الممتع في شرح المقنع ت ابن دهيش ط 3كتاب الطهارة
أهل الأثرالأرشيف العلمي

: لا بد من تعريف كل واحد من الكتاب والطهارة لأن تعريف المركب موقوف على تعريف كل واحد من مفرداته.
أما تعريف الكتاب.
فالكتاب: مأخوذ من الجمع.
ومنه كتبت البغلة إذا جمعت بين شُفريْها بحلقة.
فالكتاب إذًا هو الجامع.
وأحكام الطهارة مجموعة فيه فكأنه جمعها.
فحسُن لذلك إطلاق لفظ الكتاب عليه.
وأما الطهارة ففي اللغة: هي النظافة والنزاهة عن الأقذار.
وفي الشرع: عبارة عن استعمال الماء الطهور أو بدله في أعضاء مخصوصة على وجه مخصوص.
وسنبين ذلك بعد إن شاء الله تعالى.
وقيل: عن رفع ما يمنع الصلاة من حدث أو نجاسة بالماء أو رفع حكمه بالتراب.
فإذا عرف كل واحد من الكتاب والطهارة فمعنى كتاب الطهارة: الجامع لأحكام الطهارة.

الجزء: 1 - الصفحة: 92

باب المياه

المياه جمع ماء.
فإن قيل: الماء اسم جنس، وأسماء الأجناس لا تجمع.
قيل: أسماء الأجناس تجمع إذا اختلفت أنواعها.
والماء هنا متنوع لانقسامه إلى طهور، وطاهر غير مطهر، ونجس.
قال المصنف رحمه الله: (وهي ثلاثة أقسام: ماء طهور.
وهو: الباقي على أصل خلقته، وما تغير بمكثه أو بطاهر لا يمكن صونه عنه كالطحلب وورق الشجر، أو لا يخالطه كالعود والكافور والدهن، أو ما أصله الماء كالملح البحري.
وما تروح بريح منتنة إلى جانبه أو سُخّن بالشمس أو بطاهر فهذا كله طاهر مطهر يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس غير مكروه الاستعمال).
أما كون المياه ثلاثة أقسام فلانقسامها إلى طهور، وطاهر غير مطهر، ونجس.
فإن قيل: ما الحجة في ذلك؟ قيل: الماء لا يخلو إما أن يجوز الوضوء به أو لا.
فإن جاز فهو الطاهر غير المطهر وإن لم يجز فهو النجس.
وأما قول المصنف رحمه الله: ماء طهور فمعناه أحد الأقسام ماء طهور.
وقدمه على قسيميه لرجحانه على الثاني بالطهورية، وعلى الثالث بالطهورية والطاهرية.
والطهور عندنا من الأسماء المتعدية 1 أي اسم لما يتطهر به.
قال الله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: 48]، وقال: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال: 11].

الجزء: 1 - الصفحة: 93

فإن قيل: لا فرق بين الطاهر والطهور لأن العرب لا تفرق بين فاعل وفعول في التعدي واللزوم؛ كقاعد وقَعود وضارب وضَروب.
وإذا كان كذلك فالطاهر غير متعد فالطهور مثله.
ولأن طهورًا لو كان متعديًا لما وقع هذا الإطلاق حقيقة إلا بعد وجود التطهير؛ كالقتول لا يطلق حقيقة إلا بعد وجود القتل، والضروب لا يطلق حقيقة إلا بعد وجود الضرب.
ولأن الطهور لو كان متعديًا لتكرر 2 فعل التطهر به.
قيل: يدل على الفرق بينهما الكتاب والسنة.
أما الكتاب فما تقدم.
وأما السنة فما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سئل عن ماء البحر.
قال: هو الطهور ماؤه الحِلّ ميتته» 3 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
ولو كان الطهور هو الطاهر لما امتن الله على عباده بماء السماء، ولما كان النبي - صلى الله عليه وسلم - مجيبًا عن السؤال؛ لأنهم علموا طاهريته.
وإنما سألوا عن طهوريته وتعدي فعله إليهم.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعطيت خمسًا لم يعطهن نبي قبلي -فذكر منهن-: وجعلت لي الأرض مسجدًا وطهورًا» 4 رواه البخاري.
وجه الحجة أنه لو تساوى فاعل وفعول لم يكن للنبي - صلى الله عليه وسلم - فيما ذكر فضلية لأن الطهارة ثابتة لسائر الأنبياء.

الجزء: 1 - الصفحة: 94

ثم القول بأن لا فرق بينهما عند العرب لا يصح لأن فعولا عندهم آكد.
ولم يكن تأكيد الطهور بتكرار فعله فجعل تأكيده بتعدي فعله إلى غيره.
وأما القول بأنه لو تعدى لتكرر فعله فعنه جوابان: أحدهما: أن التعدي صفة لجنس الماء وجنس الماء يتكرر فعله للتطهير، وكذلك الماء الكثير.
والثاني: أن الماء اليسير يتكرر منه فعل التطهر قبل الانفصال لأنه ينتقل من محل إلى آخر.
وأما كون الطهور هو الباقي على أصل خلقته ... إلى آخره فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وأما كون الباقي على أصل خلقته كماء السماء وذوب الثلج والبرد وماء البحر والبئر والعيون والأنهار وما أشبه ذلك طهور: أما ماء السماء فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿وأنزلنا من السماء ماء طهورا﴾ [الفرقان: 48]، وقوله تعالى: ﴿وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به﴾ [الأنفال: 11].
وأما ذوب الثلج والبرد فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اللهم طهرني بالثلج والبرد» 5 رواه مسلم.
وأما ماء البحر فلقوله عليه السلام: «هو الطهور ماؤه الحل ميتته» 6 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وأما ماء البئر فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ من بئر بُضاعة» 7 رواه النسائي.
وأما ماء العيون والأنهار؛ فلأن مائهما كماء البئر.
وأما كون ما تغير بمكثه طهورًا؛ فلأنه تغير في مقره أشبه الجاري على المعادن.

الجزء: 1 - الصفحة: 95

و «لأن عليًا رضي الله عنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم أحد بماء آجن في دَرَقَته فغسل به وجهه» 8. وروي «أنه توضأ من غدير كأن ماءه نقاعة الحنا» 9. ولأن ذلك لا يسلبه اسم الماء المطلق أشبه الباقي على أصل خلقته.
وأما كون ما تغير بطاهر لا يمكن صون الماء عنه كالطحلب وورق الشجر طهورًا؛ فلأنه يشق الاحتراز منه، ولا يسلبه اسم الماء ولا معناه أشبه المتغير بمكثه.
وأما كون ما تغير بطاهر لا يخالطه كالعود والكافور والدهن طهورًا؛ فلأنه تغيرٌ عن مجاورة أشبه ما لو تغير بمجاورة جيفة إلى قربة.
وأما كون ما تغير بما أصله الماء كالملح البحري طهورًا؛ فلأن المتغير به منعقد من الماء أشبه ذوب الثلج.
وأما كون ما تغير بريح منتنة إلى جانبه طهورًا؛ فلأنه تغيرٌ عن مجاورة لا مخالطة.
وأما كون ما سخن بالشمس أو بطاهر طهورًا؛ فلأن السخونة صفة خلق عليها الماء أشبه ما لو برده.
أما كون ما ذكر كله طاهرًا مطهرًا يرفع الأحداث ويزيل الأنجاس غير مكروهة الاستعمال: أما كونه طاهرًا؛ فلأنه طهور لما تقدم.
وكل طهور طاهر.
وأما كونه طهورًا فلما تقدم.
وأما كونه يرفع الأحداث؛ فلأن ذلك شأن الطهور.
وأما كونه يزيل الأنجاس؛ فلأن كل ما رفع الحدث أزال النجس.
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عُمَيس أن تغسل دم الحيض بالماء» 10. وأما كونه غير مكروه الاستعمال: أما ما عدا المسخن فلا خلاف.

الجزء: 1 - الصفحة: 96

وأما المسخن فلما تقدم من أن السخونة صفة خلق عليها الماء أشبه ما لو برَّده.
و«لأن ابن عباس رضي الله عنهما دخل حمام الجحفة» 11. ولأن الكراهة تستدعي دليلاً ولم يوجد.
فإن قيل: فقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه قال لعائشة رضي الله عنها وقد سخنت ماء في الشمس: لا تفعلي.
فإنه يورث البرص» 12 رواه الدارقطني.
وعن أنس أنه سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - يقول: «لا تغتسلوا بالماء الذي سخن بالشمس فإنه يعدي من البرص» 13 رواه العقيلي.
قيل: الحديثان غير صحيحين.
ويعضد ذلك إجماع أهل الطب على أن ذلك لا أثر له في البرص وأنه لو أثر لما اختلفا بالقصد وعدمه.
ولما اختص بتسخينه في الأواني المنطبعة دون غيرها.
قال: (وإن سخن بنجاسة فهل يكره استعماله؟ على روايتين).
أما كون ما ذُكر يكره على روايةٍ؛ فلأنه يحتمل أن تصل إليه النجاسة فيتنجس.
وإذا لم يحكم بذلك فلا أقل من الكراهة.
وأما كونه لا يكره على روايةٍ؛ فلأن الأصل عدم ذلك.
ولا بد أن يلحظ أن تسخين الماء بنجاسة له صور: إحداها: أن يكون يسيرًا ويحتمل أن تصل إليه النجاسة وأن لا تصل فهذا فيه الخلاف المذكور وعليه ما ذكر.
وثانيها: أن يكون كثيرًا فهذا طهور غير مكروه الاستعمال لأنه يدفع الخبث عن نفسه وأسوأ ما يُقّدَّر وصول النجاسة إليه.
وذلك لا أثر له في الماء الكثير إلا أن يغيره.

الجزء: 1 - الصفحة: 97

وثالثها: أن يكون الماء يسيرًا ويعلم وصول النجاسة إليه فهذا ينجس لأن الماء اليسير ينجس بمخالطة النجاسة.
ورابعها: أن يكون يسيرًا ويعلم عدم وصول النجاسة إليه فهذا طهور غير مكروه الاستعمال لأنه لا سبب يقتضي الكراهة.
وفيه وجه أنه يكره؛ لأن المتصاعد من النجاسة لطيف فربما وصل ولم يشعر به.

الجزء: 1 - الصفحة: 98

فصل [في الماء الطاهر غير المطهر]

قال المصنف رحمه الله: (القسم الثاني: ماء طاهر غير مطهر.
وهو: ما خالطه طاهر فغيّر اسمه، أو غلب على أجزائه، أو طبخ فيه.
فإن غيّر أحد أوصافه: لونه أو طعمه أو ريحه، أو استعمل في رفع حدث، أو طهارة مشروعة كالتجديد وغسل الجمعة، أو غَمَس فيه يدَه قائمٌ من نوم الليل قبل غسلها ثلاثًا فهل يسلب طهوريته؟ على روايتين).
أما كون القسم الثاني من أقسام المياه ماء طاهرًا غير مطهر فلما تقدم في كون المياه ثلاثة أقسام.
وأما كونه هو ما خالطه طاهر ... إلى آخره فلما يأتي ذكره في مواضعه.
وهو على ضربين: أحدهما: متفق على طهارته وعدم تطهيره.
وهو أنواع: أحدها: ماء خالطه طاهر فغيّر اسمه.
مثل: إن جعله صبغًا أو خبزًا فهذا طاهر غير مطهر؛ لأنه زال عنه اسم الماء أشبه الخل.
وثانيها: ماء خالطه طاهر فغلب على أجزائه.
فهذا أيضًا طاهر غير مطهر؛ لأن المخالط إذا غلب يجب أن يكون الحكم له، والمخالط طاهر غير مطهر فوجب كون الماء مثله.
ولأن المخالط إذا غلب على أجزاء الماء زال معه الماء لأنه حينئذ لا يُطلب منه الإرواء.
وإذا كان كذلك فقد سلب الماء خاصيته التي خلق لها فوجب سلب الطهورية عنه.
وثالثها: ماء طبخ فيه طاهر.
مثل: الباقلاء والحمص ونحو ذلك.
فهذا طاهر غير مطهر؛ لأنه صار طبيخًا وزال عنه مقصود الماء من الإرواء.
أشبه ما لو صار خبزًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 99

فإن قيل: الطبخ إن اعتبر فيه تغيّر الاسم أو غلبة الأجزاء كان كالنوعين قبله.
فلا حاجة إلى ذكره، وإن لم يعتبر فيه ذلك 14 دخل فيه ما لو سلق في ماء بيض فإنه يسمى طبيخًا؛ بدليل ما لو حلف ليطبخن قدرًا بكيلجة ملح ولا يجد طعمه.
فإنهم قالوا: يسلق فيها بيضًا.
وطبيخ ما ذكر لا يسلب طهورية 15 الماء.
قيل: المراد الطبخ المعتاد.
وما ذكر نادر فلا يحمل الكلام عليه.
على أن قوله طبخ فيه لا عموم له.
الضرب الثاني: مختلف فيه.
وهو أنواع: أحدها: ماء خالطه طاهر فغير أحد أوصافه المذكورة.
وفيه روايتان: إحداهما أنه طاهر غير مطهر؛ لأنه غيّر صفته.
أشبه ماء الباقلاء المغلي.
والرواية الثانية: أنه طاهر مطهر؛ لقول الله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6].
وهذا ماء فلا يجوز التيمم معه.
ومثله «قوله عليه السلام لأبي ذر: التراب كافيك ما لم تجد الماء» 16. ولأن الصحابة رضي الله عنهم أجمعين كانوا يسافرون وغالب أسقيتهم الأدم والظاهر تغيّر الماء فيها.
ولأنه طهور خالطه طاهر لم يسلبه اسم الماء ولا رقته ولا جريانه أشبه المتغير بالدهن.
والأولى أصح؛ لما تقدم.
ولأن الماء له صفتان الطهورية والطهارية.
والمخالف له على نوعين مخالف في صفته وهو النجاسة فإذا تغير به سلبه الصفتين جميعًا.
والثاني: مخالف له في إحدى صفتيه فإذا تغير به وجب أن يسلبه ما خالفه فيه.
والآية والخبر مطلقان والمطلق من الأسماء ينصرف إلى المطلق من المسميات.
والماء المطلق هو غير المضاف إلى قيد مخصص به.
وهذا ماء يصح أن يقيد.
فيقال: ماء زعفران ونحوه.
ثم هما مخصوصان بماء الباقلاء المغلي فيخصصان بما ذكر قياسًا عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 100

والمخالط إن لم يسلبه اسم الماء فقد سلبه الإطلاق.
والقياس على المتغير بالدهن لا يصح لأنه تغير عن مجاورة بخلاف ما ذكر فإنه متغير عن مخالطة.
وثانيها: ماء استعمل في رفع حدث.
وفيه أيضًا روايتان: إحداهما: أنه طاهر غير مطهر: أما كونه طاهرًا فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - صب على جابر من وَضوئه» 17. وأما كونه غير مطهر؛ فلأنه زال عنه إطلاق اسم الماء أشبه المتغير بالزعفران.
والثانية: أنه طهور؛ لأنه ماء طاهر لاقى أعضاءً طاهرة أشبه ما لو تبرد به.
والأولى أصح في المذهب؛ لما تقدم.
ولأن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا يسافرون وتضيق بهم المياه فكانوا يستعملون ما معهم من الماء استعمال إتلاف وإراقة.
ولو جاز استعماله ثانيا لامتنعوا من إراقته واستعملوه ثانيًا.
ولم ينقل عن أحد منهم حفظ الماء المستعمل وادخاره للوضوء.
وثالثها: ماء استعمل في طهارة مستحبة كالتجديد وغسل الجمعة وما أشبههما.
وفيه أيضًا روايتان: إحداهما: أنه طهور؛ لأنه ماء ما استعمل في نجاسة ولا أزيل به مانع من الصلاة فوجب بقاؤه على ما كان عليه.
والثانية: أنه غير مطهر؛ لأنه استعمل في طهارة مشروعة أشبه المستعمل في رفع الحدث.
ورابعها: ماء غَمَس فيه يده قائم من نوم الليل قبل غسلها ثلاثًا.
وفيه أيضًا روايتان مبنيتان على وجوب غسل يد القائم من نوم الليل، وفيه روايتان:

الجزء: 1 - الصفحة: 101

إحداهما: يجب؛ لقوله عليه السلام: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما الإناء.
فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده» 18. وفي لفظ: «فلا يغمس يده في وَضوئه حتى يغسلها ثلاثًا» 19. رواه مسلم.
أمر والأمر للوجوب، ونهى والنهي للتحريم.
والثانية: لا يجب غسل يده؛ لقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: 6].
ولم يذكر غسل اليدين.
والحديث محمول على الاستحباب بدليل أنه علل بوهم النجاسة.
قال: (وإن أزيلت به النجاسة فانفصل متغيرًا أو قبل زوالها فهو نجس، وإن انفصل غير متغير بعد زوالها فهو طاهر إن كان المحل أرضًا.
وإن كان غير الأرض فهو طاهر في أصح الوجهين.
وهل يكون طهورًا؟ على وجهين).
أما كون الماء المزال به النجاسة نجسًا إذا انفصل متغيرًا؛ فلأن التغيير بالنجاسة يوجب التنجيس؛ لقوله عليه السلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه وطعمه وريحه» 20. والواو هنا بمعنى أو كقوله تعالى: ﴿من كان عدوًا لله وملائكته ... الآية﴾ [البقرة: 98].
وأما كونه نجسًا إذا انفصل قبل الحكم بزوال النجاسة مثل أن ينفصل في السادسة من ولوغ الكلب ونحو ذلك؛ فلأنه ملاق لنجاسة لم يطهرها فكان نجسًا كما لو وردت عليه.
وأما كونه طاهرًا إذا انفصل غير متغير بعد زوال النجاسة إن كان المحل أرضًا فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أن يُصب على بول الأعرابي ذنوبًا من ماء» 21 متفق عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 102

ولولا أنه يطهُرُ لكان تكثيرًا للنجاسة.
وأما كونه طاهرًا إذا انفصل غير متغير بعد زوالها إن كان المحل غير أرض.
مثل أن ينفصل في السابعة من ولوغ الكلب في قصعة أو نحوها في أصح الوجهين فبالقياس على المنفصل عن الأرض.
ولأن البلل الباقي بعضُ المنفصل وهو طاهر فكان حكمُه حكمَه.
وأما كونه نجسًا في وجهٍ؛ فلأنه ماء يسير لاقى نجاسة فوجب أن ينجس كما لو وردت عليه.
وأما كونه طهورًا على وجهين فأصلهما المستعْمَل في رفع الحدث.
وقد مضى توجيههما 22. قال: (وإن خلت بالطهارة منه امرأة فهو طهور.
ولا يجوز للرجل الطهارة به في ظاهر المذهب).
أما كون الماء الذي خلت به امرأة طهورًا؛ فلأنه كان طهورًا ولم يوجد ما يسلبه ذلك فوجب بقاؤه على ما كان عليه.
وأما كون الرجل لا يجوز له الطهارة به في ظاهر المذهب فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يتوضأ الرجل بفضل طهور المرأة» 23 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
وأما كونه يجوز في روايةٍ فلما روى مسلم «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يغتسل بفضل ميمونة» 24.

