو ظاهر أحمد.
ووجه ذلك ما تقدم من العموم.
وقد جاء: «من دعاك إلى غير التزويج فقد دعاك إلى غير أمر الإسلام».
والثاني: المستحب لهذا التخلي لنوافل العبادة والاشتغال بشأنه؛ لأنه لا يحصل مصالح النكاح ويعرض نفسه لواجبات وحقوق لعلّه لا يتمكن من أدائها مع عدم حاجته إلى سبب ذلك.
ويمنع زوجته من التحصين بغيره ويشتغل عن العلم والعبادة بما لا فائدة فيه.
والعمومات المتقدمة محمولة على من له شهوة لما فيها من القرائن الصارفة إليه.
وظاهر كلام أحمد أنه لا فرق بين القادر والعاجز «لأن النبي صلى الله عليه وسلم كان يصبحُ وما عندهُم شيء، ويمسي وما عندهُم شيء» 7. و«لأنه عليه السلام زوّج رجلاً لم يقدر على خاتم حديد، ولا وجدَ إلا إزارَه ولم يكن له ردَاء» 8. أخرجه البخاري.

الجزء: 3 - الصفحة: 531

ولأن الله هو الرزاق.
وربما كان التزويج سبباً لغناه.
وأما كون من يخاف على نفسه مواقعة المحظور وهو الزنا بترك النكاح يجب عليه؛ فلأن صون النفس عن الحرام واجب، والنكاح طريق إليه.
فيجب دفعا لذلك الحرام.
وأما كونه واجباً على الإطلاق على روايةٍ؛ فلظاهر قوله تعالى: ﴿فانكحوا﴾ [النساء: 3]، ولقوله صلى الله عليه وسلم: «تناكَحُوا تناسَلُوا» 9. والأول أصح؛ لما تقدم.
وما ذكر محمول على الندب؛ لما تقدم.
قال: (ويستحب تَخَيُّر: ذات الدين، الولود، البكر، الحسيبة، الأجنبية).
أما كون تخيّر ذات الدين يستحب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُنكحُ المرأةُ: لمالها، ولحسبها، ولجمالها، ولدينها 10. فاظفَرْ بذاتِ الدين.
تَربَتْ يداك» 11 متفق عليه.
وأما كون تخير الولود يستحب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لجابر: أتزوجتَ يا جابر! قال: نعم.
قال: بكرًا أم ثيبًا؟ قال: قلتُ: بل ثيبًا.
قال: فهلا أخذتَ بكرًا تُلاعِبُها وتُلاعِبُك» 12. متفق عليه.

وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «عليكَمْ بالأبكَار.
فإنهنّ أعذبُ أفْوَاهاً وأفتحُ أرْحَاماً» 13. رواه أحمد.

وفي روايةٍ: «وأَنْتَقُ أرْحَاماً وأرضَى باليسِير» 14.

الجزء: 3 - الصفحة: 532

وأما كون تخير الحسيبة يستحب؛ فلما روت عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تخيّروا لنطَفِكُمْ.
فانكِحُوا الأكْفَاءَ، وأنكِحُوا إليهم» 15. رواه ابن ماجة.
ولأن ولد الحسيبة ربما أشبه أهلها ونزع إليهم.
ويقال: إذا أردت أن تتزوج امرأة فانظر إلى أبيها أو أخيها.
أي: إذا أردت نكاح امرأة فانظر إلى نسبها.
والنسب الحسب.
وأما كون تخير الأجنبية يستحب؛ فلأن ولدها أنجب.
ولهذا يقال: اغترب.
أي: انكحوا الغرائب.
ولأنه لا يؤمن في النكاح إفضاؤه إلى الطلاق.
فيكون سبباً للعداوة.
فإذا كانت الزوجة قريبة كانت قطيعة للرحم المأمور بصلتها.
قال: (ويجوز لمن أراد خطبة امرأة النظر إلى وجهها من غير خلوة بها.
وعنه: له النظر إلى ما يظهر غالباً؛ كالرقبة واليدين والقدمين).
أما كون من أراد خطبة امرأة يجوز له النظر إليها في الجملة؛ فلأن جابراً روى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا خطبَ أحدكمُ المرأةَ.
فإن استطاعَ أن ينظرَ إلى ما يدعوهُ إلى نكاحِها فليفعل.
قال: فخطبتُ امرأةً فكنتُ أتخبأُ لها حتى رأيتُ منها ما دعَاني إلى نِكاحِها.
فتزوجتها» 16. رواه أبو داود.
ولأن النكاح عقد يقتضي التمليك فكان للعاقد النظر إلى المعقود عليه؛ كالنظر إلى الأمة المستامة.
وأما كونه يجوز له النظر إلى وجهها فقط على الأول؛ فلأنه ليس بعورة.
والغرض يحصل به؛ لأنه مجمع المحاسن.

الجزء: 3 - الصفحة: 533

وأما كونه يجوز له النظر إلى ما يظهر غالباً كما تقدم بيانه على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم لما أذن في النظر إليها مطلقاً علم أنه أذن في النظر إلى جميع ما يظهر منها غالباً.
إذ لا يمكن إفراد الوجه بذلك.
ولأنه يظهر غالباً.
فأبيح النظر إليه؛ كالوجه.
وأما كون النظر المذكور من غير خلوة بها؛ فلأنها كانت محرمة، ولم يَردْ الشرع بغير النظر.
فبقيت الخلوة على التحريم.
ولأنه لا يؤمن مع الخلوة مواقعة المحظور.
فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخلونّ الرجلُ بامرأةٍ فإن الشيطانَ ثالثهما» 17. رواه أحمد.
قال: (وله النظر إلى ذلك، وإلى الرأس، والساقين من الأمة المستامة، ومن ذوات محارمه.
وعنه: لا ينظر من ذوات محارمه إلا إلى الوجه والكفين).
أما كون الرجل له النظر إلى الأمة المستامة؛ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك ليعرف ما يشتري.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أن النظر الجائز يختص بالوجه والرقبة واليدين والقدمين والرأس والساقين؛ لأن المقصود يحصل بذلك.
وقال في الكافي: يجوز النظر إلى ما عدا العورة؛ لأن ذلك محتاج إلى معرفته.
فجاز النظر إليه؛ كالوجه.
وفي تقييد الأمة بالمستامة دليل على عدم جواز النظر إلى الأمة إذا لم تكن مستامة.
وفيه وجهان: إحداهما: لا يجوز؛ لعموم قوله: ﴿ولا يبدين زينتهن ... الآية﴾ [النور: 31] مع أنه لا حاجة تدعو إليه.
ولأن خوف الفتنة مشترك بين الحرة والأمة.
فوجب اشتراكهما في الحرمة.
والثاني: يجوز؛ «لأن عمر رأى أمةً متكممة فضربها بالدرّة، وقال: يا لَكَاع! تتشبّهين بالحرائر» 18.

الجزء: 3 - الصفحة: 534

وروى أبو حفص «أن عمرُ كان لا يدع أمةً تقنع في خلافته.
قال: إنما القناعُ للحرائر» 19. ولو كان نظر ذلك محرماً لم يَمنع منه بل أمر به.
وقد روى أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أخذَ صفية قال الناس: لا نَدري أجعلَها أمّ المؤمنين أمْ أمّ ولد؟ فقالوا: إن حجَبَها فهي أم المؤمنين، وإنْ لم يحجبها فهي أمّ ولدٍ.
فلما ركبَ وطّى لها خلفه ومدَّ الحجابَ بينها وبين الناس» 20 متفق عليه.
وأما كونه له النظر إلى ذوات محارمه في الجملة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا يبدين زينتهن إلا لبعولتهن أو آبائهن ... الآية﴾ [النور: 31]، وقال تعالى: ﴿لا جناح عليهن في آبائهن ... الآية﴾ [الأحزاب: 55].
والمراد بذوات محارمه من يحرم نكاحها عليه على التأبيد بنسب؛ كالأم، والبنت.
أو نسب مباح؛ كأم الزوجة، وابنتها.
وأما كونه له النظر منهنّ إلى الوجه والرقبة واليدين والقدمين والرأس والساقين ونحو ذلك مما يظهر غالباً على الأول؛ فلما روت زينب بنت أبي سلمة «أنها ارتضعتْ من أسماءَ امرأة الزبير.
قالت: فكنتُ أراه أباً.
وكان يدخل عليّ وأنا أمشّط رأسي، وربما أخذَ ببعض قرونِ رأسي، ويقول: أقبلِي عليّ» 21. رواه الشافعي في مسنده.
إذا ثبت ذلك في الرأس فالبواقي في معناه.
وأما كونه لا ينظر منهنّ إلا إلى الوجه والكفين على روايةٍ؛ فلأن ابن عباس قال في تفسير قوله تعالى: «﴿ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها﴾ [النور: 31] يعني وجهها وكفيها» 22.

الجزء: 3 - الصفحة: 535

قال: (وللعبد النظر إليهما من مولاته).
أما كون العبد له النظر إلى مولاته؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو ما ملكت أيمانهن﴾ [النور: 31].
وروت أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كان لإحداكُنّ مُكَاتَبْ فملكَ ما يُؤدي.
فلتحتَجِبْ منه» 23. رواه أبو داود والترمذي وصححه.
مفهومه عدم احتجابها قبل ذلك.
وعن أنس «أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبدٍ قد وهبه لها، وعلى فاطمة ثوبٌ إذا قنَّعَتْ به رأسَها لم يبلغْ رجلَها، وإذا غطّت به رجلَها لم يبلغْ رأسَها.
فلما رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تَلْقَى.
قال: إنه ليسَ عليكِ بأس.
إنما هو أبوكِ وغلامُك» 24. رواه أبو داود.
وأما كونه له النظر إلى وجهها وكفها وهو المراد بقوله: إليهما؛ فلأن الحاجة تدعو إلى ذلك.
فإن قيل: حديث أنس يدل على أنه له النظر إلى رأسها ورجلها.
قيل: ذكر المصنف في الكافي أن له النظر إلى ما يظهر منها غالباً.
فيكون فيه الخلاف الذي في الخاطب 25. ووجهه ما ذكر من الحديث أو الحاجة.

الجزء: 3 - الصفحة: 536

قال: (ولغير أولي الإرْبةِ من الرجال؛ كالكبير، والعِنّين، ونحوهما: النظر إلى ذلك.
وعنه: لا يباح).
أما كون غير أولي الإربة له النظر إلى الوجه والكفين على المذهب فلقوله تعالى: ﴿أو التابعين غير أولي الإربة﴾ [النور: 31].
فإن قيل: ما المراد بغير أولي الإربة؟ قيل: غير أولي الحاجة.
وعن مجاهد وقتادة: «هو الذي لا إربَ له في النساء».
وعن ابن عباس نحوه.
وأما كونه لا يباح له ذلك على روايةٍ؛ فلعموم الأدلة المقتضية للمنع.
قال: (وللشاهد والمبتاع النظر إلى وجه المشهود عليها، ومن تعامله.
وللطبيب النظر إلى ما تدعو الحاجة إلى نظره).
أما كون الشاهد له النظر إلى وجه المشهود عليها 26 فلتقع الشهادة على عينها.
وأما كون المبتاع له النظر إلى وجه من تعامله فليعلمها بعينها حتى يرجع عليها بالدرك.
وفي ذكر المبتاع تنبيه على المؤجرة ونحو ذلك، ويؤكده قوله: ومن تعامله.
وصرح به في المغني؛ لأن حكم الكل سواء لأن ذلك في معنى المبتاع.
وأما كون الطبيب له النظر إلى ما تدعو الحاجة إلى نظره من المتطببة أو المتطبب؛ فلأنه موضع حاجة.
وقد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم لما حكّم سعدًا في بني قريظةَ كان يكشفُ عن مؤْتَزَرِهِم»؛ لأنه موضع حاجة.
وهذا مثله.

وعن عثمان: «أنه أُتيَ بغلامٍ قد سرقَ فقال: انظروا إلى مؤُتزرِه.
فلم يجدوه أنبتَ.
فلم يقطعه» 27.

الجزء: 3 - الصفحة: 537

قال: (وللصبي المميز غير ذي الشهوة النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة.
فإن كان ذا شهوة فهو كذي المحرم.
وعنه: كالأجنبي).
أما كون الصبي المميز غير ذي الشهوة له النظر إلى ما فوق السرة وتحت الركبة؛ فـ «لأن أبا طيبة حجمَ نساء النبي صلى الله عليه وسلم وهو غلام».
ولأن من ذكر لا شهوة له.
أشبه الطفل.
ولأن المحرم للرؤية في حق البالغ كونه محلاً للشهوة.
وهو مفقود هاهنا.
وأما كون الصبي ذي الشهوة كذي المحرم على المذهب؛ فلأن الله عز وجل فرق بين البالغ وغيره بقوله: ﴿وإذا بلغ الأطفال منكم الحلم فليستأذنوا كما﴾ [النور: 59].
ولو لم يكن للصبي ذي الشهوة النظر لما كان بينه وبين البالغ فرق.
وأما كونه كالأجنبي على روايةٍ فلمساواته البالغ في الشهوة.
وإنما لم يشترط عدم الشهوة في الآية؛ لأن الغالب عدمها فيمن لم يبلغ.
قال: (وللمرأة مع المرأة، والرجل مع الرجل: النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة.
وعنه: أن الكافرة مع المسلمة كالأجنبي).
أما كون المرأة مع المرأة لها النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿أو نسائهن﴾ [النور: 31].
وأما كون الكافرة كالمسلمة في ذلك على المذهب؛ فلأن النساء الكوافر من اليهوديات وغيرهن كن يدخلن على نساء النبي صلى الله عليه وسلم فلم يكن يحتجبن، ولا أُمرن بالحجاب.
وعن عائشة: «جاءت يهودية تسألُها فقالت: أعاذكِ الله من عذابِ القبرِ.
فسألت عائشة النبي صلى الله عليه وسلم ... وذكر الحديث» 28. متفق عليه.
ولأن الحجب بين الرجال والنساء لمعنى لا يوجد بين المسلمة والكافرة.
فوجب أن لا يثبت الحجاب بينهما كالمسلم مع الكافر.

الجزء: 3 - الصفحة: 538

وأما كون الرجل مع الرجل له النظر إلى ما عدا ما بين السرة والركبة؛ فلأن تخصيص العورة بالنهي دليل على إباحة النظر إلى غيرها.
وأما كون الكافرة مع المسلمة كالأجنبي على روايةٍ؛ فلأن قوله: ﴿أو نسائهن﴾ [النور: 31] ينصرف إلى المسلمات.
فلو جاز للكافر النظر لم يبق للتخصيص فائدة.
قال: (ويباح للمرأة النظر من الرجل إلى غير العورة.
وعنه: لا يباح).
أما كون المرأة يباح لها النظر من الرجل إلى ما ذُكر على المذهب؛ فلأن عائشة قالت: «كان رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يستُرني بردائِه وأنا أنظرُ إلى الحبشةِ يلعبُونَ في المسجد» 29 متفق عليه.
و«لأنه عليه السلام قال لفاطمة بنت قيس: اعتدّي في بيتِ ابن أم مكتوم فإنه رجلٌ أعمى تضَعين ثيابَكِ فلا يَراك» 30 متفق عليه.
ولأنهن لو منعن النظر لوجب على الرجال الحجب لئلا ينظرون إليهم كما يؤمر النساء بالحجاب لئلا ينظر الرجال إليهن.
وأما كونها لا يباح لها ذلك على روايةٍ؛ فلما وري عن أم سلمة قالت: «كنتُ قاعدةً عند النبي صلى الله عليه وسلم أنا وحفصة.
فاستأذنَ ابن أم مكتوم.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: احتجبنَ منه.
فقلتُ: يا رسول الله! ضريرٌ لا يُبصر.
قال: أو عمْيَاوانِ أنتما لا تُبْصِرانِه؟ » 31. رواه أبو داود.
ولأن الله تعالى أمر النساء بغض أبصارهن كما أمر الرجال به.

الجزء: 3 - الصفحة: 539

ولأن النساء أحد نوعي الآدمي.
فحرم عليهن النظر إلى النوع الآخر قياساً على الرجال.
يحققه أن المعنى المحرم للنظر خوف الفتنة وهو في المرأة أبلغ؛ لأنها أشد شهوة وأقل عقلاً.
قال: (ويجوز النظر إلى الغلام لغير شهوة.
ولا يجوز النظر إلى أحد ممن ذكرنا لشهوة).
أما كون النظر إلى الغلام لغير شهوة يجوز؛ فلأنه ذكر.
أشبه الملتحي.
وأما كون النظر إلى أحد ممن ذكر لا يجوز لشهوة؛ فلأنه وسيلة إلى إيقاع المحذور.
قال: (ولكل واحد من الزوجين له النظر إلى جميع بدن الآخر ولمسه، وكذلك السيد مع أمته).
أما كون كل واحد من الزوجين له النظر إلى جميع بدن الآخر؛ فلأن النظر إنما حرم لئلا يقع في المحظور.
وذلك منتفٍ هاهنا لجواز الوطء.
وروى بهز بن حكيم عن أبيه عن جده قال: «قلتُ: يا رسول الله! عوراتُنا ما نأتي منها وما نَذَر؟ قال: احفظْ عورتَكَ إلا من زوجتِكَ أو ما ملكتْ يمينُك» 32. وإذا لم يحفظ عورته منها لم تحفظ عورتها منه؛ لاشتراكهما في المعنى.
وفي تعميم النظر المذكور إشعار بجواز النظر إلى الفرج.
وهو صحيح ويدل عليه الحديث المتقدم.
ولأنه محل استمتاع.
فجاز النظر إليه؛ كبقية البدن.
لكن يكره النظر إليه؛ لأن عائشة قالت: «ما رأيتُه من رسولِ الله صلى الله عليه وسلم ولا رآهُ مني».

وفي لفظٍ قالت: «ما رأيتُ فرجَ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم قط» 33. رواه ابن ماجة.

الجزء: 3 - الصفحة: 540

وقيّد صاحب المستوعب الكراهة بحالة الطمث وهي الحيض.
وفيه معنى؛ لأن الوطء في الحيض حرام.
فإذا نظر إلى الفرج ربما كان سبباً إلى الوطء الحرام.
فأما إذا لم يكن حراماً فلا أقل من أن يكون مكروها.
وأما كون كل واحد منهما له لمس جميع بدن الآخر؛ فلأن الوطء جائز.
فلأن يجوز اللمس بطريق الأولى.
ولأنه لو حرم اللمس لحرم النظر لئلا يدعو إليه.
ولأنه لو حرم اللمس لما أمكن التحرز عنه حالة الوطء.
وأما كون السيد مع أمته كذلك؛ فلأنهما في معنى الزوجين.
ولأن الأمة داخلة في الحديث المتقدم ذكره.
وفي قول المصنف رحمه الله تعالى: مع أمته نظر؛ لأنه يدخل في ذلك أمته المزوجة والمجوسية والوثنية ونحو ذلك، وليس له النظر إلى شيء من ذلك ولا لمسه؛ لما يذكر في موضعه.
وجعل بعض الأصحاب سُرِّيَتَه بدل أمته.
وفيه نظر أيضاً؛ لأنه يخرج منه أمته التي ليست بسُرِّية.
وله النظر إليها ولمسها.
وجعل بعضهم أمته المباحة له بدل أمته 34. وهو أجود مما تقدم ذكره لسلامته عما ذكر فيه.

الجزء: 3 - الصفحة: 541

فصل [في خطبة المعتدة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يجوز التصريح بخطبة المعتدة، ولا التعريض بخطبة الرجعية.
ويجوز في عدة الوفاة والبائن بطلاق ثلاث.
وهل يجوز في عدة البائن بغير الثلاث؟ على وجهين).
أما كون التصريح بخطبة المعتدة لا يجوز؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولكن لا تواعدوهن سراً﴾ [البقرة: 235]. والمراد بالسر النكاح.
قاله أهل التفسير.
ولأنه قال: ﴿ولا جناح عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ [البقرة: 235]. خص التعريض بنفي الحرج وذلك يدل على وجود الحرج في التصريح، وذلك يدل على عدم جواز التصريح.
ولأن التصريح لا يحتمل غير النكاح.
فلا يؤمن أن يحملها الحرص على النكاح على الإخبار بانقضاء عدتها قبل انقضائها.
وأما كون التعريض بخطبة الرجعية لا يجوز؛ فلأنها زوجة.
أشبهت التي في صلب النكاح.
وأما كون التعريض في عدة الوفاة والمطلقة بالثلاث يجوز؛ فلما تقدم من الآية.
ولما روت فاطمة: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها لما طلّقها زوجها ثلاثاً: إذا حلَلْتِ فآذِنيني» 35 وفي لفظ: «لا تَسْبِقيني نفسك» 36. وفي لفظ: «لا تَفُوتِينَا بنفْسِك» 37. وكل ذلك تعريض بالخطبة.

الجزء: 3 - الصفحة: 542

وأما كون التعريض في عدة البائن بغير الثلاث؛ كالمختلعة، والمطلقة بالكناية الظاهرة على قول يجوز على وجه؛ فلعموم الآية.
ولأنها بائن.
أشبهت المطلقة بالثلاث.
وأما كونه لا يجوز على وجه؛ فلأن الزوج يملك أن يستبيحها.
أشبهت الرجعية.
قال: (والتعريض نحو قوله: إني في مثلك لراغب، ولا تُفَوِّتيني بنفسك.
وتجيبه ما يُرغب عنك، وإن قضى شيء كان، ونحوهما).
أما كون التعريض نحو ما ذكر؛ فلأن الغرض يحصل بذلك.
وقد دل الحديث المتقدم عليه.
وأما كون الإجابة ما ذكر؛ فلأن ذلك كافٍ في الغرض وشبيه بالتعريض.
قال: (ولا يحل لرجل أن يخطب على خطبة أخيه إن أُجيب.
وإن رُدَّ حل وإن لم يعلم الحال فعلى وجهين).
أما كون الرجل لا يحل له أن يخطب على خطبة أخيه إذا أجيب؛ فلما روى ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخطبُ أحدكم على خطبةِ أخيه» 38. وعن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا يخطبُ الرجلُ على خطبةِ أخيه حتى يَنكِحَ أو يَترُك» 39 متفق عليهما.
ولأن في ذلك إفساداً على الخاطب الأول، وفيه إيقاع العداوة بين الناس.
ولذلك نهى عليه السلام عن بيعِ الرجل على بيعِ أخيه 40. وأما كونه يحل له ذلك إذا رُدَّ؛ فلما روت فاطمة بنت قيس: «أنها أتت النبي صلى الله عليه وسلم فذكرت: أن معاوية وأبا جهم خطباها.
فقال النبي صلى الله عليه وسلم: أما معاوية

الجزء: 3 - الصفحة: 543

فصُعلوكٌ لا مالَ له، وأما أبو جهم فلا يَضَعُ عصاهُ على عاتِقِه، انكحي أسامة بن زيد» 41 متفق عليه.
ولأن تحريم خطبتها على هذا الوجه إضرارٌ بالمرأة؛ لأنه لا يشاء أحد أن يمنع المرأة النكاح إلا منعها بخطبته لها.
و«لأن عمر بن الخطاب خطبَ امرأة على جرير بن عبدالله البجلي، وعلى مروان بن الحكم، وعلى عبدالله بن عمر.
فدخل على المرأة وهي جالسةٌ في بيتها.
فقال عمر: إن جرير بن عبدالله يخطبُ وهو سيدُ أهلِ المشرق، ومروان يخطبُ وهو سيدُ شبابِ قريش، وعبدالله بن عمر وهو من قد علمتُم، وعمر بن الخطاب.
فقالت: أميرُ المؤمنين قال: نعم.
فقالت: قد أنكحت بأمير المؤمنين أنكحوه».
ذكره ابن عبدالبر.
وأما كونه يحل له إذا لم يعلم الحال على وجهٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم خطب فاطمة لأسامة بعد أن أخبرته أن معاوية وأبا جهم خطباها.
وأما كونه لا يحل له على وجه؛ فلعموم النهي عن خطبة الرجل على خطبة أخيه.
قال: (والتعويل في الرد والإجابة عليها إن لم تكن مجبرة.
وإن كانت مجبرة فعلى الولي).
أما كون التعويل في الرد والإجابة على المرأة إن لم تكن مجبرة؛ فلأنها أحق بنفسها من وليها.
ولو أجاب الولي ورغبت هي عن النكاح كان الأمر أمرها.
وأما كون ذلك على الولي إذا كانت مجبرة؛ فلأنه يملك تزويجها بغير اختيارها.
فكان العبرة به لا بها.
قال: (ويستحب عقد النكاح مساء يوم الجمعة.
وأن يخطب قبل العقد بخطبة ابن مسعود.
وأن يُقال للمتزوج: بارك الله لكما وعليكما وجمع بينكما في خير

الجزء: 3 - الصفحة: 544

وعافية.
وإذا زُفّت إليه قال: اللهم إني أسألك خيرها وخير ما جبلتها عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلتها عليه).
أما كون العقد يستحب مساء يوم الجمعة؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مسوا بالإملاكِ فإنه أعظمُ للبركة».
ولأنه أقرب إلى مقصوده وأقل لانتظاره.
وأما كونه يستحب يوم الجمعة؛ فلأن جماعة من السلف استحبوا ذلك: منهم ضَمْرة بن حبيب، وراشد بن سعد، وحبيب بن عتبة.
وأما كون العاقد يستحب له أن يخطب بخطبة قبل العقد؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلُ أمرٍ ذي بالٍ لا يُبدأُ فيه بالحمدُ للهِ فهوَ أقطَع» 42. رواه ابن المنذر.
وأما كونه يخطب بخطبة ابن مسعود؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم علمه إياها.
وما هذا شأنه أولى من غيره.
فإن قيل: ما خطبة بن مسعود؟ قيل: ما روى ابن مسعود قال: «علّمنا رسولُ الله صلى الله عليه وسلم التشهدَ في الحاجة.
إن الحمدَ للهِ نحمدُه ونستعينُه ونستغفرُه ونعوذُ باللهِ من شرورِ أنفسنا وسيئاتِ أعمالنِا.
من يهدهِ اللهُ فلا مُضلَ له، ومن يُضلِل فلا هاديَ له.
وأشهدُ أن لا إلهَ إلا الله، وأشهدُ أن محمدًا عبدُه ورسولُه.
ويقرأ ثلاث آياتٍ: ﴿اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون﴾ [آل عمران: 102]، ﴿واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبًا﴾ [النساء: 1]، ﴿اتقوا الله وقولوا قولاً سديدًا ... الآية﴾ [الأحزاب: 70]» 43. رواه أبو داود والترمذي وقال: حديث حسن.
وإضافة الخطبة إلى ابن مسعود في كلام المصنف لتأكيد الخطبة بها.
لا لأن الخطبة لا تستحب بغيرها نقلاً وتعليلاً: أما الأول؛ فلأن الإمام أحمد بن حنبل

الجزء: 3 - الصفحة: 545

كان إذا حضر عقد نكاح لم يُخطب فيه بخطبة ابن مسعود قام وتركهم.
رواه الخلال.
وسئل: أيجب أن تكون الخطبة مثل قول ابن مسعود؟ فوسع في ذلك.
رواه حرب.
وأما الثاني؛ فلأن الغرض الخطبة.
وذلك حاصل بغيرها.
وروي عن ابن عمر «أنه كان إذا دُعيَ ليزوِّج قال: [لا تُفضّضُوا] علينا الناسَ.
الحمدُ [لله] وصلى الله على محمدٍ.
إن فلانًا خطبَ إليكم فإن أنكحتُموه فالحمدُ لله، وإن رددتموهُ فسبحانَ الله» 44. وأما كون المتزوج يستحب أن يقال له ما ذكره المصنف رحمه الله؛ فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان إذا رَفَّأَ الإنسانَ قال: باركَ اللهُ لكَ، وباركَ عليكَ، وجمعَ بينكما في خيرٍ وعافية» 45. رواه أبو داود.
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «أنه قال لعبدالرحمن لما تزوج: باركَ اللهُ عليكَ، أوْلِمْ ولو بشاة» 46. رواه البخاري.
وأما كونه يستحب أن يقول: اللهم إني أسألك خيرها ... إلى آخره إذا زفت إليه؛ فلأن عمرو بن شعيب روى عن أبيه عن جده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا تزوجَ أحدكمُ امرأةً أو اشترى خادمًا فليقل: اللهم إني أسألكَ خيرَها وخيرَ ما جبلتَها عليه، وأعوذُ بكَ من شرّها وشرّ ما جبلتَها عليه» 47. رواه أبو داود.

الجزء: 3 - الصفحة: 546

باب أركان النكاح وشروطه

أركان الشيء هي: أجزاء ماهيته.
والماهية لا تتم بدون جزئها.
فكذا الذي لا يتم بدون ركنه.
والشرط ما ينتفي المشروط لانتفائه.
وليس جزءاً من الماهية.
قال المصنف رحمه الله تعالى: (وأركانه: الإيجاب والقبول.
ولا ينعقد الإيجاب إلا بلفظ النكاح والتزويج بالعربية لمن يحسنهما، أو بمعناهما الخاص بكل لسان لمن لا يحسنهما.
فإن قدر على تعلمها بالعربية لم يلزمه في أحد الوجهين.
والقبول أن يقول: قبلت هذا النكاح أو ما يقوم مقامه في حق من لا يحسن).
أما كون الإيجاب والقبول ركني النكاح؛ فلأن ماهيته مركبة منهما ومتوقفة عليهما؛ لما يذكر في موضعه إن شاء الله تعالى.
وأما كون الإيجاب.
وهو: اللفظ الصادر من قبل الولي أو من يقوم مقامه: لا ينعقد إلا بلفظ الإنكاح أو التزويج بالعربية لمن يحسنهما؛ فلأنهما اللذان وردا في القرآن، واستعملهما الصحابة وغيرهم إلى زمننا هذا.
ولأن العادل عنهما مع معرفته لهما عادل عن اللفظ الذي ورد في القرآن مع القدرة عليه.
أشبه من عدل عن لفظ التكبير مع القدرة عليه.
فإن قيل: فقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه زوج رجلاً امرأة.
فقال: مُلِّكْتَها بما معكَ من القرآن» 48. رواه البخاري.

الجزء: 3 - الصفحة: 547

قيل: قد روي في الحديث بعينه أنه قال: «زَوّجْتُكَهَا» 49 و «أُنكِحتَها» 50 و «زوّجْناَكَهَا» 51 من طرق صحيحة: فإما أن يكون قد جمع النبي صلى الله عليه وسلم بين ذلك، أو يحمل على أن الراوي روى بالمعنى ظناً منه أن معناهما واحد.
وعلى كلا التقديرين لا يبقى فيه حجة.
وأما كونه لا ينعقد إلا بمعناهما الخاص بكل لسان لمن لا يحسنهما؛ فلأن ذلك في لغته نظير الإنكاح والإزواج في العربية.
ولأن العادل عن ذلك عادل عن اللفظ الخاص إلى غيره.
أشبه العربي إذا عدل عن اللفظ الخاص فيها.
وأما كون القادر على تعلم ذلك لا يلزمه في وجه؛ فلأن النكاح عقد معاوضة.
فلم يجب تعلم أركانه؛ كالبيع.
وأما كونه يلزمه في وجه؛ فلأن ما كانت العربية شرطاً فيه لزم تعلمها مع القدرة؛ كالتكبير.
وأما القبول.
وهو: اللفظ الصادر من قبل الزوج أو من يقوم مقامه: أن يقول ما ذكره المصنف؛ فلأنه كالإيجاب معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
فإن قيل: فإن اختلف لفظ الإيجاب والقبول فقال الولي: زوجتك فقال الزوج: قبلت هذا النكاح، أو قال: أنكحتك فقال: قبلت هذا التزويج.
قيل: يصح؛ لأن الكل وافٍ بالغرض مع كونه موضوعاً له في العربية.

الجزء: 3 - الصفحة: 548

قال: (فإن اقتصر على قول: قبلت، أو قال الخاطب للولي: أزوجتَ؟ قال: نعم.
وللمتزوج: أقبلتَ؟ قال: نعم: صح.
ذكره الخرقي.
ويحتمل أن لا يصح).
أما كون من اقتصر على قول: قبلت يصح النكاح على المذهب؛ فلأنه صريح في الجواب.
فصح به النكاح؛ كما يصح به البيع وسائر العقود.
وأما كون الولي إذا قال: نعم بعد قول الخاطب له: أزوجت؟ والمتزوج إذا قال: نعم بعد قول الخاطب له: أقبلت؟ يصح النكاح على المذهب؛ فلأن معنى نعم قبلت هذا التزويج.
ولذلك لما قال الله تعالى: ﴿فهل وجدتم ما وعد ربكم حقًا قالوا نعم﴾ [الأعراف: 44] كان إقراراً منهم بوجدان ما وعدهم ربهم حقاً.
ولو قيل لرجل: ألي عليك ألف؟ قال: نعم.
كان مقراً به إقرارًا لا يفتقر إلى التفسير.
ومثله قطع اليد في السرقة.
فوجب أن يصح التزويج به؛ كما لو صرح بالمعنى.
وأما كونه يحتمل أن لا يصح النكاح بما ذكر في المسألتين المذكورتين قبل؛ فلأن قول الولي: زوجتك وقول الزوج: قبلت هذا التزويج ركنا العقد.
فلم يصح بدونهما.
قال: (وإن تقدم القبول الإيجاب لم يصح.
وإن تراخى عنه صح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه.
فإن تفرقا قبله 52 بطل الإيجاب.
وعنه: لا يبطل).
أما كون القبول إذا تقدم الإيجاب في باب النكاح لا يصح بلا خلاف في المذهب سواء كان بلفظ الماضي كقولك: تزوجتُ ابنتك فيقول: زوجتك، أو بلفظ الطلب كقولك: زوجني ابنتك فيقول: زوجتك، أو بلفظ الاستفهام كقولك: أتزوجني ابنتك؟ فيقول: زوجتك؛ فلأن القبول إنما يكون للإيجاب.
فمتى وجد قبله لم يكن قبولاً لعدم معناه.
ولأنه لو تقدم بلفظ الاستفهام لم يصح في موضع وفاقاً.
فكذلك إذا تقدم بلفظ الماضي أو الطلب.

الجزء: 3 - الصفحة: 549

فإن قيل: ما الفرق بين النكاح والبيع على إحدى الروايتين؟ قيل: الفرق بينهما من وجهين: أحدهما: أنه لا يشترط للبيع صيغة الإيجاب والقبول.
بل يصح بالمعاطاة.
وثانيهما: أنه لا يتعين فيه اللفظ.
بل يصح بأيّ لفظ كان مما يؤدي المعنى.
فإن قيل: فما الفرق بين النكاح والخلع؟ قيل: الفرق بينهما ظاهر لأن الخلع يصح بتعليقه على الشروط.
بخلاف النكاح.
وأما كون القبول إذا تراخى عن الإيجاب يصح ما داما في المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه؛ فلأن حكم المجلس حكم حالة العقد.
بدليل القبض فيما يشترط القبض فيه، وبثبوت الخيار في عقود المعاوضات المحضة.
واشترط المصنف في صحة القبول في المجلس: أن لا يتشاغلا بما يقطعه لأن مع التشاغل يعدّ كالمعرض عن الإيجاب.
فلم يصح القبول بعده؛ كما لو رده.
وأما كون الإيجاب يبطل إذا تفرق الولي والزوج قبل القبول على المذهب؛ فلأن التفرق قبل القبول إعراض عن الإيجاب.
أشبه ما لو رده.
وأما كونه لا يبطل على روايةٍ فبالقياس على القبول في المجلس.
فإن قيل: ما صورة القبول بعد التفرق؟ قيل: ما روي عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قيل له: إن رجلاً مضى إلى قوم.
فقالوا له: زوّج فلاناً.
قال: زوّجته على ألف.
فرجعوا إلى الزوج فأخبروه.
فقال: قد قبلت.
هل يكون هذا نكاحاً؟ قال: نعم.
قال القاضي: هذا محمول على أنه وكل من قبل العقد في المجلس.

الجزء: 3 - الصفحة: 550

فصل [في شروط النكاح] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وشروطه خمسة: أحدها: تعيين الزوجين.
فإذا قال: زوجتك ابنتي وله بنات لم يصح حتى يشير إليها، أو يسميها، أو بصفتها بما تتميز به.
وإن لم يكن له إلا ابنة واحدة: صح.
ولو قال: إن وضعت زوجتي ابنة فقد زوجتكها لم يصح).
أما كون شروط النكاح خمسة؛ فلأنها تعيين الزوجين، ورضاهما، والولي، والشهادة، وكون الرجل كفءاً للمرأة.
وسيأتي دليل ذلك كله في مواضعه.
أما كون أحدهما: تعيين الزوجين؛ فلأنه عقد معاوضة.
أشبه البيع.
ولأن مقصود النكاح العين.
فلم يصح بدون التعيين؛ كالبيع.
وأما كون من قال: زوجتك ابنتي وله بنات لا يصح إذا لم يميزها بما ذُكر؛ فلأن تعيين الزوجة شرط لما تقدم ولم يوجد.
وأما كونه يصح إذا ميزها بالإشارة؛ مثل أن يقول: زوجتك ابنتي هذه؛ فلأن التعيين يحصل بذلك.
وأما كونه يصح إذا ميزها بالتسمية؛ مثل أن يقول: فلانة، أو بالصفة؛ مثل أن يقول: الطويلة أو البيضاء أو ما أشبه ذلك وليس في بناته من يتّصف بذلك إلا واحدة؛ فلأن ذلك قائم مقام التعيين لأن الغرض من التعيين العلم بالمعقود عليها وذلك حاصل فيما ذكر.
وأما كون من قال: زوجتك ابنتي ولم يكن له إلا بنت واحدة يصح؛ فلأن عدم التعيين إنما جاء من التعدد ولا تعدد هاهنا.
وأما كون من قال: إن وضعت زوجتي ابنة فقد زوجتك بها لا يصح؛ فلأنه تعليق للنكاح على شرط، والنكاح لا يصح تعليقه.

الجزء: 3 - الصفحة: 551

فصل [الشرط الثاني] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الثاني: رضا الزوجين.
فإن لم يرضيا، أو أحدهما: لم يصح.
إلا الأب له تزويج أولاده الصغار والمجانين وبناته الأبكار بغير إذنهم.
وعنه: لا يجوز له تزويج ابنة تسع سنين إلا بإذنها.
وهل له تزويج الثيب الصغيرة؟ على وجهين.
والسيد له تزويج إمائه الأبكار والثيب وعبيده الصغار بغير إذنهم.
ولا يملك إجبار عبده الكبير.
ويحتمل مثل ذلك في الصغير أيضاً).
أما كون الثاني من شروط صحة النكاح رضا الزوجين غير ما استثني؛ فلأن العقد لهما.
فاشترط رضاهما؛ كالبيع.
وأما كونهما إذا لم يرضيا أو أحدهما لا يصح غير ما استثني؛ فلأن الرضى شرط ولم يوجد.
وأما كون الأب له تزويج أولاده الصغار؛ فـ «لأن ابن عمر زوّجَ ابنه وهو صغير.
فاختصما إلى زيدٍ فأجازاهُ جميعًا» 53. ولأن الأب يتصرف في ماله بغير تولية.
فجاز له تزويجه؛ كابنته الصغيرة.
وأما كونه له تزويج أولاده المجانين؛ فلأنهم لا قول لهم فكان لأبيهم تزويجهم كأولاده الصغار.
وظاهر كلام المصنف رحمه الله تعالى هنا أنه لا فرق بين المجنون البالغ وغير البالغ.
وصرح به في المغني.
وقال: هو ظاهر كلام أحمد لاستوائهما في المعنى الذي جاز التزويج من أجله.
وقال القاضي: لا يجوز تزويج بالغ إلا إذا كان محتاجاً بأن تظهر منه أمارات الشهوة باتباع النساء ونحوه لأنه لا مصلحة له في الزواج إلا بذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 552

وقال أبو بكر عبدالعزيز: ليس للأب تزويجه بحال؛ لأنه رجل.
فلا يملك الأب إجباره؛ كالعاقل.
والأول أولى؛ لأنه إذا جاز تزويج الصغير مع عدم حاجته إلى قضاء شهوته وحفظه عن الزنا.
فالبالغ أولى.
وأما كونه له تزويج بناته الأبكار اللاتي لهن دون تسع سنين بغير إذنهن فلا خلاف فيه.
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن نكاح الأب ابنته الصغيرة جائز إذا زوجها من كفء.
وقد دل على ذلك قوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ [الطلاق: 4].
أي عدتهن كذلك ولا تكون العدة ثلاثة أشهر إلا من طلاق في نكاح.
فدل على أنها تزوج ثم تطلق ولا إذن لها يعتبر.
وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «تزوّجني رسولُ الله صلى الله عليه وسلم وأنا ابنةُ ستٍ، وبنى بي وأنا ابنةُ تسع» 54 متفق عليه.
وروي «أن قدامة بن مظعون تزوّجَ ابنة الزبير حين نفست».
وأما كونه له تزويج اللاتي لهن تسع سنين فصاعداً على المذهب؛ فلما روى ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الأيمُ أحقُ بنفسِهَا من وليّها.
والبكرُ تُستأذَنُ، وإذنُها صُمَاتُها» 55. رواه أبو داود.
قسم النساء قسمين.
فأثبت الحق لأحدهما، وذلك يدل على نفيه عن الآخر.

الجزء: 3 - الصفحة: 553

وأما كونه لا يجوز له تزويج ابنة تسع سنين إلا بإذنها على روايةٍ؛ فلأنها بلغت سناً تصلح للبلوغ.
أشبهت البالغة.
ولم يتعرض المصنف إلى البالغة وفيها عن الإمام أحمد رواية لما روى أبو هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا تُنكحُ الأيّمُ حتى تُستأمر، ولا تُنكح البكرُ حتى تُستأذن.
قالوا: يا رسول الله! فكيف إذنُها؟ قال: أن تسْكُت» 56. متفق عليه.
ولأنها جائزة التصرف في مالها بنفسها.
فلم يكن للأب تزويجها بغير إذنها؛ كالثيّب.
وأما كونه له تزويج الثيّب الصغيرة على وجه؛ فلأنها كالغلام في الصغر.
فكان له تزويجها؛ كولده الصغير.
وأما كونه ليس له ذلك على وجه فبالقياس على الثيّب الكبيرة.
ويظهر من ذلك ومن العموم المتقدم أن الثيب إن يكنّ بالغات لم يكن للأب تزويجهن إلا بإذنهن.
وهو صحيح.
ووجهه ما تقدم.
ولأنه قال عليه السلام: «الأيمُ أحقُ بنفسِها من وليّها» 57. وعنه أنه قال: «ليسَ للوَلي معَ الثيبِ أمرٌ» 58. رواهما النسائي وأبو داود.
ولأنهن رشيدات عالمات بالمقصود من النكاح.
فلم يكن للأب تزويجهن؛ كابنه البالغ.
وأما كون السيد له تزويج إمائه الأبكار والثيب بغير إذنهن؛ فلأن النكاح عقد على المنافع.
فكان للسيد عقده؛ كالإجارة.
وأما كونه له تزويج عبيده الصغار بغير إذنهم على المذهب؛ فلأنه إذا كان له تزويج ابنه الصغير.
فلأن يكون له تزويج عبده الصغير بطريق الأولى.

الجزء: 3 - الصفحة: 554

وأما كونه لا يملك إجبار عبده الكبير؛ فلأنه خالص حقه.
فلم يملك إجباره عليه؛ كالطلاق.
وأما كونه يحتمل مثل ذلك في الصغير أيضاً فبالقياس عليه.
قال: (ولا يجوز لسائر الأولياء تزويج كبيرة إلا بإذنها.
إلا المجنونة لهم تزويجها إذا ظهر منها الميل إلى الرجال.
وليس لهم تزويج صغيرة بحال.
وعنه: لهم ذلك ولهم الخيار إذا بلغت.
وعنه: لهم تزويج ابنة تسع سنين بإذنها).
أما كون سائر الأولياء لا يجوز لهم تزويج كبيرة عاقلة إلا بإذنها؛ فلأنهم لا يجوز لهم تزويج صغيرة لما يأتي فلأن لا يجوز تزويج كبيرة بطريق الأولى.
ولأن غير الأب لا يساوي الأب.
وفي تزويج الأب الكبيرة البكر خلاف.
فيلزم أن لا يجوز ذلك كغيره قولاً واحداً لأنه لو جاز لكان مثل الأب أو أحسن حالاً منه.
وأما كونهم لهم 59 تزويج المجنونة إذا ظهر منها الميل إلى الرجال؛ فلأنه لو لم يجز في هذه الحال لأدى إلى الوقوع في المحظور وذلك مطلوب العدم.
وأما كونهم ليس لهم تزويج صغيرة بحال على المذهب؛ لما روي «أن قدامة بن مظعون زوّجَ ابنةَ أخيه من عبدالله بن عمر فرُفعَ ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
فقال: إنها يتيمة ولا تُنكحُ إلا بإذنِها» 60. والصغيرة لا إذن لها.
وأما كونهم لهم ذلك على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء﴾ [النساء: 3].
دلت الآية بمفهومها أن تزويجها إذا أقسطوا جائز.
وقد فسرته عائشة رضي الله عنها بذلك.
فعلى هذا يكون لها الخيار إذا بلغت لتستدرك ما فاتها.
وأما كونهم لهم تزويج ابنة تسع سنين بإذنها على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «تُستأمرُ اليتيمةُ فإن سكتتْ فهو إذنُها، وإن أبتْ فلا جَوازَ عليها» 61. رواه أبو داود.

الجزء: 3 - الصفحة: 555

وهذه الروايةٍ أقوى دليلاً؛ لأن في القول بها جمعاً بين الآية والأخبار.
وهذا ظاهر كلام المصنف في الكافي.
فإن قيل: لم قيد ذلك بالتسع؟ قيل: لأنها حينئذ تصير عارفة بما يضرها وينفعها فتظهر فائدة استئذانها وقد نبهت عائشة على ذلك حيث قالت: «إذا بَلغتِ الجاريةُ تسع سنين فهيَ امرأة» 62. وروي مرفوعاً إلى النبي صلى الله عليه وسلم.
ولأنها تصلح حينئذ للنكاح وتحتاج إليه.
أشبهت البالغة.
قال: (وإذن الثيب الكلام وإذن البكر الصمات).
أما كون إذن الثيب الكلام فلا خلاف فيه.
ولأن الإذن في الأمر إذا ... 63 لا يكون إلا بالكلام.
فكذلك هاهنا.
وأما كون إذن البكر الصمات؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له: «كيفَ إذنُها؟ قال: أن تَسكُت» 64. وعن عائشة أنها قالت: «يا رسول الله! البكرُ تستحِي.
قال: رضاها صمتُها» 65. متفق عليه.
وفي روايةٍ: «واليتيمةُ تُستأمرُ وصمتُها إقرارُها» 66. رواه النسائي.

الجزء: 3 - الصفحة: 556

وفي روايةٍ: «تُستأمرُ اليتيمةُ في نفسِها فإن سكتتْ فهو إذنُها» 67. ولا فرق بين الأب وغيره فيما ذُكر؛ لأنه صرح بأن إذن اليتيمة الصمت، واليتيمة من لا أبَ لها.
قال: (ولا فرق بين الثيوبة بوطء مباح أو محرم.
فأما زوال البكارة بأصبع أو وثبة فلا يغير صفة الإذن).
أما كونه لا فرق بين ما ذكر؛ فلعموم ما تقدم.
ولأن البكر إنما اقتصر على صماتها لأجل حيائها وذلك مفقود في الموطوءة.
لا سيما بوطء محرم.
وأما كون زوال البكارة بأصبع أو وثبة لا يغير صفة الإذن؛ فلأن المعنى الذي وجب الاكتفاء بالصمات في البكر لأجله موجود هاهنا لأن الحياء لا يزول بزوال البكارة بإصبع أو وثبة.
والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 557

فصل [الشرط الثالث] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الثالث: الولي.
فلا نكاح إلا بولي.
فإن زوجت المرأة نفسها أو غيرها لم يصح.
وعنه: لها تزويج أمتها ومعتقتها.
فيُخَرَّج منه صحة تزويج نفسها بإذن وليها وتزويج غيرها بالوكالة.
والأول المذهب).
أما كون الثالث من شروط صحة النكاح: الولي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نِكاحَ إلا بِوَلي» 68. صححه أحمد وابن معين.
وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «أيما امرأةٍ نكحتْ نفسَها بغيرِ إذن وليّها فنكاحُها باطلٌ باطلٌ باطلٌ» 69. رواه أبو داود وابن ماجة والأثرم.
فإن قيل: الحديث الأول يمكن حمله على نفي الكمال، والثاني يدل بمفهومه على صحة النكاح بإذن الولي وأنتم لا تقولون به.
ثم قد دل قوله تعالى: ﴿فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن﴾ [البقرة: 232] على صحة نكاحها.
فصح منها؛ كبيع أمتها.
قيل: مقتضى الحديث الأول نفي حقيقة النكاح؛ إلا أنه لما لم يمكن ذلك وجب حمله على نفي الصحة؛ لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة.
لا سيما إذا اعتضد بقوله في الحديث الآخر: «باطلٌ باطلٌ» 70. ولقائل أن يقول: بل هو على مقتضاه

الجزء: 3 - الصفحة: 558

في نفي الحقيقة؛ لأن كلام الشرع محمول على الحقائق الشرعية لا على الحقائق اللغوية، والحقيقة الشرعية لا توجد بغير ولي.
وأما الحديث الثاني فلا مفهوم له لأنه خرج مخرج الغالب.
أشبه قوله تعالى: ﴿وربائبكم اللاتي في حُجُوركم﴾ [النساء: 23].
وأما الآية فالعضل الامتناع من التزويج.
ويدل عليه «أنها نزلت في معقل بن يسار حين امتنع من تزويج أخته فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم فزوجها» 71. وأما الإضافة إليهن؛ فلأنهن محل له.
وأما كون المرأة إذا زوجت نفسها لا يصح على المذهب؛ فلما تقدم من قوله: «لا نِكاحَ إلا بِوَلي» 72، وقوله: «أيما امرأةٍ نكحتْ نفسَهَا بغيرِ إذنِ وليّها فنكاحُها باطلٌ باطلٌ باطلٌ» 73. ولأن الولي شرط في النكاح.
ولم يوجد.
وأما كونها إذا زوجت غيرها لا يصح على المذهب؛ فلأنها إذا كانت قاصرة عن تزويج أمتها على روايةٍ.
[فلأن تكون قاصرة عن تزويج غيرها بطريق الأولى.
وأما كونها لها تزويج أمتها على روايةٍ] 74؛ فلأنها مالكتها، وولايتها عليها تامة.
فكان لها تزويجها؛ كالسيد.
ولأنها لها بيعها وإجارتها.
فكان لها تزويجها؛ كسيدها.
وأما كونها لها تزويج معتقتها على روايةٍ؛ فلأن الولاية كانت لها عليها.
فوجب استصحابها.
ولأن الولاء كالملك.

الجزء: 3 - الصفحة: 559

وأما كون صحة تزويج نفسها بإذن وليها وصحة تزويج غيرها بالوكالة يُخَرَّج من صحة تزويج نفسها من مُعْتَقِها.
فلأنها إذا كانت أهلاً لمباشرة تزويج أمتها أو مُعْتَقِها.
فلأن تكون أهلاً لتزويج نفسها وغيرها بالوكالة بطريق الأولى.
وأما كون الأول المذهب؛ فلما تقدم.
ولأن العلة في منعها صيانتها عن مباشرة ما شعر بوقاحتها ورعونتها وميلها إلى الرجال.
فوجب أن لا تباشر النكاح تحصيلاً لذلك.
والفرق بين تزويج أمتها ومعتقتها وبين تزويج نفسها أن الولاية عليها إنما ثبتت لتحصيل الكفاءة، وذلك مفقود في الأمة والمعتقة.
قال: (وأحق الناس بنكاح المرأة الحرة أبوها ثم أبوه وإن علا.
ثم ابنها وإن نزل.
ثم أخوها لأبويها ثم لأبيها.
وعنه: يقدم الابن على الجد، والتسوية بين الجد والأخ، وبين الأخ للأبوين والأخ للأب.
ثم بنو الإخوة وإن سفلوا.
ثم العم ثم ابنه.
ثم الأقرب فالأقرب من العصبات على ترتيب الميراث.
ثم المولى المنعم ثم عصباته من بعده الأقرب فالأقرب.
ثم السلطان).
أما كون أحق الناس بنكاح المرأة الحرة أباها؛ فلأنه أكمل من غيره نظراً وأتمُّ شفقة، ويختص بولاية المال، ويجوز أن يشتري لها من ماله، وله من مالها إذا كانت صغيرة.
ولأن الله تعالى جعل الولد موهوباً لابنه قال الله تعالى: ﴿ووهبنا له يحيى﴾ [الأنبياء: 90]، وقال إبراهيم: ﴿الحمد لله الذي وهب لي على الكبر إسمعيل وإسحاق﴾ [إبراهيم: 39]، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» 75. ولأن غير الأب: إما يدلي به؛ كالجد والإخوة.
وإما فرع بالنسبة إليه؛ كالابن.
ومن أدلى بشخص لا يثبت له معه حق.
والأصل راجح على الفرع.
فإن قيل: الابن أولى بالميراث.
فيجب أن يكون أولى بالنكاح.
قيل: الميراث اقتضى ذلك.
وكمال شفقة الأب معارض له.

الجزء: 3 - الصفحة: 560

فإن قيل: لم قيدت الولاية بكون المرأة حرة؟ قيل: لأن ولي الأمة سيدها.
وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد أبيها أباه وإن علا وهو الجد؛ فلأن له إيلاداً وتعصيباً.
أشبه الأب.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد الجد ابنها؛ فلأنه أولى بالميراث من غيره.
فكذا في النكاح.
ترك ذلك في الأب؛ لكمال شفقته، وفي الجد؛ لأن له إيلاداً وتعصيباً.
فيبقى فيما عداهما على مقتضاه.
وفي كونه أحق بذلك من غيره تنبيه على ثبوت ولايته.
وصرح به المصنف في المغني.
ووجهه: ما روت أم سلمة «أنها لما انقضت عدتُها أرسلَ إليها رسولُ الله صلى الله عليه وسلم يخطُبُها.
فقالت: يا رسول الله! ليسَ أحدٌ من أوليائي شاهد.
قال: ليسَ من أوليائكِ شاهدٌ ولا غائبٌ يكرَهُ ذلك.
فقالت لابنها: قمْ يا عمر! فزوّجْ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم» 76. رواه النسائي.
ولأنه عدلٌ من عصبتها.
أشبه أخاها.
وأما كون أحق الناس 77 بذلك بعد ابنها ابنه وإن نزل؛ فلما ذكر في أبيها.
وأما كون أحق الناس بعد ابنها وإن نزل أخاها لأبويها ثم لأبيها؛ فلما ذكر أيضاً.
وأما كون الابن يقدم على الجد على روايةٍ؛ فلأنه أولى بالميراث منه.
وأما كون الجد والأخ سواء على روايةٍ؛ فلأنهما يستويان في الميراث.
فيستويان في ولاية النكاح.
وأما كون الأخ من الأبوين والأخ من الأب سواء على روايةٍ؛ فلأنهما استويا في الجهة التي تستفاد منها الولاية وهي العصوبة التي من جهة الأب.
فاستويا في ولاية النكاح؛ كما لو كانا من أب.
وأما قرابته من الأم فلا يرجح بها هنا؛ لأنها لا مدخل لها في النكاح.