الجزء: 1 - الصفحة: 103

ولأنه ماء طهور جاز للمرأة الطهارة به فجاز للرجل.
أشبه فضل الرجل.
إذا علم مأخذ الروايتين فالواجب حمل النهي على إذا ما خلت المرأة بالماء، وحمل اغتساله - صلى الله عليه وسلم - من فضلة ميمونة على أنه شاهدها أو اغتسلا جميعًا جمعًا بين الأحاديث.
فإن قيل: ما معنى الخلوة؟ قيل: فيها أوجه: أحدها: أن لا يشاهدها رجل.
قاله القاضي.
وثانيها: هي ما تكون خالية به في النكاح.
قاله الشريف.
وثالثها: هي أن لا يشاركها في الوضوء أحد.
فإن قيل: فما فائدة تخصيص الرجل بالذكر.
قيل: اختصاصه بالحكم المذكور فيجوز إذن للمرأة الطهارة لأن تخصيص الرجل بالنهي يدل على جوازه للمرأة وهو تعبد لا يعقل معناه حتى يتعدى.
فيجب قصره على مَوْرِد النصّ.
وقيل: لا يجوز للمرأة أيضًا بالقياس عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 104

فصل [الماء النجس]

قال المصنف رحمه الله: (القسم الثالث: ماء نجس.
وهو: ما تغير بمخالطة النجاسة.
فإن لم يتغير وهو يسير فهل ينجس؟ على روايتين.
وإن كان كثيرًا فهو طاهر.
إلا أن تكون النجاسة بولاً أو عذرة مائعة ففيه روايتان: إحداهما لا ينجس، والأخرى: ينجس.
إلا أن يكون مما لا يمكن نزحه لكثرته فلا ينجس).
أما كون القسم الثالث ماء نجسًا فلما تقدم في كون المياه ثلاثة أقسام.
وأما كون الماء النجس هو ما تغير بمخالطة النجاسة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه وطعمه وريحه» 25. وقد تقدم معنى الواو.
ولأن تغيره لظهور النجاسة فيه والحكم للظاهر.
وأما كون ما لم يتغير بمخالطة النجاسة إذا كان يسيرًا وهو ما دون القلتين ينجس على روايةٍ؛ فلأن قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» 26 يدل بمفهومه على أن ما دون القلتين يحمل الخبث.
و«لأنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل الإناء من ولوغ الكلب» 27. والظاهر عدم تغيره.
وأما كونه لا ينجس على روايةٍ فلعموم قوله: «الماء طهور لا ينجسه شيء إلا ما غلب على لونه ... الحديث» 28.

الجزء: 1 - الصفحة: 105

والأولى أصح؛ لأن الجمع بين الحديثين أولى.
فيجب حمل قوله: «الماء طهور» على الكثير.
فإن قيل: فلِمَ يَنْجُس القليل إذا تغير إن لم يتناوله الحديث؟ قيل: بالقياس على الكثير بل بطريق الأولى لأنه إذا نجس الدافع عن نفسه فأولى أن ينجس غير الدافع.
ولأنه [إذا] 29 نجس بمجرد الملاقاة وإن لم يتغير؛ فلأن ينجس بالتغير بطريق الأولى.
وأما كون الماء الكثير إذا كانت النجاسة المخالطة له غير بول آدمي أو عذرته: الماء يعد طاهرًا فلما تقدم من قوله عليه السلام: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل خبثا» 30. ومن قوله عليه السلام: «الماء طهور لا ينجسه شيء ... الحديث» 31. وأما كونه لا ينجس إذا كانت النجاسة بول آدمي أو عذرته المائعة وكان الماء الكثير مما يمكن نزحه على روايةٍ فلعموم الحديثين المتقدمين.
وأما كونه ينجس على روايةٍ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يبولن أحدكم في الماء الدائم الذي لا يجري ثم يغتسل منه» 32 متفق عليه.
والأولى أصح؛ لأن خبر البول لا بد من تخصيصه فيخص بخبر القلتين 33. ولأن البول كغيره من النجاسات في سائر الأحكام فكذلك في تنجيس الماء.
وأما كونه لا ينجس رواية واحدة إذا كان مما لا يمكن نزحه؛ فلأن نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ينصرف إلى ما كان بأرضه في عهده من 34 آبار المدينة.
ولأن نجاسه ذلك بما ذكر تؤدي إلى الحرج والمشقة.
وذلك منتف شرعًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 106

قال: (وإذا انضم إلى الماء النجس ماء طاهر كثير طهّره إن لم يبق فيه تغيّر).
أما كون ما ذكر يطهّر الماء النجس؛ فلأن الماء الطهور الكثير يدفع النجاسة عن نفسه فيدفعها عن غيره.
وأما قول المصنف رحمه الله: ماء طاهر المراد به الطهور لأن غير الطهور لا يدفع النجاسة عن نفسه؛ فلأن لا يدفعها عن غيره بطريق الأولى.
وقوله: كثير فيه تنبيه على أنه يشترط في تطهير ما ذكر بكثرة الماء المضموم؛ لأن اليسير لا يطهر لما يأتي.
وقوله: إن لم يبق فيه تغيّر فيه تنبيه على أنه يشترط في تطهير ما ذكر زوال التغيّر؛ لأن التغيّر ينجس الكثير.
فإن قيل: ما صفة هذا الضم؟ قيل: أن يجري الماء الكثير من ساقية أو أن يصبه دلوًا فدلوًا.
ولا يعتبر صبه دفعة واحدة للمشقة.
قال: (وإن كان الماء النجس كثيرًا فزال تغيّره بنفسه أو بنزح بقي بعده كثير طهر).
أما كون الماء الكثير إذا زال تغيّره بنفسه يطهر؛ فلأن العلة في تنجيسه التغيّر.
فإذا زال زال التنجيس ضرورة زوال الحكم عند زوال علته.
وأما كونه إذا زال تغيره بالنزح يطهر فلما ذكر.
وأما قول المصنف رحمه الله: بنزح بقي بعده كثير فبيان لاشتراط بقاء الماء كثيرًا بعد نزحه؛ لأن القليل الموجب لتنجيسه أمران: الملاقاة والتغير فإذا زال أحد السببين الذي هو التغير لا يلزم دفع التنجيس لبقاء سببه الآخر.
قال: (وإن كُوثر بماء يسير أو بغير الماء فأزال التغيّر لم يطهر، ويتخرج أن يطهر).
أما كون ما كُوثر بماء يسير لا يطهر على المذهب؛ فلأن ذلك لا يدفع الخبث عن نفسه؛ فلأن لا يدفع عن غيره بطريق الأولى.
وأما كون ما كُوثر بغير الماء كالتراب والخل لا يطهر على المذهب؛ فلأن الماء اليسير إذا لم يطهّر مع كونه مطهرًا في الجملة؛ فلأن لا يطهّر غيرَه بطريق الأولى.

الجزء: 1 - الصفحة: 107

قال ابن عقيل: التراب ونحوه لا يُطَهّر لأنه لا يزيل التغيّر وإنما يستره.
وأما كون ما كُوثر بماء يسير أو بطاهر يتخرج أن يطهر؛ فلأن علة التنجيس التغيّر وقد زال فوجب زوال التنجيس كما لو زال التغيّر بالمكاثرة.
قال: (والكثير ما بلغ قلتين، واليسير ما دونهما وهما خمسمائة رطل بالعراقي.
وعنه أربعمائة.
وهل ذلك تقريب أو تحديد؟ على وجهين).
أما كون الكثير ما بلغ قلتين.
وهما تثنية قلة.
وهي الجرّة.
وسميت بذلك لأنها تُقَلُّ.
أي تحمل.
ومنه قوله تعالى: ﴿حتى إذا أَقَلَّت سحابًا ثِقَالاً﴾ [الأعراف: 57].
أي حملت.
واليسير ما دونهما؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - فرّق بين القلتين وما دونهما حيث قال: «إذا بلغ الماء قلتين لم يحمل الخبث» 35. فوجب جعل ما لم يحمل الخبث كثيرا لدفعه الخبث وما دونه يسيرًا لعدم دفعه ذلك.
وأما كون القلتين خمسمائة رطلٍ بالعراقي على المذهب؛ فلأنه يروى عن ابن جريج أنه قال: «رأيت قِلال هَجَر وكانت القلة منها تسع قربتين أو قربتين وشيئًا» 36. فالاحتياط أن يُجْعل الشيء نصفًا.
والقربة مائة بإجماع فتكون القلتان خمسمائة رطل بالعراقي.
والرطل العراقي وزنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا فيكون القنطار بالرطل الدمشقي أحد وعشرين رطلاً وثلث رطل.
فتكون القلتان على هذا مائة رطل وستة أرطال وثلثي رطل.
كذا ذكر المصنف رحمه الله في المغني القديم وعزاه إلى أبي عبيد 37. وذكر في المغني الجديد أن الرطل العراقي مائة درهم وثمانية وعشرون درهمًا وأربعة أسباع درهم.
فتكون القلتان على هذا مائة رطل وسبعة أرطال وأوقية وخمسة أسباع أوقية.

الجزء: 1 - الصفحة: 108

وأما كونهما أربعمائة على روايةٍ فلما روي عن ابن جريج ويحيى بن عُقيل: أن القلة تأخذ قربتين.
وقِربُ الحجاز كبار تسع كل قربة مائة رطل.
فعلى هذا تكون القلتان خمسة وثمانين وثلث رطل بالدمشقي على الأول.
وعلى ما في المغني الجديد تكون القلتان خمسة وثمانين وثلث رطل وأربعة أسباع أوقية.
وأما كون ذلك تقريبًا على وجهٍ؛ فلأن الشيء إنما جعل نصفًا احتياطًا والغالب استعماله دون النصف.
وأما كونه تحديدًا على وجه؛ فلأن ما جعل احتياطًا يصير واجبًا كغسل جزء من الرأس مع الوجه.
فإن قيل: الخلاف في التقريب والتحديد راجع إلى خمسمائة أو إلى أربعمائة أو إليهما.
قيل: ظاهر هنا رجوعه إليهما، وظاهر كلامه في المغني رجوعه إلى خمسمائة؛ لأنه قال فيه: اختلف أصحابنا هل القلتان خمسمائة رطل تحديدًا أو تقريبًا؟ فخص الخلاف بخمسائة.
والأشبه ذلك إن قيل القربة مائة بإجماع لأنه لا ترديد في كون القلتين قربتين وإنما الترديد في الزائد عليهما.
وإن قيل: القربة مائة تقريبًا حسن مجيء الخلاف في التقريب والتحديد في الروايتين المتقدم ذكرهما.
فإن قيل: ما الصحيح منهما؟ قيل: التقريب عند المصنف رحمه الله، والتحديد عن أبي الحسن الآمدي.
وذكره المصنف في المغني.
إذا علم ذلك.
ففائدة الخلاف لو نقصتا رطلاً أو نحوه فوقع فيها نجاسة فعلى القول بالتقريب هو طاهر؛ لأنه نقص يسير لا أثر له، وعلى القول بالتحديد هو نجس لأنه ما نقص عن قلتين.
قال: (وإذا شك في نجاسة الماء أو كان نجسًا فشك في طهارته بنى على اليقين).
أما كون من شك في نجاسة الماء بعد طهارته بنى على اليقين؛ فلأن طهارته متيقنة والمتيقن لا يزول بالشك.
ولأن اليقين راجح على ما يطرأ عليه من الشك.

الجزء: 1 - الصفحة: 109

وأما كون من شك في طهارة الماء بعد نجاسته بنى على اليقين فلما ذكر قبل.
قال: (وإن اشتبه الماء الطاهر بالنجس لم يتحر فيهما على الصحيح من المذهب ويتيمم.
وهل يشترط إراقتهما أو خلطهما؟ على روايتين).
أما كون من اشتبه عليه الماء الطهور - وهو المراد بقول المصنف رحمه الله الطاهر - بالنجس لم يتحر فيهما فلما يأتي ذكره في صوره، وهي ثلاث صور: إحداها: أن يكثر عدد النجس على عدد الطهور.
الثانية: أن يستويا.
الثالثة: أن يكثر عدد الطهور على النجس.
فالأولتان لا خلاف في المذهب أنه لا يتحرى فيهما.
أما كونهما لا خلاف فيهما؛ فلأن المصنف رحمه الله صرح في المغني بذلك فيجب حمل كلامه هاهنا على الصورة الثالثة ويكون من باب إطلاق اللفظ المتواطئ إذا أريد به بعض محاله وهذا مجاز سائغ.
وأما كونه لا يتحرى فيهما؛ فلأنه اشتبه عليه المباح بالمحظور في موضع لا تبيحه الضرورة فلم يجز التحري كما لو اشتبهت أخته بأجنبية.
وأما كونه لا يتحرى في الصورة الثالثة فلما ذكر في الصورتين.
قيل: وحكي عن أبي علي النجاد أنه يتحرى فيهما؛ لأنه إذا كثر عدد الطهور على النجس يغلب على الظن إصابة الطهور.
وإلى ذلك الوجه أشار المصنف رحمه الله بقوله: على الصحيح من المذهب.
والأول أصح لما تقدم.
وأما غلبة الظن إصابة الطهور فلا أثر له؛ كما لو اختلطت أخته بأجنبيات، والميتة بمذكيات.
وأما كونه يتيمم إذا لم يتحر في الصور الثلاث؛ فلأن ذلك شأن عادم الماء لدخوله تحت قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6].
وأما كون إراقتهما أو خلطهما يشترط على روايةٍ فليتحقق عدم الماء الطهور حسًا وشرعًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 110

وأما كون ذلك لا يشترط على روايةٍ؛ فلأنه ممنوع من استعمالهما شرعًا، والممنوع منه شرعًا كالمعدوم حقيقة دليله الجريح.
قال: (وإن اشتبه طاهر بطهور توضأ من كل واحد منهما وصلى صلاة واحدة).
أما كون من اشتبه عليه طاهر بطهور يتوضأ من كل واحد منهما؛ فلأنه أمكنه تأدية فرضه بيقين فلزمه ذلك كما لو نسي صلاةً من خمس لا يَعلم عينها.
وأما كونه يصلي صلاة واحدة؛ فلأنه إذا توضأ من كل واحد ثم صلى صلاة واحدة علم أنه صلى متوضئًا بماء طهور قطعًا.
قال: (وإن اشتبهت الثياب الطاهرة بالنجسة صلى في كل ثوب صلاة بعدد النجس وزاد صلاة).
أما كون من ذكر يصلي في كل ثوب صلاة بعدد النجس؛ فلأنه لا يمكنه تأدية فرضه بيقين بدون ذلك فلزمه فعله لما تقدم.
وأما كونه يزيد صلاة؛ فلأنه إذا فعل ذلك علم أنه صلى في ثوب طاهر قطعًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 111

باب الآنية

: قال المصنف رحمه الله: (كل إناء طاهر مباح اتخاذه واستعماله ولو كان ثمينًا كالجوهر ونحوه إلا آنية الذهب والفضة والمضبب بهما فإنه يحرم اتخاذها واستعمالها على الرجال والنساء.
فإن توضأ منهما فهل تصح طهارته؟ على وجهين.
إلا أن تكون الضبة يسيرة من الفضة كتشعيب القدح 38 فلا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال).
أما كون كل إناء طاهر ليس ذهبًا ولا فضة ولا مضببًا بأحدهما يباح اتخاذه؛ فلأنه يباح استعماله لما يأتي، وما يباح استعماله يباح اتخاذه.
دليله الثياب المباح استعمالها.
وأما كونه يباح استعماله؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ من جفنة، ومن تور من صفر، ومن تور من حجارة، ومن إداوة، وقربة.
فيثبت الحكم فيما ذكر لفعله، وفيما بقي من الصور لأنه في معناه.
وأما قول المصنف رحمه الله: ولو كان ثمينًا فتنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين الإناء الثمين كالجوهر والبلور وغير الثمين؛ لأن العلة المحرمة للذهب والفضة مفقودة في الثمين؛ لأن الثمين لا يعرفه إلا الخواص من الناس فلا يؤدي إلى الخيلاء وكسر قلوب الفقراء.
وأما كون آنية الذهب والفضة يحرم اتخاذها؛ فلأنه 39 يحرم استعمالها لما يأتي، وما يحرم استعماله يحرم اتخاذه.
دليله الطنبور.