الجزء: 3 - الصفحة: 561

فإن قيل: ما الصحيح من الروايتين؟ قيل: صحح صاحب الخلاصة التسوية.
وقال المصنف في المغني: هو المنصوص.
ووجهه ما ذكر.
وظاهر كلامه رحمه الله تعالى هنا ترجيح الأخ للأبوين.
وصرح به في المغني.
ونقض عدم الترجيح بما لا مدخل له في الميراث بالولاء من حيث إنه يقدم الأخ للأبوين على الأخ للأب.
مع أن النساء لا مدخل لهن في الولاء.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد الأخ الإخوة وإن سفلوا ثم العم ثم ابنه ثم الأقرب فالأقرب من العصبات على ترتيب الميراث؛ فلأنهم كذلك في الميراث.
فكذلك في الولاية؛ لأن الولاية مبناها على النظر والشفقة وذلك يعتبر بمظنته وهي القرابة.
فمتى كان الإنسان أحق بالميراث فهو أحق بالولاية.
ولا يُلزم عليه الأب لما تقدم من معاوضة كمال شفقته لذلك.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد العصبات المولى المنعم ثم عصباته من بعده الأقرب فالأقرب؛ فلأنهم أولى الناس بميراثه.
وفي قول المصنف رحمه الله تعالى: بعد المولى المنعم ثم عصباته الأقرب فالأقرب؛ تنبيه على كون ابن المولى المنعم أحق من أبيه بخلاف النسب.
وهو صحيح.
صرح به المصنف وغيره.
ووجهه: أن مقتضى الدليل تقديم الابن على الأب لتقديمه عليه في الميراث.
تُرك العمل به في السبب لرجحان الأب عليه بكمال الشفقة المعتمدة على القرابة، وذلك منتفٍ هاهنا لعدم القرابة المرجحة.
وأما كون أحق الناس بذلك بعد المولى المنعم وعصباته السلطان؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له» 78.

الجزء: 3 - الصفحة: 562

وعن أم حبيبة «أن النجاشي زوّجَهَا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكانت عنده» 79. رواه أبو داود.
ولأن السلطان له ولاية عامة.
بدليل أنه يلي المال ويحفظ الضوال.
فكانت له الولاية في النكاح؛ كالأب.
والمراد بالسلطان هنا: الإمام أو الحاكم أو من فوّض أحدهما إليه ذلك.
قال: (فأما الأمة فوليها سيدها.
فإن كانت لامرأة فوليها ولي سيدتها.
ولا يزوجها إلا بإذنها).
أما كون ولي الأمة سيدها؛ فلأنه يملك منافعها.
فملك تزويجها؛ كإجارتها.
وأما كون ولي الأمة إذا كانت لامرأة ولي سيدتها؛ فلأنه قد ثبت أنه لا ولاية للمرأة.
فوجب أن يليها ولي سيدتها؛ لأنه أحق بالناس بها بعدها.
ولأنه إذا ثبت له الولاية على سيدتها.
فلأن تثبت عليها بطريق الأولى.
وأما كونه لا يزوجها إلا بإذنها؛ فلأنها مالها.
ولا يجوز التصرف في مال الرشيدة بغير إذنها وبغير نطقها في هذا الإذن وإن كانت بكراً؛ لأن صماتها إنما اكتفي به في تزويج نفسها لحيائها وهو مفقود هنا؛ لأنها لا تستحي من تزويج أمتها.
قال: (ويشترط في الولي: الحرية، والذكورية، واتفاق الدين، والعقل.
وهل يشترط بلوغه وعدالته؟ على روايتين).
أما كون الولي يشترط فيه الحرية؛ فلأن العبد لا ولاية له على نفسه.
فعلى غيره أولى.
وأما كونه يشترط فيه الذكورية؛ فلأن ولاية النكاح ولاية.
والولاية يعتبر فيها الكمال.
والمرأة قاصرة ناقصة تثبت الولاية عليها لقصورها عن النظر لنفسها.
فلئلا تثبت لها ولاية على غيرها بطريق الأولى.

الجزء: 3 - الصفحة: 563

وأما كونه يشترط فيه اتفاق الدين.
ومعناه: أن يكون مسلماً كالزوجة المسلمة، أو كافراً كالزوجة الكافرة؛ فلأن الكافر لا ولاية له على المسلمة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: 71].
قال ابن المنذر: أجمع عامة من نحفظ عنه من أهل العلم على هذا.
قال الإمام أحمد: بلغنا «أن علياً أجاز نكاح الأخ ورد نكاح أب وكان نصرانياً».
والمسلم لا ولاية له على كافرة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿والذين كفروا بعضُهم أولياءُ بعض﴾ [الأنفال: 73].
وأما كونه يشترط فيه العقل فلا خلاف فيه؛ لأن الولاية إنما تثبت نظراً للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه، ومن لا عقل له لا يمكنه النظر ولا يلي نفسه.
فغيره أولى.
ولا فرق بين من لا عقل له لصغر؛ كالطفل، وبين من ذهب عقله بجنون أو كبر كالشيخ إذا أفند 80؛ لاشتراك الكل في العدم.
فأما المغمى عليه والذي يجنّ في بعض الأوقات فلا تزول ولايتهما: أما المغمى عليه؛ فلأن مدته يسيرة.
أشبه النوم.
ولذلك لا تثبت الولاية عليه وتجوز على الأنبياء عليهم السلام.
وأما من يجنّ في بعض الأوقات؛ فلأنه لا يستمر زوال عقله.
أشبه المغمى عليه.
وأما كونه يشترط بلوغه على روايةٍ؛ فلأن الولاية يعتبر لها كمال الحال، ومن لم يبلغ قاصر لثبوت الولاية عليه.
وأما كونه لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنه إذا بلغ عشراً تصح وصيته وطلاقه وتثبت له الولاية كالبالغ.
قال المصنف في المغني: والأول اختيار أبي بكر وهو الصحيح.
وأما كونه يشترط عدالته على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس أنه قال: «لا نِكاحَ إلا بولي مُرشِد» 81.

الجزء: 3 - الصفحة: 564

وعن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا نكاحَ إلا بولي وشاهدَي عدلٍ.
وأيما امرأةٍ أَنكحَها وليٌ مسخوطٌ عليه فنكاحُها باطل» 82. ولأنها ولاية نظرية.
فلا يستبد بها الفاسق؛ كولاية المال.
وأما كونه لا يشترط عدالته على روايةٍ؛ فلأنه يلي نكاح نفسه.
فتثبت الولاية على غيره؛ كالعدل.
ولأن سبب الولاية القرابة، وشرطها النظر.
وهذا قريب ناظر.
فوجب أن يلي؛ كالعدل.
قال: (فإن كان الأقرب طفلاً أو كافراً أو عبداً: زوج الأبعد.
وإن عضل الأقرب زوج الأبعد.
وعنه: يزوج الحاكم).
أما كون الأبعد يزوج إذا كان الأقرب طفلاً أو كافراً أو عبداً؛ فلأن الأقرب فاقد لشرط الولاية فوجوده كعدمه.
فوجب أن تثبت للأبعد؛ كما لو مات الأقرب.
وأما كونه يزوج إذا عضل الأقرب على المذهب؛ فلأنه تعذر التزويج من جهة الأقرب.
فانتقل الولاية إلى الأبعد؛ كما لو جُنّ.
ولأنه يفسق بالعضل.
فتنتقل الولاية عنه؛ كما لو شرب الخمر.
وأما كون الحاكم يزوج على روايةٍ اختارها أبو بكر؛ فلقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فإن اشتَجَرُوا فالسلطانُ وليُّ من لا وليَّ له» 83. والحاكم نائب عنه.
ولأن ذلك حق عليه امتنع من أدائه.
فقام الحاكم مقامه؛ كما لو كان عليه دين امتنع من قضائه.
والأول أصح؛ لما ذكر.

الجزء: 3 - الصفحة: 565

والحديث لا حجة فيه؛ لأنه قال: «وليُّ من لا وليَّ له» وهذه لها ولي.
ثم يمكن حمله على ما إذا عضل الكل.
ويؤيده قوله: «فإن اشتَجَرُوا»؛ لأنه ضمير جمع.
والفرق بين الولاية والدَّين من وجوه: أحدها: أن الولاية حق للولي، والدَّين حق عليه.
وثانيها: أن الولاية تنتقل عنه لعارض من فسق أو جنون أو موت، والدَّين لا ينتقل.
وثالثها: أن الولاية يعتبر في بقائها العدالة وقد زالت بالعضْل، والدَّين لا يعتبر في بقائه ذلك.
قال: (وإن غاب غيبة منقطعة زوج الأبعد.
وهي: ما لا تُقطع إلا بكلفة ومشقة في ظاهر كلامه.
وقال الخرقي: ما لا يصل إليه الكتاب أو يصل فلا يجيب عنه.
وقال القاضي: ما لا تقطعه القافلة في السنة إلا مرة.
وعن أحمد: إذا كان الأب 84 بعيد السفر زوج الأبعد فيحتمل أنه أراد ما تقصر فيه الصلاة).
أما كون الأبعد يزوج إذا غاب الأقرب غيبة منقطعة؛ فلأن الأقرب تعذر التزويج منه.
فوجب أن ينتقل إلى من يليه؛ كما لو جُنّ أو مات.
وأما كون الغيبة المنقطعة هي ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة في ظاهر كلام الإمام أحمد؛ فلأن التحديدات توقيفية، ولا توقيف في هذه المسألة.
فوجب الرد إلى ما يتعارف الناس.
وهو ما ذكر.
قال المصنف في المغني: هذا أقرب الأقوال إلى الصواب.
ونسبه إلى أبي بكر.
وأما كونها ما لا يصل إليه الكتاب أو يصل فلا يجيب عنه في قول الخرقي؛ فلأن مثل هذا متعذر مراجعته.
فتكون منقطعة.
وأما كونها ما لا تقطعه القافلة في السنة إلا مرة في قول القاضي؛ فلأن الكفء يُنتظر سنة ولا ينتظر أكثر منها.
فيلحق الضرر بترك تزويجها.

الجزء: 3 - الصفحة: 566

وأما كون ما تقصر فيه الصلاة يحتمل أن يراد من قول أحمد: إذا كان الأب بعيد السفر زوج الأبعد؛ فلأن ذلك هو السفر البعيد الذي علقت عليه الأحكام.
قال: (ولا يلي كافر نكاح مسلمة بحال؛ إلا إذا أسلمت أم ولده في وجه).
أما كون 85 الكافر لا يلي نكاح مسلمة غير أم ولده؛ فلأنه لا ولاية لكافر عليها البتة؛ لأن الله تعالى قال: ﴿والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض﴾ [التوبة: 71].
ولأن ابن المنذر قال: أجمع على هذا كل من نحفظ عنه من أهل العلم.
وأما كونه لا يلي نكاح أم ولده في وجه؛ فلما ذكر من الآية.
ولأنها مسلمة.
فلا يلي نكاحها؛ كابنته.
فعلى هذا يزوجها الحاكم.
وأما كونه يليه في وجه؛ فلأنها مملوكته.
فيلي نكاحها؛ كالمسلم.
ولأنه عقد عليها.
فيليه؛ كإجارتها.
قال: (ولا يلي مسلم نكاح كافرة إلا سيد الأمة أو ولي سيدتها أو السلطان).
أما كون المسلم لا يلي نكاح كافرة إذا لم يكن سيد أمة أو ولي سيدتها أو السلطان؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والذين كفروا بعضُهم أولياءُ بعض﴾ [الأنفال: 73].
ولأن مختلفي الدين لا يرث أحدهما الآخر ولا يعقل عنه.
فلم يل عليه؛ كما لو كان أحدهما رقيقا.
وأما كونه يلي ذلك إذا كان سيد الأمة؛ فلأنه عقد على منافعها.
فوليه وإن اختلف ديناهما؛ كإجارتها.
وأما كونه يلي ذلك إذا كان ولي سيدتها؛ فلأنه يلي نكاح سيدها.
فلأن يلي نكاحها بطريق الأولى.
وأما كونه يلي ذلك إذا كان السلطان؛ فلأن ولايته عامة على أهل دار الإسلام، والكافرة من أهل الدار.
فثبتت له الولاية عليها؛ كالمسلمة.

الجزء: 3 - الصفحة: 567

قال: (ويلي الذميُّ نكاح موليته الذمية من الذمي.
وهل يليه من مسلم على وجهين).
أما كون الذمي يلي نكاح موليته الذمية من الذمي؛ فلأنه مساوٍ لها.
فوليه؛ كالمسلم ولي المسلمة.
وأما كونه يليه من مسلم على وجه فللمساواة المذكورة.
وأما كونه لا يليه على وجه؛ فلأن فيه صغاراً على المسلم.
قال: (وإذا زوج الأبعد من غير عذر للأقرب، أو زوج أجنبي: لم يصح.
وعنه: يصح ويقف على إجازة الولي).
أما كون ما ذُكر لا يصح على المذهب؛ فلأنه تصرف في حق الغير بغير إذنه.
فلم يصح؛ كما لو باع ماله.
وقول المصنف رحمه الله تعالى: من غير عذر للأقرب؛ فيه تنبيه على أنه إذا كان معذوراً بأن كان غائباً أو ما أشبه ذلك يصح نكاح الأبعد.
وقد تقدم بيانه.
فإن قيل: فقد عطف الأجنبي عليه فيجب أن يساويَ الأبعد في ذلك.
قيل: لا؛ لأن الغيبة تجعل الأقرب كالمعدوم.
فيتحقق الأبعد.
وهذا المعنى مفقود في الأجنبي.
والعطف يقتضي مساواة المعطوف المعطوف عليه في أصل العطف لا في كل ما يتعلق به.
وأما كونه يصح ويقف على إجازة الولي على روايةٍ؛ فلأنه عقد معاوضة.
فصح ووقف على الإجازة؛ كالبيع في روايةٍ.
ولأنه عقد يقف على الفسخ.
فصح ووقف على الإجارة؛ كالوصية.
والبيع من الأجنبي لا يصح على الصحيح.
والفرق بين هذا وبين الوصية أن الوصية يتراخى فيها القبول وتجوز بعد الموت فهي معدول بها عن سائر التصرفات.

الجزء: 3 - الصفحة: 568

قال: (ووكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه وإن كان حاضراً.
ووصيه في النكاح بمنزلته.
وعنه: لا تستفاد ولاية النكاح بالوصية.
وقال ابن حامد: لا يصح إلا أن لا يكون لها عصبة).
أما كون وكيل كل واحدٍ من الأولياء يقوم مقامه وإن كان حاضراً؛ فلأن الوكالة في النكاح تصح؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم وكّل أبا رافع في تزويج ميمونة» 86. و «وكّل عمرو بن أمية في تزويج أم حبيبة» 87. ولأنه عقد معاوضة.
فصح التوكيل فيه؛ كالبيع.
وإذا صحت الوكالة فيه قام الوكيل مقامه كالوكيل في البيع وغيره.
ولا فرق في الصحة بين الوكالة في القبول وبين الوكالة في الإيجاب، ولا بين كونها مُطْلقة؛ مثل: أن يوكله في تزويج من يرى بشرطه، وبين كونها مؤقتة؛ مثل: أن يوكله في تزويج رجل بعينه أو امرأة بعينها، ولا بين كون الولي مجبراً؛ كالأب، أو غير مجبر؛ كالجد ونحوه؛ لأن الكل سواء معنى فكذا يجب أن يكون حكماً.
وفي قول المصنف: ووكيل كل واحد من هؤلاء يقوم مقامه؛ إشعارٌ بأن وكيل المجبر يملك الإجبار ووكيل غير المجبر لا يملك الإجبار لأنه أقام مقام نفسه.
فوجب أن يثبت له ما هو لموكله.
وفي قوله: وإن كان حاضراً تنبيه على أن الوكالة ليس من شرطها الغيبة.
ولأن الحاجة كما تدعو إلى الوكالة للغيبة.
فكذلك تدعو إليها مع الحضور لكون الموكل يأنف مباشرة العقد ومثله لم تجر العادة بمباشرته.
وأما كون وصي كل واحد من الأولياء في النكاح بمنزلته على المذهب واختاره الخرقي؛ فلأنها ولاية نائبه.
فجازت وصيته بها؛ كولاية المال.
ولأن الوصية نيابة بعد الموت.
فجازت الوصية بها؛ كالوكالة.

الجزء: 3 - الصفحة: 569

وأما كون ولاية النكاح لا تستفاد بالوصية على روايةٍ؛ فلأنها ولاية تنتقل إلى غيره.
فلم يجز أن يوصى بها؛ كالحضانة.
ولأنه لا ضرر على الوصي في تضييعها ووضعها عند من لا يكافئها.
فلم تثبت له الولاية؛ كالأجنبي.
وأما كونها لا تصح على قول ابن حامد إذا كان لها عصبة؛ فلأنه يسقط حقهم.
وأما كونها تصح إذا لم يكن لها عصبة فلعدم ذلك.
قال: (وإذا استوى الأولياء في الدرجة صح التزويج من كل واحد منهم.
والأولى تقديم أفضلهم ثم أسنهم.
وإن تشاحوا أقرع بينهم.
فإن سبق غير من وقعت له القرعة فزوج صح في أقوى الوجهين).
أما كون التزويج من كل واحد من الأولياء يصح إذا استووا في الدرجة كالإخوة وبنيهم والأعمام وبنيهم؛ فلأن القرابة متحققة في كل واحد منهم.
وأما الأولى تقديم أفضلهم؛ فلأنه أكمل من المفضول.
وأما كون الأولى بعد ذلك تقديم أسنهم؛ فلأنه شيء يقدم به في غير هذا الموضع فكذا هاهنا.
وقد نبّه النبي صلى الله عليه وسلم على ترجيح الأسن في حديث محيصة وحويصة وعبدالرحمن بن سهل؛ لأنه لما تكلم عبدالرحمن وكان أصغرهم قال: «كبّر كبّر -أي قدّم الأكبر- فتكلّم حويصة» 88. وأما كونهم إذا تشاحوا يقرع بينهم؛ فلأن الحقوق إذا تساوت شرعت القرعة.
دليله أن النبي صلى الله عليه وسلم «كان يُقرعُ بين نسائهِ إذا سَافر» 89؛ لأن حقوقهم متساوية.

الجزء: 3 - الصفحة: 570

وأما كون غير من وقعت له القرعة إذا سبق فزوج يصح في وجه؛ فلأن القرعة لم تبطل ولايته.
فلم يبطل نكاحه.
وأما كونه لا يصح في وجه؛ فلأن القرعة تعين المستحق.
فلم يكن لغيره التزويج؛ لتعين غيره.
وأما كون الأول أقوى؛ فلأنه تزويج صدر من ولي كامل الولاية.
فصح؛ كما لو انفرد.
قال: (وإن زوج اثنان ولم يعلم السابق منهما فسخ النكاحان.
وعنه: يقرع بينهما فمن قرع أُمر الآخر بالطلاق ثم يجدد القارع نكاحه).
أما كون النكاحين فيما ذُكر يفسخان على المذهب؛ فلأن كل واحد منهما يحتمل أن يكون نكاحه هو الصحيح ولا سبيل إلى الجمع ولا معرفة الزوج فيفسخ لإزالة الزوجية.
وأما كونهما يقرع بينهما على روايةٍ؛ فلأن القرعة تزيل الإبهام.
وأما كون من لم يقرع يؤمر بالطلاق فلاحتمال أنه هو الزوج.
فيكون من قرع ناكحاً زوجة غيره.
وأما كون القارع يجدد نكاحه؛ فلأن المزوجة إن كانت زوجته لم يضره ذلك وإن لم تكن زوجته صارت زوجته بالتجديد.
قال: (وإذا زوج السيد عبده الصغير من أمته جاز أن يتولى طرفي العقد.
وكذلك ولي المرأة مثل ابن العم والمولى والحاكم إذا أذنت له في نكاحها فله أن يتولى طرفي العقد.
وعنه: لا يجوز حتى يوكل غيره في أحد الطرفين).
أما كون السيد إذا زوج عبده الصغير من أمته يجوز أن يتولى طرفي العقد؛ فلأنه ملك ذلك بحكم المُلك لا بحكم الإذن.
وأما كون غيره ممن ذكر إذا أذنت له موليته في نكاحها: له ذلك على المذهب؛ فـ «لأن عبدالرحمن بن عوف قال لأمّ حكيم ابنة قارظٍ: أتجعلينَ أمرَكِ إليَّ؟ قالت: نعم.
قال: تزوجتُك» 90. رواه البخاري.

الجزء: 3 - الصفحة: 571

ولأنه يملك الإيجاب والقبول.
فجاز أن يتولاهما؛ كما لو زوج السيد عبده الصغير من أمته.
ولأنه عقد وُجد فيه الإيجاب من ولي ثابت الولاية، والقبول من زوج هو أهل للقبول.
فصح؛ كما لو وجدا من رجلين.
وقد روي «أن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقَ صفيةَ وجعلَ عتقَها صداقَها» 91. وإنما اشترط 92 الإذن في النكاح؛ لأن من ذكر لا يملك الإجبار عليه.
ولا يدفع الإذن المذكور الإذن لوليها أن ينكحها نفسه؛ لأن الإذن المطلَق لا يجوز معه 93 أن يُنكحها نفسه لأن قرينة الحال تؤذن بإنكاح الغير.
وأما كونه لا يجوز حتى يوكل غيره في أحد الطرفين على روايةٍ؛ فلما روي عن عبدالملك بن عمير «أن المغيرةَ بن شعبة أمرَ رجلاً أن يزوّجه امرأة.
المغيرة أولى بها منه» 94. رواه أبو داود.
ولأنه عقد ملكه بالإذن.
فلم يجز أن يتولى طرفيه؛ كالبيع.
ولأنه يروى أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «كلُ نكاحٍ لا يحضرهُ أربع فهو سِفاح: زوج، وولي، وشاهدان».
قال: (وإذا قال السيد لأمته: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك صح.
وإن طلقها قبل الدخول بها رجع عليها بنصف قيمتها.
وعنه: لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها فإن أبت ذلك فعليها قيمتها).
أما كون السيد إذا قال لأمته ما تقدم ذكره يصح على المذهب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أعتقَ صفيةَ وجعل عتقَها صداقَها» 95 متفق عليه.

الجزء: 3 - الصفحة: 572

وأما كونه يرجع عليها بنصف قيمتها إذا طلقها قبل دخوله بها؛ فلأن الطلاق قبل الدخول يقتضي الرجوع في نصف ما فرض لها، وقد فرض لها نفسها ولا سبيل إلى الرجوع في الرق بعد زواله.
فرجع بنصف قيمة نفسها.
والعبرة بالقيمة حالة الإعتاق لأنها حالة الإتلاف.
وأما كون السيد إذا قال ما تقدم ذكره لا يصح حتى يستأنف نكاحها بإذنها على روايةٍ؛ فلأنه لم يوجد إيجاب وقبول.
فلم يصح؛ لعدم وجود أركانه كما لو قال: أعتقتك وسكت.
ولأنها بالعتق تملك نفسها.
فيجب أن يعتبر رضاها؛ كما لو فصل بين العتق وجَعْلِه صداقاً.
وأما كونها عليها قيمتها إذا أبت ذلك؛ فلأنه أزال ملكه بعوض لم يسلم له.
فرجع إلى قيمته؛ كالبيع الفاسد.

الجزء: 3 - الصفحة: 573

فصل [الشرط الرابع] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الرابع: الشهادة.
فلا ينعقد إلا بشاهدين عدلين ذكرين بالغين عاقلين وإن كانا ضريرين.
وعنه: ينعقد بحضور فاسقين، ورجل وامرأتين، ومراهقَيْن عاقلَيْن).
أما كون الرابع من شروط النكاح: الشهادة؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا نِكاحَ إلا بولي وشاهدَي عدل» 96. رواه الخلال بإسناده.
وعن عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا بُدَّ في النكاحِ من أربعة: الولي، والزوج، والشاهدان» 97. رواه الدارقطني.
ولأنه يتعلق به حق غير المتعاقدين وهو الولد.
فاشترطت الشهادة فيه؛ لئلا يجحده أبوه فيضيع نسبه.
بخلاف البيع.
وأما كونه لا ينعقد إلا بشاهدين عدلين على المذهب فلقوله: «وشاهدَي عدل» 98. ولأن النكاح لا يثبت بشهادة فاسقين.
فلم ينعقد بحضورهما؛ كالمجنونين.
وأما كونه ينعقد بحضور فاسقين على روايةٍ؛ فلأنه ينعقد بالشهادة على روايةٍ.
فلأن ينعقد بحضور فاسقين على روايةٍ بطريق الأولى.
ولأن الشهادة على النكاح تَحَمّل.
فصحت من الفاسق؛ كسائر التحملات.
قال المصنف في المغني: وعلى كلتي الروايتين لا تعتبر حقيقة العدالة بل ينعقد بحضور مستوري الحال؛ لأن النكاح يكون في القرى والبادية وبين عامة الناس ممن

الجزء: 3 - الصفحة: 574

لا يعرف بحقيقة العدالة.
فاعتبار ذلك يشق.
فاكتفي بظاهر الحال، وكون الشاهد مستوراً لم يظهر فسقه.
وأما كونه لا ينعقد إلا بحضور ذكرين على المذهب؛ فلما روى الزهري قال: «مضت السنةُ من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا تجوزَ شهادة النساءِ في الحدودِ، ولا في النكاحِ، ولا في الطلاق».
رواه أبو عبيد في الأموال.
ولأنه عقد ليس بمال ولا المقصود منه المال ويحضره الرجال في غالب الأحوال.
فلم ينعقد بشهادة النساء؛ كالحدود.
وأما كونه ينعقد بحضور رجل وامرأتين على روايةٍ؛ فلأنه عقد معاوضة.
فانعقد بشهادة رجل وامرأتين؛ كالبيع.
وأما كونه لا ينعقد إلا بحضور بالغين عاقلين على المذهب؛ فلأن الصبي ليس من أهل الشهادة.
وأما كونه ينعقد بحضور مراهقَيْن عاقلَيْن على روايةٍ؛ فلأن المراهق العاقل يصح تحمله.
أشبه شهادته على البيع.
وأما كونه ينعقد بما تقدم ذكره وإن كانا ضريرين؛ فلأنها شهادة على قول.
فصحت من الضريرين؛ كالشهادة بالاستفاضة.
قال: (ولا ينعقد نكاح مسلم بشهادة ذميين.
ويتخرج أن ينعقد إذا كانت المرأة ذمية).
أما كون نكاح المسلم لا ينعقد بشهادة ذميين؛ فلعموم قوله صلى الله عليه وسلم: «وشاهدَي عدل» 99. ولأنه نكاح مسلم.
فلم ينعقد بشهادة ذميين؛ كنكاح المسلمين.
وأما كونه يتخرج أن ينعقد إذا كانت المرأة ذمية؛ فلأن شهادة بعض أهل الذمة تقبل على بعض في روايةٍ.

الجزء: 3 - الصفحة: 575

قال: (ولا ينعقد بحضور أصمّين ولا أخرسين.
وهل ينعقد بحضور عدوين أو ابني الزوجين أو أحدهما؟ على وجهين.
وعنه: أن الشهادة ليست من شروط النكاح).
أما كون النكاح لا ينعقد بحضور أصمّين؛ فلأنهما لا يسمعان العقد.
فكان وجودهما كعدمهما.
وأما كونه لا ينعقد بحضور أخرسين؛ فلأنهما لا يتمكنان من الأداء.
وأما كونه ينعقد 100 بحضور عدوين أو ابني الزوجين أو أحدهما على وجه؛ فلعموم قوله عليه السلام: «إلا بولي وشاهدَي عدل» 101. ولأنه ينعقد بهما نكاح غير هذا الزوج.
فانعقد بهما نكاحه؛ كسائر العدول.
وأما كونه لا ينعقد بما ذُكر على وجه؛ فلأن العدو لا تقبل شهادته على عدوه، والابن لا تقبل شهادته لوالده.
وأما كون الشهادة ليست من شروط النكاح على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم تزوّجَ صفيةَ بغير شهود 102. ولأن الحسن بن علي وابن عمر وابن الزبير فعلوه.
ولأنه عقد معاوضة.
أشبه البيع.

الجزء: 3 - الصفحة: 576

فصل [الشرط الخامس] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الخامس: كون الرجل كفءاً لها في إحدى الروايتين.
فلو رضيت المرأة والأولياء بغيره لم يصح، والثانية: ليس بشرط.
وهي أصح، لكن إن لم ترض المرأة والأولياء جميعهم فلمن لم يرض الفسخ، فلو زوج الأب بغير كفء برضاها فللإخوة الفسخ.
نص عليه).
أما كون الخامس من شروط النكاح: كون الرجل كفءاً للمرأة في إحدى الروايتين؛ فلأن عمر رضي الله عنه قال: «لأمنعن تزوّجَ ذواتِ الأحسابِ إلا من الأكفاء» 103. رواه الخلال.
و«لأن سلمان قال لجرير: إنكم يا معشرَ العرب لا نتقدمُ في صلاتكُم ولا ننكح نساءكم.
إن الله فضلكُم علينا بمحمدٍ صلى الله عليه وسلم».
وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تُنكحُوا النساء إلا الأكْفاءَ، ولا يزوّجُهن إلا الأولياء» 104. رواه الدارقطني.
وقد ضُعّف.
ذكره ابن عبدالبر.
فعلى هذا لو رضيت المرأة والأولياء بغير كفء لم يصح؛ لأن ما كان شرطاً لا يسقط برضى أحد.
ولأن التزويج مع فقد الكفاءة تصرف في حق من يحدث من الأولياء بغير إذنه.
فلم يصح؛ كما لو زوجت المرأة بغير إذنها.
وأما كون ذلك ليس بشرط في روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات: 13].

الجزء: 3 - الصفحة: 577

و «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أمر فاطمة بنت قيس أن تنكحَ أسامة بن زيد مولاه.
فنكحَها بأمره» 105 متفق عليه.
و«زَوَّجَ أباهُ زيد بن حارثة ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية» 106. ولأن الكفاءة لا تخرج عن كونها حقاً للمرأة أو للأولياء أو لهما.
فلم يشترط وجودها؛ كالسلامة من العيوب.
وأما كون هذه الروايةِ أصح.
والمراد به عند المصنف لا في المذهب؛ فلأن ما ذكر في الأولى يمكن حمله على الاعتبار في الجملة لا على الاشتراط.
وأما كون من لم يرض من الأولياء له الفسخ؛ فلأنه يلحقه بذلك عار ويأتيه صغار.
فملك الفسخ رفعاً لذلك.
ولأنه نقص وقع في العقد.
فأثبت الخيار؛ كالعيب.
و«لأن رجلاً زوج ابنته ليرفع خَسِيسَتَهُ فجعل لها النبي صلى الله عليه وسلم الخيار» 107. وأما كون الإخوة لهم الفسخ على المنصوص إذا زوج الأب المرأة بغير كفء برضاها؛ فلأن الأخ ولي في حال يلحقه العار بفقد الكفاءة.
فملك الفسخ؛ كالولي المساوي.
قال: (والكفاءة: الدين والمنصب.
فلا تزوج عفيفة بفاجر ولا عربية بعجمي.
والعرب بعضهم لبعض أكْفاء، وسائر الناس بعضهم لبعض أكْفاء.
وعنه: لا تزوج قرشية لغير قرشي، ولا هاشمية لغير هاشمي.
وعنه: أن الحرية والصناعة واليسار من شروط الكفاءة، فلا تزوج حرة بعبد، ولا بنت بزاز بحجام، ولا بنت تانئ بحائك، ولا موسرة بمعسر).
أما كون الدِّين.
وهو: العفة من الكفاءة فلا خلاف فيه في المذهب؛ لأن الفاسق مرذول مردود الشهادة والرواية.
غير مأمون على النفس والمال.
مسلوب

الجزء: 3 - الصفحة: 578

الولايات.
ناقص عند الله وعند خلقه.
قليل الحظ في الدنيا والآخرة.
ولا يجوز أن يكون كفءاً للعفيفة.
فعلى هذا لا تزوج عفيفة بفاجر؛ لفقد العفة التي هي من الكفاءة.
وأما كون المنصب وهو النسب من الكفاءة لا خلاف فيه أيضاً في المذهب؛ فلأن عمر رضي الله عنه قال: «لأمنعنَ ذواتَ الأحسابِ إلا من الأكْفاء.
قيل له: وما الأكفاء؟ قال: في الحسَب».
رواه أبو بكر عبدالعزيز بإسناده.
ولأن العرب يعدون الكفاءة في النسب، ويأنفون من نكاح الموالي، ويرون ذلك نقصاً وعاراً.
فوجب أن تعتبر في الكفاءة؛ كالدِّين.
فعلى هذا لا يزوج عربية بعجمي؛ لفقد النسب الذي هو من الكفاءة.
وأما كون العرب بعضهم لبعض أكفاء على المذهب؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم زوج ابنته عثمان، وزوج أبا العاص ابن الربيع زينب وهما من بني عبد شمس، وزوج علي عمر ابنته أم كلثوم، وتزوج عبدالله بن عمر بن عثمان فاطمة ابنة الحسين بن علي، وتزوج مصعب بن الزبير أختها سكينة، وتزوج المقداد بن الأسود ضباعة ابنة الزبير بن عبدالمطلب ابن عمة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتزوج أسامة بن زيد فاطمة بنت قيس وهي قرشية.
ولأن سائر الناس بعضهم لبعض أكفاء إن تفاضلوا في شرف بعضهم على بعض.
فكذلك العرب.
وأما كون القرشية لا تزوج لغير قرشي والهاشمية لغير هاشمي على روايةٍ؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله اصطفَى كِنانةَ من ولدِ إسماعيلَ، واصطفَى من كِنانةَ قُريشاً، واصطفَى من قريشٍ بني هاشِم» 108. ولأن العرب فضلت الأمم برسول الله صلى الله عليه وسلم، وقريش أخص به من سائر الناس، وبنو هاشم أخص به من قريش.
والأول أولى؛ لأن الثاني يدل على الفضيلة لا على أنها من الكفاءة، وإلا لما كان لفاطمة مكافئ.

الجزء: 3 - الصفحة: 579

وأما كون الحرية من شروط الكفاءة على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم خيّر بريرة حين عتقت تحت عبدٍ 109. ولو لم يكن للحرية أثر لما كان كذلك.
ولأن نقص الرق كبير وضرره بيِّن.
فإنه مشغول عن امرأته بحقوق سيده، ولا ينفق نفقة الموسرين، ولا ينفق على ولده.
وأما كون الصناعة من شروطه على روايةٍ؛ فلأن الحياكة والحجامة والحراسة والكساحة والدباغة والزبالة والقيافة نقص بالنسبة إلى أصحاب الصنائع الجليلة كالتجارة في عرف الناس.
أشبه نقص النسب.
وقد جاء في حديث: «العربُ بعضهم لبعضٍ أكفاء إلا حَائِكًا أو حجّامًا» 110. قيل للإمام أحمد: كيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه.
يعني أنه ورد موافقًا لأهل العرف.
وأما كون اليسار من شروطه على روايةٍ؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الحسَبُ المالُ» 111، وقال: «إن أحسابَ الناسِ بينهم في هذه الدنيا هذا المال» 112، وقال لفاطمة بنت قيس لما أخبرته أن معاوية خطبها: «أما معاوية فصعلوكٌ لا مالَ له» 113. ولأن على الموسرة ضرراً في إعسار زوجها لإخلاله بنفقتها ومؤونة أولاده.
ولهذا ملكت الفسخ لإخلاله بالنفقة.
فكذلك إذا كان مقارناً.
ولأن ذلك في عرف الناس يتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب وأبلغ.
قال ابن الحجاج السهمي:

الجزء: 3 - الصفحة: 580

قلَّ مالي.
قد جتئماني بنكر سألتَاني الطلاق أن رأتاني 114 ويْكأن من يكن له نسب يحبب ... ومن يفتقر يعش عيش ضر

فكان من شروطه الكفاءة؛ كالنسب.
فعلى هذا لا تزوج حرة بعبد؛ لانتفاء الحرية في العبد، ولا بنت بزاز بحجام؛ لانتفاء الاستواء في الصنعة، ولا بنت تانئ بحائك؛ لانتفاء اليسار.
لا يقال: الحائك قد يكون موسراً لأن الغالب عليه خلاف ذلك، والعبرة بالغالب.
فإن قيل: ما التانئ؟ قيل: كثير المال.

الجزء: 3 - الصفحة: 581

باب المحرمات في النكاح

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهن ضربان: محرمات على الأبد.
وهن أربعة أقسام: أحدها: المحرمات بالنسب).
أما كون المحرمات ضربين؛ فلأن منهن من يحرم في كل حال وذلك هو المراد بالمحرمات على الأبد، ومن يحرم في حال ويحل في حال.
وذلك هو المراد بقوله بعدُ: الضرب الثاني: المحرمات إلى أمد.
وأما كون المحرمات على الأبد أربعة أقسام؛ فلأن منهن من يحرم بالنسب، ومن يحرم بالرضاع، ومن يحرم بالمصاهرة، ومن يحرم بالملاعنة.
وسيأتي تفصيل ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى.
وأما كون أحد الأقسام الأربعة: المحرمات بالنسب؛ فظاهر.
والأصل في تحريمهن الكتاب والسنة والإجماع: أما الكتاب؛ فقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم ... الآية﴾ [النساء: 23].
وأما السنة؛ فما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن الرَّضاعةَ تحرِّمُ ما تحرِّمُ الولادة» 115. وأما الإجماع فأجمعت الأمة على تحريم ما نص الله على تحريمه.
قال: (وهن سبع: الأمهات.
وهن: الوالدة والجدات من قبل الأب والأم وإن علون، والبنات من حلال أو حرام وبنات الأولاد وإن سفلوا، والأخوات من

الجزء: 3 - الصفحة: 582

الجهات الثلاث، وبنات الأخ، وبنات الأخت وأولادهم وإن سفلوا، والعمات، والخالات وإن علون.
ولا تحرم بناتهن).
أما كون المحرمات بالنسب سبعاً؛ فلأنهن الأمهات، والبنات، والأخوات، وبنات الأخ، وبنات الأخت، والعمات، والخالات.
وأما كون الأمهات من المحرمات بالنسب فلقوله تعالى: ﴿حرمت عليكم أمهاتكم﴾ [النساء: 23].
ويدخل في ذلك الوالدة؛ لأن اسم الأم 116 حقيقة فيها، والجدات أم الأم وأم الأب وإن علت درجتهن؛ لأن الاسم يصح أن يتناولهن.
وقد جاء: «أن أبا هريرة ذكر هاجر أم إسماعيل فقال: تلكَ أمُّكمْ يا بني ماءِ السماء» 117. وفي الدعاء: «اللهم! صلّ على أبينا آدم وأمّنا حواء».
وأما كون البنات منهن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وبناتُكم﴾ [النساء: 23].
ويدخل في ذلك القريبة والبعيدة، وبنت الابن وإن نزلت الدرجة؛ لأن كل امرأة بنت آدم كما أن كل رجل ابن آدم.
قال الله تعالى: ﴿يا بني آدم﴾ [الأعراف: 26].
ولا فرق بين كون البنت من حلال أو حرام لأن قوله تعالى: ﴿وبناتُكم﴾ [النساء: 23] يشملها.
ولأن البنت من الحرام ابنة مخلوقة من مائه.
أشبهت البنت من الحلال.
ولأن المخلوق من مائه حقيقة لا يختلف بالحل والحرمة.
ويدل عليه «قول النبي صلى الله عليه وسلم في امرأة هلال بن أمية: انظروه -يعني ولدها- فإن جاءتْ به على صفةِ كذا فهو لشريك بن سَحْماء» 118. يعني الزاني.
ولأن البنت مخلوقة من مائه.
أشبهت المخلوقة من وطء الشبهة.
فإن قيل: البنت من الحرام لا يجري التوارث بينها وبين الزاني، ولا تعتق عليه إذا ملكها، ولا يلزمه نفقتها.
فلا تحرم؛ كالأجانب.

الجزء: 3 - الصفحة: 583

قيل: تَخَلُّفُ بعض الأحكام لا يوجب الحل.
بدليل ما لو كانت ابنته رقيقة أو مخالفة لدينه.
وأما كون الأخوات من الجهات الثلاث أي من الأبوين أو الأب أو الأم: منهن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأخواتُكم﴾ [النساء: 23].
وأما كون بنات الأخ وبنات الأخت منهن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وبناتُ الأخ وبناتُ الأخت﴾ [النساء: 23].
ويدخل في ذلك أولادهم وإن سفلوا؛ لأن بنت بنت الأخ أو بنت بنت الأخت: بنت أخ وبنت أخت.
وأما كون العمات والخالات منهن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وعماتُكم وخالاتُكم﴾ [النساء: 23].
ويدخل في ذلك العمة والخالة قريبة كانت أو بعيدة لما ذكر.
ولأنه قد تقدم أن كل جدة أم فكل أخت لها خالة.
وأما كون بناتهن لا يحرمن؛ فلأن الله تعالى أباحهن لنبيه بقوله: ﴿وبناتِ عمك وبناتِ عماتك وبناتِ خالك وبناتِ خالاتك﴾ [الأحزاب: 50].
وحكم الأمّة حكمه ما لم يدل دليل على تخصيصه.
ولأنهن لم يدخلن في التحريم فيدخلن في عموم قوله: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: 24].
قال: (القسم الثاني: المحرمات بالرضاع.
ويحرم به ما يحرم بالنسب سواء).
أما كون القسم الثاني المحرمات بالرضاع؛ فلأنه يلي المحرمات بالنسب وهي القسم الأول.
وأما كونهن يحرمن بالرضاع؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأمهاتُكم اللاتي أرضعنكم وأخواتُكم من الرضاعة﴾ [النساء: 23].
وأما كونه يحرم به ما يحرم من النسب سواء؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يحرمُ من الرَّضاع ما يحرمُ من النَّسَب» 119 متفق عليه.
وفي روايةِ مسلم: «الرّضاع يُحرّم ما تحرّم الولادة» 120.

الجزء: 3 - الصفحة: 584

و «قال النبي صلى الله عليه وسلم في درة بنت أبي سلمة: إنها لو لم تكن رَبيبتي في حجْرِي ما حلتْ لي.
إنها ابنةُ أخي من الرضاعةِ.
أرضعتني وأباها ثُوَيْبةُ» 121 متفق عليهن.
قال: (القسم الثالث: المحرمات بالمصاهرة).
أما كون القسم الثالث: المحرمات بالمصاهرة؛ فلأنه يلي الثاني.
وأما كونهن يحرمن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأمهاتُ نسائكم﴾ [النساء: 23]، وقال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم﴾ [النساء: 22] وقال: ﴿وحلائلُ أبنائكم﴾ [النساء: 23].
فإن قيل: ما المُصَاهَرة؟ قيل: هي مصدر صَاهَرَ.
يقال: صاهرَ الرجلُ يصاهرُ مصَاهَرة.
فإن قيل: ما المراد بالمحرمات بالمصاهرة؟ قيل: المحرمات على الأبد من أهل المرأة والرجل؛ لأن أهل الرجل أصهار عند بعض العرب؛ كما أن أهل المرأة أصهار.
قال الجوهري: الأصهار أهل بيت المرأة.
عن الخليل.
قال: ومن العرب من يجعل الصِّهْرَ من الأحْمَاء والأخْتان جميعاً.
قال: (وهن أربع: أمهات نسائه، وحلائل آبائه فيحرمن بمجرد العقد دون بناتهن، والربائب.
وهن: بنات نسائه اللاتي دخل بهن دون اللاتي لم يدخل بهن.
فإن متن قبل الدخول فهل تحرم بناتهن؟ على روايتين).
أما كون المحرمات بالمصاهرة أربعاً؛ فلأنهن أمهات نسائه، وحلائل آبائه، وأبنائه، والربائب.

الجزء: 3 - الصفحة: 585

وأما كون أمهات نسائه يحرمن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأمهاتُ نسائكم﴾ [النساء: 23].
وأما كون حلائل آبائه يحرمن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: 22].
وأما كون حلائل أبنائه يحرمن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وحلائلُ أبنائكم﴾ [النساء: 23].
وأما كون من ذكر يحرم بمجرد العقد؛ فلأن المحرم في أمهات نسائه كون المرأة أم أمرأته وفي حلائل آبائه وأبنائه كونها حليلة أبيه وابنه، وذلك موجود حين العقد.
وأما كون بنات أمهات نسائه وبنات حلائل آبائه وأبنائه لا يحرمن بذلك؛ فلأن المحرم ما ذكر، وهو مفقود فيهن.
فيدخلن في عموم قوله: ﴿وأُحِلّ لكم ما وراءَ ذلكم﴾ [النساء: 24].
وأما كون الربائب يحرمن؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وربائبُكم اللاتي في حُجوركم من نسائكمُ اللاتي دخلتم بهن﴾ [النساء: 23].
وأما كونهن بنات نسائه اللاتي دخل بهن دون اللاتي لم يدخل بهن؛ فلأن الله تعالى قيد التحريم بذلك.
ولأن الله تعالى قال: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ [النساء: 23].
وروى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده [أن النبي صلى الله عليه وسلم] 122 قال: «من تزوجَ امرأةً فطلّقهَا قبلَ أن يَدخُلَ بها لا بأسَ أن يتزوجَ ربيبتهُ، ولا يحلُ له أن يتزوجَ بأمِّهَا».
رواه أبو حفص بإسناده.
فإن قيل: كما قيّد بالدخول فكذلك قيّد بكونها في الحجور.
قيل: القيد إذا خُرّج مخرج الغالب لم يُحتجّ بمفهومه.
وهو هنا قد خُرّج مخرج الغالب.
بخلاف قوله: ﴿اللاتي دخلتم بهن﴾ [النساء: 23].

الجزء: 3 - الصفحة: 586

وأما كون بنات من مُتن قبل الدخول يحرمن على روايةٍ؛ فلأن الموت أقيم مقام الدخول في تكميل الصداق والعدة.
فيقوم مقامه في التحريم.
وأما كونهن لا يحرمن على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى شرط في التحريم نفس الدخول.
فلو قام الموت مقامه؛ لكان الشرط أحد الأمرين.
ولأن بنتَ من مات بنتُ امرأة لم يدخل بها.
فلم يحرم؛ لقوله: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ [النساء: 23]، ، ولما تقدم من حديث عمرو بن شعيب.
قال: (ويثبت تحريم المصاهرة بالوطء الحلال والحرام.
فإن كانت الموطوءة ميتة أو صغيرة فعلى وجهين).
أما كون تحريم المصاهرة يثبت بالوطء الحلال والحرام؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تَنكحوا ما نَكح آباؤكم من النساء﴾ [النساء: 22] يعمهما؛ لأن الوطء الحرام يسمى نكاحاً.
قال الشاعر: إذا زنيت فأجد نكاحًا وفي الآية قرينة تصرفه إلى الوطء لا إلى العقد وهو قوله تعالى: ﴿إنه كان فاحشةً ومقتاً وساء سبيلا﴾ [النساء: 22].
وهذا التغليظ إنما يكون في الوطء.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لا ينظرُ اللهُ إلى وجهِ رجلٍ نظرَ إلى فرج امرأةٍ وابنتِهَا» 123. وعن وهب بن منبّه: «ملعونٌ من نظرَ إلى فرج امرأةٍ وابنتِهَا».
رواه الجوزجاني بإسناده.
ولأن ما تعلق بالوطء المباح تعلق بالمحظور؛ كوطء الحائض.
ولأن النكاح يفسده الوطء بالشبهة.
فأفسده الوطء الحرام؛ كالإحرام.
وأما كونه يثبت بوطء الميتة على وجه؛ فلأن الوطء ينشر الحرمة المؤبدة.
فلم يختص بالحياة؛ كالرضاع.
وأما كونه لا يثبت على وجه؛ فلأنه ليس بسبب للبضعية.

الجزء: 3 - الصفحة: 587

ولأن التحريم يتعلق باستيفاء منفعة الوطء، والموت يبطل المنافع، والرضاع إنما حرم من أجل إنبات اللحم وهو حاصل من لبن الميتة.
وأما كونه يثبت بوطء الصغيرة على وجه؛ فلأنه وطءٌ لآدمية حرة في القُبُل.
أشبه وطء الكبيرة.
وأما كونه لا يثبت به على وجه؛ فلأنه ليس بسبب للبضعية.
قال: (وإن باشر امرأة أو نظر إلى فرجها أو خلا بها لشهوة فعلى روايتين).
أما كون تحريم المصاهرة يثبت بمباشرة امرأة لشهوة كتقبيل ومس ونحوه على روايةٍ؛ فلأنه نوع استمتاع.
فتعلق به تحريم المصاهرة؛ كالوطء في الفرج.
وأما كونه لا يثبت بها على روايةٍ؛ فلأنها مباشرة لا توجب الغسل.
فلم يثبت التحريم؛ كالمباشرة لغير شهوة.
ولأن التحريم إما بنص أو إجماع أو قياس، والكل مفقود هنا.
فإن قيل: تقييد المصنف ما ذكر بالمرأة: مشعرٌ بأن من لا تكون امرأة كالمراهقة والطفلة ليست كذلك.
قيل: قال في المغني: الخلاف في اللمس والنظر فيمن بلغت سناً يمكن الاستمتاع منها كابنة تسع فما زاد.
فأما الطفلة فلا يثبت فيها ذلك.
ثم قال: وقد روي عن أحمد في بنت سبع إذا قبّلها حرمت عليه أمها.
ثم قال: قال 124 القاضي: هذا عندي محمول على السن الذي توجد معه الشهوة.
فإن قيل: النظر إلى الفرج مقيد في كلام المصنف رحمه الله تعالى بالشهوة ومطلق في الحديث.
قيل: لا بد من تقييده بذلك؛ لأن المباشرة لغير شهوة لا يثبت بها التحريم.
فالنظر بطريق الأولى.
وتقييد المصنف النظر بكونه إلى فرجها: مشعرٌ بأن النظر إلى سائر بدنها لشهوة لا يثبت به التحريم روايةً واحدة.

الجزء: 3 - الصفحة: 588

وقال في المغني: وأما النظر إلى سائر البدن فلا ينشر الحرمة.
ثم قال: والصحيح خلاف ذلك فإن غير الفرج لا يقاس عليه لما بينهما من الفرق.
ثم قال: ولا خلاف نعلمه في أن النظر إذا وقع من غير شهوة لا ينشر حرمة؛ لأن اللمس الذي هو أبلغ منه لا يؤثر إذا كان لغير شهوة فالنظر أولى.
وأما كون التحريم يثبت بالنظر إلى فرجها لشهوة على روايةٍ؛ فلما روى ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من نظرَ إلى فرجِ امرأةٍ: لم تحلَّ له أمُها وبنتُها» 125، وفي لفظ: «لا ينظرُ اللهُ إلى رجلٍ نظرَ إلى فرجِ امرأةٍ وبنتها» 126. وأما كونه لا يثبت به على روايةٍ؛ فلعموم قوله: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: 24].
ولأنه نظر.
فلم يوجب التحريم؛ كالنظر إلى الوجه.
والخبر ضعيف قاله الدارقطني.
وقيل: هو موقوف على ابن مسعود.
ثم يمكن حمله على الوطء بطريق الكتابة.
وأما كون التحريم يثبت بالخلوة لشهوة على روايةٍ؛ فلأنها تكمل الصداق.
فنشرت الحرمة؛ كالوطء.
وأما كونه لا يثبت بها على روايةٍ؛ فلأن في ذلك مخالفة لقوله تعالى: ﴿فإن لم تكونوا دخلتم بهن فلا جناح عليكم﴾ [النساء: 23].
ولأنها غير منصوص على التحريم بها.
فتحل من وجدت فيها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿وأحل لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: 24].

الجزء: 3 - الصفحة: 589

قال: (وإن تلوط بغلام حرم على كل واحد منهما أمُّ الآخر وابنته، وعند أبي الخطاب هو كالوطء دون الفرج.
وهو الصحيح).
أما كون كل واحد ممن ذُكر يحرم عليه أمُّ الآخر وابنته على المذهب؛ فلأن اللواط وطء في الفرج.
فنشر الحرمة إلى من ذكر؛ كوطء المرأة.
وأما كون التلوط عند أبي الخطاب كالوطء دون الفرج؛ فلأنه لا يتعلق به أحكام وطء المرأة من الإحلال ونحوه.
فكذا التحريم.
وأما كون قول أبي الخطاب هو الصحيح؛ فلأن من ذكر غير منصوص على تحريمهن.
فيدخلن في عموم قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: 24].
ولا يصح قياسهن على النساء؛ لأن الوطء في المرأة يكون سبباً للبضعية، ويوجب المهر، ويلحق به النسب، وتصير المرأة به فراشاً، وتثبت أحكاماً لا يثبتها اللواط.
فلا يجوز إلحاقه به؛ لعدم العلة وانقطاع الشبه.
ولذلك لو أرضع الرجل طفلاً لم يثبت به أحكام التحريم.
فهاهنا أولى.
قال: (القسم الرابع: الملاعنة تحرم على الملاعن على التأبيد؛ إلا أن يُكَذِّب نفسه فهل تحل؟ على روايتين).
أما كون القسم الرابع من المحرمات: الملاعنة؛ فلأنه يلي القسم الثالث.
وأما كون الملاعنة من المحرمات؛ فلما روى سهل بن سعد قال: «مضت السنةُ في المتلاعنين أن يفرّق بينهما لا يجتمعا أبداً» 127. رواه الجوزجاني بإسناده.
وروي مثل هذا عن عمر بن الخطاب.
وأما كونها تحرم على المتلاعن على التأبيد إذا لم يكذب نفسه؛ فلما ذكر من الحديث قبل.
وأما كونها تحرم عليه إذا أكذب نفسه على روايةٍ؛ فلعموم ما ذكر.
ولأنه تحريم لا يرتفع قبل الجلد والتكذيب.
فلم يرتفع بالتكذيب؛ كالرضاع.

الجزء: 3 - الصفحة: 590

وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلأنه لما أكذب نفسه صارت شبيهة بحالها قبل الملاعنة وهي حينئذ حلال.
فكذلك فيما يشبهه.

الجزء: 3 - الصفحة: 591

فصل [المحرمات إلى أمد] قال المصنف رحمه الله تعالى: (الضرب الثاني: المحرمات إلى أمد.
وهي نوعان: أحدهما: المحرمات لأجل الجمع.
فيحرم الجمع بين الأختين، وبين المرأة وعمتها أو خالتها).
أما كون الضرب الثاني: المحرمات إلى أمد؛ فلأنه يلي الضرب الأول.
وأما كونهن نوعين؛ فلأن منهن من يحرم لأجل الجمع، ومنهن من يحرم لعارض يزول؛ كزوجة الغير.
وسيأتي ذكره بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون الجمع بين الأختين يحرم؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وأن تجمعوا بين الأختين﴾ [النساء: 23].
ولا فرق بين الأختين من نسب أو رضاع.
حرتين أو أمتين أو حرة وأمة.
من أبوين كانتا أو من أب أو أم.
قبل الدخول أو بعده؛ لعموم الآية.
وأما كون الجمع بين المرأة وعمتها وبينها وبين خالتها يحرم؛ فلما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يُجمعُ بين المرأةِ وعمتها، ولا بين المرأةِ وخالتها» 128. متفق عليه.
وفي روايةِ أبي داود: «لا تُنكح المرأةُ على عمتها، ولا العمةُ على بنتِ أخيها، ولا المرأةُ على خالتها، ولا الخالةُ على بنت أُختها.
لا تُنكحُ الكبرى على الصغرى، ولا الصغرى على الكُبرى» 129. ولأن العلة في الجمع بين الأختين إيقاع العداوة بين الأقارب، وإفضاؤه إلى قطيعة الرحم المحرم.
وهو موجود فيما ذكر.