الجزء: 1 - الصفحة: 112

وأما كونها يحرم استعمالها فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تشربوا في آنية الذهب والفضة ولا تأكلوا في صحافها؛ فإنها لهم في الدنيا ولكم في الآخرة» 40. وقال عليه السلام: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يُجَرْجِرُ في بطنه نار جهنم» 41 متفق عليهما.
فتوعّد على ذلك النار.
وذلك دليل الحرمة.
ولأن فيه سرفًا وخيلاء وكسرًا لقلوب الفقراء.
فإن قيل: الحديث المتقدم إنما دليله حرمة الأكل والشرب.
قيل: الشيء إذا خرج مخرج الغالب لا يتقيد الحكم به.
ومنه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا فرهان مقبوضة﴾ [البقرة: 283]؛ لأن الرهن يصح في الحضر وذِكْر السفر خرج مخرج الغالب.
وأما كون المضبب بالذهب أو بالفضة يحرم اتخاذه واستعماله ما لم تكن الضبة يسيرة من فضة؛ فلأن علة تحريم الذهب والفضة هي الخيلاء وكسر قلوب الفقراء وهي موجودة في المضبب المذكور فوجب ثبوت حكمهما فيه.
وأما قول المصنف رحمه الله: على الرجال والنساء فتنبيه على أنه لا فرق في ذلك بين الرجال والنساء لعموم الأحاديث.
وأما كون الوضوء من الآنية المذكورة المحرم استعمالها يصح على وجه؛ فلأن الوضوء جريان الماء على الأعضاء وليس ذلك بمعصية.
وأما كونه لا يصح على وجه؛ فلأن ذلك استعمال المعصية في العبادة أشبه الصلاة في الدار المغصوبة.

الجزء: 1 - الصفحة: 113

والأول أصح؛ لأن استعمال الماء في الوضوء يكون بعد فعله المعصية بخلاف الصلاة في الدار المغصوبة فإن نفس العبادة واقعة معصية وذلك لا يجامع الطاعة فلزم انتفاء كونها عبادة.
وأما كون الضبة اليسيرة من فضة لا بأس بها فـ «لأن قدح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - انكسر فاتخذ مكان الشعب سلسلة من فضة» 42 رواه البخاري.
ولأن الخيلاء وكسر قلوب الفقراء مفقود في ذلك.
وفي تقييد المصنف رحمه الله الضبة بكونها يسيرة من فضة إشعار 43 بأمرين: أحدهما: أنه يشترط فيما ذكر ذلك.
وهو صحيح لأن مقتضى الدليل حرمة المضبب مطلقًا.
تُرك العمل به فيما ضبته يسيرة من فضة للحديث المذكور فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وثانيهما: أنه لا يشترط غير ذلك.
فعلى هذا لا يشترط أن تكون الضبة لحاجة.
وصرح به في المغني.
ووجهه أنها ضبة يسيرة لا خيلاء فيها ولا كسر.
وقال أبو الخطاب: لا بد من الحاجة لأن الرخصة وردت في الحاجة فيجب قصر الحكم عليها.
فإن قال قائل: قول المصنف رحمه الله لا بأس بها إذا لم يباشرها بالاستعمال يدل على وجود البأس عند وجود المباشرة والبأس ظاهر في التحريم والأمر ليس كذلك.
قيل: مراده نفي الكراهة إذا لم يباشرها وهو عند المباشرة مكروه الاستعمال لأنه يكون شاربًا على فضة.

الجزء: 1 - الصفحة: 114

قال: (وثياب الكفار وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها.
وعنه: ما ولي عوراتهم كالسراويل ونحوه لا يصلى فيه.
وعنه: أن من لا تحل ذبيحتهم لا يستعمل ما استعملوه من آنيتهم إلا بعد غسله، ولا يؤكل من طعامهم إلا الفاكهة ونحوها).
أما كون ثياب الكفار وأوانيهم طاهرة مباحة الاستعمال ما لم تعلم نجاستها على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: 5].
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه كانوا يلبسون من نسج الكفار».
و«أكل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عند يهودي خبزًا وإهالةٍ سَنِخة» 44 رواه الإمام أحمد.
و«توضأ عمر رضي الله من جرة نصرانية» 45. وأما كون ما ولي عوراتهم كالسراويل ونحوه لا يصلى فيه على روايةٍ؛ فلأن الغالب نجاسته.
وأما كون من لا تحل ذبيحته كالمجوس وعبدة الأوثان لا يستعمل ما استعملوه من آنيتهم إلا بعد غسله على روايةٍ؛ فلأنها تتنجس بذبيحتهم ضرورة كونها ميتة.
وأما كونهم لا يؤكل من طعامهم غير الفاكهة ونحوها؛ فلأنه يتنجس بتنجس آنيتهم 46. وأما كونهم يؤكل من طعامهم الفاكهة ونحوها؛ فلأن الظاهر سلامتها من النجاسة.
فإن قيل: من يتعبد بالنجاسة كبعض النصارى ما حكمه؟ قيل: حكم من لا تحل ذبيحته لا شتراكهما في التنجيس.
ويعضده ما روى أبو ثعلبة قال: «قلت: يا رسول الله! إنا بأرض قوم أهل كتاب أفنأكل في

الجزء: 1 - الصفحة: 115

آنيتهم؟ فقال: لا تأكلوا بها إلا أن لا تجدوا غيرها فاغسلوها ثم كلوا فيها» 47 متفق عليه.
فإن قيل: هذا يدل على النجاسة في أهل الكتاب كلهم.
قيل: يجب حمله على أهل الكتاب الذين يتعبدون بالنجاسة كبعض النصارى جمعًا بينه وبين قوله تعالى: ﴿وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم﴾ [المائدة: 5] وبين فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - 48 وفعل عمر 49. قال: (ولا يطهر جلد الميتة بالدباغ، وهل يجوز استعماله في اليابسات بعد الدبغ؟ على روايتين.
وعنه: يطهر منها جلد ما كان طاهرًا في حال الحياة، ولا يطهر جلد غير المأكول بالذكاة).
أما كون جلد الميتة لا يطهر بالدباغ على الصحيح في المذهب فلما روي عن عبدالله بن عُكيم قال: «قرئ علينا كتاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأرض جهينة -وأنا غلام شاب- أن لا تَنتفعُوا من الميتةِ بإهَابٍ ولا عَصَب» 50. قال أحمد: ما أصلح إسناده.
ولأنه جزء من الميتة ينجس بالموت فلم يطهر بالدبغ كاللحم.
فعلى هذه الرواية هل يجوز استعماله في اليابسات بعد الدبغ؟ على روايتين:

الجزء: 1 - الصفحة: 116

إحداهما: لا يجوز لعموم قوله: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» 51. والثانية: يجوز لقوله: «فهلا أخذوا إهابها فانتفعوا به» 52. فإن قيل: هذا يعم الانتفاع بعد الدبغ وقبله فلِم خص الانتفاع ببعد الدبغ؟ قيل: قد روي «فدبغوه فانتفعوا به» 53 والمطلق يحمل على المقيد فيجب أن لا يجوز الانتفاع به قبل الدبغ لما تقدم من حديث ابن عكيم السالم عن معارضة حديث ميمونة.
فإن قيل: الاختلاف جار في كل جلد دبغ.
قيل: لا بل في كل جلد اختلف في طهارته بالدبغ فأما الجلد الذي لا يطهر بالدبغ قولاً واحدًا كجلد الكلب والحنزير فلا يجوز استعماله في اليابسات رواية واحدة.
وأما كون جلد ما كان طاهرًا في الحياة يطهر بالدباغ على روايةٍ؛ فلأن ذلك ينقسم إلى مأكولٍ كالشاة ونحوها فيجب أن يطهر بالدبغ؛ لقوله عليه السلام في حديث ميمونة: «هلا أخذوا إهابها فدبغوه فانتفعوا به» 54. وإلى غير مأكول كالبغل والحمار فيجب أن يطهر بالدبغ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دباغ الأديم ذكاته» 55. أي يطيبه من قولهم رائحة ذكية أي طيبة.
ولأنه حيوان طاهر فطهر بالدباغ قياسًا على جلد الشاة.
ولأن الحيوان كان طاهرًا في الحياة وإنما ينجس بالموت لأنه يجمع الرطوبات والعفونات.
والدباغ يُذهب ذلك فيجب أن يعود إلى ما كان عليه من الطهارة.
وإنما لم يطهر إذا كان نجسًا في الحياة؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن افتراش جلود السباع» 56.

الجزء: 1 - الصفحة: 117

ولأن قوله عليه السلام: «لا تنتفعوا من الميتة بإهاب ولا عصب» 57 عام خولف في جلد الشاة وما في معناه لما تقدم.
فيبقى فيما عداه على مقتضاه.
وأما كون جلد غير المأكول لا يطهر بالذكاة فلعموم نهيه عليه السلام عن افتراش جلود السباع.
ولأنه ذبح غير مشروع فيجب أن يكون كعدمه.
قال: (ولبن الميتة وأنفحتها نجس 58 في ظاهر المذهب.
وعظمها وقرنها وظفرها نجس، وصوفها وشعرها وريشها طاهر).
أما كون لبن الميتة وأنفحتها نجسًا في ظاهر المذهب؛ فلأن كل واحد منهما مائع في وعاء نجس فكان نجسًا كما لو وقع في إناء نجس.
وأما كونهما طاهرين على روايةٍ؛ فلأن الصحابة رضي الله عنهم أكلوا الجبن لما دخلوا المدائن.
وهو يعمل بالأنفحة وذبائحهم ميتة.
فإن قيل: ما ذكر يدل على طهارة الأنفحة فما بال اللبن؟ قيل: هو في معناها.
وقال بعض أصحابنا: لا خلاف في نجاسة اللبن كذلك.
والخلاف المذكور في الأنفحة لما ذكر.
والأصح نجاستهما لما تقدم.
وأما أكل الصحابة جبن المجوس فقد قيل ما كان أهل المدائن يتولون الذبح.
بل كان اليهود جزّاريهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 118

وأما كون عظمها وقرنها وظفرها نجسًا؛ فلأنه جزء من الميتة بدليل قوله تعالى: ﴿من يحيي العظام وهي رميم? قل يحييها الذي أنشأها أول مرة﴾ [يس: 78 - 79]. وما يُحْيى فهو ميت.
ولأنها توجد فيها أمارة الإحساس والألم.
وعن الإمام أحمد أن ذلك طاهر لما روى ثوبان «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال له: اشتر لفاطمة سوارًا من عاج» 59 رواه أبو داود.
والأول أصح.
والجواب عن هذا أنه مطعون فيه.
وعلى تقدير الصحة المراد به الذَّبْل.
قاله ابن قتيبة والأصمعي.
وأما كون صوفها وشعرها وريشها طاهرًا؛ فلأنه لا روح فيه ولا يحله الموت لأن الحيوان لا يألم بأخذه.
وعن الإمام أحمد أنه نجس؛ لأنه نمى بنماء الحيوان أشبه بعض أعضائه.
وقد روي «ادفنوا الأظفار والشعر والدم فإنها ميتة» 60. والصحيح الأول لما ذكر.
والحديث منكر.
والنماء ليس دليل الحياة بدليل النبات.

الجزء: 1 - الصفحة: 119

باب الاستنجاء

: [الاستنجاء] 61: استعمال الماء أو الأحجار في محل النَّجْوِ.
والمتبادر إلى الفهم عرفًا أن الاستنجاء استعمال الماء، والاستجمار استعمال الحجار.
قال المصنف رحمه الله: (يستحب لمن أراد دخول الخلاء أن يقول: بسم الله أعوذ بالله من الخبث والخبائث الرجس النجس الشيطان الرجيم).
أما كون من أراد دخول الخلاء يستحب له أن يقول: بسم الله فلما روى علي قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «سَتْرُ ما بين الجن وعورات بني آدم إذا دخل الخلاء أن يقول: بسم الله» 62 رواه ابن ماجة.
وأما كونه يستحب له أن يقول: أعوذ بالله من الخبث والخبائث فلما روى أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخل الخلاء قال: اللهم إني أعوذ بك من الخُبْثِ والخَبائِث» 63 متفق عليه.
قال أبو عبيد: الخُبْث بسكون الباء الشر، والخبائث الشياطين.
وقال الخطابي: الخُبُث بضم الباء جمع خبيث، والخبائث جمع خبيثة.
استعاذ من ذكران الجن وإناثهم.

الجزء: 1 - الصفحة: 120

وأما كونه يستحب له أن يقول: أعوذ بالله من الرجس النجس الشيطان الرجيم فلما روي عن أبي أمامة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يعجز أحدكم إذا دخل مرفقه أن يقول: اللهم إني أعوذ بك من الرجس النجس الشيطان الرجيم» 64 رواه ابن ماجة.
قال: (ولا يدخله بشيء فيه ذكرُ الله تعالى.
ويقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج.
ولا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض.
ويعتمد على رجله اليسرى ولا يتكلم ولا يلبث فوق حاجته).
أما كون من دخل الخلاء لا يدخله بشيء فيه ذكرُ الله تعالى فلما روى أنس قال: «كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - خاتم يضعه إذا دخل الخلاء» 65. «لأن فيه محمد رسول الله: محمد سطر، ورسول سطر، والله سطر» 66. ولأن في ذلك تعظيمًا لله عز وجل.
وأما كونه يقدم رجله اليسرى في الدخول واليمنى في الخروج؛ فلأن ذلك على الضد من دخول المسجد.
وأما كونه لا يرفع ثوبه حتى يدنو من الأرض فلما روى أبو هريرة «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد حاجته لا يرفع ثوبه حتى يدنوَ من الأرض» 67 رواه أبو داود.

الجزء: 1 - الصفحة: 121

ولأن ذلك أستر له فكان فعله أولى.
وأما كونه يعتمد على رجله السرى فلما روى سراقة بن مالك قال: «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أتينا الخلاء أن نتوكأ على اليسرى وأن ننصب اليمنى» 68 رواه الطبراني في المعجم.
ولأنه أسهل لخروج الخارج.
وأما كونه لا يتكلم فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سلم عليه رجل وهو يبول فلم يرد عليه حتى توضأ.
ثم قال: كرهت أن أذكر الله إلا على طهر» 69 رواه مسلم.
وأما كونه لا يلبث فوق حاجته؛ فلأنه يقال أنه يدمي الكبد ويأخذ منه الباسور.
قال: (وإذا خرج قال: غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني).
أما كون الخارج من الخلاء يقول: غفرانك فلما روت عائشة «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج من الخلاء قال: غفرانك» 70 رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.
وأما كونه يقول الحمد لله إلى آخره؛ فلأن في لفظ قال: «غفرانك.
الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني» 71 رواه ابن ماجة.
قال: (وإن كان في الفضاء أبعد واستتر، وارتاد مكانًا رخوًا).
أما كون من كان في الفضاء يُبْعد فلما روى المغيرة قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا ذهب [المذهب] أبعد» 72 رواه أبو داود.

الجزء: 1 - الصفحة: 122

وأما كونه يستتر فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من أتى الغائط فليستتر فإن لم يجد إلا أن يجمع كثيبًا من رمل فليستدبره» 73 رواه أحمد وأبو داود.
وأما [كونه] 74 يرتاد مكانًا رخوًا -ومعناه أن يهيء لبوله مكانًا فيه رخاوة- فلما روى أبو موسى الأشعري قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - ذات يوم.
فأراد أن يبول فأتى دمثًا في أصل جدار فبال.
ثم قال: إذا أراد أحدكم أن يبول فليرتد لبوله [موضعا]» 75 رواه أحمد وأبو داود.
والدمث: المكان السهل.
ولأن المكان الصلب يَرُدّ عليه النجاسة.
قال: (ولا يبول في شق، ولا سِرب، ولا طريق، ولا ظل نافع، ولا تحت شجرة مثمرة.
ولا يستقبل الشمس، ولا القمر).
أما كون من تقدم ذكره لا يبول في شق ولا سرب وهما جحر الحيوان فلما روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى أن يبال في الجُحر» 76 رواه أحمد وأبو داود.
ولأنه لا يأمن أن يخرج منه حيوان ينجسه، أو يؤذيه، أو يكون مسكنًا للجن.
ويروى «أن سعد بن عبادة بال في جحرٍ بالشام فسقط ميتًا ثم سُمع هاتف يقول:

الجزء: 1 - الصفحة: 123

نحن قتلنا سيد الْـ ... ـخزرج سعدَ بنَ عبادة فرميناهُ بسهمين ... فلم نُخْط فؤاده» 77 وأما كونه لا يبول في طريق ولا ظل نافع فلما روى معاذ قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «اتقوا الملاعن الثلاث: البراز في الموارد، وقارعة الطريق، والظل» 78 رواه أبو داود.
ولما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «اتقوا اللاعنين.
قالوا: وما اللاعنان؟ قال: الذي يتخلى في طريق الناس، وظلهم» 79 رواه مسلم.
فإن قيل: الحديثان يدلان على المنع من البول في الظل فلم يشترط كونه نافعًا.
قيل: في الحديث الثاني إشعار بذلك لأنه أضاف الظل إلى الناس.
ولأن الظل متى لم يكن نافعًا كظل البرية ينتفي كونه سببًا للعن فينتفي المنع لزوال علته.
ولأن المنع من البول في الظل من أجل إبقاء انتفاع الناس لأنه مناسب فإذا لم يكن منتفَعًا به يجب أن لا يثبت المنع لأن الحكم يزول بزوال علته.
وأما كونه لا يبول تحت شجرة مثمرة فلئلا تتنجس الثمرة.
وأما كونه لا يستقبل الشمس ولا القمر؛ فلأن في ذلك استتارًا.
وهو مطلوب في نظر الشرع.