الجزء: 3 - الصفحة: 592

فإن قيل: فما الجواب عن قوله تعالى: ﴿وأُحِلَّ لكم ما وراء ذلكم﴾ [النساء: 24]؟ قيل: هو مخصوص بما ذكر.
قال: (فإن تزوجهما في عقد واحد لم يصح، وإن تزوجهما في عقدين أو تزوج إحداهما في عدة الأخرى سواء كانت بائناً أو رجعية فنكاح الثانية باطل).
أما كون من تزوج من يحرم الجمع بينهما كما تقدم في عقد واحد لا يصح؛ فلأنه لا مزية لإحداهما على الأخرى.
وأما كون نكاح الثانية باطلاً إذا تزوج من ذكر في عقدين أو تزوج إحداهما في عدة الأخرى؛ فلأنه يحصل به الجمع وهو المحرم.
فاختص البطلان به.
وأما كون البائن فيما ذكر والرجعية سواء؛ فلاشتراكهما في العدة.
قال: (وإن اشترى أخت امرأته أو عمتها أو خالتها: صح ولم يحل له وطؤها حتى يطلق امرأته وتنقضي عدتها).
أما كون من اشترى أخت امرأته وعمتها أو خالتها يصح؛ فلأن الشراء يراد لغير الوطء.
بخلاف العقد.
والمحرم الجمع في العقد أو الوطء.
وليس الشراء واحداً منهما ولا لازماً له.
وأما كونه لا يحل له وطؤها حتى يطلق امرأته وتنقضي عدتها؛ فلأن بوطئها يحصل الجمع بين الأختين وبين المرأة وعمتها وخالتها في الوطء وذلك حرام؛ لأن الجمع في العقد حرام لما تقدم.
وإنما حرم؛ لأنه وسيلة إلى الوطء.
فلأن يحرم الجمع في الوطء بطريق الأولى.
قال: (وإن اشتراهن في عقد واحد صح.
فإن وطئ إحداهما لم تحل له الأخرى حتى يحرم على نفسه الأولى بإخراج عن ملكه أو تزويج ويعلم أنها ليست بحامل.
فإن عادت إلى ملكه لم يصب واحدة منهما حتى يحرم الأخرى.
وعنه: ليس بحرام ولكن ينهى عنه).
أما كون من اشترى الأختين أو المرأة وعمتها أو المرأة وخالتها في عقد واحد يصح؛ فلما تقدم من أن الشراء يراد لغير الوطء.
بخلاف العقد.

الجزء: 3 - الصفحة: 593

ولأنه إذا جاز شراء الأخت على أختها وشراء المرأة على عمتها وشراؤها على خالتها.
فلأن يجوز شراؤهما في عقدٍ واحدٍ بطريق الأولى.
وأما كونه إذا وطئ إحداهما لا تحل له الأخرى حتى يحرم على نفسه الأولى بما تقدم ذكره؛ فلأن بوطئه لها يحصل الجمع المحرم.
وكلام المصنف مشعر بأمرين: أحدهما: أنه إذا اشتراهن جملة واحدة فله وطء إحداهن؛ لأنه لا يحصل به الجمع.
فلم يحرم؛ كما لو كانت في ملكه وحدها.
وذكر أبو الخطاب أنه لا يجوز؛ لأنه لا مزية لأحدهن على الأخرى.
وثانيهما: أن كل من حرم وطؤها لما تقدم ذكره تحل له إذا أخرج الأولى عن ملكه أو زوجها؛ لأن المحذور الذي هو الجمع يزول بذلك.
واشترط المصنف رحمه الله تعالى مع ذلك: أن يعلم أنها ليست حاملاً؛ لأنها إذا كانت حاملاً لم يجز وطء الأخرى؛ لأنه يكون جامعاً ماءه في رحم بنتين يحرم الجمع بينهما.
أشبه ما لو تزوج إحداهما في عدة الأخرى.
ولقائل أن يقول: لا حاجة إلى هذا الشرط؛ لأن شرط الإباحة أحد أمرين: إما إخراج عن ملكه، وإما تزويج.
وكلاهما لا يصح إلا بعد العلم بأن الموطوءة غير حامل.
ويمكن الجواب عنه بأن في البيع روايةِ أنه لا يجوز من غير استبراء.
وعلى القول بالمنع فإن من صور الإخراج عن الملك: العتق، ولا يشترط فيه العلم بأنها ليست حاملاً.
فإن قيل: ينفي إرادة العتق قوله: فإن عادت إلى ملكه إذ المعتقة لا تعود إلى ملك السيد.
قيل: يحمل قوله: فإن عادت على بعض الصور كالمبيعة والموهوبة ونحو ذلك.
وفي اشتراط المصنف الإخراج عن ملكه أو التزويج إشعار بأن الموطوءة لو حرمها سيدها أو حرم وطئها بسبب غير ذلك لم تحل له الأخرى.
وهو صحيح.
وقد صرح في المغني بأنه لو حرمها لم تبح له الأخرى لأن تحريمه إما لا يحرم أو يحرم

الجزء: 3 - الصفحة: 594

تحريماً ترفعه الكفارة.
وكذلك لو رهنها لم تحل له الأخرى؛ لأن المنع من وطئها لحق المرتهن لا لتحريمها ولهذا يحل له بإذنه في وطئها.
ولأنه يقدر على فكها متى شاء واسترجاعها إليه.
فإن قيل: فلو كاتبها.
قيل: لا تحل له الأخرى؛ لأن الكتابة لا تزيل الملك قبل الأداء.
وأما كونه إذا عادت إلى ملكه لا يصيب واحدة منهما حتى يحرّم الأخرى؛ فلأن الثانية صارت فراشاً وقد رجعت إليه التي كانت فراشاً.
فحرمت كل واحدة منهما بكون الأخرى فراشاً؛ كما لو انفردت به.
ولأنه مختلف في حرمته.
فلا أقل من الكراهة.
قال: (وإن وطئ أمته ثم تزوج أختها لم يصح عند أبي بكر وظاهر كلام الإمام أحمد أنه يصح ولا يطؤها حتى يحرم الموطوءة.
فإن عادت إلى ملكه لم يطأ واحدة منهما حتى يحرم الأخرى).
أما كون التزوج المذكور لا يصح عند أبي بكر؛ فلأن ذلك يُصَيِّر المتزوج بها فراشاً.
فلم يجز؛ كالوطء.
ولأنه فعل في الأخت ما ينافي إباحة المفترشة.
فلم يجز؛ كالوطء.
قال المصنف رحمه الله تعالى في المغني: قال القاضي: هو ظاهر كلام أحمد.
وأما كونه يصح على ظاهر الإمام أحمد؛ فلأنه سبب يستباح به الوطء.
فجاز أن يرد على وطء الأخت ولا يبيح؛ كالشراء.
وأما كون ذلك ظاهر كلام الإمام أحمد فنقله المصنف في المغني عن أبي الخطاب.
وقد تقدم قول القاضي أن الظاهر من كلامه عكسه.
وأما كون المتزوج لا يطأ المتزوج بها حتى يُحرم الموطوءة؛ فلئلا يكون جامعاً في الوطء.
فإن قيل: لا يلزم من الوطء الجمع لأنه بمجرد النكاح يجب أن تحرم المفترشة؛ لأن النكاح أقوى من الوطء بملك اليمين فإذا اجتمعا وجب التقديم للأقوى.

الجزء: 3 - الصفحة: 595

قيل: لا يسلم أن النكاح أقوى من ملك اليمين بل القول بالعكس أولى؛ لأنه لو اشترى زوجته انفسخ النكاح.
وعلى تقدير التسليم فالسبق يعارضه، وملك اليمين سابق.
وأما كونه إذا عادت أمته إلى ملكه لا يطأ واحدة منهما حتى يحرم الأخرى؛ فلما تقدم ذكره في المسألة قبل.
قال: (ولا يحل للحر أن يجمع بين أكثر من أربع، ولا للعبد أن يتزوج أكثر من اثنتين.
وإن طلق إحداهن لم يجز أن يتزوج أخرى حتى تنقضي عدتها).
أما كون الحر لا يحل له أن يجمع بين أكثر من أربع؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع﴾ [النساء: 3].
يعني اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً.
و«لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لغيلان بن سلمة حين أسلم وتحته عشر نسوة: أَمسِكْ أربعًا وفارِقْ سائِرهُن» 130. رواه الترمذي.
وأما كون العبد لا يحل له أن يتزوج أكثر من اثنتين؛ فلأن الحكم بن قتيبة قال: «أجمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن العبد لا ينكح إلا اثنتين».
وروي «أن عمرُ سألَ الناس عن ذلك.
فقال عبدالرحمن بن عوف: لا يتزوجُ إلا اثنتين».
رواه الإمام أحمد.
وهذا قول صحابي لشخص من الصحابة ولم ينكر أحد من الصحابة فكان إجماعاً.
وأما كون الحر أو العبد إذا طلق إحدى من تقدم ذكرهن لا يجوز أن يتزوج أخرى حتى تنقضي عدتها: أما مع الطلاق الرجعي فظاهر لأن الرجعية زوجة فلو جاز له تزويج أخرى لكان الحر جامعاً بين خمس والعبد جامعاً بين ثلاث.
وأما مع الطلاق البائن؛ فلأن بعض أحكام النكاح باق.
فمنعَ الحر من تزوج خامسة والعبد من تزوج ثالثة؛ كما لو كان الطلاق رجعياً.

الجزء: 3 - الصفحة: 596

فصل [المحرمات لعارض] قال المصنف رحمه الله تعالى: (النوع الثاني: محرمات لعارض يزول.
فيحرم عليه نكاح زوجة غيره والمعتدة منه والمستبرئة منه).
أما كون النوع الثاني: محرمات لعارض؛ فلأنه يلي المحرمات لأجل الجمع وهو الأول.
وأما كون المحرمات هنا لعارض يزول؛ فلأن زوجة غيره والمعتدة من غيره والمستبرأة من غيره إنما حرمن عليه لأجل ذلك الغير، وذلك يزول بطلاق ذلك الغير وانقضاء العدة ومدة الاستبراء.
وأما كون نكاح زوجة غيره يحرم عليه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والمحصناتُ من النساء إلا ما ملكت أيمانكم كتابَ الله عليكم﴾ [النساء: 24].
وأما كون نكاح المعتدة من غيره يحرم عليه؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تعزموا عُقْدَةَ النكاح حتى يبلغَ الكتابُ أجله﴾ [البقرة: 235]. وأما كون نكاح المستبرأة من غيره يحرم عليه؛ فلأنها في معنى المعتدة منه.
ولأن إباحة نكاح الثلاثة يفضي إلى اختلاط المياه واشتباه الأنساب، وذلك محذور مطلوب العدم.
قال: (وتحرم الزانية حتى تتوب وتنقضي عدتها، ومطلقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره، والمحرمة حتى تحل).
أما كون الزانية تحرم حتى تتوب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك﴾ [النور: 3].
ولأنه لا يؤمن أن يلحق به ولداً من غيره.
فحرمت؛ كالمعتدة.

الجزء: 3 - الصفحة: 597

وأما كونها تحرم قبل أن تنقضي عدتها: أما على الزاني؛ فلأن ولدها لا يلحق به.
فيفضي نكاحه لها إلى اشتباه من لا يلحق نسبه بأحد ممن يلحق نسبه به.
وأما على غير الزاني؛ فلأنها معتدة من غيره.
وأما كون مطلقته ثلاثاً تحرم حتى تنكح زوجاً غيره؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فإن طلقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره﴾ [البقرة: 230]. والمراد بالنكاح هنا الوطء؛ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال لامرأة رفاعة لما أرادت أن ترجع إليه بعد أن طلقها ثلاثًا وتزوجت بعده عبدالرحمن بن الزَّبير: لا.
حتى تَذوقِي عُسَيْلَتَه» 131. فإن قيل: مفهوم كلام المصنف هنا أن مطلقته ثلاثاً تحل له إذا نكحت زوجاً غيره؛ لأنه جعل ذلك غاية لتحريمها.
وليس كذلك؛ لأن حلها يقف على طلاق الزوج الثاني، وعلى انقضاء العدة منه.
قيل: الجواب عنه من وجهين: أحدهما: أن تحريمها بكونها مطلقة ثلاثاً يزول بذلك لكن عقيب ذلك التحريم تحريم آخر وهو كونها زوجة غيره ما لم يطلقها فإذا طلقها تكون معتدة من غيره وكلاهما محرم لما تقدم، وكذلك تحرم عليه بذلك وإن كانت مطلقته دون الثلاث.
وثانيهما: أنه قد تقدم أنه محرم عليه نكاح زوجة غيره والمعتدة من غيره.
فاكتفى بذلك عن التصريح به هنا.
فإن قيل: هلا اكتفى بذلك في الزانية لأنه لم يقتصر على قوله: حتى تتوب بل قال: وتنقضي عدتها؟ قيل: عدة الزانية مختلف فيها فجيء بالتصريح بها للتأكيد.
بخلاف عدة النكاح فإنها متفق عليها فلا حاجة إلى التأكيد فيها.

الجزء: 3 - الصفحة: 598

وأما كون المُحْرمة تحرم حتى تحل؛ فلأن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا يَنكحُ المحرمُ ولا يُنكحُ ولا يَخطُب» 132. رواه مسلم.
ولأنه عارضٌ منع الطيب.
فمنع النكاح؛ كالعدة.
قال: (ولا يحل لمسلمة نكاح كافر بحال ولا لمسلم نكاح كافرة إلا حرائر أهل الكتاب.
فإن كان أحد أبويها غير كتابي أو كانت من نساء بني تغلب فهل تحل؟ على روايتين).
أما كون المسلمة لا يحل لها نكاح كافر بحال؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تُنكحوا المشركين حتى يؤمنوا﴾ [البقرة: 221]، وقال سبحانه وتعالى: ﴿فإن علمتموهن مؤمناتٍ فلا تَرجعوهن إلى الكفار لا هنّ حل لهم ولا هم يحلون لهنّ﴾ [الممتحنة: 10].
وأما كون المسلم لا يحل له نكاح كافرة غير حرائر أهل الكتاب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تَنكحوا المشركات حتى يؤمنّ﴾ [البقرة: 221]، وقال: ﴿ولا تُمْسكوا بعِصَم الكوافر﴾ [الممتحنة: 10].
وأما كونه يحل له نكاح حرائر أهل الكتاب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿والمحصناتُ من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم إذا آتيتموهن أجورهن﴾ [المائدة: 5].
ولأن الصحابة أجمعت عليه.
فإن قيل: عموم ما تقدم يدل على عدم حل أهل الكتاب أيضاً؛ لأنهن مشركات.
قيل: الجواب من وجهين: أحدهما: ما روي عن ابن عباس أن قوله: ﴿ولا تَنكحوا المشركات﴾ [البقرة: 221] نسخ بالآية في المائدة.
وكذلك ينبغي أن يكون ذلك في الآية الأخرى؛ لأنهما متقدمتان 133، والآية التي في المائدة متأخرة عنها.

الجزء: 3 - الصفحة: 599

والثاني: أن لفظ المشركين بإطلاقه لا يتناول أهل الكتاب.
بدليل قوله: ﴿لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين﴾ [البينة: 1]، وقوله: ﴿إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين﴾ [البينة: 6]، وقوله: ﴿لتجدنّ أشد الناس عداوةً للذين ءامنوا اليهود والذين أشركوا﴾ [المائدة: 82]، وقوله: ﴿ما يَوَدُّ الذين كفروا من أهل الكتاب ولا المشركين﴾ [البقرة: 105]، وسائر آي 134 القرآن تَفصل بينهما.
وقيد المصنف أهل الكتاب بالحرائر؛ لأن الإماء يأتي حكمهن إن شاء الله تعالى.
وأما كون من كان أحد أبويها غير كتابي لا تحل على روايةٍ؛ فلأنها متولدة بين من يحل ومن لا يحل.
فلم يحل؛ كالسِّمَع والبغل.
وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلعموم الآية المقتضية للحل.
ولأنها كتابية تقر على دينها.
أشبه من أبويها كتابيان.
وذكر المصنف في المغني هذا احتمالاً وسوى بين من أحد أبويها غير كتابي وبين من أبواها غير كتابيين.
وأما كون من كانت من نساء بني تغلب لا تحل على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه.
ولأنهم يحتمل أنهم دخلوا في دين الكفر بعد التبديل.
وأما كونها تحل على روايةٍ؛ فلأنها من أهل الكتاب فتدخل في عموم الآية المقتضية للحل.
ولأن بني تغلب أهل كتاب يقرُّون على دينهم ببذل المال.
فحل نكاح نسائهم؛ كأهل الكتاب.
قال المصنف في المغني: هذا الصحيح عن الإمام أحمد.
وهو مروي عن عمر ابن الخطاب وابن عباس.
قال الأثرم: ما علمت أحداً كرهه من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علياً.

الجزء: 3 - الصفحة: 600

قال: (وليس للمسلم وإن كان عبداً نكاح أمة كتابية.
وعنه: يجوز).
أما كون المسلم ليس له نكاح أمة كتابية وإن كان عبداً على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿من فتياتِكم المؤمنات﴾ [النساء: 25].
وأما كونه له ذلك على روايةٍ؛ فلأنها تحل بملك اليمين.
فحلت بالنكاح؛ كالمسلمة.
والأول ظاهر المذهب.
قاله المصنف في المغني.
وفرّق بين المسلمة والكافرة من حيث: إن نكاح المسلمة لا يؤدي إلى استرقاق الكافر ولدها؛ لأن الكافر لا يقر ملكه على مسلمة، والكافرة تكون ملكاً للكافر ويقر ملكه عليها وولدها لسيدها.
ولأنه قد اعتورها نقصان الكفر والملك.
فإذا اجتمعا منعا؛ كالمجوسية لما اجتمع فيها نقص الكفر وعدم الكتاب منع من نكاحها.
وقول المصنف: وإن كان عبداً تنبيه على أن النقص الحاصل فيه بالرق لا يؤثر في كونه له نكاح الأمة الكتابية؛ لأن الأدلة المقتضية للمنع عامة في الحر والعبد.
ولأن ما حرم على الحر نكاحه لأجل دينه حرم على العبد؛ كالمجوسية.
قال: (ولا يحل لحر مسلم نكاح أمة مسلمة؛ إلا أن يخاف العنت، ولا يجد طَوْلاً لنكاح حرة ولا ثمن أمة.
وإن تزوجها وفيه الشرطان ثم أيسر أو نكح حرة فهل يبطل نكاح الأمة؟ على روايتين).
أما كون الحر المسلم لا يحل له نكاح أمة مسلمة إذا لم يخف العنت ولا يجد ما ذُكر؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ومن لم يستطع منكم طَوْلاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتِكم المؤمنات -إلى قوله-: ذلك لمن خشي العنت منكم﴾ [النساء: 25].
شرط في جواز ذلك عدم استطاعة الطول وخشية العنت.
ولأن في نكاح الأمة إرقاق ولده مع الغنى.
فلم يجز؛ كما لو كان تحته حرة.
وأما كونه يحل له ذلك إذا وجد فيه الشرطان؛ فللآية المذكورة.

الجزء: 3 - الصفحة: 601

فإن قيل: الآية دلت على اشتراط الطَّول للحرة المؤمنة فما وجه اشتراط الطَّول للحرة الكتابية أو ثمن الأمة؟ قيل: لأن القادر على ذلك غير خائف العنت.
ولأنه قدر على صيانة ولده عن الرق.
فلم يجز له إرقاقه؛ كما لو قدر على نكاح مؤمنة.
وأما كونه إذا تزوج أمة وفيه الشرطان ثم أيسر لا يبطل نكاح الأمة على روايةٍ؛ فلأن عدم استطاعة الطَّول أحد شرطي إباحة نكاح الأمة.
فلم يعتبر استدامته؛ كخوف العنت.
وأما كونه يبطل على روايةٍ؛ فلأنه إنما أبيح للحاجة.
فإذا زالت الحاجة لم يجز له استدامة؛ كمن أبيح له أكل الميتة لضرورته فإذا وَجَد الحلال لم يستدمه.
وذكر المصنف في المغني هذا وجهاً.
وفرّق بين مسألة الطَّول ومسألة الميتة من حيث: إن أكل الميتة بعد القدرة ابتداء للأكل.
بخلاف عادم الطَّول فإنه إذاً غير مبتدئ للنكاح وإنما هو مستديم.
وأما كونه إذا تزوج أمة ثم نكح حرة لا يبطل نكاح الأمة على روايةٍ؛ فلأنه لا يبطله اليسار في روايةٍ.
فكذا لا يبطله نكاح الحرة.
وأما كونه يبطل على روايةٍ؛ فلأنه يبطله اليسار في روايةٍ فلأن يبطله نكاح الحرة بطريق الأولى.
قال: (وإن تزوج حرة أو أمة فلم تعفه ولم يجد طولاً لحرة أخرى فهل له نكاح أمة أخرى؟ على روايتين.
قال الخرقي: وله أن ينكح من الإماء أربعاً إذا كان الشرطان فيه قائمين).
أما كون من ذكر له نكاح أمة أخرى على روايةٍ؛ فلأنه خائف العنت عادم طول حرة.
أشبه من لا زوجة تحته وفيه الشرطان.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه تحته زوجة.
والأولى أولى؛ لما تقدم ذكره.
ولذلك قال المصنف: قال الخرقي ... إلى آخره؛ لأن فيه تأكيداً لجوازه.
وكونه تحته زوجة لا أثر له؛ لأن المعنى الذي أبيح

الجزء: 3 - الصفحة: 602

من أجله نكاح الأمة: الشرطان المتقدم ذكرهما.
فإذا وجدا فيما ذكر وجب أن يباح.
عملاً بالعلة.
قال: (وللعبد نكاح الأمة.
وهل له أن ينكحها على حرة؟ على روايتين.
وإن جمع بينهما في العقد جاز.
ويتخرج أن لا يجوز).
أما كون العبد له نكاح الأمة وإن فقد الشرطين؛ فلأنه مساوٍ لهما.
فلم يعتبر فيه وجود الشرطين؛ كالحر مع الحرة.
وأما كونه له أن ينكحها على روايةٍ؛ فلما ذكر قبل.
ولأنه لو اشترط عدم الحرة لاشترط عدم القدرة عليها كما في حق الحر.
وأما كونه ليس له ذلك على روايةٍ؛ فلأنه مالك لبضع حرة.
فلم يكن له أن يتزوج أمة؛ كالحر.
وعن سعيد بن المسيب: «تُنكحُ الحرةُ على الأمة، ولا تُنكحُ الأمةُ على الحرّة» 135. وأما كونه إذا جمع بينهما في العقد يجوز على المذهب؛ فلأن كل واحدة 136 يجوز له إفرادها بالعقد.
فجاز له الجمع بينهما؛ كالأمتين.
وأما كونه يتخرج أن لا يجوز؛ فلأنه جمع.
أشبه ما لو تزوج الأمة على الحرة.
فإن قيل: الخلاف في الجمع المذكور مطلقاً أم على قولنا ليس له أن يتزوج الأمة على الحرة.
قيل: على الثاني.
صرح به صاحب المحرر.

الجزء: 3 - الصفحة: 603

قال: (وليس له نكاح سيدته، ولا للحر أن يتزوج أمته ولا أمة ابنه.
ويجوز للعبد نكاح أمة ابنه).
أما كون العبد ليس له نكاح سيدته؛ فلأن أبا الزبير قال: «سألت جابراً عن العبد ينكح سيدته.
فقال: جاءتِ امرأةٌ إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه ونحنُ بالجابيةِ وقد نَكحتْ عبدَها فانتهرَها عمر وهمَّ أن يرجُمَهَا.
وقال: لا يحلُّ لك».
ولأن أحكام النكاح مع أحكام الملك يتنافيان من حيث إن كل واحدٍ منهما يقتضي أن يكون الآخر في حكمه يسافر سفره ويقيم بإقامته وينفق عليه.
وأما كون الحر ليس له أن يتزوج أمته؛ فلأن ملك الرقبة يقيد ملك المنفعة وإباحة البضع، ولا يجتمع مع عقد لضعف منه.
وأما كونه ليس له أن يتزوج أمة ابنه؛ فلأن له فيها شبهة الملك.
بدليل قوله عليه السلام: «أنتَ ومالُكَ لأبيك» 137. أشبه الملك.
وأما كون العبد يجوز له نكاح أمة ابنه؛ فلأنه لا شبه له فيها.
بخلاف الحر.
قال: (وإن اشترى الحر زوجته انفسخ نكاحها.
وإن اشتراها ابنه فعلى وجهين).
أما كون زوجة الحر إذا اشتراها زوجها ينفسخ نكاحها؛ فلما تقدم من منافاة أحكام الملك أحكام النكاح والملك أقوى؛ لأنه يفيد ملك الرقبة والمنفعة، والنكاح لا يفيد إلا ملك المنفعة.
ولأن النكاح يوجب للمرأة حقوقاً يمنعها ملك اليمين من القَسْم والملك فانفسخ بالملك لئلا يجتمع معه ما لا يوافقه.
وأما كونها إذا اشتراها ابنه ينفسخ نكاحها على وجه؛ فلأن ملك الابن كملك الأب في إسقاط الحد وحرمة الاستيلاد.
فكان كملكه في فسخ النكاح.
وأما كونها لا ينفسخ نكاحها بذلك على وجه؛ فلأنه لا يملكها بملك الابن.
فلم يفسخ نكاحها؛ كما لو ملكها أجنبي.

الجزء: 3 - الصفحة: 604

قال: (ومن جمع بين محرمة ومحللة في عقد واحدٍ فهل يصح فيمن تحل؟ على روايتين).
أما كون العقد كما ذكر يبيح فيمن تحل على المذهب؛ فلأنها لو انفردت لكان العقد عليها صحيحاً.
فكذلك إذا جمعها مع محرمة.
وأما كونه لا يصح على روايةٍ؛ فلأن العقد تناول محرَّمة ومحلّلة.
فلم يصح فيهما؛ كما لو باع خلاً وخمراً.
قال: (ومن حرم نكاحها حرم وطئها بملك اليمين؛ إلا إماء أهل الكتاب).
أما كون من حرم نكاحها وليست من إماء أهل الكتاب يحرم وطؤها؛ فلأن النكاح إذاً حرم لكونه طريقاً إلى الوطء.
فلأن يحرم الوطء بنفسه بطريق الأولى.
وأما كون إماء أهل الكتاب لا يحرم وطؤهن بملك اليمين وإن حرم نكاحهن؛ فلأن حرمة النكاح إنما كان من أجل إرقاق الولد وإبقائه مع كافرة، وهو معدوم في الوطء بملك اليمين.

الجزء: 3 - الصفحة: 605

فصل [في نكاح الخنثى] قال المصنف رحمه الله تعالى: (ولا يحل نكاح خنثى مشكل حتى يتبين أمره.
نص عليه.
وقال الخرقي: إذا قال: أنا رجل لم يمنع من نكاح النساء، ولم يكن له أن ينكح بغير ذلك بعد، وإن قال: أنا امرأة لم ينكح إلا رجلاً.
فلو تزوج امرأة ثم قال: أنا امرأة انفسخ نكاحه، ولو زُوِّج برجل ثم قال: أنا رجل لم يقبل قوله في فسخ النكاح).
أما كون الخنثى المشكل لا يحل نكاحه حتى يتبين أمره على منصوص الإمام أحمد؛ فلأنه مشكوك في حله للرجال والنساء.
فلم يحل نكاحه حتى يتبين أمره؛ كما لو اشتبهت أخته بأجنبية.
وأما كونه لا يمنع من نكاح النساء إذا قال: أنا رجل على قول الخرقي؛ فلأن كونه رجلاً معنى يعرف من جهته وليس فيه إيجاب حق على غيره.
فوجب أن يقبل منه؛ كما يقبل قول المرأة في انقضاء عدتها، وإذا قبل قوله في ذلك لم يمنع من نكاح النساء كغيره.
وأما كونه لا يكون له أن ينكح بغير ذلك بعد؛ فلأنه أقر بتحريمه.
ولأنه إذا ادعى غير الأول يكون مكذباً لنفسه مدعياً دعوى تناقض قوله الأول.
فلم يلتفت إليه؛ كالإنكار بعد الإقرار.
وأما كونه لا ينكح إلا رجلاً إذا قال: أنا امرأة؛ فلأنه يقبل قوله في كونه امرأة لما تقدم.
والمرأة ليس لها أن تنكح رجلاً فكذا الخنثى المذكور.
وأما كونه ينفسخ نكاحه إذا قال: أنا امرأة بعد أن تزوج امرأة؛ فلأن النكاح له وقد أقر ببطلانه.
وأما كونه لا يقبل قوله في فسخ النكاح إذا قال: أنا رجل بعد أن زُوِّج برجل؛ فلأن النكاح حق عليه.
فلم يقبل قوله في إسقاط حق الغير.

الجزء: 3 - الصفحة: 606

باب الشروط في النكاح

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وهي قسمان: صحيح؛ مثل: اشتراط زيادة في المهر، أو نقد معين، أو أن لا يخرجها من دارها أو بلدها، أو لا يتزوج عليها ولا يتسرى: فهذا صحيح لازم إن وفى به، وإلا فلها الفسخ).
أما كون شروط النكاح قسمين صحيحاً وفاسداً؛ فلأنه عقد معاوضة.
فكانت شروطه قسمين صحيحاً وفاسداً؛ كالبيع.
ويدل على أن من شروطه ما يكون صحيحاً ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أحقَ ما وفَّيتُم به من الشروطِ ما استحلَلتُم به الفُروج» 138. رواه سعيد.
وفي لفظٍ: «إن أحقَّ الشروطِ أن تُوفُّوا بها ما استحللتُم به الفُروج» 139. متفق عليه.
وأما قول المصنف: مثل اشتراط زيادة المهر ... إلى آخره؛ فبيانٌ للشروط الصحيحة وتعداد لها.
وأما كون ذلك كله صحيحاً؛ فلأنه داخل فيما تقدم.
ولأن قول النبي صلى الله عليه وسلم: «المؤمنونَ على شُروطهم» 140 يشمل ذلك كله.
وروي «أن رجلاً تزوّجَ امرأةً وشرطَ لها دارها ثم أرادَ نقلها فخاصموه إلى عمر.
فقال: لها شرطها.
فقال الرجل: إذًا يُطلِّقْننا.
فقال عمر: مقاطعُ الحقوقِ عندَ الشروط» 141.

الجزء: 3 - الصفحة: 607

ولأن شرط الزيادة في المهر والنقد المعين صحيح وفاقاً، وشرط كل واحد مما بقي شرط لها فيه منفعة ومقصود لا يمنع مقصود النكاح.
فكان صحيحاً؛ كما لو شرط في البيع نقداً معيناً.
وأما كون ذلك كله لازماً إن وفى به وإلا فلها الفسخ؛ فلأنه لو شرط في البيع كون المبيع كاتباً أو صانعاً أو ما أشبه ذلك كان حكمه ما ذُكر.
فكذا هذا.
قال: (وإن شرط لها طلاق ضرتها فقال أبو الخطاب: هو صحيح.
ويحتمل أنه باطل لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا تَسألِ المرأةُ طلاقَ أُختِها لتكْتَفِئَ ما في صَحْفَتَها، ولْتَنْكِحْ، فإنَّ لها ما قُدِّرَ لها» (1». أما كون شرط ذلك صحيحاً على ما قال أبو الخطاب؛ فلأن لها في ذلك نفعاً.
أشبه ما لو شرطت دارها.
وأما كونه يحتمل أنه باطل؛ فلما ذكره المصنف رحمه الله تعالى من الحديث.
وهذا الاحتمال هو اختيار المصنف وقدمه في المغني.
وقال عن قول أبي الخطاب: لم أره لغيره.
وذكر ما يدل على فساده من الحديث المذكور، وما روى أبو هريرة قال: «نَهى رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم أن تَشترطَ المرأةُ طلاقَ أُختِها» 143. رواهما البخاري.142

الجزء: 3 - الصفحة: 608

فصل [في شروط النكاح الفاسدة] قال المصنف رحمه الله تعالى: (القسم الثاني: فاسد.
وهو ثلاثة أنواع: أحدها: ما يُبطل النكاح.
وهو ثلاثة أشياء: أحدها: نكاح الشغار.
وهو: أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته، ولا مهر بينهما.
فإن سموا مهراً صح.
نص عليه، وقال الخرقي: لا يصح).
أما كون هذا القسم الثاني؛ فلأنه يلي الأول.
وأما كونه فاسداً؛ فلأن شروط النكاح لما كانت قسمين صحيحاً وفاسداً وكان الأول هو الصحيح كان الثاني هو الفاسد.
وأما كونه ثلاثة أنواع؛ فلأنه تارة يُبطل العقد، وتارة لا يُبطله، ويكون تارة 144 في إبطاله له خلاف.
وسيأتي ذكر ذلك في مواضعه.
وأما كون الذي يُبطله ثلاثة أشياء؛ فلأنه تارة يكون نكاح شغار، وتارة نكاح محلل، وتارة نكاح متعة.
وأما كون أحد الأشياء التي تبطل النكاح نكاح الشغار؛ فلما روى ابن عمر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن الشِّغَار» 145 متفق عليه.
وروى أبو هريرة مثله 146. أخرجه مسلم.
وعن 147 عمران بن حصين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لا جَنَبَ ولا جَلَبَ ولا شِغَارَ في الإسلام» 148.

الجزء: 3 - الصفحة: 609

ولأنه جعل كل واحد من العقدين سلفاً في الآخر.
فكان باطلاً؛ كما لو قال: بعني ثوبك على أن أبيعك ثوبي.
وأما قول المصنف: وهو أن يزوجه وليته على أن يزوجه الآخر وليته ولا مهر بينهما؛ فبيانٌ لمعنى نكاح الشغار.
وفي حديث ابن عمر: «الشِّغَارُ أن يزوجه ابنتَه على أن يزوجه ابنتَه وليسَ بينهما صَداق» 149 متفق عليه.
وفي حديث أبي هريرة: «الشغارُ أن يقولَ الرجلُ للرجل: زوِّجني ابنتكَ وأُزوِّجُكَ ابنتي» 150. رواه مسلم.
وأما كون ذلك يصح إذا سموا مهراً على منصوص الإمام أحمد؛ فلما تقدم من الحديث.
ولأن الشغار ملحوظ فيه الخلو؛ لأنه مأخوذ من شَغَر الكلب إذا رفع رجله ليبول، وهذا المعنى مفقود هاهنا.
وأما كونه لا يصح على قول الخرقي؛ فـ «لأن العباس بن عبدالله بن العباس أنكحَ عبدالرحمن بن الحكم ابنته على أن يُنكحه الآخر ابنته، وكانا جعلا صَداقاً.
فكتب معاويةُ إلى مروان فأمرَه أن يفرّق بينهما، وقال في كتابه: هذا الشِّغَارُ الذي نهى عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم» 151. ولأنه شَرط نكاح إحداهما لنكاح الأخرى.
فلم يصح؛ كما لو لم يسميا صداقاً.
ويحققه أن عدم التسمية ليس بمفسد.
بدليل نكاح المفوضة فعلم أن المفسد هو الشرط وقد وجد.
ولأنه سلف في عقد.
فأفسده؛ كما لو قال: بعتك ثوبي بعشرة على أن تبيعني ثوبك بعشرين.

الجزء: 3 - الصفحة: 610

والأول أصح؛ لأن حديث ابن عمر متفق عليه وهو يوافق المعنى.
فكان الأخذ به أولى.
قال: (والثاني: نكاح المحلِّل.
وهو: أن يتزوجها على أنه إذا أحلها طلقها.
فإن نوى ذلك من غير شرط لم يصح أيضا في المذهب، وقيل: يكره ويصح).
أما كون ثاني الأشياء التي تبطل النكاح نكاح المحلِّل؛ فلما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «لعنَ اللهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ له» 152. رواه أبو داود وابن ماجة والترمذي وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عقبة بن عامر أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ألا أُخبركم بالتيسِ المستعارِ؟ قالوا: بلى يا رسولَ الله! قال: هو المحلِّلُ.
لعنَ اللهُ المحلِّلَ والمحلَّلَ له» 153. رواه ابن ماجة.
وعن عمر: «لا أُوتى بمحل ومحلل له إلا رجمتهما».
رواه الأثرم.
ولو لم يبطل ذلك النكاح لما لعن فاعله ولا رجم.
وأما قول المصنف: وهو أن يتزوجها على أنه إذا أحلها طلقها؛ فبيانٌ لمعنى نكاح المحلل.
وأما كونه لا يصح إذا نوى ذلك من غير شرط في ظاهر المذهب؛ فلما روي عن ابن عمر: «أن رجلاً قال له: امرأة تزوجتها أُحِلُّها لزوجها لم يأمرني ولم يعلم.
قال: لا.
إلا نكاح رغبة.
إن أعجبتك أمسكتها وإن كرهتها فارقتها.
قال: وإن كنا نعده على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم سفاحًا.
وقال: لا يزالا زانيين وإن مكثا عشرين سنة» 154.

الجزء: 3 - الصفحة: 611

وأما كونه يكره ويصح على قول: أما الكراهة؛ فلأنه مختلف في صحته، وأما الصحة؛ فلأنه عقد خلا عن شرط يفسده.
أشبه ما لو طلقها لغير الإحلال أو ما لو نوت المرأة ذلك.
ولأن العقد إنما يبطل بما شرط لا بما قصد 155. بدليل ما لو اشترى عبداً بشرط أن لا يبيعه لم يصح، ولو نوى أن لا يبيعه صح.
قال: (الثالث: نكاح المتعة.
وهو: أن يتزوجها إلى مدة).
أما كون ثالث الأشياء التي تبطل النكاح نكاح المتعة؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرَّمَ مُتعةَ النساء» 156. رواه أبو داود.
وفي لفظٍ: «يا أيها الناس! إني كنتُ أذنتُ لكم في الاستمتاع.
ألا! وإن اللهَ قد حرّمها إلى يومِ القيامة» 157. رواه ابن ماجة.
وعن علي «أن رسولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم نهى عن متعةِ النساءِ يومَ خيبر» 158 أخرجه الأئمة.
وأما قول المصنف: وهو أن يتزوجها إلى مدة؛ فبيانٌ لمعنى المتعة المحرمة.
والمراد ذكر المدة في العقد؛ مثل أن يقول: زوجتك ابنتي شهراً أو سنة أو إلى انقضاء الموسم أو إلى قدوم الحاج ونحو ذلك.
فإن لم يذكر المدة في العقد بل نوى الطلاق بعد شهراً أو إذا انقضت حاجته في هذا البلد: كان النكاح صحيحاً؛ لأن الرجل ليس عليه أن ينوي حبس امرأته.

الجزء: 3 - الصفحة: 612

قال: (ونكاح شرط فيه طلاقها في وقت، أو علق ابتداءه على شرط؛ كقوله: زوجتك إذا جاء رأس الشهر أو إن رضيت أمها: فهذا كله باطل من أصله).
أما كون نكاح شُرط فيه طلاق الزوجة باطلاً من أصله؛ فلأنه شرط مانع من بقاء النكاح.
أشبه المتعة.
وأما كون نكاح عُلق ابتداؤه على شرط باطلاً من أصله؛ فلأن النكاح عقد معاوضة.
فبطل بتعليقه على شرط؛ كالبيع.
قال: (النوع الثاني: أن يشترط أن لا مهر لها، أو لا نفقة، أو يقسم لها أكثر من امرأته الأخرى أو أقل: فالشرط باطل، ويصح النكاح).
أما كون الشرط باطلاً؛ فلأنه ينافي مقتضى العقد.
ولأنه يتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد قبل انعقاده.
فتبطل؛ كما لو أسقط الشفيع شفعته قبل البيع.
وأما كون النكاح يصح؛ فلأن الشرط يعود إلى معنى زائد في العقد لا يشترط ذكره ولا يضر الجهل به.
فلم يبطله؛ كما لو شرط في العقد صداقاً محرماً.
ولأن النكاح يصح مع الجهل بالعوض.
فجاز أن يصح مع الشرط الفاسد المذكور؛ كالعتق.
قال: (الثالث: أن يشترط الخيار، أو إن جاءها بالمهر في وقت وإلا فلا نكاح بينهما: فالشرط باطل، وفي صحة النكاح روايتان).
أما كون الشرط باطلاً؛ فلأنه ينافي مقتضى العقد.
وأما كون النكاح يصح في روايةٍ؛ فلأنه يصح مع المجهول.
فيصح مع الشرط الفاسد؛ كالعتق.
وأما كونه لا يصح في روايةٍ؛ فلأن عقد النكاح يجب أن يكون ثابتاً لازماً.
فنافاه الشرط وأبطله.

الجزء: 3 - الصفحة: 613

فصل [إذا اختلف الشرط] قال المصنف رحمه الله تعالى: (فإن تزوجها على أنها مسلمة فبانت كتابية فله الخيار.
وإن شرطها كتابية فبانت مسلمة فلا خيار له.
وقال أبو بكر: له الخيار).
أما كون الزوج له الخيار إذا تزوج على الزوجة مسلمة فبانت كتابية؛ فلأنه نقص وضرر يتعدى إلى الولد.
أشبه ما لو شرطها حرة فبانت أمة.
وأما كونه لا خيار له إذا شرطها كتابية فبانت 159 مسلمة على المذهب؛ فلأنه زاده خيراً.
وأما كونه له الخيار على قول أبي بكر؛ فلأنه قد يكون له غرض في عدم وجوب العبادات.
قال: (وإن شرطها أمة فبانت حرة فلا خيار له.
وإن شرطها بكراً أو نسيبة أو جميلة أو شرط نفي العيوب التي لا يفسخ بها النكاح فبانت بخلافه فهل له الخيار؟ على وجهين).
أما كون الزوج لا خيار له إذا شرط الزوجة أمة فبانت حرة؛ فلأنه ازداد بذلك خيراً.
أشبه المبيع إذا شُرط فيه شرطٌ فبان الشرط خيراً مما شرط.
وأما كونه لا خيار له إذا شرطها بكراً ... إلى آخره على وجه؛ فلأن النكاح لا يُرد بعيبٍ سوى العيوب السبعة.
فلا يُرد بمخالفة الشرط؛ كما لو شرطت ذلك في الرجل.
وأما كونه له الخيار على وجه؛ فلأنها صفة مقصودة.
أشبه ما تقدم.

الجزء: 3 - الصفحة: 614

قال: (وإن تزوج أمة يظنها حرة فأصابها وولدت منه: فالولد حر، ويفديهم بمثلهم يوم ولادتهم ويرجع بذلك على من غره، ويفرق بينهما إن لم يكن ممن يجوز له نكاح الإماء، وإن كان ممن يجوز له ذلك فله الخيار.
فإن رضي المقام معها فما ولدت بعد ذلك فهو رقيق).
أما كون الولد فيما ذُكر حراً؛ فلأن الزوج يظنه حراً.
فأثر اعتقاده في حريته؛ كما لو وطئ أمة اشتراها يظنها ملكاً لبائعها فإذا هي مغصوبة.
وأما كون الزوج يفدي أولاده؛ فلأن عمر وعلياً وابن عباس قضوا بذلك.
وعن الإمام أحمد: لا يجب الفداء؛ لأن الولد انعقد حراً.
فلم يملكه سيد الأمة فلم يجب فداؤه.
والأول أولى لقضاء الصحابة.
ولأن الولد نماء الأمة المملوكة وقد فوّت رقه.
فوجب فداؤه؛ لفوات رقه بفعله.
وأما كونه يفديهم بمثلهم على المذهب؛ فلما روى سعيد بن المسيب قال: «بِعتُ جاريةً لرجلٍ من العرب وانتمت إلى بعضِ العربِ.
فتزوّجها رجلٌ من بني عذرة، ثم إن سيدها دبّ فاستاقها واستاقَ ولدها.
فاختصموا إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقضى على العذري بفداءِ ولده بغيره مكانَ كل غلامٍ بغلام، ومكانَ كل جاريةٍ بجارية».
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه: يفديهم بقيمتهم؛ لأن الحيوان ليس بمثل.
وعنه: هو مخير بين المثل والقيمة؛ لأنهما جميعاً مرويان عن عمر رضي الله عنهما.
وقال المصنف في المغني: الصحيح أنه يضمن بالقيمة؛ كسائر المضمونات المتقومات.
وأما كون الفداء معتبراً يوم الولادة؛ فلأن الصحابة المقدم ذكرهم قضوا بذلك.
ولأن المذكور محكوم بحريته عند الوضع.
فوجب أن يضمنه حينئذ؛ لفوات رقه حينئذ.

الجزء: 3 - الصفحة: 615

وأما كون الزوج يرجع بالفداء على من غرّه؛ فلأن الصحابة المتقدم ذكرهم قضوا بذلك.
ولم يذكر المصنف الرجوع بالمهر، والمذهب أنه يرجع به.
قال القاضي: لأن عمر قضى به.
ولأن العاقد ضمن له سلامة الوطء كما ضمن له سلامة الولد.
فكما يرجع عليه بقيمته.
فكذلك يرجع بالمهر.
وعن الإمام أحمد: لا يرجع بالمهر.
وأجازه أبو بكر؛ لأنه وجب عليه في مقابلة نفع وصل إليه وهو الوطء.
فلم يرجع به؛ كما لو اشترى مغصوباً فأكله.
بخلاف قيمة الولد فإنه لم يحصل في مقابلته عوض؛ لأنها وجبت بحرية الولد، وحرية الولد للولد لا لأبيه.
وأما كونه يفرق بينه وبين الأمة إن كان 160 ممن لا يحل له نكاح الإماء.
وهو من يجد الطَّول أو لا يخشى العنت؛ فلأنّا تبيّنا أن النكاح فاسد من أصله لعدم شرطه.
وأما كونه له الخيار إن كان ممن يجوز له ذلك.
وهو من لا يجد الطول ويخشى العنت؛ فلأنه عقد غُرّ فيه أحد الزوجين بحرية الآخر.
فثبت له الخيار؛ كالآخر.
وأما كون ما ولدت الزوجة بعد ذلك رقيقاً إذا رضي بالمقام مع الأمة؛ فلأن المانع من رقهم في المغرور اعتقاد الزوج حريتها، وقد زال ذلك بالعلم.
قال: (وإن كان المغرور عبداً فولده أحرار، ويفديهم إذا عتق، ويرجع به على من غرّه).
أما كون ولد العبد المغرور أحراراً؛ فلأنه ساوى الحر في السبب الموجب للحرية، وهو الاعتقاد.
وأما كون العبد يفديهم إذا عتق فلفوات الرق المستحق.
وإنما تأخر الفداء إلى العتق؛ لأنه لا مال له في الحال.
وفيه وجه: أنه يتعلق برقبته قياساً على جنايته.

الجزء: 3 - الصفحة: 616

وفرّق المصنف بين الفداء وبين الجناية من حيث: إن الجناية من فعله.
بخلاف الفداء فإنه لم يجئ في عتقهم، وإنما عتقوا من طريق الحكم.
وأما كونه يرجع على من غره؛ فلما تقدم في الحرة.
قال: (وإن تزوجت رجلاً على أنه حر أو تظنه حراً فبان عبداً فلها الخيار).
أما كون الزوجة لها الخيار فيما ذكر؛ فلأن الخيار لما ثبت للعبد إذا غُرّ من أمة ثبت للأمة إذا غُرت بعبد.
وأما كون قول المصنف: وإن تزوجت رجلاً؛ فيعمتد أن المرأة أمة أو أن حرية الرجل ليست من شروط النكاح؛ لأنها لو كانت حرة وكانت حرية الزوج شرطاً لصحة النكاح لم يكن لها خيار؛ لأن النكاح باطل من أصله والخيار يعتمد الصحة.

الجزء: 3 - الصفحة: 617

فصل [إذا عتقت الأمة وزحها حر] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن عتقت الأمة وزوجها حر فلا خيار لها في ظاهر المذهب.
وإن كان عبداً فلها الخيار في فسخ النكاح، ولها الفسخ بغير حكم حاكم).
أما كون الأمة لا خيار لها إذا عتقت وزوجها حر في ظاهر المذهب؛ فلأنها كافأت زوجها في الكمال.
فلم يثبت لها الخيار؛ كما لو أسلمت الكتابية تحت مسلم.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه: لها الخيار؛ لما روت عائشة «أن النبي صلى الله عليه وسلم خيّر بريرةَ، وكان زوجها حرًّا» 161. رواه النسائي.
والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما خبر عائشة رضي الله عنها فيرويه عنها الأسود، وروى عنها القاسم بن محمد وعروة «أن زوج بريرة كان عبدًا» 162. وهما أخص بها من الأسود؛ لأنهما ابن أخيها وابن أختها.
وروى الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن عائشة رضي الله عنها «أن زوج بريرة كان عبدًا» 163. فتتعارض روايتاه وتبقى رواية غيره سالمة عن المعارض.

الجزء: 3 - الصفحة: 618

وقال ابن عباس: «كان زوجُ بريرةَ عبدًا أسود لبني المغيرة يقال له مُغيث» 164. رواه البخاري وغيره.
وأما كونها لها 165 الخيار إذا كان عبداً؛ فلما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «كاتبتْ بريرة فخيّرها رسول الله صلى الله عليه وسلم في زوجها، وكان عبداً فاختارتْ نفسَها» 166. رواه مالك في الموطأ وأبو داود والنسائي.
ولأن عليها ضرراً في كونها حرة تحت العبد.
فكان لها الخيار؛ كما لو تزوجت حرة شخصاً على أنه حر فبان عبداً.
وأما كونها لها الفسخ بغير حكم حاكم؛ فلأنه مجمع عليه غير 167 مجتهد فيه.
فلم يفتقر إلى حكم حاكم؛ كالرد بالعيب في المبيع.
بخلاف خيار العيب في النكاح فإنه مجتهد فيه.
فافتقر إلى حكم حاكم؛ كالفسخ للإعسار.
قال: (فإن أُعتق قبل فسخها أو أمكنته من وطئها بطل خيارها).
أما كون خيار الزوجة يبطل إذا عتق الزوج قبل فسخها؛ فلأن الخيار لدفع الضرر بالرق وقد زال بإعتاقه.
فسقط؛ كالمبيع إذا زال عيبه.
وأما كونه يبطل إذا أمكنته من وطئها قبل ذلك؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث بريرة: «وإن وَطِئَها فلا خِيارَ لها» 168. رواه الإمام أحمد والأثرم.
وفي روايةٍ أبي داود: «فإن قَربَكِ فلا خِيارَ لك» 169. فإن قيل: إسقاط الخيار مرتب على نفس الوطء لا على ما إذا أمكنته.
قيل: الوطء يقع على صورتين: أحدهما: في حال طوعها، والتمكين إذاً حاصل.

الجزء: 3 - الصفحة: 619

وثانيهما: في حال إكراهها وذلك لا يسقط الخيار؛ لأنها معذورة ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عُفي لأمتي عن الخطأ والنسيانِ وما استكرهُوا عليه» 170. فعلى هذا يجب حمل الحديث على الصورة الأولى جمعاً بين الآثار وطرداً للقواعد.
قال: (فإن ادعت الجهل بالعتق وهو مما يجوز جهله أو الجهل بملك الفسخ فالقول قولها، وقال الخرقي: يبطل خيارها علمت أو لم تعلم).
أما كون القول قول الزوجة إذا ادعت الجهل بالعتق وهو مما يجوز جهله؛ مثل: أن يعتقها سيدها ببلد آخر على قول غير الخرقي؛ فلأن القول المذكور محتمل للصدق ويعضده الأصل؛ لأن الأصل عدم العلم.
وفي تقييد ذلك بذلك إشعارٌ بأن العتق إن كان مما لا يجوز الجهل به؛ مثل: أن يكون ببلد المعتقة، واشتهر ذلك: لم يكن القول قولها؛ لأنه خلاف الظاهر.
وأما كون القول قولها إذا ادعت الجهل بملك الفسخ على القول المتقدم ذكره؛ فلأن ذلك لا يعرفه إلا خواص الناس فيعضد صدقها الظاهر.
وأما كون الخيار يبطل على قول الخرقي علمت أو لم تعلم؛ فلما تقدم من الحديث.
وعن حفصة: «أنها قالت لامرأة عتقت تحت زوجها: أمْرُكِ بيدكِ ما لم يمسَّكِ فإن مسَّكِ فليس لكِ من الأمرِ شيء» 171. رواه مالك.
وعن ابن عمر «لها الخيارُ ما لم يمسَّها» 172. ولأنه خيار عيب.
فيسقط بالتصرف فيه مع الجهالة؛ كخيار الرد بالعيب.

الجزء: 3 - الصفحة: 620

قال: (وخيار المعتقة على التراخي ما لم يوجد منها ما يدل على الرضا.
فإن كانت صغيرة أو مجنونة فلها الخيار إذا بلغت وعقلت وليس لوليها الاختيار عنها).
أما كون خيار المعتقة على التراخي؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا عَتَقَتِ المرأةُ فهي بالخيارِ ما لم يطَأْهَا إن شاءتْ فارقَتْه» 173. رواه الإمام أحمد والأثرم.
ولأنه 174 قول ابن عمر وأخته حفصة.
قال ابن عبدالبر: لا أعلم لابن عمر وحفصة مخالفاً في الصحابة.
ولأن الحاجة داعية إلى ذلك.
فثبت؛ كخيار القصاص أو خيار لدفع ضرر متحقق.
أشبه خيار القصاص.
وأما كون الصغيرة والمجنونة لها الخيار إذا بلغت وعقلت؛ فلأنهما حينئذ صار لكلامهما حكم.
بخلاف ما قبل ذلك.
وأما كون وليهما ليس له الاختيار عنهما؛ فلأنه خيارٌ طريقه الشهوة.
أشبه خيار القصاص.
قال: (فإن طلقت قبل اختيارها وقع الطلاق.
وإن عتقت المعتدة الرجعية فلها الخيار.
فإن رضيت بالمقام فهل يبطل خيارها؟ على وجهين).
أما كون الطلاق يقع إذا طلقت قبل اختيارها؛ فلأنه صادف نكاحاً.
وأما كون المعتدة الرجعية لها الخيار إذا عتقت؛ فلأن نكاح الرجعية باق قبل الفسخ ولها في الفسخ فائدة؛ لأنها لا تأمن رجعته إذا لم يفسخ.
وفي تقييده المعتدة بالرجعية إشعار بأن البائن لا خيار لها.
وهو صحيح صرح به في المغني وغيره؛ لأن الفسخ إنما يكون في نكاح ولا نكاح للبائن.
وأما كون الخيار يبطل إذا رضيت بالمقام معه على وجه؛ فلأنها رضيت بالمقام مع جريانها إلى البينونة وذلك ينافي الخيار.
وأما كونه لا يبطل على وجه؛ فلأنها حالة يصح فيها اختيار المقام.
فصح فيها اختيار الفسخ؛ كصلب النكاح.