الجزء: 1 - الصفحة: 124

ولأن في عدم استقبالهما تكريمًا لهما.
قال: (ولا يجوز أن يستقبل القبلة في الفضاء.
وفي استدبارها فيه واستقبالها في البنيان روايتان).
أما كون من تقدم ذكره لا يجوز له أن يستقبل القبلة بغائط ولا بول في الفضاء فلما روى أبو أيوب قال قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتيتم الغائط فلا تستقبلوا القبلة بغائط ولا بول، ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا.
قال أبو أيوب: فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله» 80 متفق عليه.
وأما كونه لا يجوز له أن يستدبر القبلة بذلك في الفضاء في روايةٍ فلما ذكر في الحديث المذكور.
وأما كونه يجوز له أن يستدبرها في روايةٍ فلما روى ابن عمر قال: «رقيت على بيت حفصة فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - على حاجته مستقبل الشام مستدبر الكعبة» 81 متفق عليه.
وأما كونه لا يجوز له أن يستقبل القبلة بذلك في البنيان في روايةٍ فلما ذكر في حديث أبي أيوب من قوله: «فقدمنا الشام فوجدنا مراحيض قد بنيت نحو الكعبة فننحرف عنها ونستغفر الله» 82. وأما كونه يجوز ذلك في البنيان في روايةٍ فلما روى جابر قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن نستقبل القبلة ببول فرأيته قبل أن يقبض بعام يستقبلها» 83 رواه الإمام أحمد والترمذي.

الجزء: 1 - الصفحة: 125

والصحيح في المذهب أنه لا يجوز ذلك في الفضاء ويجوز في البنيان: أما كونه لا يجوز في الفضاء فلدخول ذلك في حديث أبي أيوب.
وأما كونه يجوز في البنيان: أما الاستدبار فلحديث ابن عمر.
فإن قيل: قد احتج بذلك على الاستدبار في الفضاء.
قيل: إذا جاز ذلك في الفضاء جاز في البنيان بطريق الأولى.
على أنه يحتمل أن يراد به البنيان.
وكذلك احتج به بعض الأصحاب عليه.
وأما الاستقبال فلما روت عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذُكر له أن قومًا يكرهون استقبال القبلة بفروجهم.
فقال: أَوَقَد فعلوها! استقبلوا بمقعدتي القبلة» 84 رواه أحمد وابن ماجة.
وعن مروان قال: «رأيت ابن عمر أناخ راحلته.
وجلس يبول إليها.
فقلت: أبا عبدالرحمن! أليس قد نهي عن هذا؟ قال: بلى.
إنما نهي عن هذا في الصحراء أما إذا كان بينك وبين القبلة شيء يسترك فلا بأس» 85 رواه أبو داود.
وأما كون هذه الرواية هي الصحيحة فبالنقل والدليل: أما النقل فذِكْره عن واحد من أصحابنا، وأما الدليل؛ فلأن الأحاديث المتقدمة يمكن الجمع بينها عليها.
بخلاف غيرها لأن دليلها راجح على غيرها.

الجزء: 1 - الصفحة: 126

أما كون الجمع يمكن؛ فلأن حديث أبي أيوب يحمل على الفضاء، وباقي الأحاديث تحمل على البنيان.
وأما كون دليلها راجحًا؛ فلأن كل واحد من حديث ابن عمر على تقدير إرادة البنيان به، وحديث عائشة، ومروان الأصفر يدل بخصوصه.
وحديث أبي أيوب يدل بعمومه والخاص مقدم عليه 86. قال: (فإذا فرغ مسح بيده اليسرى من أصل ذكره إلى رأسه، ثم ينتره ثلاثًا).
أما كون من فرغ من حاجته يمسح بيده اليسرى؛ فلأن اليسرى معدة للاستنجاء؛ لما روت عائشة قالت: «كانت يد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - اليمنى لطهوره وطعامه، ويده اليسرى لخلائه وما كان به من أذى» 87. وأما كون المسح من أصل ذكره إلى رأسه فلئلا يبقى شيء من البلل في ذلك المحل.
وأما كونه ينتره ثلاثًا فلما روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا بال أحدكم فلينتر ذكره ثلاثًا» 88 رواه ابن ماجة.
قال: (ولا يمس فرجه بيمينه ولا يستجمر بها، فإن فعل أجزأه).
أما كون من تقدم ذكره لا يمس فرجه بيمينه فلما روى أبو قتادة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يمس أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول» 89 متفق عليه.
فإن قيل: المنع من مس الفرج بيمينه مختص بحالة البول؛ لأن النهي مختص به.

الجزء: 1 - الصفحة: 127

قيل: هو كذلك وإنما لم يذكره المصنف لدلالة الحال عليه لأن الكلام مسوق في الفاعل للحاجة.
وأما كونه لا يستجمر بيمينه؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يمسكن أحدكم ذكره بيمينه وهو يبول، ولا يمسح بيمينه» 90 متفق عليه.
ولما روى سلمان قال: «نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يستنجي أحدنا بيمينه» 91 رواه مسلم.
وأما كون من فعل ذلك أجزأه؛ فلأن النهي عن ذلك نهي تأديب لا نهي تحريم.
قال: (ثم يتحول عن موضعه.
ثم يستجمر.
ثم يستنجي بالماء.
ويُجْزئه أحدهما إلا أن يعدو الخارج موضع العادة فلا يجزئ إلا الماء).
أما كون من تقدم ذكره يتحول عن موضع البول فلئلا تصيب النجاسة يده.
وأما كونه يستجمر ثم يستنجي بالماء فلقول عائشة: «مرن أزواجكن أن يغسلوا عنهم أثر الغائط والبول فإني أستحييهم وإن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله» 92 رواه أحمد والنسائي والترمذي وصححه.
ولأنه أبلغ في الإنقاء وأنظف؛ لأن الحجر يزيل غير النجاسة فلا تباشرها يده، والماء يزيل أثرها.
وأما كونه يجزئه أحدهما إذا لم يعد الخارج موضع العادة: فأما 93 الماء؛ فلأن أنسًا قال: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج لحاجته أحمل أنا وغلام نحوي إداوة من ماء يستنجي به» 94 متفق عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 128

وأما الحجارة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن فإنها تجزئ عنه» 95 رواه أبو داود.
وأما كونه لا يجزئه غير الماء إذا كان الخارج قد تعدى موضع العادة مثل أن تقع النجاسة على الصفحتين، أو تجاوز معظم الحشفة؛ فلأن المسح بالأحجار للمشقة الحاصلة بتكرار الغائط والبول فإذا تعدى ذلك إلى ما ذُكر كان ذلك نادرًا فلم يجز فيه المسح لانتفاء المشقة.
قال: (ويجوز الاستجمار بكل طاهر يُنَقّي؛ كالحجر والخشب والخرق، إلا الروث والطعام والعظام وما له حرمة وما يتصل بحيوان).
أما كون الاستجمار يجوز بكل طاهر يُنَقّي غير المستثنى؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث: «فليذهب بثلاثة أحجار أو بثلاث أعواد أو ثلاث حثيات من تراب» 96 رواه الدارقطني، وقال: روي مرفوعًا والصحيح أنه مرسل.
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الاستطابة فقال: بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع» 97. فلولا أنه أراد الحجر وما في معناه لم يستثن الرجيع.
وعن الإمام أحمد أنه يختص الحجر لقوله: «فليذهب بثلاثة أحجار» 98. والصحيح الأول لمشاركة غير الحجر في الإزالة.
وأما كونه لا يجوز بالروث والعظام فلقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «لا تستنجوا بالروث ولا بالعظام فإنه زاد إخوانكم من الجن» 99 رواه مسلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 129

و «نهى أن يستنجى بروث أو بعظم وقال: إنهما لا يطهران» 100 رواه الدارقطني.
وقال: إسناده صحيح.
وأما كونه لا يجوز بالطعام؛ فلأنه - صلى الله عليه وسلم - علل المنع من العظم بأنه زاد الجن فزادنا أولى.
وأما كونه لا يجوز بما له حرمة -والمراد ما فيه ذكر الله ونحوه- فلما فيه من هتك الحرمة.
ولأنه نُهي عن تلويث المساجد بالنجاسة لأنها مواضع الذكر فنفس الذكر أولى.
وأما كونه لا يجوز بما يتصل بحيوان كيده ورجله وصوفه ونحو ذلك؛ فلأن الحيوان له حرمة ولهذا منعنا مالكه من إطعامه النجاسة.
قال: (ولا يجزئ أقل من ثلاث مسحات إما بحجر ذي شعب أو ثلاثة، فإن لم ينق بها زاد حتى ينقي.
ويقطع على وتر).
أما كون أقل من ثلاث مسحات لا يجوز فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فليذهب معه بثلاثة أحجار» 101 رواه أبو داود.
ولقول سلمان: «نهانا - يعني النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار» 102 رواه مسلم.
وأما كون الحجر ذي الشعب الثلاث كالأحجار الثلاثة؛ فلأن الغرض عدد المسحات لا الأحجار؛ بدليل التعدية إلى ما في معنى الحجارة.
وقال أبو بكر: لا بد من ثلاثة أحجار اتباعًا للفظ الحديث.
وأما كون من لم ينق بالثلاث يزيد حتى ينقي؛ فلأن الغرض إزالة النجاسة فيجب التكرار إلى أن تزول.
وأما كونه يقطع على وتر فلقوله عليه السلام: «من استجمر فليوتر» 103 متفق عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 130

قال: (ويجب الاستنجاء من كل خارج إلا الريح).
أما كون الاستنجاء يجب من كل خارج سوى الريح فلقوله تعالى: ﴿والرجز فاهجر﴾ [المدثر: 5]؛ لأنه يعم كل مكان ومحل من ثوب وبدن.
ولقوله عليه السلام: «إذا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب بثلاثة أحجار فإنها تجزئ عنه» 104 رواه أبو داود.
أمر.
والأمر للوجوب.
وقال: إنها تجزئ.
ولفظ الإجزاء ظاهر فيما يجب.
وعلى أي صفة حصل الإنقاء أجزأه.
والسنة أن يمر حجرًا من مقدم الصفحة اليمنى إلى مؤخرها ثم يديره على اليسرى حتى يرجع به إلى المكان الذي بدأ منه.
ثم يمر الثاني من مقدم صفحته اليسرى كذلك.
ثم يمر الثالث على المسربة والصفحتين لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «أَوَلا يجد أحدكم ثلاثة أحجار: حجرين للصفحتين، وحجر للمسربة» 105 رواه الدارقطني.
وقال: إسناده حسن.
والمسربة: مجرى الغائط.
مأخوذ من سرب الماء.
وذهب الشريف أبو جعفر إلى أنه يعم بكل حجر جميع المحل وإلا فيكون 106 توقيعًا لا تكرارًا.
واختاره ابن عقيل.
وحمل كلام النبي - صلى الله عليه وسلم - على أنه يبدأ بالصفحة [ثم يعم، ثم بالصفحة] 107 الأخرى، ثم يعم، ثم بالمسربة، ثم يعم.
وأما كونه لا يجب من الريح فلما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من استنجى من الريح فليس منا» 108 رواه الطبراني في معجمه الصغير.
ولأن الغسل إنما وجب لإزالة النجاسة ولا نجاسة من الريح.

الجزء: 1 - الصفحة: 131

قال: (فإن توضأ قبله فهل يصح وضوؤه؟ على روايتين).
أما كون من توضأ قبل الاستنجاء لا يصح وضوؤه على روايةٍ؛ فلأنه طهارة عن حدث [فلم يصح قبل الاستنجاء كالتيمم، وأما الصحة على روايةٍ؛ فلأنها نجاسة] 109 فلم يشترط تقدم إزالة النجاسة المذكورة عليه كالتي على ساقه.
قال القاضي: هذه الرواية هي الصحيحة.
قال: (فإن تيمم قبله خُرّج على الروايتين، وقيل: لا يصح وجهًا واحدًا).
أما كون من تيمم يخرج على روايتي الوضوء؛ فلأن التيمم فرعه والفرع يبنى على الأصل.
وأما كونه لا يصح فيه وجهًا واحدًا ذكره القاضي؛ فلأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فإذا لم تحصل به الإباحة لا يصح كالتيمم قبل الوقت.
فإن قيل: ما حكم النجاسة على البدن؟ قيل: حكم نجاسة الفرج لاشتراكهما في النجاسة.
وقيل: بينهما فرق وهو الأشبه لأن نجاسة الفرج سبب وجوب التيمم فجاز أن يكون بقاؤها مانعًا منه بخلاف غيرها من النجاسات.

الجزء: 1 - الصفحة: 132

باب السواك وسنة الوضوء

قال المصنف رحمه الله: (السواك مسنون في جميع الأوقات إلا للصائم بعد الزوال فلا يستحب).
أما كون السواك مسنونًا في جميع الأوقات غير المستثنى فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «السواك مطهرة للفم مرضاة للرب» 110 رواه أحمد والنسائي وابن ماجة وهو للبخاري تعليقًا.
وقوله عليه السلام: «عشر من الفطرة.
وعد من ذلك: السواك» 111 رواه أحمد ومسلم والنسائي والترمذي.
وأما كونه لا يستحب للصائم بعد الزوال؛ فلأن السواك إنما يستحب لإزالة ما على الأسنان، وذلك مطلوب العدم في حق الصائم الذي زالت شمس يومه؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» 112 متفق عليه.
ورواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 133

فإن قيل: الحديث لا تقييد فيه.
فلم قُيد ببعد الزوال؟ قيل: لأن الرائحة إنما تصير غالبًا في مثل ذلك الوقت فوجب اختصاص الحكم به.
فإن قيل: إذا لم يستحب ذلك فهل يكره؟ قيل: فيه روايتان: إحداهما: يكره؛ لما روى حباب بن المنذر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا صمتم فاستاكوا بالغداة، ولا تستاكوا بالعشي فإنه ليس من صائم تيبس شفتاه بالعشي إلا كانتا نورًا بين عينيه يوم القيامة» 113 رواه الخطيب، وضعفه ابن معين.
ولما تقدم من قوله: «لخلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك» 114. والثانية: لا يكره؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من خير خصال الصائم السواك» 115 رواه ابن ماجة.
وقال عامر بن ربيعة: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ما لا أحصي يتسوك وهو صائم» 116 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
والأولى أصح.
وتحمل الأحاديث في سواك الصائم على أنه قبل الزوال جمعًا بينها.
قال: (ويتأكد استحبابه في ثلاثة مواضع: عند الصلاة، والانتباه من النوم، وتغير رائحة الفم).
أما كون السواك يتأكد استحبابه عند الصلاة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لولا أن أشق على أمتي لأمرتهم بالسواك عند كل صلاة» 117 متفق عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 134

وأما كونه يتأكد عند الانتباه من النوم فلما روى حذيفة قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا قام من النوم يشوص فاه بالسواك» 118 متفق عليه.
ولقول عائشة رضي الله عنها «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لا يرقد من ليل أو نهار فيستيقظ إلا تسوك قبل أن يتوضأ» 119 رواه أحمد وأبو داود.
وأما كونه يتأكد إذا تغيرت رائحة فمه؛ فلأن السواك شُرع في الأصل لتنظيف الفم.
قال: (ويستاك بعود لين ينقي الفم ولا يجرحه ولا يضره ولا يتفتت فيه).
أما كون المتسوك يستاك بعود لين ينقي الفم كالأراك ونحوه فـ «لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يستاك بالأراك» 120. وأما كون العود لينًا؛ فلأن اليابس يؤدي إلى جرحه.
وأما كونه لا يجرحه؛ فلأنه إذا كان مما يجرحه أدى لما ينجس فمه فيعود على مقصود السواك بالنقض لأنه شُرع للتنظيف والتنجيس يناقضه.
وأما كونه لا يضره؛ فلأن الضرر منتف شرعًا.
فإن قيل: ما الذي يضره؟ قيل: عود الريحان لأنه قيل يحرك عرق الجذام.
والرمان لأنه قيل يضر بلحم الفم.
وأما كونه لا يتفتت باقيه؛ فلأنه إذا تفتت لم يحصل لما على الأسنان ما يزيله 121 فلا يحصل مقصوده.