الجزء: 3 - الصفحة: 621

قال: (ومتى اختارت المعتقة الفرقة بعد الدخول فالمهر للسيد.
وإن كان قبله فلا مهر.
وقال أبو بكر: لسيدها نصف المهر).
أما كون المهر للسيد إذا اختارت المعتقة الفرقة بعد الدخول؛ فلأن المهر استقر بالدخول.
فيكون لمالكها حينئذ.
وأما كونه لا مهر إذا اختارت الفرقة قبل الدخول على المذهب؛ فلأن الفرقة جاءت من قبلها.
فسقط مهرها؛ كما لو أسلمت أو ارتدت أو أرضعت من يفسخ نكاحها رضاعه.
وأما كون نصف المهر للسيد على قول أبي بكر؛ فلأنه وجب للسيد فلا يسقط بفعل غيره.
وأجاب المصنف في المغني عن هذا بأنه وإن وجب للسيد لكن بواسطتها.
وفيه نظر؛ لأن الأمة لو نكحت لم يسقط مهرها للمطاوعة كالحرة؛ لأنه حق للسيد.
فلا يسقط بالبذل وفيه ما ذكر.
قال: (وإن أعتق أحد الشريكين وهو معسر فلا خيار لها، وقال أبو بكر: لها الخيار).
أما كون المعتق بعضها لا خيار لها على قول غير أبي بكر؛ فلأنه لا نص فيها ولا هي في معنى الحرة الكاملة؛ لأنها كاملة الأحكام وذلك مفقود في المعتق بعضها.
وإنما اشترط المصنف رحمه الله تعالى اعتبار المعتق في ذلك لأنه لو كان موسراً لعتق الباقي بالسراية.
فيكون لها الخيار؛ كحريتها كلها.
وأما كونها لها الخيار على قول أبي بكر؛ فلأنها أكمل منه؛ لأنها ترث وتورث، وتحجب بقدر ما فيها من الحرية.
وحكى المصنف في المغني قول أبي بكر روايةً.
ونصر الأول لما تقدم.
وقال: العقد صحيح فلا يفسخ بالمختلف فيه وهذه مختلف فيها.
قال: (وإن أعتق الزوجان معاً فلا خيار لها.
وعنه: ينفسخ نكاحهما).
أما كون المعتقة مع زوجها لا خيار لها على المذهب؛ فلأن الحرية الطارئة بعد عتقها تمنع الفسخ.
فالمقارنة أولى؛ كإسلام الزوجين.

الجزء: 3 - الصفحة: 622

وأما كون نكاحهما ينفسخ على روايةٍ ففيه بُعد، وكذلك لم يذكر المصنف لهذه دليلاً في المغني.
وحمله على ما إذا وهب عبده سُرِّية وأذن له في التسري بها ثم أعتقهما جميعاً.
وذكر أن جماعة رووا ذلك عن الإمام أحمد وأن الإمام احتج على ذلك بما روى نافع عن ابن عمر رضي الله عنهما «أن عبداً له كان له سُرِّيتان فأعتقهما وأعتقه فنهاه أن يقربهما إلا بنكاحٍ جديد».
ولأنها بإعتاقها خرجت عن أن تكون مملوكة.
فلم يبح له التسري بها؛ كالحرة الأصلية.
ثم قال: وأما إذا كانت امرأته فعتقا لم ينفسخ نكاحه بذلك؛ لأنه إذا لم ينفسخ بإعتاقها وحدها فلئلا ينفسخ بإعتاقهما معاً أولى.

الجزء: 3 - الصفحة: 623

باب حكم العيوب في النكاح

قال المصنف رحمه الله تعالى: (العيوب المثبتة للفسخ ثلاثة أقسام: أحدها: ما يختص الرجال.
وهو شيئان: أحدهما: أن يكون الرجل مجبوباً قد قطع ذكره، أو لم يبق منه إلا ما لا يمكن الجماع به.
فإن اختلفا في إمكان الجماع بالباقي فالقول قولها.
ويحتمل أن القول قوله).
أما كون العيوب المثبتة للفسخ ثلاثة أقسام؛ فلأن منها ما يختص الرجال، ومنها ما يختص النساء، ومنها ما يشترك فيه الرجال والنساء.
أما كون ما يختص الرجال 175 شيئين؛ فلأن منها ما يكون جَباً، ومنها ما يكون عِنّة.
وأما كون أحد الشيئين المذكورين: أن يكون الرجل مجبوباً قد قطع ذكره، أو لم يبق منه إلا ما لا يمكن الجماع معه؛ فلأن ذلك يمنع المقصود من النكاح.
أشبه العنة.
بل أولى؛ لأنه لا يرجى زواله.
بخلاف العنة.
وأما كون القول قول الزوجة إذا اختلفت هي والزوج في إمكان الجماع بالباقي على المذهب؛ فلأنها تدّعي شيئاً يعضده الحال فكان القول قولها، وذلك أن الذكر يضعف بالقطع.
ولأنها ادعت عدم الوطء والأصل معها.
وأما كونه يحتمل أن القول قوله؛ فلأنهما لو اختلفا في العنة كان القول قوله.
فكذا هاهنا.
ولأن له ما يمكن الجماع بمثله.
أشبه من له ذكر قصير.

الجزء: 3 - الصفحة: 624

قال: (الثاني: أن يكون عِنِّيناً لا يمكنه الوطء.
فإن اعترف بذلك أُجّل سنة منذ ترافعه.
فإن وطئ فيها، وإلا فلها الفسخ).
أما كون ثاني الشيئين اللذين يختصان الرجال من العيوب المثبتة للفسخ: أن يكون الرجل عنيناً لا يمكنه الوطء؛ فلأن عمر رضي الله عنه قضى به 176. ولأن العنة معنى لا يمكن معه الوطء وذلك هو المقصود من النكاح.
وأما كون الزوج يؤجل سنة منذ ترافعه الزوجة؛ فلأن عمر رضي الله عنه أجَّلَ العنّين سنة 177. ولأن ذلك العجز يحتمل أن يكون مرضاً.
فضُربت له سنة لتمر به الفصول الأربعة: فإن كان من يبس زال في فصل الرطوبة، وإن كان من رطوبة زال في فصل الحرارة، وإن كان من انحراف مزاج زال في زمن الاعتدال.
فإذا زالت الفصول الأربعة واختلفت عليه الأهوية 178 ولم يزل: علم أنه خلقة.
وحكي عن أبي عبدالله أن أهل الطب يقولون: الداء لا يستجن في البدن أكثر من سنة ثم يظهر.
وأما كون الزوجة لها الفسخ عند عدم الوطء في السنة؛ فلأنه يثبت عنته.
فيثبت الفسخ؛ لما تقدم.
قال: (وإن اعترفت أنه وطئها مرة بطل كونه عِنِّيناً.
وإن وطئها في الدبر أو وطئ غيرها لم تزل العنة.
ويحتمل أن تزول).
أما كون الزوج يبطل كونه عِنِّيناً إذا اعترفت الزوجة أنه وطئها مرة؛ فلأنه قد تحققت قدرته على الوطء في هذا النكاح، وذلك يبطل عنته.
ولأن حقوق الزوجة من استقرار المهر والعدة تثبت بالوطء مرة واحدة، وقد وجد.
وأما كونه لا تزول عنته إذا وطئها في الدبر على المذهب؛ فلأنه ليس بمحل للوطء.
أشبه الوطء دون الفرج.

الجزء: 3 - الصفحة: 625

وأما كونه لا تزول عنته بوطء غيرها على المذهب؛ فلأن حكم كل امرأة معتبر بنفسها.
ولأن الفسخ لدفع الضرر الحاصل بالعجز عن وطئها، وهو موجود هنا وإن وطئ غيرها.
وأما كونه يحتمل أن تزول؛ فلأن العنة خلقة وجبلّة.
فلا يختلف باختلاف المحل والنساء.
ولأن ذلك يروى عن سمرة وعمر بن عبدالعزيز.
وهذا الاحتمال هو اختيار ابن عقيل، ومقتضى قول أبي بكر.
ذكره المصنف في المغني.
قال: (وإن ادعى أنه وطئها وقالت أنها عذراء وشهد بذلك امرأة ثقة: فالقول قولها، وإلا فالقول قوله).
أما كون القول قول الزوجة أنها عذراء إذا شهد بذلك امرأة ثقة؛ فلأن بكارتها أكذبت الزوج.
إذ الوطء مع بقاء البكارة متعذر.
وأما كون القول قول الزوج إذا لم تشهد امرأة ثقة بذلك؛ فلأن الشاهد تكذبه البكارة وهي منتفية.
قال: (وإن كانت ثيباً فالقول قوله.
وعنه: القول قولها.
وقال الخرقي: يُخلى معها في بيت ويقال له: أخرج ماءك على شيء.
فإن ادعت أنه ليس بمني جعل على النار فإن ذاب فهو مني وبطل قولها).
أما كون القول قول الزوج على روايةٍ؛ فلأنه لا يعلم إلا من جهته.
والأصل السلامة.
وأما كون القول قول الزوجة على روايةٍ؛ فلأن الأصل عدم الإصابة.
وأما كون الزوج يُخلى معها في بيت على قول الخرقي؛ فلأن ذلك طريق إلى العلم بصدقه أو كذبه.
وأما كونه يقال له: أخرج ماءك على شيء؛ فلأن الإنزال علامة على عدم عنته؛ لأن العنّين يضعف عنه.
فإذا أنزل واعترف أنه مني تبين صدقه وتحقق كذبها.

الجزء: 3 - الصفحة: 626

وأما كون الخارج يُجعل على النار إذا ادعت أنه ليس بمني؛ فلأن ذلك طريق إلى العلم بأنه مني؛ لأن المني لا يشبه إلا بياض البيض المنتن، وذلك يحترق بجعله في النار.
وأما كونه منيًّا إذا ذاب؛ فلأن ذلك شأنه لا شأن ما يشبهه.
وأما كون قولها يبطل عند ذلك فلتحقق كذبها أنه ليس بمني.
فإن قيل: إذا عجز عن إخراج مائه.
قيل: القول قولها؛ لأن الظاهر معها.
فإن قيل: ما الصحيح في الخلاف المذكور؟ قيل: حكى المصنف في المغني إذا كانت ثيباً فالقول قوله في ظاهر المذهب وهو ظاهر كلامه هنا لأنه قدم ذلك، ودليله ما تقدم.
ولأنه يدعي سلامة العقد والأصل معه.
وقال في موضع منه أيضاً: الصحيح ما قال الخرقي لدلالة الخبر والمعنى عليه.
ثم قال: والصحيح أن القول قوله كما لو ادعى الوطء في الإيلاء.
ثم قال: واعتبار خروج الماء ضعيف لأنه قد يطأ ولا يُنزل وقد يُنزل في غير وطء.
فإن ضعف الذكر لا يمنع سلامة الظهر ونزول الماء.
وقد يعجز السليم القادر على الوطء في بعض الأحوال.
وليس كل من عجز في حال من الأحوال أو وقت من الأوقات يكون عنِّيناً ولذلك جعلت مدته سنة.
والله أعلم.

الجزء: 3 - الصفحة: 627

فصل [القسم الثاني] قال المصنف رحمه الله تعالى: (القسم الثاني: يختص النساء.
وهو شيئان: الرَّتَق.
وهو: كون الفرج مسدودًا لا مسلك للذكر فيه، وكذلك القَرْن والعَفَل.
وهو: لحم يحدث فيه يسده.
وقيل: القَرْن عظم والعَفَل رغوة فيه تمنع لذة الوطء).
أما كون القسم الثاني يختص النساء فظاهر.
وأما كونه شيئين؛ فلأنه تارة يكون مسداً، وتارة يكون انخراقاً.
وأما كون كل واحد من الرَّتَق والقَرْن والعَفَل مثبتاً لخيار الفسخ؛ فلأنه يمنع من استيفاء مقصود النكاح.
أشبه الجب والعنة.
ولأن المرأة أحد العوضين في النكاح.
فجاز ردها بعيب؛ كالصداق.
أو أحد العوضين في عقد النكاح فجاز رده بالعيب.
أو أحد العوضين.
فثبت له الخيار بالعيب في الآخر؛ كالمرأة.
وأما معنى ذلك فالرَّتَق بتحريك الراء والتاء كون الفرج مسدوداً يعني ملتصقاً لا يدخل الذكر فيه.
قاله أبو الخطاب.
قال الجوهري: الرَتَق مصدر قولك: امرأةٌ رَتْقَاءُ، بَيِّنةَ الرَتَق، لا يستطاع جماعُها لارْتتاق ذلك الموضع منها.
وقد رَتَقْتُ الفتق أَرْتُقُهُ فارْتَتَقَ.
أي: التأَم.
وقال القاضي: الرتق والقرن والعفل لحم ينبت في الفرج.
والقَرْن بفتح القاف وسكون الراء قيل: لحم كما تقدم.
وقيل: عظم.
والعَفَل بفتح العين والفاء قيل: لحم كما تقدم.
وقيل: رغوة تمنع لذة الوطء.
قاله أبو حفص.
وقال الجوهري: هو شيء يخرج في قبل المرأة كالأُدْرة التي للرجال، والأُدْرة: نفخة في الخصية.

الجزء: 3 - الصفحة: 628

قال: (والثاني: الفتق.
وهو: انخراق ما بين السبيلين، وقيل: انخراق ما بين مخرج البول والمني).
أما كون الفتق مثبتاً للخيار أيضاً؛ فلأن فيه تنفيراً من الوطء.
وربما فات مقصود الوطء.
أشبه الجب والعنة وغيرهما من العيوب المثبتة للفسخ.
وأما كون الفتق انخراق ما بين السبيلين على المذهب؛ فلأنه مصدر قولك: امرأة فتقاء.
وهي المنفتقة الفرج؛ فلأن فيه تنفيراً.
أشبه انخراق ما بين السبيلين.

الجزء: 3 - الصفحة: 629

فصل [القسم الثالث] قال المصنف رحمه الله تعالى: (القسم الثالث: مشترك بينهما.
وهو: الجذام، والبرص، والجنون سواء كان مُطْبقاً أو يخنقُ في الأحيان.
فهذه الأقسام يثبت فيها خيار الفسخ روايةً واحدة).
أما كون الثالث مشتركاً بين الرجل والمرأة فظاهر؛ لأنه يقع بكل واحد منهما.
وأما كون كل واحد من الجذام والبرص مثبتاً للفسخ؛ فلأنهما يثيران نفرة في النفس تمنع قربان أحدهما الآخر ويخشى تعديه إلى النفس والنسل، وذلك وسيلة مانعة من الاستمتاع.
فأثبت كل واحد منهما لكل واحد فسخ النكاح؛ كالجَبِّ والعنّة.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم «أنه تزوج امرأةً فرأى بكَشْحِهَا بياضا.
فقال لها: البسي ثيابكِ والحقي بأهلِك» 179. وأما كون الجنون مثبتاً للفسخ أيضاً؛ فلأنه يثير النفرة المذكورة، ويخاف ضرره.
وأما كون ما ذكر كذلك سواء كان مطبقاً أو يخنق في الأحيان.
والمراد كونه دائماً أو يعتوره وقتاً دون وقت؛ فلأن النفس لا تسكن إلى من هذه حياته.
وأما قول المصنف: فهذه الأقسام يثبت بها خيار 180 الفسخ روايةً واحدة؛ فتأكيد لما سبق، وتصريح بأنه لا خلاف عن الإمام أحمد في ذلك.

الجزء: 3 - الصفحة: 630

فصل [في العيوب المختلف فيها] قال المصنف رحمه الله تعالى: (واختلف أصحابنا في البَخَر.
وهو: نتن الفم.
وقال ابن حامد: نتن في الفرج يثور عند الوطء، واستطلاق البول، والنجو، والقروح السيالة في الفرج، والباسور، والناصور، والخصاء.
وهو: قطع الخصيتين، والسل.
وهو: سل البيضتين، والوجاء.
وهو: رضّهما، وفي كونه خنثى مشكلاً، وفيما إذا وجد أحدهما بصاحبه عيباً به مثله، أو حدث به العيب بعد العقد: هل يثبت الخيار؟ على وجهين.
وإن علم بالعيب وقت العقد، أو قال: قد رضيت به معيباً، أو وجد منه دلالة على الرضا من وطء أو تمكين مع العلم بالعيب: فلا خيار له).
أما كون البَخَر يثبت الخيار على وجه؛ فلأنه يثير نفرة.
أشبه البرص.
وأما كون البخر الذي يثبت الخيار نتن الفم على المذهب؛ فلأن النفرة تحصل بذلك.
وأما كونه نتناً في الفرج يثور عند الوطء على قول ابن حامد؛ فلأن النفرة تحصل بذلك أيضاً.
قال المصنف في المغني: إن أراد به أن يسمى بخراً ويثبت به الخيار، وإلا فلا معنى له.
وأما كون استطلاق البول والغائط يثبت الخيار على وجه؛ فلأن النفرة تحصل به ويخشى تعدي النجاسة.
وأما كون كل واحد من القروح السيالة في الفرج، والباسور.
وهو: علة تحدث في المقعدة، والناصور.
وهو: علة تحدث حوالي المقعدة يُثبت الخيار على وجه؛ فلأنه في معنى البَخَر.

الجزء: 3 - الصفحة: 631

وأما كون الخصاء يُثبت الخيار 181 على وجه؛ فلأن فيه نقصاً وعاراً يمنع الوطء.
وقد روي «أن عمرَ رضي الله عنه قال لرجلٍ تزوجَ امرأةً وهو خصي: أَعْلمتها؟ قال: لا.
قال: أعلمها ثم خيّرها».
رواه أبو عبيد.
وأما كون كل واحد من السل والوجاء يثبته على وجه؛ فلأنه في معنى الخصاء.
وأما كون كونه خنثى مشكلاً يثبته على وجه؛ فلأن فيه نقصاً وعاراً ومضرة.
أشبه الخصاء.
وأما كون أحدهما إذا وجد بصاحبه عيباً به مثله يثبت الخيار على وجه؛ فلأن الذي يُثبت الخيار وجود العيب، وهو متحقق هنا.
ولأن المساواة لا تبطل الخيار الثابت.
بدليل ما لو غر عبداً بأمة.
وأما كون من حدث به العيب بعد العقد يثبته على وجه؛ فلأنه عيب حدث للمعقود عليه.
فأثبت الخيار؛ كالإجارة.
وأما كون شيء مما تقدم لا يُثبت الخيار على وجه: أما في العيوب المذكورة؛ فلأنها لا نص فيها ولا إجماع ولا قياس؛ لأن الفرق بين المنصوص وبين ذلك كله ثابت.
وأما إذا وجد بصاحبه عيباً مثله؛ فلأنهما متساويان ولا مزية لأحدهما على صاحبه.
أشبها الصحيحين.
وأما فيما إذا حدث به عيب بعد العقد؛ فلأنه عيب حدث بالمعقود عليه قبل لزوم العقد.
أشبه الحادث بالمبيع.
وأما كون من علم بالعيب وقت العقد، أو قال: قد رضيت به معيباً، أو وجد منه دلالة على الرضا من وطء أو تمكين مع العلم بالعيب لا خيار له؛ فلأنه عيب يثبت الخيار.
فبطل مع ما ذكر؛ كالعيب في المبيع.

الجزء: 3 - الصفحة: 632

قال: (ولا يجوز الفسخ إلا بحكم حاكم.
فإن فسخ قبل الدخول فلا مهر، وإن فسخ بعده فلها المهر المسمى.
وقيل عنه مهر المثل ويرجع به على من غرّه من المرأة والولي.
وعنه: لا يرجع).
أما كون الفسخ المذكور لا يجوز إلا بحكم حاكم؛ فلأنه مجتهد فيه.
فاحتاج إلى حكم حاكم؛ كفسخ الاعسار بالنفقة.
وفارق خيار المعتقة من جهة كونه معتقا عليه.
وأما كونه لا مهر إذا فسخ قبل الدخول؛ فلما يأتي بعده.
ولا فرق بين كون الزوجة هي الفاسخة أو الزوج في أن لا مهر قبل الدخول؛ لأن الفسخ إن كان منها فالفرقة من جهتها.
فيسقط مهرها؛ كما لو أفسدته برضاع زوجة له أخرى.
وإن كان منه فإنما فسخ لعيب بها دلسته بالإخفاء وصار الفسخ كأنه منها.
فإن قيل: هلا جعل فسخها لعيبه كأنه منه لحصوله بتدليسه.
قيل: العوض من الزوج في مقابلة منافعها فإذا اختارت فسخ العقد مع استدامة ما عقد عليه رجع العوض إلى العاقد معها، وليس من جهتها عوض في مقابلة منافع الزوج، وإنما ثبت لها الخيار لأجل ضرر يلحقها لا لتعذر ما استحقت عليه في مقابلته عوضاً.
فافترقا.
وأما كون المرأة لها المهر إذا فسخ العقد بعد الدخول؛ فلأن المهر يجب بالعقد ويستقر بالدخول.
فلا يسقط بحادث بعده.
وكذلك لا يسقط بردتها ولا يفسخ من جهتها.
وأما كونه المسمى على المذهب؛ فلأنها فرقة بعد الدخول في نكاح صحيح فيه مسمى صحيح.
فوجب المسمى؛ كغير المعيبة، وكالمعتقة تحت عبد.
ويدل على أن النكاح صحيح أنه وجد بشروطه وأركانه.
فكان صحيحاً؛ كما لو لم يفسخه.
ولأنه لو لم يفسخ لكان صحيحاً.
فكذلك إذا فسخه كنكاح الأمة إذا عتقت تحت عبد.
ولأنه يترتب عليه أحكام الصحة من ثبوت [مهر المثل.

الجزء: 3 - الصفحة: 633

وأما كونه عليه مهر] 182 المثل على روايةٍ منقولة عن الإمام أحمد؛ فلأن الفسخ استبدال العقد.
فصار كالعقد الفاسد.
وأما كون الزوج يرجع بذلك على من غرّه من المرأة أو الولي على المذهب؛ فلما روى ابن المسيب قال: قال عمر بن الخطاب: «أيما رجل تزوّجَ بامرأة بها جنونٌ أو جذامٌ أو برصٌ فلها صَدَاقَهَا وذلك لزوجهَا غُرْمٌ على وَليِّها» 183. ولأنه غره في النكاح بما يثبت الخيار.
فكان المهر على الغارّ؛ كما لو غره بحرية أمة.
وقول المصنف رحمه الله تعالى: من المرأة؛ يرجع عليها لأنها غارة.
أشبهت الولي.
وأما كونه لا يرجع على روايةٍ؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه.
ولأنه ضمن ما استوفى بدله وهو الوطء.
فلا يرجع به على غيره؛ كما لو كان المبيع معيباً فأكله.
قال المصنف في المغني: الصحيح أن المذهب [أنه يرجع] 184 روايةً واحدة.
قال الإمام أحمد: كنت أذهب إلى قول علي بن أبي طالب فهبته فملت إلى قول عمر: إذا تزوجها فرأى جذاماً أو مرضاً فإن لها المهر لمسيسه إياها ووليها ضامن الصداق.

الجزء: 3 - الصفحة: 634

فصل قال المصنف رحمه الله تعالى: (وليس لولي صغيرة أو مجنونة ولا سيد أمة تزويجها معيباً، ولا لولي كبيرة تزويجها به بغير رضاها.
فإن اختارت الكبيرة نكاح مجبوب أو عنّين لم يملك منعها.
وإن اختارت نكاح مجنون أو مجذوم أو أبرص فله منعها في أصح الوجهين.
وإن علمت العيب بعد العقد أو حدث به لم يملك إجبارها على الفسخ).
أما كون ولي الصغيرة والمجنونة وسيد الأمة ليس له تزويجها من به أحد العيوب التي تثبت الفسخ؛ فلأن التزويج المذكور يعتمد النظر والحظ، ولا حظ في هذا العقد.
فعلى هذا إذا وقع العقد مع العلم بالعيب لم يصح لأنه عقد لهن عقداً لم يجز عقده.
فلم يصح؛ كما لو باع عقار الصبي بغير غبطة ولا حاجة.
وإن لم يعلم بالعيب صح كما لو اشترى لهن معيباً لا يعلم عيبه.
ويجب عليه الفسخ إذا علم؛ لأن غلبة النظر بما فيه الحظ، والحظ في الفسخ.
ويحتمل أن لا يصح العقد؛ لأنه زوجهن ممن لا يملك تزويجهن به.
فلم يصح؛ كما لو زوجهن بمن يحرم عليهن.
وأما كون ولي الكبيرة ليس له تزويجها بمن ذكر بغير رضاها؛ فلأنها تملك الفسخ إذا علمت به بعد العقد.
فلأن تملك المنع بطريق الأولى.
وأما كون الولي لا يملك منع الكبيرة إذا اختارت نكاح مجبوب أو عنّين؛ فلأن ضرر ذلك مختص بها.
وأما كونه له منعها إذا اختارت نكاح مجنون أو مجذوم أو أبرص في أصح الوجهين؛ فلأن عليها فيه ضرراً دائماً وعاراً عليها وعلى أهلها.
فملك منعها منه، كالتزويج بغير كفء.

الجزء: 3 - الصفحة: 635

وأما كونه لا يملك منعها في وجه؛ لأن الضرر عليها.
أشبه المجبوب.
والأول أصح لا شتماله على ضررها وضرر أهلها بخلاف المجبوب.
وذكر المصنف في المغني الخلاف المذكور في كل عيب.
وحكى عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال: ما يعجبني أن يزوجها بعنين وإن رضيت الساعة تكره إذا دخلت عليه لأن من شأنهن النكاح ويعجبهن من ذلك ما يعجبنا.
ثم قال: وذلك لأن الضرر في ذلك دائم والرضى غير موثوق بدوامه ولا تتمكن من التخلص إذا كانت عالمة في ابتداء العقد وربما أفضى إلى الشقاق.
والعداوة فيتضرر وليها وأهلها فملك الولي منعها كما لو أرادت زواج من ليس 185 بكفء.
والصحيح التفرقة بين الجَبّ والعنة وبين سائر العيوب المذكورة.
ولأن الجب والعنة ضرر يختص بها.
بخلاف بقية العيوب.
فإن ضررها متعد إلى الولد.
وأما كونه لا يملك إجبارها على الفسخ إذا علمت العيب بعد العقد أو حدث به؛ فلأن حق الولي في ابتداء العقد لا في دوامه.
بدليل أنه يملك منعها من تزوج عبد، ولو عتقت تحت عبد لم يملك إجبارها على الفسخ.

الجزء: 3 - الصفحة: 636

باب نكاح الكفار

قال المصنف رحمه الله تعالى: (وحكمه حكم نكاح المسلمين فيما يجب به، وتحريم المحرمات.
ويُقرون على الأنكحة المحرمة ما اعتقدوا حلها ولم يرتفعوا إلينا.
وعنه: في مجوسي تزوج كتابية أو اشترى نصرانية: يحول بينهما الإمام فيَخْرج من هذا أنهم لا يُقرون على نكاح مُحَرَّم).
أما كون حكم نكاح الكفار حكم نكاح المسلمين فيما ذكر؛ فلأن أنكحتهم صحيحة؛ لأن الله تعالى أضاف النساء إليهم فقوله: ﴿وامرأته حمالة الحطب﴾ [المسد: 4]، وقوله: ﴿امرأة فرعون﴾ [التحريم: 11].
وحقيقة الإضافة تقتضي زوجية صحيحة.
ولأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «وُلدتُ من نكاحٍ لا من سِفَاح» 186. وإذا كانت صحيحة وجب فيها ما يجب في أنكحة المسلمين وحرم فيها ما يحرم فيها، لاشتراكهما في الصحة.
فعلى هذا يقع طلاقهم ويصح ظهارهم وإيلاؤهم ويجب المهر بعقدهم والقَسْم وتحصل الإباحة للزوج الأول وغير ذلك من الأحكام.
قال: ويقرون على الأنكحة الفاسدة ما اعتقدوا حلها ولم يرتفعوا إلينا على المذهب؛ فـ «لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخذ الجزية من مجوس هجر» 187. ولم يتعرض لأنكحتهم مع علمه بأنهم يستبيحون نكاح محارمهم.
ولا يقرونهم على كفرهم فلأن يقرون على نكاح يعتقدون حله بطريق الأولى.