الجزء: 1 - الصفحة: 135

قال: (فإن استاك بأصبعه أو بخرقة فهل يصيب السنة؟ على وجهين).
أما كون المتسوك بما ذكر يصيب السنة على وجه؛ فلأنه يحصل به الإنقاء بحسب الإمكان.
وأما كونه لا يصيبها على الآخر؛ فلأنه لم يرد الشرع بذلك.
قال: (ويستاك عرضًا، ويدهن غبًا، ويكتحل وترًا).
أما كون من ذكر يستاك كما ذكر فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «استاكوا عرضًا واكتحلوا وترًا وادهنوا غبًا» 122. وأما معنى كونه يستاك عرضًا أن 123 يستاك من ثناياه إلى أضراسه.
فإن استاك من أطراف أسنانه إلى عمودها كره لأنه ربما أدمى اللثة.
وأما معنى كونه يدهن غبًا فأن يدهن يومًا بعد يوم.
وأما معنى كونه يكتحل وترًا.
فقيل: أن يكتحل في كل عين ثلاثة.
وقيل: ثلاثة في اليمنى واثنين في اليسرى.
قال: (ويجب الختان ما لم يخفه على نفسه).
أما كون الختان يجب ما لم يخفه على نفسه فـ «لأن إبراهيم صلوات الله عليه اختتن بعد أن أتت عليه ثمانون سنة» 124 متفق عليه إلا العدد فإنه للبخاري فقط.
وقال تعالى: ﴿ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفًا﴾ [النحل: 123].

الجزء: 1 - الصفحة: 136

وعن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أن رجلاً أتاه فقال: أسلمت.
فقال: ألقِ عنك شعر الكفر واختتن» 125 رواه الإمام أحمد وأبو داود.
فإن قيل: الوجوب هنا عام في الرجال والنساء، أو مختص بالرجال؟ قيل: كلام المصنف هنا يحتمل التعميم لأن النساء يدخلن في مثل ما تقدم.
ويحتمل التخصيص.
وفي المذهب في ذلك روايتان: إحداهما: التعميم لأن ما ثبت في حق الرجال ثبت في حق النساء ما لم يقم دليل على تخصيصه.
والرواية الثانية: أنه يختص بالرجال لأن المعنى الذي شُرع من أجله الختان في الرجل أشد من المرأة لأن الرجل إذا لم يختتن تبقى الجلدة مدلاة على الكَمَرة.
فلا يطهر ما تحتها من النجاسة.
بخلاف المرأة.
فإن قيل: ما معنى الختان؟ قيل: هو في حق الرجل قطع جلدة غاشية للحشفة.
وفي حق المرأة قطع بعض جلدة عالية مشرفة على الفرج تشبه عرف الديك.
وأما كونه لا يجب إذا خافه على نفسه؛ فلأن المحافظة على النفس أولى من المحافظة على الختان.
ولأنه متى تعارض حق النفس وواجب كان العمل بما يحفظ النفس متعينًا.
دليله من معه ما يحتاج إلى شربه، ومن جُبّر بعظم نجس يخاف من قلعه الموت، وغير ذلك من المسائل.

الجزء: 1 - الصفحة: 137

قال: (ويكره القزع.
ويتيامن في سواكه، وطهوره، وانتعاله، ودخوله المسجد).
أما كون القزع -وهو حلق بعض الرأس وترك بعضه- يكره فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن القَزَعِ» 126. وقال: «ليحلقه كله أو ليدعه كله» 127 رواه أبو داود.
وأما كون المتسوك والمتطهر والمتنعل وداخل المسجد يتيامن في ذلك كله فلقول عائشة رضي الله عنها: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يعجبه التيامن في طهوره، وسواكه، وتنعله، وترجله، وفي شأنه كله» 128 متفق عليه.
قال: (وسنن الوضوء عشر: السواك، والتسمية، وعنه أنها واجبة مع الذكر، وغسل الكفين إلا أن يكون قائمًا من نوم الليل ففي وجوبه روايتان.
والبداءة بالمضمضة والاستنشاق، والمبالغة فيهما إلا أن يكون صائمًا، وتخليل اللحية، وتخليل الأصابع، والتيامن، وأخذ ماء جديد للأذنين، والغسلة الثانية والثالثة).
أما كون السواك من سنن الوضوء فلقول عائشة: «كنا نُعد لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة آنية مخمرة من الليل: إناء لطهوره، وإناء لسواكه، وإناء لشرابه» 129 رواه ابن ماجة.
وأما كون التسمية من سننه؛ فلأن قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» 130 رواه أبو داود.
أدنى 131 أحواله دلالته على ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 138

وإنما لم يجب لأن الله تعالى قال: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: 6] ولم يذكر التسمية.
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للأعرابي: توضأ كما أمرك الله» 132 ووصفه ولم يذكر التسمية.
وأما كونها واجبة مع الذكر على روايةٍ فلظاهر ما تقدم من الحديث.
وإنما لم تجب مع عدم الذكر لأن السهو عذر فلا تجب معه للمشقة والحرج.
وروي عن الإمام أحمد أنها واجبة مطلقًا.
وصححها بعض الأصحاب لظاهر ما تقدم من الحديث.
وأما كون غسل الكفين ثلاثًا إذا لم يقم من نوم الليل من سننه؛ «فلأن عثمان رضي الله عنه وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: دعا بإناء فأفرغ على كفيه ثلاث مرات» 133. وأما كون غسلهما إذا كان قائمًا من نوم الليل في وجوبه روايتان؛ فلأن ظاهر الأمر في قول رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه ثلاثًا قبل أن يدخلهما الإناء فإنه لا يدري أين باتت يده» 134 متفق عليه إلا قوله: «ثلاثًا» فإنه لمسلم فقط.
يدل على الوجوب.
وظاهر 135 قوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم ... الآية﴾ [المائدة: 6] يدل على عدمه لأنه لم يذكر غسل الكفين.

الجزء: 1 - الصفحة: 139

والأمر في الحديث للاستحباب لأنه علّل فيه بوهم النجاسة وذلك لا يوجب الغسل.
وأما كون البداءة بالمضمضة والاستنشاق من سننه؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «أنه بدأ المضمضة والاستنشاق» 136. وأما كون المبالغة فيهما إذا لم يكن صائمًا من سننه: أما في الاستنشاق «فلقوله - صلى الله عليه وسلم - للقيط بن صبرة: وبالغ في الاستنشاق إلا أن تكون صائمًا» 137 رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي وصححه.
وأما في المضمضة؛ فلأنها في معنى الاستنشاق.
ومعنى المبالغة في المضمضة: إدارة الماء في أقاصي الفم.
ولا يجعله وجورًا.
وفي الاستنشاق: اجتذاب الماء بالنفس إلى أقصى الأنف.
ولا يجعله سعوطًا.
وأما كون تخليل اللحية من سننه فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - خلل لحيته» 138 رواه الترمذي وصححه.
وروى أنس «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا توضأ أخذ كفًا من ماء فأدخله تحت حنكه فخلل به لحيته.
وقال: هكذا أمرني ربي عز وجل» 139 رواه أبو داود.
وأدنى أحوال الأمر الاستحباب.

الجزء: 1 - الصفحة: 140

وأما كون تخليل الأصابع من سننه؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا توضأت فخلل أصابع يديك ورجليك» 140 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
فإن قيل: بأي إصبع يخلل أصابع الرجلين؟ قيل: بخنصره؛ لما روى المستورد بن شداد قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ خلل أصابع رجليه بخنصره» 141 رواه أبو داود.
ولأن الخنصر ألطف الأصابع وأصابع الرجلين تَلْتَفّ بعضها على بعض.
ويبدأ في تخليل اليمنى من خنصرها وفي اليسرى من إبهامها لأن ذلك عين كل واحدة منهما.
وأما كون التيامن من سننه فلما تقدم من حديث عائشة 142. وأما كون أخذ ماء جديد للأذنين من سننه؛ فلأنهما كالعضو المنفرد.
وإنما هما من الرأس على وجه التبع.
وأما كون الغسلة الثانية والثالثة من سننه فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ مرتين.
وقال: هذا وضوءٌ من توضأه كان له كفلان من الأجر.
وتوضأ ثلاثًا ثلاثًا وقال: هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلي» 143 رواه ابن ماجة.

الجزء: 1 - الصفحة: 141

باب فرض الوضوء وصفته

: الوضوء: بالضم اسم للفعل وبالفتح اسم للماء.
قاله ابن الأنباري.
وقيل بالفتح اسم للفعل أيضًا.
قال المصنف رحمه الله: (وفروضه ستة: غسل الوجه، والفم، والأنف منه، وغسل اليدين، ومسح الرأس، وغسل الرجلين، وترتيبه على ما ذكر الله تعالى، والموالاة على إحدى الروايتين.
وهو 144 أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله).
أما كون فروض الوضوء ستة؛ فلأنها غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين وترتيب ذلك وموالاته.
وسيأتي دليل ذلك كله في مواضعه.
وأما كون غسل الوجه واليدين ومسح الرأس وغسل الرجلين من فروضه فلقوله تعالى: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وامسحوا برءوسكم وأرجلَكم إلى الكعبين﴾ [المائدة: 6].
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل رجليه.
وقال: هذا وضوء من لم يتوضأه لم يقبل الله له صلاة» 145. فإن قيل ﴿وأرجلِكم﴾ معطوف على ﴿برءوسِكم﴾ وذلك دليل جواز المسح لا وجوب الغسل.
قيل: قد قرئ ﴿وأرْجُلَكم﴾ بالفتح عطفًا على ﴿وجوهَكُم وأيديَكُم﴾.
ويؤيد ذلك فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. وقوله: «ويل للأعقاب من النار» 146.

الجزء: 1 - الصفحة: 142

وقول عائشة رضي الله عنها: «لأن يُقطعا أحب إليّ من أن أمسح القدمين» 147. و«قول النبي - صلى الله عليه وسلم - لرجل ترك موضع ظفر من قدمه: ارجع فأحسن وضوءك» 148. وإنما عطف الأرجل على الممسوح على القراءة المشهورة لأنها في مظنة الإسراف في الماء فنبه بعطفها على الممسوح على تقليل الماء.
وأما كون الفم والأنف من الوجه؛ فلأنهما في حكم الظاهر بدليل أحكام يأتي ذكرها في المضمضة والاستنشاق في صفة الوضوء.
وأما كون ترتيب الوضوء على ما ذكر الله تعالى من فروضه على المذهب؛ فلأن الله تعالى أدخل الممسوح بين المغسولات وقَطَع النظير عن النظير.
والفصحاء لا يفعلون ذلك إلا لفائدة.
ولا نعلم فائدة سوى الترتيب.
وأما كونه من سننه لا من فروضه على روايةٍ: أما الأول فلما فيه من الكمال والخروج من الخلاف.
وأما الثاني؛ فلأن الله تعالى ذكر الأعضاء المنصوص عليها بالواو التي للجمع المطلق.
والأول أصح لما ذكرنا.
و«لأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه توضأ.
وقال: هذا الوضوء الذي لا يقبل الله الصلاة إلا به» 149. فنقول ذلك للوضوء إن كان مرتبًا فهو المطلوب وإن كان منكسًا كان التنكيس شرطًا وهو خلاف الإجماع فوجب أن يكون مرتبًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 143

وقول المصنف رحمه الله: على ما ذكر الله معناه أن يغسل الوجه ثم اليدين ثم يمسح برأسه ثم يغسل الرجلين لأن الله تعالى هكذا ذَكَر.
وأما كون الموالاة من فروضه على المذهب فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً يصلي وفي رجله لمعة قدر الدرهم لم يصبها الماء فأمره بإعادة الوضوء والصلاة» 150 رواه أحمد وأبو داود.
ولو كانت الموالاة ليست فرضًا لأجزأه غسل اللمعة.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والى بين غسل أعضائه وأمر بالتأسّي به.
وأما كونها من سننه لا من فروضه على روايةٍ: أما الأول فلما ذكر في الترتيب.
وأما الثاني؛ فلأن الفرض الغسل للآية وقد أتى به.
وروي عن ابن عمر رضي الله عنهما «أنه توضأ فترك مسح خفيه حتى دخل المسجد فدعي لجنازة فمسح عليهما وصلى» 151. وقول المصنف رحمه الله: وهو أن لا يؤخر غسل عضو حتى ينشف الذي قبله فبيان لمعنى الموالاة.
والعبرة في نشاف العضو بالزمان المعتدل لا بالزمان البارد لأن نشاف العضو لا يحصل إلا بعد مدة، ولا بالزمان الحار لأن نشاف العضو يحصل بسرعة.
قال: (والنية شرط لطهارة الحدث كلها، وهي: أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها).
أما كون النية شرطًا لطهارة الحدث كلها فلقوله عليه السلام: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» 152 متفق عليه.
فإن قيل: ما وجه الحجة من ذلك؟

الجزء: 1 - الصفحة: 144

قيل: وجهها أنه نفى العمل وهو موجود فيكون ظاهرًا في نفي المشروعية لأنه أقرب إلى نفي الحقيقة.
ويمكن أن يقال النفي داخل على الحقيقة الشرعية لأنه داخل على عمل شرعي وبدون النية لا وجود للعمل الشرعي.
وقول المصنف رحمه الله: وهي أن يقصد رفع الحدث أو الطهارة لما لا يباح إلا بها بيان لمعنى النية.
فإن قيل: ما محلها؟ قيل: القلب.
فإن قيل: إذا قصد رفع الحدث لا شبهة فيه فَلِمَ يكون كذلك إذا قصد الطهارة لما لا يباح إلا بالطهارة كالصلاة والطواف وشبههما؟ قيل: لأن ذلك يستلزم رفع الحدث ضرورة أن صحة ذلك لا يجتمع معه.
قال: (فإن نوى ما تسن له الطهارة أو التجديد فهل يرتفع حدثه؟ على روايتين).
أما كون ما يسن له الطهارة كقراءة القرآن واللبث في المسجد يرتفع حدثه على روايةٍ؛ فلأنه نوى المسنون فيجب أن يحصل ولا يحصل إلا بارتفاع الحدث.
وأما كونه لا يرتفع على روايةٍ؛ فلأن القراءة وشبهها يصح مع الحدث فلا يستدعي ذلك رفع الحدث.
وأما كون من نوى تجديد وضوءه يرتفع حدثه ففيه روايتان أيضًا وجههما ما ذكر فيمن نوى ما يسن.
قال: (وإن نوى غسلاً مسنونًا فهل يجزئ عن الواجب؟ على وجهين).
أما كون نية الغسل المسنون كغسل الجمعة أو العيدين أو ما أشبههما يجزئ عن الغسل الواجب كغسل الجنابة أو الحيض أو ما أشبههما ففيه وجهان مُخَرجان على الروايتين في رفع حدث من نوى التجديد.
وقد تقدم ذكرهما وتعليلهما قبل.
وأما مراد المصنف رحمه الله بقوله: فهل يجزئ؟ على وجهين.
فهو أنه هل يرتفع عنه الغسل الواجب؟ على وجهين.

الجزء: 1 - الصفحة: 145

قال: (وإن اجتمعت أحداث توجب الوضوء أو الغسل فنوى بطهارته أحدها فهل يرتفع سائرها؟ على وجهين).
أما كون سائر الأحداث يرتفع بما ذكر على وجه؛ فلأن الحدث غير متعدد بل هو عبارة عن المنع من الصلاة وقد قصد رفع سبب من أسبابه فيجب أن يرتفع الحدث.
وأما كونه لا يرتفع به على وجه؛ فلأن ذلك غير منوي فلم يرتفع لقوله: «إنما الأعمال بالنيات» 153. فإن قيل: السائر هنا بمعنى الكل أو الباقي.
قيل: بمعنى الباقي؛ لأن المنوي لا خلاف في ارتفاعه لأنه منوي.
فإن قيل: ما فائدة ارتفاعه؟ قيل: فائدته أنه لو نوى بعد ذلك رفع الحدث من باقي الأسباب ارتفع حدثه على الوجهين معًا.
قال: (ويجب تقديم النية على أول واجبات الطهارة، ويستحب تقديمها على مسنوناتها، واستصحاب ذكرها في جميعها، وإن استصحب حكمها أجزأه).
أما كون تقديم النية على أول واجبات الطهارة يجب فلئلا يخلو واجب عن نية.
وأما كون تقديمها على مسنوناتها يستحب فلتشمل مسنون الطهارة ومفروضها.
وأما كون استصحاب حكمها ومعناه أن ينوي المتطهر في أول الطهارة ولا ينوي قطع النية بجزئ؛ فلأن النية في أول الطهارة تشمل جميع أجزائها فأجزأ استصحاب حكمها كالصوم.

الجزء: 1 - الصفحة: 146

فصل [في صفة الوضوء]

قال المصنف رحمه الله: (وصفة الوضوء: أن ينوي، ثم يسمي، ويغسل يديه ثلاثًا، ثم يتمضمض، ويستنشق ثلاثًا من غرفة وإن شاء من ثلاث وإن شاء من ست وهما واجبان في الطهارتين، وعنه أن الاستنشاق وحده واجب، وعنه أنهما واجبان في الكبرى دون الصغرى).
أما كون صفة الوضوء أن ينوي إلى آخره فلما تقدم وما يأتي من الأدلة الدالة على وجوب ذلك ومسنونيته.
أما النية فلما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الأعمال بالنيات» 154. وقوله: «لا عمل إلا بنية» 155. وأما التسمية فلما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» 156. وأما غسل اليدين ثلاثًا والمضمضة والاستنشاق ثلاثًا ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر «أنه غسل يديه ومضمض واستنشق ثلاثًا» 157.