الجزء: 3 - الصفحة: 637

وأما كون المجوسي إذا تزوج كتابية أو اشترى نصرانية يحول بينهما الإمام على روايةٍ؛ فلأنه نكاح فاسد.
أشبه المسلم إذا نكح نكاحاً فاسداً.
وأما كونه يُخَرَّج من هذا أن الكفار لا يقرون على نكاح محرّم؛ فلأن الحيلولة المذكورة تقتضي عدم الإقرار، وإنما كان كذلك لكون النكاح فاسدا، وهذا موجود في نكاح غير المجوسي.
فإن قيل: قد نقل عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه يملك الحيلولة المذكورة لأن النصارى لهم كتاب.
وعلل أبو بكر بأن علينا في ذلك ضرراً يعني تحريم أولاد النصرانية.
قيل: في التخريج على ذلك إذاً نظر لأن ظاهر تعليل الإمام وأبي بكر ينفي هذا التخريج لأن الحيلولة إذا كانت لمعنى وجب أن يكون في المُخَرَّج.
وكلا التعليلين مفقود في الأنكحة الفاسدة لأن من نكاحها يحرم لها دين ولا يحرم نكاح ولدها 188. فوجب اقتصار الحيلولة على المنصوص لانتفاء العلة المقتضية للحيلولة في غيره.
قال: (وإن أسلموا أو ترافعوا إلينا في ابتداء العقد لم نُمْضِه إلا على الوجه الصحيح.
وإن كان في أثنائه لم يتعرض لكيفية عقدهم، بل إن كانت المرأة ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كذات محرمه ومن هي في عدتها أو شرط الخيار في نكاحها متى شاء أو مدة هما فيها أو مطلقة ثلاثاً فرق بينهما، وإلا أقرا على النكاح).
أما كون الإمام لا يمضي نكاح الكفار إلا على الوجه الصحيح إذا أسلموا أو ترافعوا إليه في ابتداء العقد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن حكمتَ فاحكم بينهم بالقسط﴾ [المائدة: 42]، وقال: ﴿وأن احكم بينهم بما أنزل الله﴾ [المائدة: 49].
ولأنه لا حاجة إلى عقده.
بخلاف ذلك.
وأما كونه لا يتعرض لكيفية عقدهم إذا أسلموا أو ترافعوا في أثنائه؛ فلأن النبي صلى الله عليه وسلم أسلم في زمنه خلقٌ كثير وجَمٌ غفير فأقرَّهم على أنكحتهم ولم يسألهم النبي

الجزء: 3 - الصفحة: 638

صلى الله عليه وسلم عن شروط النكاح ولا عن كيفيته.
وهذا أمر علم بالتواتر والضرورة.
فكان يقيناً.
وأما كونه يفرق بين الزوجين إذا كانت الزوجة ممن لا يجوز ابتداء نكاحها كما مثل المصنف؛ فلأن الاستدامة أضعف من الابتداء.
فإذا لم يجز الابتداء وهو أقوى فلأن لا تجوز الاستدامة وهي أضعف بطريق الأولى.
وأما كونهما يقران على نكاحهما إذا لم تكن المرأة كما ذكر؛ فلما تقدم ذكره من إقرار النبي صلى الله عليه وسلم.
قال: (وإن قهر حربي حربية فوطئها أو طاوعته واعتقداه نكاحاً أقرا، وإلا فلا).
أما كون الحربيين يقران على ما ذكر إذا اعتقداه نكاحاً؛ فلأن الصحيح في الكتابي اعتقاده الحل وهو موجود هنا.
وأما كونهما لا يقران إذا لم يعتقداه نكاحاً؛ فلأن المصحح اعتقاد كونه نكاحاً، وهو منتف هاهنا.
قال: (وإن كان المهر مسمى صحيحاً أو فاسداً قبضته استقر وإن كان فاسداً لم تقبضه فرض لها مهر المثل).
أما كون المهر المسمى الصحيح يستقر قبض أو لم يقبض؛ فلأنه مسمى صحيح في نكاح صحيح.
فوجب استقراره بشرطه؛ كتسمية المسلم.
وأما كون الفاسد المقبوض يستقر؛ فلأنا لا نتعرض إلى ما فعلوه.
ولأن المُحَرّم إذا قبضوه لا يتعرض إليه.
بدليل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين ءامنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا﴾ [البقرة: 278]. أمر بترك ما بقي دون ما قُبض.
وقال تعالى: ﴿فمن جاءه موعظةٌ من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله﴾ [البقرة: 275]. ولأن التعرض إليهم تنفيراً لهم عن الإسلام.
فعفي عنه؛ كما عفي عما تركوه من الفرائض.
ولأنهم تقابضوا بحكم الشرك وبرئت ذمة من هو عليه منه كما لو تبايعوا بيعاً فاسداً وتقابضوا.
وأما كون المرأة يفرض لها مهر المثل إذا كان فاسداً ولم تقبضه؛ فلأن مهر المثل يفرض في التسمية الفاسدة إذا كانت الزوجة مسلمة، وكذلك الكافرة.

الجزء: 3 - الصفحة: 639

فصل [إذا أسلم الزوجان] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإذا أسلم الزوجان معاً، أو أسلم زوج الكتابية فهما على نكاحهما).
أما كون الزوجين على نكاحهما إذا أسلما معاً أي دفعة واحدة؛ فلأنه لم يوجد منهما اختلاف دين.
وقد روى ابن عباس «أن رجلاً جاءَ مسلماً على عهدِ النبي صلى الله عليه وسلم ثم جاءت امرأته 189 مسلمةٌ بعدَه.
فقال: يا رسولَ الله! إنها كانتْ أسلمتْ معي.
فردَّها عليه» 190. وقول المصنف: معاً؛ يدل على أنه شرط كونهما على نكاحهما بلفظهما بالإسلام دفعة واحدة.
وصرح به في المغني لأن اختلاف الدين مفسد للنكاح وبمجرد سبق أحدهما للآخر بالإسلام يحصل الاختلاف.
ويحتمل أن يقف على المجلس لأن حكم المجلس حكم العقد.
بدليل القبض ونحوه.
ولأن اتفاقهما على النطق بكلمة الإسلام دفعة واحدة يتعذر.
فلو اعتبر ذلك لوقعت الفرقة بين كل مسلمين إلا في الشاذ النادر.
وأما كونهما على نكاحهما إذا أسلم زوج الكتابية؛ فلأن نكاح الكتابية يجوز ابتداؤه فالاستمرار أولى.

الجزء: 3 - الصفحة: 640

قال: (وإن أسلمت الكتابية أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول انفسخ النكاح.
فإن كانت هي المسلمة فلا مهر لها.
وإن أسلم قبلها فلها نصف المهر.
وعنه: لا مهر لها).
أما كون النكاح ينفسخ إذا أسلمت الكتابية أو أحد الزوجين غير الكتابيين قبل الدخول؛ فلأن دينهما اختلف.
فلم يجز استمراره؛ كابتدائه.
وأما كون الزوجة لا مهر لها إن كانت هي المسلمة؛ فلأن الفرقة حصلت من جهتها.
أشبه ما لو ارتدت.
وعن الإمام أحمد رضي الله عنه لها نصف المهر ذكره المصنف في المغني وأبو الخطاب وغيرهما؛ لأن الفرقة حصلت من جهة الزوج بإبائه الإسلام وامتناعه منه وهي فعلت ما فرض الله عليها.
أشبه ما لو علّق طلاقها على الصلاة فصلت.
وفرّق المصنف بين إسلامها وبين التعليق من حيث: إن التعليق من جهة الزوج بخلاف الإسلام فإنه لا أثر له فيه البتة.
وأما كونه لها نصف المهر على المذهب إذا أسلم قبلها؛ فلأن الفرقة حصلت من جهة الزوج.
أشبه ما لو طلقها.
وأما كونها لا مهر لها على روايةٍ؛ فلأن الفرقة حصلت بإبائه الإسلام.
فكان من جهتها.
ولأن في إيجاب المهر عليه تنفيراً له عن الإسلام لأنه يجتمع عليه فسخ النكاح مع وجوب المهر.
قال: (وإن قالت: أسلمَ قبلي.
وأنكرها: فالقول قولها.
وإن قال: أسلمنا معاً فنحن على النكاح وأنكرته فعلى وجهين).
أما كون القول قولها إذا قالت: أسلم قبلي وأنكرها؛ فلأنها تدعي استحقاق شيء أوجبه العقد وهو يدعي ما يسقطه.
فلم يقبل قوله؛ لأن الأصل عدمه.
وهذا تفريع على أنها تستحق نصف المسمى إذا سبقها بالإسلام.
أما على الروايةِ الأخرى فلا فائدة في اختلافهما.
وأما كون القول قولها إذا قالا: أسلمنا معاً فنحن على النكاح وأنكرته على وجه؛ فلأن الظاهر معها إذ يتعذر اتفاق إسلامهما دفعة واحدة.

الجزء: 3 - الصفحة: 641

وأما كون القول قول الزوج على وجه؛ فلأن الأصل بقاء النكاح والفسخ طارئ عليه.
فكان القول قول من يوافق قوله الأصل؛ كالمنكر.
وهذا الخلاف مبني على أنه يعتبر إسلامهما دفعة واحدة.
أما إذا قيل: العبرة بالمجلس فينبغي أن يكون القول قول الزوج قولاً واحداً لأن الظاهر ينتفي حينئذ.
قال: (وإن أسلم أحدهما بعد الدخول وقف الأمر على انقضاء العدة.
فإن أسلم الثاني قبل انقضائها فهما على نكاحهما، وإلا تبينا أن الفرقة وقعت حين أسلم الأول.
فعلى هذا لو وطئها في عدتها ولم يسلم الثاني فعليه المهر، وإن أسلم فلا شيء لها، وإذا أسلمت قبله فلها نفقة العدة، وإن كان هو المسلم فلا نفقة لها، وإن اختلفا في السابق منهما فالقول قولها في أحد الوجهين.
وعنه: أن الفرقة تتعجل بإسلام أحدهما كما قبل الدخول، وأما الصداق فواجب بكل حال).
أما كون الأمر يوقف على انقضاء العدة على المذهب فيما إذا أسلم أحد الزوجين قبل الدخول؛ فلما روى ابن شهاب قال: «كان بين إسلامِ صفوانَ بن أمية وامرأته بنت الوليد بن المغيرة نحوٌ من شهر.
أسلمتْ يوم الفتح وبقيَ صفوان حتى شهد حنيناً والطائف وهو كافر.
فلم يفرّق النبي صلى الله عليه وسلم بينهما واستقرّت عنده امرأتُه بذلك النكاح» 191. رواه مالك في الموطأ.
وقال ابن عبدالبر: وشُهرة هذا الحديث أقوى من إسناده.
وقال ابن شهاب: «أسلمتْ أم حكيم يوم الفتح وهربَ زوجُها عكرمةُ حتى أتى اليمن.
فارتحلتْ حتى قدمت عليه اليمن فدعتهُ إلى الإسلام.
فأسلمَ وقدمَ فبايعَ النبي صلى الله عليه وسلم.
فثَبَتَا على نِكاحِهِما» 192. و«لأن أبا سفيان أسلمَ عام الفتح قبل دخول النبي صلى الله عليه وسلم مكة ولم تسلم هند حتى فتحت مكة فثبتا على نكاحهما» 193.

الجزء: 3 - الصفحة: 642

وقال ابن شبرمة: «كان الناسُ على عهدِ رسولِ الله صلى الله عليه وسلم يسلمُ الرجلُ قبلَ المرأة والمرأةُ قبل الرجل فأيُّهما أسلمَ قبلَ انقضاءِ عدّةِ المرأةِ فهيَ امرأتهُ.
فإن أسلمَ بعدَ العدةِ فلا نكاحَ بينهما» 194. ولأنه لا يعلم أن النبي صلى الله عليه وسلم فرق بين أحد ممن أسلم وبين امرأته.
فإن قيل: فما الفرق بين المدخول بها وغير المدخول بها؟ قيل: غير المدخول بها لا عدة لها.
فتتعجل البينونة؛ كما لو طلقها واحدة.
وأما كون الزوجين على نكاحهما إذا أسلم الثاني قبل انقضاء العدة؛ فلما ذكر قبل.
ولأن فائدة وقوف الأمر ذلك.
وأما كوننا نتبين أن الفرقة وقعت حين أسلم الأول إذا لم يسلم الآخر؛ فلأن سبب الفرقة اختلاف الدين.
فوجب أن تحتسب الفرقة منه؛ كالطلاق.
وأما كون الزوج عليه مهر المثل إذا وطئها في عدتها ولم تسلم هي؛ فلأنه تبين أنه وطئ بائناً منه.
أشبه ما لو وطئ مختلعة في عدتها.
وأما كونها لا شيء لها إذا أسلم هو؛ فلأنه وطئ زوجته.
وأما كونها لها نفقة العدة إذا أسلمت قبله؛ فلأنها محبوسة بسببه.
ولأنه يتمكن من بقاء نكاحها واستمتاعه منها بإسلامه معها فكانت لها النفقة كالرجعية.
وأما كونها لا نفقة لها إذا كان هو المسلم؛ فلأنه لا سبيل لها إلى استيفاء نكاحها وتلافي حالها.
أشبهت البائن.
وأما كون القول قولها إذا اختلف في السابق منهما في وجه؛ فلأن الأصل وجوب النفقة وهو يدعي سقوطها.
وأما كون القول قوله في وجه؛ فلأنه منكر، والقول قول المنكر.
وأما كون الفرقة تتعجل بإسلام أحدهما كما قبل الدخول على روايةٍ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا تُمسكوا بعِصَم الكوافر﴾ [الممتحنة: 10].

الجزء: 3 - الصفحة: 643

ولأن فسخ النكاح لا يختلف قبل الدخول وبعده كالرضاع.
والأول أصح؛ لما تقدم من إسلام الجم الغفير والخلق الكثير في زمن الرسول صلى الله عليه وسلم مع أنه لم يُعلم أنه فرق بين أحد وبين زوجته.
وأما كون الصداق واجباً بكل حال؛ فلأنه استقر بالدخول.
فلم يسقط بشيء.

الجزء: 3 - الصفحة: 644

فصل [إذا ارتد أحد الزوجين] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن ارتد أحد الزوجين قبل الدخول انفسخ النكاح.
ولا مهر لها إن كانت هي المرتدة.
وإن كان هو المرتد فلها نصف المهر).
أما كون النكاح ينفسخ بردة أحد الزوجين قبل الدخول فلأنه اختلاف دين يمنع الإصابة.
فأوجب فسخ النكاح؛ كما لو أسلم أحد الزوجين الوثنيين.
وأما كون الزوجة لا مهر لها إن كانت هي المرتدة؛ فلأن الفسخ من جهتها.
وأما كونها لها نصف المهر إذا كان هو المرتد؛ فلأن الفسخ من جهته.
فهو كما لو طلقها قبل الدخول.
قال: (وإن كانت الردة بعد الدخول فهل تتعجل الفرقة أو تقف على انقضاء العدة؟ على روايتين.
وإن كان هو المرتد فلها نفقة العدة.
وإن كانت هي المرتدة فلا نفقة لها).
أما كون الفرقة بعد الدخول تتعجل بالردة أو تقف على انقضاء العدة على روايتين.
أي المتقدم ذكرهما 195؛ فلما مضى من توجيههما فيما إذا أسلم أحد الزوجين غير الكتابيين حينئذٍ؛ لأن هذا في معناه.
وأما كون الزوجة لها نفقة العدة إذا كان الزوج هو المرتد؛ فلأنه يتمكن من الاستمتاع بها بأن تسلم.
فكانت النفقة عليه؛ كالرجعية.
وأما كونها لا نفقة لها إذا كانت هي المرتدة؛ فلأنه لا سبيل للزوج إلى تلافي نكاحها.
فلم يكن لها نفقة؛ كما بعد العدة.

الجزء: 3 - الصفحة: 645

قال: (وإن انتقل أحد الكتابيين إلى دين لا يقر عليه فهو كردته).
أما كون انتقال من ذُكر إلى ما ذُكر كردته؛ فلأنه رجوع عن دينه إلى دين لا يقر عليه.
فكان حكمه حكم المرتد؛ لاشتراكهما في المعنى.
وأما كون بيان ما يقر عليه وما لا يقر عليه فقد تقدم ذكره في موضعه فلا حاجة إلى إعادته.

الجزء: 3 - الصفحة: 646

فصل [إذا أسلم وتحته من يحرم جمعهن] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن أسلم كافر وتحته أكثر من أربع نسوة فأسلمن معه اختار منهن أربعاً وفارق سائرهن.
فإن لم يختر أجبر عليه.
وعليه نفقتهن إلى أن يختار منهن أربعاً).
أما كون من أسلم وتحته أكثر من أربعة نسوة فأسلمن معه يختار منهن أربعاً ويفارق سائرهن؛ فـ «لأن غيلان بن سلمةَ أسلمَ وتحتَهُ عشرُ نسوةٍ فأسلمنَ معهُ فأمرَهُ النبي صلى الله عليه وسلم أن يختارَ منهن أربعاً» 196. رواه الترمذي وابن ماجة.
وفي لفظ: «اخترْ منهُنّ أربعاً وفارقْ سائرهن» 197. وروى قيس بن الحارث قال: «أسلمتُ وتحتي ثمان نسوة.
فأتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم فقال: اخترْ منهنّ أربعاً» 198. رواه أبو داود وابن ماجة.
فإن قيل: ما صفة الاختيار؟ قيل: يقول: اخترت نكاح هؤلاء، أو أمسكتهن، أو اخترت حبسهن، أو إمساكهن، أو نكاحهن، أو ما أشبه ذلك.
وإذا وقع الاختيار فالعدة منه؛ لأن البينونة تحصل عنده.
ويحتمل أن يكون من حين الإسلام؛ لأن البينونة الحقيقية إنما حصلت بالإسلام وإنما الاختيار بَيّن محلها.

الجزء: 3 - الصفحة: 647

وأما كون من ذكر يجبر على الاختيار إذا لم يختر؛ فلأنه حق عليه يمكنه فعله وهو ممتنع منه.
فأجبر عليه؛ كإيفاء الدين.
بيان أنه حق عليه أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به غيلان وقيساً 199، وأمره للوجوب.
وإذا وجب عليهما وجب على من ساواهما في المعنى الذي وجب الاختيار من أجله؛ لوجود العلة.
ولقوله عليه السلام: «حُكمي على الواحدِ حُكمي على الكُل» 200. وأما كونه عليه نفقتهن إلى أن يختار؛ فلأنهن في حبسه لأن له أن يختار من شاء منهن.
فإن قيل: هذا اختيار الحاكم كالمُولي إذا امتنع من الفيئة والطلاق.
قيل: الخيار هاهنا خيار تشهي، ولا سبيل إليه إلا بمعرفة منه.
قال: (فإن طلق الجميع ثلاثاً أقرع بينهن فأُخرج بالقرعة أربعٌ منهن، وله نكاح البواقي).
أما كون المطلقات بما ذكر يقرع بينهن؛ فلتمييز الزوجات اللواتي هن محل الطلاق.
وأما كون أربع منهن يخرجن بالقرعة؛ فلأن ذلك فائدة الإقراع.
وأما كون المطلق له نكاح البواقي فلأنهن لم يطلقن منه.
وشرط هذا النكاح: أن تنقضي عدة المطلقات.
ذكره المصنف في المغني؛ لئلا يكون جامعاً بين أكثر من أربع.
واشترط المصنف رحمه الله تعالى هنا في طلاق الجميع: أن يكون ثلاثاً؛ لأنه لو طلقهن أقل من ذلك لكان طلاقهن رجعياً، ويقرع بينهن وبين المختارات؛ لما سبق.

الجزء: 3 - الصفحة: 648

قال: (وإن ظاهر أو آلى من إحداهن فهل يكون اختيارًا لها؟ على وجهين).
أما كون ذلك اختياراً لها على وجهٍ؛ فلأن حكم الظهار والإيلاء لا يثبت في غير زوجة.
وأما كونه لا يكون اختياراً لها على وجهٍ؛ فلأنه يصح في غير زوجة.
قال: (وإن مات فعلى الجميع عدة الوفاة.
ويحتمل أن يلزمهن أطول الأمرين من ذلك، أو ثلاثة قروء).
أما كون الجميع عليهن عدة الوفاة على المذهب؛ فلأن الزوجات لم يتعين منهن.
وأما كونه يحتمل أن يلزمهن أطول الأمرين مما ذكر فلأن كل واحدةٍ منهن يحتمل أن تكون مختارة أو مفارقة.
وعدة المختارة عدة الوفاة، وعدة المفارقة ثلاثة قروء فأوجبنا أطولهما لتنقضي العدة بيقين؛ كما قلنا فيمن نسي صلاة من يوم لا يعلم عينها.
قال: (والميراث لأربع منهن بالقرعة).
أما كون الميراث لأربع منهن؛ فلأنه لا يجوز أن يرث أكثر من أربع؛ لأن الميراث هنا بالزوجية، ولا زوجية فيما زاد على الأربع.
وأما كون ذلك بالقرعة؛ فلأن المستحق مبهم.
أشبه ما إذا أعتق أحد عبديه عيناً ثم أنسيه.
قال: (وإن أسلم وتحته أختان اختار منهما واحدة.
وإن كانتا أماً وبنتاً فسد نكاح الأم.
وإن كان دخل بالأم فسد نكاحهما).
أما كون من أسلم وتحته أختان يختار واحدة منهما؛ فلما روى الضحاك بن فيروز 201 الديلمي عن أبيه قال: «أتيتُ النبي صلى الله عليه وسلم.
فقلت: يا رسول الله! إني

الجزء: 3 - الصفحة: 649

أسلمتُ وتحتي أُختان.
فقال لي رسولُ الله صلى الله عليه وسلم: اختر أيتَهُما شِئْت» 202. رواه ابن ماجة.
وأما كون نكاح الأم يفسد إذا كانت أماً وبنتاً؛ فلأنها تحرم بنفس العقد لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجلٍ نكحَ امرأةً فدخلَ بها أو لم يَدخلْ فلا يحلُّ لهُ نِكاحُ أمِّهَا» 203. رواه ابن ماجة.
وأما كون نكاحهما يفسد إذا كان دخل بالأم: أما الأم؛ فلما تقدم.
وأما البنت؛ فلأنها تحرم بالدخول؛ لما تقدم في موضعه، وقد وجد.

الجزء: 3 - الصفحة: 650

فصل [إذا أسلم وتحته إماء] قال المصنف رحمه الله تعالى: (وإن أسلم وتحته إماء فأسلمن معه وكان في حال اجتماعهم على الإسلام ممن يحل له نكاح الإماء فله الاختيار منهن، وإلا فسد نكاحهن).
أما كون من أسلم وتحته إماء فأسلمن معه له الاختيار منهن إذا كان في حال اجتماعهم على الإسلام ممن يحل له الإماء.
والمراد به: أن يكون خائف العنت عادماً لطَوْل الحرة وثمن الأمة؛ فلأنه يجوز 204 له أن يبتدئ نكاح الأمة.
فلأن يجوز له الاستدامة بطريق الأولى.
فإن قيل: كم يختار منهن؟ قيل: واحدة.
فإن لم تعفه فهل له أن يختار ولو إلى أربع؟ فيه روايتان مضى توجيههما في نكاح الأمة 205. وقوله: وكان في حال اجتماعهم: فيه تنبيه على أن شرطي الحل يشترط وجودهما حال الاجتماع على الإسلام؛ لأنه حال الاختيار.
ولا يشترط وجودهما حين إسلامه وحده؛ لأنه ليس وقت الاختيار.
وسيتضح ذلك بما سيأتي بعد إن شاء الله تعالى.
وأما كون نكاح الإماء يفسد إذا كان من أسلم ممن لا يحل له نكاح الإماء وهو من لم يخف العنت أو كان واجداً للطَّول المتقدم ذكره؛ فلانتفاء شرط الصحة.

الجزء: 3 - الصفحة: 651

قال: (وإن أسلم وهو موسر فلم يسلمن حتى أعسر: فله الاختيار منهن.
وإن أسلمت إحداهن بعده ثم عتقت ثم أسلم البواقي فله الاختيار منهن.
وإن عتقت ثم أسلمت ثم أسلمن لم يكن له الاختيار من البواقي.
وإن أسلم وتحته حرة وإماء فأسلمت الحرة في عدتها قبلهن أو بعدهن انفسخ نكاحهن).
أما كون من أسلم وهو موسرٌ فلم تسلم زوجاته حتى أعسر: له الاختيار منهن؛ فلأن الشروط تعتبر في وقت الاختيار، وهو وقت اجتماعهم على الإسلام، وهو حينئذٍ عادم للطول خائف للعنت.
وأما كونه له الاختيار إذا أسلمت إحداهن بعده ثم عتقت ثم أسلم البواقي؛ فلأن الاعتبار بحالة الاختيار وحالة الاختيار حالة اجتماعهم على الإسلام وهن في تلك الحالة إماء.
وأما كونه ليس له الاختيار إذا عتقت ثم أسلمت ثم أسلمن؛ فلأن بعضهن حالة الاجتماع على الإسلام حرة، ومن تحته حرة لم يكن له أن يختار أحداً من البواقي؛ لأنه اختيار مع وجود حرة.
ولا بد أن يُلحظ فيمن عتقت ثم أسلمت حصول الإعفاف بها واحدة كانت أو أكثر.
فإن لم يحصل جاز له أن يختار من البواقي ما يحصل به الإعفاف حتى يكمل أربعاً؛ لما تقدم في إحدى الروايتين.
وأما كون نكاح الإماء ينفسخ إذا أسلم وتحته حرة وإماء فأسلمت الحرة في عدتها قبلهن أو بعدهن؛ فلأنه قادرٌ على الحرة فلا يختار أمَة.
قال: (وإن أسلم عبدٌ وتحته إماء فأسلمن معه ثم أُعتق فله أن يختار منهن.
وإن أسلم وأُعتق ثم أسلمن فحكمه حكم الحر لا يجوز أن يختار منهن إلا بوجود الشرطين فيه).
أما كون العبد إذا أسلم وتحته إماء فأسلمن معه ثم أُعتق له أن يختار منهن؛ فلأنه زوج له الاختيار كغيره.
والمراد: اختيار اثنتين لا غير؛ لأنه ثبت له الاختيار وهو عبد؛ لأن إسلامهن قبل عتقه والاختيار في حالة الإسلام.

الجزء: 3 - الصفحة: 652

وأما كون حكم من أسلم وأُعتق ثم أسلم زوجاته الإماء حكم الحر.
والمراد به: أن له أن يختار أربعاً كالحر؛ فلأنه في وقت الاختيار ممن يحل له نكاح أربع، والاختيار أسهل من الابتداء فإذا جاز الابتداء فلأن يجوز الإمساك بطريق الأولى.
وأما كونه لا يجوز أن يختار منهن إلا بوجود الشرطين فيه؛ فلأن الأمة لا يجوز له نكاحها إلا بوجودهما؛ لما تقدم.

الجزء: 3 - الصفحة: 653

فصول الكتاب · 35 فصل
جارٍ التحميل