الجزء: 1 - الصفحة: 147

وأما كون المضمضة والاستنشاق من غرفةٍ، وإن شاء من ثلاث، وإن شاء من ست؛ فلأن الكل مروي: أما الغرفة؛ فلأن في حديث عبدالله بن زيد «أنه - صلى الله عليه وسلم - مضمض واستنشق من كف واحدة ثلاثًا» 158. وأما الثلاث؛ فلأن في بعض ألفاظ الحديث المتفق عليه: «أدخل يده الإناء فمضمض واستنشق ثلاثًا بثلاث غرفات» 159. وأما الست ففي حديث جد طلحة بن مصرف قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يفصل بين المضمضة والاستنشاق» 160 رواه أبو داود.
ووضوءه كان ثلاثًا ثلاثًا فلزم كونهما من ست.
وأما كونهما واجبين في طهارتي الحدث والجنابة على المذهب: أما في الطهارة من الحدث فلقوله تعالى: ﴿فاغسلوا وجوهكم﴾ [المائدة: 6] وهما داخلان في حكم الوجه؛ لأن لهما حكم الظاهر لأن الصائم يفطر بوصول القيء إليهما.
ولا يفطر بوضع الماء فيهما، ولا يحد بوضع الخمر فيهما، ولا يحصل الرضاع المحرم بوصول اللبن إليهما، ويجب غسلهما من النجاسة فيدخلان في عموم الآية.
وأما في طهارة 161 الجنابة فبطريق الأولى لأنهما يجب فيهما غسل ما تحت الشعور الكثيفة بخلاف طهارة الحدث.
وأما كون الاستنشاق وحده واجبًا على روايةٍ: أما في طهارة الحدث فلما روى أبو هريرة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا توضأ أحدكم فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر» 162 متفق عليه.
وأما في طهارة الجنابة فلما تقدم.

الجزء: 1 - الصفحة: 148

وأما كونهما واجبين في الكبرى دون الصغرى على روايةٍ: أما وجوبهما في الكبرى وهي الطهارة من الجنابة؛ فلأن الطهارة من ذلك يعم جميع البدن ويجب فيهما غسل ما تحت الشعور الكثيفة وما تحت الخفين.
وأما عدم وجوبهما في الصغرى وهي طهارة الوضوء؛ فلأن الله تعالى لم يذكرهما في الأعضاء المنصوص عليهما.
قال: (ثم يغسل وجهه ثلاثًا من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللَّحْيَيْن والذقن طولاً مع ما استرسل من اللحية ومن الأذن إلى الأذن عرضًا).
أما كون من تقدم ذكره يغسل وجهه فلما تقدم أول الباب.
وأما كونه يغسله ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر «أنه غسل وجهه ثلاثًا» 163. وأما كون الغسل من منابت شعر الرأس إلى ما انحدر من اللّحْيَيْن والذقن لهؤلاء؛ فلأن ذلك كله من الوجه لحصول المواجهة به.
والمعتبر في منابت الشعر المعتاد.
ولا عبرة بالأذرع.
وهو: الذي شعره نابت في أعلا جبهته.
ولا بالأصلع.
وهو: الذي انحسر شعر رأسه عن مقدمه.
وأما قول المصنف رحمه الله: مع ما استرسل من اللحية فمعناه أنه يجب غسل المسترسل من اللحية.
وفي ذلك روايتان: إحداهما: أنه يجب كما ذكره المصنف رحمه الله لأنه شعر نابت في محل الفرض أشبه الحاجب.
ولأن الشعر المذكور يحصل به المواجهة.
فوجب غسله كالبشرة.
والرواية الثانية: لا يجب؛ لأنه نازل عن محل الفرض أشبه الذؤابة.
وأما كون الغسل من الأذن إلى الأذن عرضًا؛ فلأن ذلك كله من الوجه لحصول المواجهة به.

الجزء: 1 - الصفحة: 149

قال: (فإن كان فيه شعر خفيف يصف البشرة وجب غسلها معه، وإن كان يسترها أجزأه غسل ظاهره.
ويستحب تخليله).
أما كون غسل الشعر الذي يصف البشرة يجب مع غسل البشرة؛ فلأن المواجهة تحصل بهما.
ولأن الشعر الذي يصف البشرة غير ساتر لما تحته فوجب أن لا يسقط فرض المحل قياسًا على الخف المخرق.
وأما كون غسل ظاهر الشعر الساتر للبشرة يجزئ؛ فلأن الله تعالى أمر بغسل الوجه والشعر المذكور تحصل المواجهة به لا بما تحته فوجب تعلق الحكم به لا بما تحته.
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان كثيف اللحية عظيم الهامة» 164 وثبت أنه توضأ مرة 165 والمرة لا يصل فيها الماء إلى ما تحت الشعر من البشرة.
ولأن الشعر المذكور شعر يستتر ما تحته فوجب أن ينتقل الفرض إليه قياسًا على شعر الرأس.
وأما كون تخليل الشعر المذكور يستحب فلما تقدم في سنن الوضوء 166. قال: (ثم يغسل يديه إلى المرفقين ثلاثًا ويدخل المرفقين في الغسل).
أما كون من تقدم ذكره يغسل يديه إلى المرفقين فلقوله تعالى: ﴿وأيديكم إلى المرافق﴾ [المائدة: 6].

الجزء: 1 - الصفحة: 150

وأما كونه يغسلهما ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر أنه غسل يديه ثلاثًا 167. وأما كونه يدخل المرفقين في الغسل؛ فلأن جابرًا قال: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا توضأ أمَرَّ الماء على مرفقيه» 168 رواه الدارقطني.
وفعله - صلى الله عليه وسلم - مبين لكلام الله.
وإلى تَرِدُ وما بعدها داخل كقوله: كقرأت القرآن من أوله إلى آخره، وترد وما بعدها غير داخل؛ كقولك: سرت من بغداد إلى الكوفة.
وإذا كان كذلك وجب أن تكون المرافق هنا داخلة لبيان رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ولأن الحدث 169 متيقن.
وقد شك في زواله بدون غسل المرفقين فوجب أن يجب غسلهما لأن التيقن لا يزول إلا بمثله.
قال: (ثم يمسح رأسه: فيبدأ بيديه من مقدم رأسه.
ثم يمرهما إلى قفاه.
ثم يردهما إلى مقدمه.
ويجب مسح جميعه مع الأذنين.
وعنه يجزئ مسح أكثره.
ولا يستحب تكراره، وعنه يستحب).
أما كون من تقدم ذكره يمسح رأسه فلقوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: 6].
وأما كونه يبدأ بيديه من مقدم رأسه ويمرهما إلى قفاه ويردهما إلى مقدمه؛ فلأن عبدالله بن زيد قال في صفة وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «ثم مسح رأسه بيديه.
فأقبل بهما وأدبر مرة واحدة.
وفي روايةٍ: بدأ بمقدم رأسه حتى ذهب بهما إلى قفاه ثم ردهما حتى رجع إلى المكان الذي بدأ منه» 170 متفق عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 151

وأما كونه يجب عليه مسح جميعه على المذهب؛ فلأن الباء في قوله تعالى: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: 6] ليست للتبعيض.
قال ابن برهان: من زعم أن الباء للتبعيض فقد جاء أهلَ العربية بما لا يعرفونه.
وإذا لم تكن للتبعيض تعين كونها للإلصاق وذلك يوجب مسح الجميع.
وأما كونه يجزئه مسح الأكثر على روايةٍ؛ فلأن الكل قد يطلق ويراد به الأكثر كما يقال: جاء العسكر.
إذا جاء أكثره.
وعن الإمام أحمد يجزئ المرأة مسح مقدمة رأسها بخلاف الرجل؛ «لأن عائشة رضي الله عنها كانت تمسح مقدم رأسها».
وعنه: يجزئهما مسح البعض؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح بناصيته وعمامته» 171 رواه مسلم.
والأول أصح لما تقدم.
ولأن الإجماع منعقد على الاستيعاب في التيمم في قوله: ﴿فامسحوا بوجوهكم﴾ [المائدة: 6] فليكن الباقي قوله: ﴿وامسحوا برءوسكم﴾ [المائدة: 6] كذلك.
وإما إطلاق الكل وإرادة الأكثر فمجاز.
والأصل الحقيقة.
وأما مسح النبي - صلى الله عليه وسلم - بناصيته وعمامته فلا حجة فيه لأن مسح العمامة جائز عندنا.
وإذا ظهرت ناصيته مسح عليها وعلى باقي العمامة فلا يكون ذلك مسحًا لبعض الرأس لأن مسح العمامة ناب عن مسح باقي الرأس فيكون الرأس جميعه ممسوحًا.
وأما كونه يمسح جميعه مع الأذنين؛ فلأنهما منه لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الأذنان من الرأس» 172 رواه أبو داود.

الجزء: 1 - الصفحة: 152

وروت الرُّبَيِّع «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح برأسه وصدغيه وأذنيه مسحة واحدة» 173 رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح.
وأما كون المسح لا يستحب تكراره على المذهب؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر «أنه مسح مرة واحدة» 174. ولأنه ممسوح في طهارة أشبه التيمم.
وأما كونه يستحب على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ ثلاثًا ثلاثًا» 175 رواه الإمام أحمد.
وروى أبو داود عن عثمان «أنه غسل ذراعيه ثلاثًا، ومسح برأسه ثلاثًا.
ثم قال: رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فعل مثل هذا» 176. ولأنه أصل في الطهارة أشبه الغسل.
قال: (ثم يغسل رجليه ثلاثًا إلى الكعبين، ويدخلهما في الغسل.
ويخلل أصابعه).
أما كون من تقدم ذكره يغسل رجليه فلما تقدم من قوله تعالى: ﴿وأرجلَكم﴾.
وأما كونه يغسلهما ثلاثًا؛ فلأن أكثر من وصف وضوء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ذكر «أنه غسلهما ثلاثًا» 177. وأما كونه يُدخل الكعبين في الغسل فلما تقدم في المرفقين وقد جاء عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ويل للأعقاب من النار» 178. وأما كونه يخلل أصابعه فلما تقدم في سنن الوضوء 179.

الجزء: 1 - الصفحة: 153

قال: (وإن كان أقطع غَسَلَ ما بقي من محل الفرض فإن لم يبق شيء سقط).
أما كون من تقدم ذكره يغسل ما بقي بعد القطع من محل الفرض فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 180. وأما كون الغسل يسقط إذا لم يبق من محل الفرض شيء فلفوات المحل.
قال: (ثم يرفع نظره إلى السماء، ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
وتباح معونته وتنشيف أعضائه ولا يستحب).
أما كون من فرغ مِن وضوءه يرفع نظره إلى السماء ويقول: أشهد أن لا إله إلا الله إلى آخره فلما روى عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من توضأ فأحسن وضوءه ثم قال: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله فتحت له أبواب الجنة الثمانية يدخل من أيها شاء» 181 رواه مسلم.
وروى أبو داود: «من توضأ فأحسن الوضوء ثم رفع نظره إلى السماء وقال ... الحديث إلى آخره» 182. وأما كون معونة المتطهر؛ مثل أن يغرف ماء الغسل أو الوضوء إليه، أو يحمله شخص له، أو يصب عليه: يباح؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُحمل له الماء ويصب

الجزء: 1 - الصفحة: 154

عليه.
قال أنس: «كان النبي - صلى الله عليه وسلم - ينطلق في حاجته فآتيه أنا وغلام نحوي بإداوة ماء يستنجي به» 183 متفق على معناه.
وفي روايةٍ المغيرة: «أنه جعل يصب الماء عليه وهو يتوضأ» 184. [متفق عليه.
وعن صفوان بن عسال قال: «صببت على النبي - صلى الله عليه وسلم - الماء في السفر والحضر في الوضوء» 185. رواه ابن ماجة] 186. وأما كون تنشيف أعضائه يباح فلما روى قيس بن سعد قال: «أتانا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في منزلنا.
فأمر له سعد بغسل فاغتسل به.
ثم ناوله ملحفة مصبوغة بزعفران أو ورس فاشتمل بها» 187 رواه أحمد وأبو داود وابن ماجة.
وعن الإمام أحمد يكره ذلك لما روت ميمونة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - اغتسل فأتته بالمنديل فلم يردها وجعل ينفض الماء بيده» 188 متفق عليه.
وأما كون ذلك لا يستحب؛ فلأنه إزالة لأثر العبادة فلم يستحب كإزالة دم الشهيد.
ولأنه لم يرو عن النبي - صلى الله عليه وسلم - المداومة عليه ولو كان أفضل لداوم عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 155

باب مسح الخفين

قال المصنف رحمه الله: (يجوز المسح على الخفين، والجرموقين، والجوربين، والعمامة، والجبائر.
وفي المسح على القلانس وخمر النساء المدارة تحت حلوقهن روايتان).
أما كون المسح على الخفين يجوز فلما روى جرير قال: «رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بال ثم توضأ ومسح على خفيه» 189 متفق عليه.
قال إبراهيم: كان يعجبهم هذا لأن إسلام جرير كان بعد نزول المائدة.
ولأن الحاجة تدعو إلى لبس الخف وتلحق المشقة بنزعه فجاز المسح عليه كالجبائر.
وأما كونه على الجرموقين يجوز فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على موق» 190. والجرموق: خف واسع يلبس فوق الخف في البلاد الباردة وهو بالفارسية موق فعرب.
وأما كونه على الجوربين يجوز فلما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح على الجوربين والنعلين» 191 قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 156

وهذا يدل على أن النعل لم يكن عليهما لأنه لو كان كذلك لم يذكر النعلين.
كما لا يقال: مسحت الخف ونعله.
ولأن جماعة من الصحابة رضوان الله عليهم مسحوا عليهما ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا.
ولا بد أن يلحظ أن لجواز المسح على ذلك شرطين: أحدهما: أن يكون صفيقًا لا يبدو منه شيء من القدم.
والثاني: أن يمكن متابعة المشي فيه.
وأما كونه على العمامة يجوز فلما روى المغيرة قال: «توضأ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ومسح على الخفين والعمامة» 192 قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وروى بلال رضي الله عنه «مسح رسول [الله]- صلى الله عليه وسلم - على الخفين» 193 رواه مسلم.
وروي أيضًا عنه أنه قال: «امسحوا على الخفين والخمار» 194 رواه أحمد.
وروي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بعث جيشًا وأمرهم أن يمسحوا على المشاوذ» 195. قال أبو عبيد: المشاوذ العمائم.
وأما كونه على الجبائر يجوز فلما روى جابر قال: «خرجنا في سفر فأصاب رجل منا حجر فشجه في رأسه.
ثم احتلم.
فسأل أصحابه هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء.
فاغتسل فمات.
فأخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذلك.
فقال: قتلوه قتلهم الله.
ألا سألوا إذا لم يعلموا.
إنما شفاء العي السؤال.
إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه.
ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده» 196 رواه أبو داود.

الجزء: 1 - الصفحة: 157

فهذا في الكبرى ففي الصغرى بطريق الأولى.
وروي «أن عليًا رضي الله لما انكسرت زنده يوم أحد أمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بالمسح عليه» 197. ولأنه قول ابن عمر رضي الله عنهما ولم يعرف له مخالف فكان إجماعًا.
وأما كونه على القلانس يجوز في روايةٍ فلما روي عن عمر أنه قال: «إن شاء حسر عن رأسه وإن شاء مسح على قلنسوته» 198 رواه الأثرم.
وعن أبي موسى الأشعري «أنه خرج من الخلاء فمسح على قَلنسوته» 199 رواه حرب.
ولأنه ملبوس معتاد.
أشبه العمامة.
وأما كونه لا يجوز عليها في روايةٍ؛ فلأنه لا مشقة في نزعها فلم يجز المسح عليها كالكلتة.
وأما كونه على خمر النساء المدارة تحت حلوقهن يجوز في روايةٍ فلما روي «أن أم سلمة رضي الله عنها كانت تمسح على الخمار» 200 رواه ابن المنذر.
ولأنه ساتر للرأس معتاد للمرأة أشبه العمامة.

الجزء: 1 - الصفحة: 158

وأما كونه لا يجوز في روايةٍ؛ فلأنه لا يشق المسح من تحته ولا تدعو الحاجة إليه أشبه الوقاية.
قال: (ومن شرطه أن يُلبس الجميع بعد كمال الطهارة، إلا الجبيرة على إحدى الروايتين).
أما كون المسح من شرطه أن يلبس الجميع غير الجبيرة بعد كمال الطهارة [على] 201 المذهب؛ فلما روى المغيرة بن شعبة قال: «كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر فأهويت لأنزع خفيه.
فقال: دعهما فإني أدخلتهما طاهرتين فمسح عليهما» 202 متفق عليه.
وروي في بعض ألفاظ الحديث: «دعهما فإني أدخلتهما وهما طاهرتين» 203 علل جواز الترك بإدخالهما في حال كون كل واحدة طاهرة.
وفي روايةٍ: «أيمسح أحدنا على الخفين؟ قال: نعم إذا أدخلهما وهما طاهران» 204 رواه الحميدي في مسنده.
وفي روايةٍ: «رخص للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة إذا تطهر فلبس خفيه يمسح عليهما» 205 رواه الأثرم.
ولأن ما ذكر يشترط له أصل الطهارة لما يأتي فاشترط له كمالها كالصلاة ومس المصحف.
والمراد بكمال الطهارة الفراغ منها فلو توضأ فغسل وجهه ويديه ومسح رأسه وغسل إحدى رجليه ثم لبس إحدى الخفين ثم غسل الأخرى ولبس الآخر لم يكن محصلاً كمال الطهارة.

الجزء: 1 - الصفحة: 159

وأما كون ذلك ليس من شرطه على روايةٍ لأن حدثه حصل بعد كمال الطهارة واللبس فجاز المسح كما لو نزع الخف الأول ثم لبسه.
وفي اشتراط كمال الطهارة إشعار باشتراط أصلها.
ولا خلاف فيه عند الإمام أحمد فيما عدا الجبيرة لما تقدم من حديث المغيرة 206. وأما كون المسح على الجبيرة لا يشترط له ذلك؛ فلأن اشتراط ذلك يؤدي إلى عدم استعمال رخصة المسح عليها غالبًا لأن الجرح وشبهه يقع فجأة أو في وقت لا يعلم الماسح وقوعه فيه.
وعن الإمام أحمد يشترط له الطهارة كالخف.
والأول أصح لما تقدم.
وقياسه على الخف لا يصح لما ذكر من الفرق.
فإن قيل: قول المصنف رحمه الله على إحدى الروايتين إلى ماذا يعود.
قيل: إلى ما عدا الجبيرة من الممسوح كما تقدم شرحه، ويحتمل أن يعود إلى الجبيرة.
وفيه وإن قرب منها بُعْدٌ من وجهين: أحدهما: أن الخلاف فيها ليس مختصًا بالكمال.
وثانيهما: أن الخلاف فيما عداها أشهر من الخلاف فيها.
قال: (ويمسح المقيم يومًا وليلة والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن إلا الجبيرة فإنه يمسح عليها إلى حَلِّها).
أما كون المقيم يمسح يومًا وليلة، والمسافر ثلاثة أيام ولياليهن في غير الجبيرة فلما روى شريح بن هانئ قال: «سألت عليًا رضي الله عنه عن المسح فقال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: للمسافر ثلاثة أيام ولياليهن، وللمقيم يومًا وليلة» 207 رواه مسلم.

الجزء: 1 - الصفحة: 160

وأما كونه يمسح على الجبيرة إلى حَلها؛ فلأنه مسحٌ جاز للضرورة فيقدر بقدرها.
وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - 208. وأما المسح على الجبيرة فغير مؤقت.
ويشترط أن لا يتجاوز بالشد موضع الحاجة؛ لأن ذلك للضرورة فتقيد بموضعها.
قال: (وابتداء المدة من الحدث بعد اللبس وعنه من المسح بعده).
أما ابتداء مدة المسح من الحدث بعد اللبس على المذهب؛ فلأنه وقت يجوز له المسح فيه فكان أول مدة المسح منه.
ولأن المسح عبادة فاعتبر وقتها من وقت جواز فعلها كالصلاة.
فعلى هذه لو تطهر وقت الظهر ولبس الخف ثم أحدث وقت العصر ثم توضأ ومسح وقت المغرب يمسح إلى وقت العصر الذي أحدث في مثله.
وأما كونه من المسح بعد اللُّبس على روايةٍ فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المقيم يومًا وليلة» 209. فقدره بالمسح فيجب أن يكون ابتداؤه من ابتداء المسح.
وروي عن عمر رضي الله عنه أنه قال: «امسح إلى مثل ساعتك التي مسحت» 210 رواه الخلال.
فعلى هذه يمسح في الصورة المتقدمة إلى وقت المغرب.
والأول هو الصحيح؛ لما تقدم.
ولأن في حديث صفوان بن عسال: «من الحدث إلى الحدث» 211. ولبس الخف جعل مانعًا من سريان الحدث إلى الرجل نفيًا للحرج وإنما يصير مانعًا بعد الحدث لا بعد المسح.

الجزء: 1 - الصفحة: 161

وأما قوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المقيم» وقول عمر: «امسح إلى مثل ساعتك» فالمراد استباحة المسح دون فعله.
قال: (ومن مسح مسافرًا ثم أقام أتم مسح مقيم، وإن مسح مقيمًا ثم سافر أو شك في ابتدائه أتم مسح مقيم.
وعنه يتم مسح مسافر.
ومن أحدث ثم سافر قبل المسح أتم مسح مسافر).
أما كون من مسح مسافرًا ثم أقام يتم مسح مقيم؛ فلأن المسح عبادة وجد أحد طرفيها في الحضر فكان الاعتبار لحكم الحضر كالصلاة.
وأما كون من مسح مقيمًا ثم سافر يتم مسح مقيم على روايةٍ فلما ذكر قبل.
وأما كونه يتم مسح مسافر على روايةٍ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» 212 وهذا مسافر.
ولأنه سافر قبل استكمال مدة المسح أشبه ما إذا سافر بعد الحدث.
والأولى أولى لما تقدم.
وأما كون من شك هل ابتدأ المسح في الحضر أو السفر؟ فيه ما ذكر؛ فلأنه يجري فيه ذلك.
فعلى الرواية الأولى يمسح مسح مقيم لأنه لا يجوز له المسح مع الشك في إباحته لتكون طهارته صحيحة بيقين لأن الأصل وجوب الغسل فلا يعدل إلى المسح إلا بتحقق.
وعلى الرواية الثانية: يتم مسح مسافر لأنه لو تيقن أنه ابتدأ المسح في الحضر يمسح مسح مسافر؛ فلأن يمسح مسح مسافر مع الشك بطريق الأولى.
وأما كون من أحدث ثم سافر قبل المسح يتم مسح مسافر فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «يمسح المسافر ثلاثة أيام ولياليهن» 213. وهذا مسافر.
ولأنه ما شَرع في طرف العبادة في الحضر فلم يُغَلّب الحضر لعدم ذلك.

الجزء: 1 - الصفحة: 162

قال: (ولا يجوز المسح إلا على ما يستر محل الفرض، ويثبت بنفسه.
فإن كان فيه خرق يبدو منه بعض القدم، أو كان واسعًا يُرى منه الكعب، أو الجورب خفيفًا يصف القدم أو يسقط منه 214، أو شد لفائف لم يجز المسح) 215. أما كون المسح لا يجوز على ما لا يستر محل الفرض؛ فلأن حكم ما ظهر الغسل وحكم ما استتر المسح فإذا اجتمعا غلب الغسل كما لو خلع أحد خفيه.
فعلى هذا لا فرق في الساتر بين أن يكون جلودًا أو لبودًا 216 أو خشبًا أو زجاجًا أو حديدًا؛ لاشتراك الكل في المعنى المبيح للمسح.
وقال بعض أصحابنا: لا يجوز في الحديد والزجاج وشبههما لأنه غير معتاد ولا يشق نزعه بخلاف الجلود وشبهها.
وأما كونه لا يجوز على ما لا يثبت بنفسه وهو ما إذا لبسه ولم يربطه لا يقف في رجله ولا ينعطف إذا مشى في حوائجه وعند الحط والترحال؛ فلأن الرخصة وردت في الخف وما ذكر ليس في معناه ولا يتعدى إليه.
وأما كونه يجوز على ما يستر محل الفرض ويثبت بنفسه؛ فلأنه في معنى الخف فيجب إلحاقه به.
وأما كون ما فيه خرق يبدو منه بعض القدم لا يجوز المسح عليه؛ فلأن ستر جميع محل الفرض شرط لجواز المسح لما تقدم ولم يوجد.
وأما كون الخف الواسع الذي يرى منه الكعب لا يجوز المسح عليه؛ فلأن الستر يجب من أعلا الخف كما يجب من باقي جهاته لاشتراك الكل في المعنى الذي لأجله وجب الستر.
وأما كون الجورب الخفيف الذي يصف القدم لا يجوز المسح عليه؛ فلأنه ليس ساترًا لمحل الفرض.
وقد تقدم أنه شرط لجواز المسح.

الجزء: 1 - الصفحة: 163

وأما كون الذي يسقط من الرجل أو اللفائف المشدودة لا يجوز المسح عليه؛ فلأن كون الممسوح عليه مما يثبت بنفسه شرط ولم يوجد.
قال: (وإن لبس خفًا فلم يحدث حتى لبس عليه آخر جاز المسح عليه).
أما كون المسح على ما ذكر يجوز؛ فلأنه خف ساتر لمحل الفرض يمكن متابعة المشي فيه أشبه المتفرد.
وأما قول المصنف رحمه الله: فلم يحدث ففيه إشعار بأنه لو أحدث ثم لبس آخر لا يجوز المسح عليه وهو صحيح صرح به في المغني وغيره من الأصحاب في كتبهم.
ووجهه أنه إذا أحدث ثم لبس آخر لم يكن بد من المسح على الذي قبله ليكون الثاني ملبوسًا على طهارة وإذا كان كذلك لم يجز المسح عليه لأن حكم المسح قد تعلق بالتحتاني فلم يجز على غيره.
قال: (ويمسح أعلى الخف دون أسفله وعقبه.
فيضع يده على الأصابع ثم يمسح إلى ساقه).
أما كون الماسح يمسح أعلا الخف دون أسفله وعقبه فلقول علي رضي الله عنه: «لو كان الدين بالرأي لكان أسفل الخف أولى بالمسح من أعلاه.
وقد رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يمسح على الخفين على ظاهرهما» 217 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وعن عمر رضي الله عنه قال: «رأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يأمر بالمسح على ظاهر الخفين إذا لبسهما وهما طاهران» 218 رواه الخلال بإسناده.
وأما كون المسح كما ذكر المصنف رحمه الله فلما روى المغيرة بن شعبة «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بال في الماء.
ثم توضأ ومسح على الخفين.
فوضع يده اليمنى على خفه

الجزء: 1 - الصفحة: 164

الأيمن، ويده اليسرى على خفه الأيسر.
ثم مسح أعلاهما مسحة واحدة.
حتى كأني أنظر إلى آثار أصابعه على الخفين» 219 رواه الخلال أيضًا.
وهذه الصفة مستحبة وكيف مسح أعلا الخف جاز.
قال: (ويجوز المسح على العمامة المحنكة إذا كانت ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه).
أما كون المسح على العمامة يجوز فلما تقدم أول الباب 220. وأما ما يشترط لجواز المسح عليها فشرطان: أحدهما: أن تكون محنكة «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالتلحي ونهى عن الاقتعاط».
قال أبو عبيد: الاقتعاط: أن لا يكون تحت الحنك منها شيء.
وإذا كانت منهيًا عنها لم يستبح بها المسح؛ لأنه من الرخص.
والثاني: أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت العادة بكشفه كالأذنين ومقدم الرأس وما أشبه ذلك.
أما اشتراط الستر في غير المستثنى فلما تقدم في الخف.
وأما عدم اشتراطه في المستثنى؛ فلأن اعتبار الستر فيه يشق ويؤدي إلى عدم استعمال الرخصة بخلاف الخف.
قال: (ولا يجوز على غير المحنكة إلا أن تكون ذات ذؤابة فيجوز في أحد الوجهين).
أما كون المسح على عمامة غير محنكة ولا ذؤابة لها لا يجوز فلما تقدم.
وأما كونه على العمامة التي لها ذؤابة وهي غير محنكة لا يجوز في وجه فلعموم ما تقدم من النهي.
وأما كونه يجوز في وجه؛ فلأنها إذا صار لها ذؤابة لا تشبه عمائم أهل الذمة.
وإنما نهي عن الاقتعاط لذلك.
فلا يكون منهيًا عنها فيجوز المسح.

الجزء: 1 - الصفحة: 165

قال: (ويجزئه مسح أكثرها.
وقيل: لا يجوز إلا مسح جميعها).
أما كون مسح أكثر العمامة يجزئ؛ فلأن حكم الأكثر يعطى حكم الكل.
وأما كونه لا يجوز إلا مسح جميعها؛ فلأن المسح على العمامة بدل عن المسح على الرأس فوجب أن ينتقل حكم المبدل إليه.
فإن قيل: الخف مسحه بدل عن غسل الرجل ولا يجب مسح جميعه.
قيل: الفرق بينهما أن البدل في العمامة من جنس المبدل بخلاف البدل في الخف.
وقال القاضي: يجزئ البعض قياسًا على الخف.
ويختص ذلك بأكوارها وهو دوائرها.
فإن مسح وسطها ففيه وجهان: أحدهما: يجزئه لأنه بدل موضع يجزئ مسحه.
والثاني: لا يجزئه كما لو مسح أسفل الخف.
والصحيح وجوب استيعاب العمامة كما أن الصحيح وجوب استيعاب الرأس لأن مقتضى الدليل مشابهة البدل المبدل.
تُرك العمل به في الخف لمعنى هو مفقود في العمامة فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
ولأن المشابهة بين البدل والمبدل في العمامة يمكن تحققها بخلاف الخف؛ لأن العمامة الواجب فيها المسح بدلاً ومبدلاً والخف الواجب فيه المسح بدلاً والغسل مبدلاً.
قال: (ويمسح على جميع الجبيرة إذا لم تتجاوز قدر الحاجة).
أما كون الجبيرة يمسح على جميعها؛ فلأنه مسح ضرورة ولا ضرر في مسح جميع الجبيرة فوجب الاستيعاب قياسًا على التيمم.
وأما قول المصنف رحمه الله: إذا لم تتجاوز قدر الحاجة فشرط في جواز المسح لأنه موضع حاجة فيقيد بقدرها.
قال: (ومتى ظهر قدم الماسح أو رأسه أو انقضت مدة المسح استأنف الطهارة.
وعنه يجزئه مسح رأسه وغسل قدميه).
أما كون الماسح إذا ظهر قدمه أو رأسه يستأنف الطهارة على المذهب؛ فلأن فرض ما انكشف الغسل.
وإنما الخف أو العمامة منع من سريان الحدث فإذا زال سرى الحدث إلى الرجل أو الرأس.
والحدث لا يتبعض فبطلت الطهارة من أصلها.

الجزء: 1 - الصفحة: 166

وأما كونه يجزئه مسح رأسه إن كان الممسوح عمامة، وغسل قدميه إن كان خفًا على روايةٍ؛ فلأن مسح الممسوح ناب عما تحته فإذا ظهر بطل فيما ناب عنه فقط كالتيمم.
وأما كونه إذا انقضت مدة المسح يستأنف.
ففيه أيضًا روايتان وجههما ما مر.
فإن قيل: ما أصل ذلك؟ قيل: هذا الاختلاف يلتفت إلى أن المسح هل يرفع الحدث عن الرجل؟ فإن قلنا: لا يرتفع فقد ارتفع عن الوجه واليدين والرأس فبقي الرجلان فيكفيه غسلهما، وإن قلنا لا يرتفع فبالخلع عاد.
والحدث لا يتبعض فيجب استئناف الوضوء.
وقيل: منشأ الخلاف جواز التفريق؛ فإن جاز أجزأه غسل رجليه ومسح رأسه، وإلا أعاد الوضوء لفوات شرطه وهي الموالاة.
والصحيح الأول عند المحققين لأن الخلاف واقع في المسألتين مطلقًا سواء كان عقيب الوضوء أو بعد مضي زمان يحصل به التفريق.
قال: (ولا مدخل لحائل في الطهارة الكبرى إلا الجبيرة).
أما كونه لا مدخل لحائل في الطهارة الكبرى غير الجبيرة فلما روى صفوان «أمرنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن لا ننزع خفافنا إذا كنا سفًرا ثلاثة أيام ولياليهن إلا من جنابة» 221 الحديث مختصر أخرجه الترمذي.
وأما كون الجبيرة لها مدخل في الطهارة الكبرى فلحديث جابر في صاحب الشجة 222. ولأنه مسح للضرورة فيقدر بقدرها.

الجزء: 1 - الصفحة: 167

باب نواقض الوضوء

قال المصنف رحمه الله: (وهي ثمانية: الخارج من السبيلين قليلاً كان أو كثيرًا نادرًا أو معتادًا).
أما كون نواقض الوضوء ثمانية؛ فلأن الناقض يكون تارة خارجًا من السبيلين، وتارة خروج النجاسات من سائر البدن، وتارة زوال العقل، وتارة مس الذكر، وتارة مس بشرته بشرة أنثى لشهوة، وتارة غسل ميت، وتارة أكل لحم جزور، وتارة الردة عن الإسلام.
وأما كون الخارج من السبيلين المعتاد كالبول والغائط والوذي والمذي والريح من نواقض الوضوء فلقوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة: 6].
ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن من غائط وبول ونوم» 223. و«قوله - صلى الله عليه وسلم - في المذي: يغسل ذكره ويتوضأ» 224. [وقوله - صلى الله عليه وسلم -] 225: «لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» 226. وأما كون ذلك كذلك قليلاً كان أو كثيرًا فلعموم ما تقدم.
وأما كون الخارج من السبيلين النادر كالدم والدود والشعر والحصا من

الجزء: 1 - الصفحة: 168

نواقض الوضوء؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المستحاضة تتوضأ عند كل صلاة» 227 رواه أبو داود.
ودمها غير معتاد.
وأما كون ذلك كذلك قليلاً كان أو كثيرًا فكالخارج المعتاد.
قال: (الثاني: خروج النجاسات من سائر البدن.
فإن كانت غائطًا أو بولاً نقض قليلها، وإن كانت غيرهما لم ينقض إلا كثيرها.
وهو ما فحش في النفس، وحكي عنه أن قليلها ينقض).
أما كون خروج قليل الغائط والبول من غير السبيلين ينقض الوضوء فلما تقدم من عموم قوله تعالى: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة: 6]، وعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «ولكن من غائط أو بول أو نوم» 228. ولأن ذلك خارج معتاد أشبه الخارج من المخرج.
وأما كون خروج قليل النجاسات من سائر البدن غير الغائط والبول كالدم والصديد والقيح لا ينقض الوضوء على المذهب؛ فلأن مفهوم «قول ابن عباس في الدم: إذا كان فاحشًا فعليه الإعادة» 229 يدل عليه.
قال أحمد رضي الله عنه: عِدّة من الصحابة تكلموا فيه.
ابن عمر عصر بيده فخرج الدم فصلى ولم يتوضأ 230. وابن أبي أوفى عصر دملاً.
وذكر غيرهما ولم يعرف لهم مخالف من الصحابة فكان إجماعًا.
وأما كونه ينقض على روايةٍ فقياس على الغائط.

الجزء: 1 - الصفحة: 169

والأول أصح؛ لما تقدم.
وأما كون خروج كثير ذلك ينقض؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث فاطمة: «أنه دم عرق فتوضئي لكل صلاة» 231 رواه الترمذي.
ولأنها نجاسة خارجة من البدن أشبه الخارج من السبيل.
وأما كون الكثير الناقض للوضوء هو ما فحش في النفس دون غيره؛ فلأن ابن عباس قال: هو ما فحش في نفسك.
وعن الإمام أحمد: هو شبر في شبر.
وعنه: ما يرفعه الأصابع العشر.
والأول هو ظاهر المذهب.
قال الخلال: الذي استقر عليه مذهبه - يعني الإمام أحمد رضي الله عنه - أنه - أي أن الكثير - قدر ما يستقبحه كل إنسان في نفسه.
وقال ابن عقيل: إنما يعتبر ما يفحش في نفوس أوساط الناس لا المبتذلين ولا الموسوسين كما يعتبر في اللقطة فيما لا تتبعه همة 232 نفوس أوساط الناس غير ذي الشرف وأهل الدناءة.
قال: (الثالث: زوال العقل إلا النوم اليسير جالسًا أو قائمًا.
وعنه أن نوم الراكع والساجد لا ينقض يسيره).
أما كون زوال العقل بغير النوم من نواقض الوضوء؛ فلأن زائل العقل لا يشعر بخروج الخارج.
ولأن زوال العقل بالنوم ينقض لما يأتي؛ فلأن ينقض بغيره بطريق الأولى لأن زواله بغير النوم أشد من زواله بالنوم لأن زائل العقل بغير النوم لا ينتبه إذا نُبّه بخلاف زائل العقل بالنوم فإنه إذا نُبه انتبه.
وأما كون زواله بالنوم الكثير من نواقض الوضوء؛ فلأن مقتضى الدليل نقض الوضوء بزوال العقل مطلقًا لما تقدم.
تُرك العمل به في النوم اليسير لما يأتي فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاه.

الجزء: 1 - الصفحة: 170

ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «العين وكاء السه فمن نام فليتوضأ» 233 رواه أبو داود.
ولأن النوم مظنة للحدث فقام مقامه كسائر المظان.
وأما كون 234 نوم المضطجع من نواقض الوضوء فلعموم ما تقدم.
ولأن المحل يكون منفتحًا حال اضطجاعه.
وأما كون يسير نوم الجالس لا ينقض فـ «لأن أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كانوا ينتظرون العشاء، فينامون قعودًا ثم يصلون ولا يتوضؤون» 235 رواه مسلم.
ولأن النوم إنما نقض لأنه مظنة لخروج الريح من غير أن يعلم به ولا يحصل ذلك هنا لأن محل الحدث مُنضمٌ.
وأما كون يسير نوم القائم لا ينقض؛ فلأنه في معنى الجالس لاشتراكهما في انضمام محل الحدث.
وأما كون يسير نوم الراكع والساجد ينقض على المذهب فلعموم الحديث المتقدم.
وأما كونه لا ينقض على روايةٍ؛ فلأن حالهما حال من أحوال الصلاة أشبه الجالس.
والأول أولى لما تقدم.
وقياسهما على الجالس لا يصح لأن محل الحدث فيهما منفتح بخلاف الجالس.
فإن قيل: ما اليسير غير الناقض؟ قيل: المرجع فيه إلى العرف لأنه لا حد له في الشرع فرجع فيه إلى العرف كالقبض والحِرز.

الجزء: 1 - الصفحة: 171

قال: (الرابع: مس الذكر بيده ببطن 236 كفه أو بظهره).
أما كون مس الذكر من نواقض الوضوء فلما روت بسرة بنت صفوان أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «من مس ذكره فليتوضأ» 237 قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
وأما كون مس الذكر ينقض ببطن الكف أو بظهره فلشمول الحديث لذلك.
وعن الإمام أحمد لا ينقض مسه بظاهر الكف لأن اللمس غالبًا إنما يستعمل بباطن الكف.
ولا فرق بين ذكره وذكر غيره في النقض لأن نصه على نقضه بمس ذكره مع إباحة مسه تنبيه على النقض بمس ذكر غيره مع كونه معصية بل بطريق الأولى.
وفي بعض الألفاظ: «من مس الذكر فليتوضأ» 238. ولا بين كون الممسوس صغيرًا أو كبيرًا حيًا أو ميتًا.
ولا بين كون اللامس عامدًا أو ساهيًا أو صغيرًا أو كبيرًا.
ولا بين رأس الذكر وأصله لشمول الاسم لذلك كله.
وعن الإمام أحمد في السهو أنه لا ينقض لأنه معفو عنه.
وأن النقض مختص برأس الذكر دون أصله لأنه مظنة الشهوة غالبًا.
قال: (ولا ينقض مسه بذراعه.
وفي مس الذكر المقطوع وجهان).
أما كون مس الذكر بالذراع لا ينقض؛ فلأن الحكم المعلق على مطلق اليد في الشرع يحمل على الكوع دليله السارق.
وعن أحمد رضي الله عنه ينقض لأنه من يده.

الجزء: 1 - الصفحة: 172

والأول أصح لما ذكر.
وأما كون مس الذكر المقطوع ينقض في وجه فلبقاء الاسم.
وأما كونه لا ينقض في وجه فلذهاب الحرمة والشهوة أشبه فرج البهيمة.
قال: (وإذا لمس قبل الخنثى المشكل وذكره انتقض وضوؤه.
وإن مس أحدهما لم ينتقض إلا أن يمس الرجل ذكره لشهوة).
أما كون من لمس قبل الخنثى المشكل وذكره ينتقض وضوؤه؛ فلأن لمس الفرج هنا متيقن لأن الخنثى إن كان ذكرًا فقد لمس ذكره وإن كان أنثى فقد مس فرجها.
وأما كون من لمس أحدهما غير المستثنى لاينتقض وضوؤه فلاحتمال أن يكون غير فرج فلا ينتقض الوضوء مع قيام الاحتمال.
وأما كون الرجل إذا لمس ذكر الخنثى لشهوة ينتقض وضوؤه؛ فلأن الخنثى إن كان رجلاً فقد لمس ذكرًا وإن كان امرأة فقد لمس الرجل امرأة لشهوة.
هذا تعليل كلام المصنف رحمه الله.
واعلم أنه إذا لمس أحدهما ينتقض في روايةٍ أخرى لم يذكرها المصنف هنا.
وهي أن تلمس المرأة قُبُلَه لشهوة؛ لأن الخنثى إن كان امرأة فقد لمست المرأة فرج امرأة، وإن كان رجلاً فقد لمسته لشهوة.
صرح به صاحب المجرد فيه.
قال: (وفي مس الدبر ومس المرأة فرجها روايتان.
وعنه لا ينقض مس الفرج بحال).
أما كون مس الدبر ينقض في روايةٍ فلعموم قوله: «من مس ذكره فليتوضأ» 239. وقياسًا على الذكر.
وأما كونه لا ينقض في روايةٍ؛ فلأنه لم يرد فيه نص صريح.
وقوله: «من مس فرجه» المراد به الذكر لأن المشهور من الحديث: «من مس ذكره فليتوضأ» والمطلق يجب حمله على المقيد.

الجزء: 1 - الصفحة: 173

وأما كون مس المرأة فرجها ينقض في روايةٍ فلما روى أحمد عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا مست إحداكن فرجها فلتتوضأ» 240. ولما تقدم من عموم قوله: «من مس فرجه فليتوضأ» 241. ولأنه أحد الفرجين أشبه الآخر.
وأما كونه لا ينقض في روايةٍ فلما تقدم من أن المطلق يحمل على المقيد.
والحديث ضعيف.
وأما كون مس الفرج لا ينقض بحال على روايةٍ فلما روى قيس بن طلق عن أبيه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الرجل يمس ذكره وهو في الصلاة.
فقال: هل هو إلا بضعة منك» (1) رواه أبو داود.
والأول أصح لما تقدم من حديث بنت صفوان (2). وعن زيد بن خالد الجهني قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: «من مس فرجه فليتوضأ» 242. وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه حتى لا يكون بينه وبينه حجاب ولا ستر فليتوضأ وضوءه للصلاة» 243 رواه الدارقطني.
وأما حديث قيس بن طلق فضعيف.
وعلى تقدير صحته هو منسوخ؛ لأنه كان في أول الهجرة، وما روي في النقض متأخر عن ذلك.244245

الجزء: 1 - الصفحة: 174

قال: (الخامس: أن تمس بشرته بشرة أنثى لشهوة.
وعنه لا ينقض.
وعنه ينقض لمسها بكل حال.
ولا ينقض لمس الشعر والسن والظفر والأمرد.
وفي نقض وضوء الملموس روايتان).
أما كون مس بشرة الرجل بشرة أنثى لشهوة من نواقض الوضوء على المذهب فلما يأتي.
وأما كونه لا ينقض بحال على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قبّل امرأة من نسائه وخرج إلى الصلاة ولم يتوضأ» 246 رواه أبو داود.
وأما كونه ينقض بكل حال على روايةٍ فلقوله تعالى: ﴿أو لمستم النساء﴾ [المائدة: 6] قراءة ابن مسعود.
والأول هو الصحيح لأن فيه جمعًا بين القرآن الكريم وبين فعل النبي - صلى الله عليه وسلم -. فتحمل الآية على السهو، ويحمل فعله على أنه كان لغير شهوة.
ولا فرق في هذا اللمس بين الأجنبية وذات المحرم.
والصغيرة والكبيرة.
والحية والميتة لعموم الآية ووجود العلة.
واختار الشريف أبو جعفر وابن عقيل أن لمس الميتة لا ينقض لأنها ليست محلاً للشهوة فهي كالرجل.
وهذا اللمس مختص بالعضو المتصل؛ لأن المنفصل خرج أن يكون محلاً للشهوة.
وأما كون لمس الشعر والسن والظفر لا ينقض؛ فلأن ذلك ينفصل عن المرأة حال السلامة أشبه الدمع والعرق.
ولأنه لا يقع على المرأة الطلاق بإضافته إليه، ولا الظِّهار فكذلك لا ينقض الوضوء.
وأما لمس الأمرد لا ينقض فلعدم تناول الآية له.
ولأنه ليس محلاً للشهوة شرعًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 175

وأما كون وضوء الملموس ينقض في روايةٍ فقياسًا على اللامس.
وأما كونه لا ينقض في روايةٍ فلعموم تناول الآية لذلك.
وقياسه على اللامس لا يصح لأن الحدث في حقه أدعى منه حق الملموس.
قال: (السادس: غسل الميت.
السابع: أكل لحم الجزور لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «توضأوا من لحوم الإبل ولا توضأوا من لحوم الغنم» 247. فإن شرب من لبنها فعلى روايتين.
وإن أكل من كبدها أو طحالها فعلى وجهين).
أما كون غسل الميت من نواقض الوضوء فـ «لأن عمر وابن عباس كانا يأمران غاسل الميت بالوضوء».
وعن أبي هريرة قال: «أقل ما فيه الوضوء».
ولم يعرف لهم مخالف فكان إجماعًا.
ولأن الغالب أنه لا يسلم أن تقع يده على فرجه فكانت مظنة ذلك قائمة مقام حقيقته كالنوم.
وأما كون أكل لحم الجزور من نواقض الوضوء فلما ذكر المصنف من قول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «توضأوا من لحوم الإبل ولا توضأوا من لحوم الغنم» رواه الإمام أحمد.
ولا فرق في النقض به بين كونه نيًا أو مطبوخًا أو مشويًا.
ولا بين كون الآكل عالمًا أو جاهلاً لعموم الحديث.
فإن قيل: فقد روى جابر «كان آخر الأمرين من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ترك الوضوء مما مسته النار» 248 رواه النسائي.
قيل: لا دلالة في ذلك إلا على نسخ وجوب الوضوء مما مسته النار لأجل كونه ممسوسًا بالنار.
ونحن نقول به ولذلك ينتقض الوضوء بأكل لحم الجزور نيًا.

الجزء: 1 - الصفحة: 176

وعن الإمام أحمد رحمه الله أن من لم يعلم بالحديث لا ينتقض وضوؤه لعذره.
وعنه: لا ينقض بحال؛ لقوله عليه السلام: «الوضوء مما يخرج لا مما يدخل» 249 رواه الدارقطني.
ولأنه مأكول أشبه لحم الغنم.
والصحيح الأول لما ذكرنا.
ولأن رجلاً سأل النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أتوضأ من لحوم الغنم؟ قال: لا.
قال: أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم» 250 رواه مسلم.
والأحاديث في هذا صحيحة كثيرة.
فإن قيل: المراد بالوضوء غسل اليدين لأن الوضوء المقرون بالأكل يراد به الغسل ولذلك حمل عليه «أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالوضوء قبل الطعام وبعده» 251. قيل: هذا التأويل غير صحيح من وجوه أربعة: أحدها: أنه حمل للأمر على الاستحباب وهو ظاهر في الوجوب.
الثاني: أنه حمل للوضوء الوارد من الشرع على غير موضوعه الشرعي.

الجزء: 1 - الصفحة: 177

الثالث: أنه جمع بين ما أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - وبين ما نهى عنه فـ «إنه - صلى الله عليه وسلم - أمر بالوضوء من لحم الإبل ونهى عنه من لحم الغنم» والخصم يقول يستحب فيهما.
الرابع: أن السائل سأل عن الوضوء من لحم الإبل والصلاة في مباركها، والوضوء المقترن بالصلاة لا يفهم منه غير الوضوء الشرعي.
وأما كون الشرب من لبنها ينقض على روايةٍ فلما روي عن أسيد بن حضير «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن ألبان الإبل.
فقال: توضؤا من ألبانها» 252 رواه الإمام أحمد رضي الله عنه وابن ماجة.
وأما كونه لا ينقض على روايةٍ؛ فلأن الحديث الصحيح إنما ورد في اللحم فيجب الاقتصار عليه.
وأما كون الأكل من كبدها أو طحالها ينقض على وجه؛ فلأن ذلك من جملة الجزور فإطلاق لفظ اللحم تناوله بدليل أن الله تعالى لما حرم لحم الخنزير تناول ذلك جميع أجزائه.
وأما كونه لا ينقض على وجه؛ فلأنه لم يرد فيه نص ولا هو في معنى ما نص عليه فوجب بقاؤه على ما كان عليه.
فإن قيل: ما حكم دهنها وسنامها ومرقها وسائر أجزائها.
قيل: حكم كبدها لاشتراك ذلك كله فيما ذكر قبل.
قال: (الثامن: الردة عن الإسلام).
أما كون الردة وهي الإتيان بما يخرج به عن الإسلام من نطق أو اعتقاد أو شك من نواقض الوضوء فلقوله تعالى: ﴿لئن أشركت ليحبطن عملك﴾ [الزمر: 65].
والوضوء عمل وهو باق حكمًا يبطل بجميع مبطلات الوضوء.
ولأنه عبادة فأفسدته الردة كالصلاة.

الجزء: 1 - الصفحة: 178

ولأن الردة حدث بدليل قول ابن عباس: «الحدث حدثان حدث اللسان وحدث الفرج وأشدهما حدث اللسان».
فيفسد الوضوء لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» 253 متفق عليه.
قال: (ومن تيقن الطهارة وشك في الحدث، أو تيقن الحدث وشك في الطهارة بنى على اليقين.
فإن تيقنهما وشك في السابق منهما نظر في حاله قبلهما فإن [كان] 254 متطهرًا فهو محدث، وإن كان محدثًا فهو متطهر).
أما كون من تيقن الطهارة وشك في الحدث يبني على اليقين وهو الطهارة هنا فلما روى عبدالله بن زيد «شكي إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في الصلاة.
قال: لا ينصرف حتى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا» 255 متفق عليه.
ولأن اليقين لا يزول بالشك.
وأما كون من تيقن الحدث وشك في الطهارة يبني على اليقين وهو الحدث هنا فلما تقدم من أن اليقين لا يزول بالشك.
ولأنه إذا بنى من تيقن الطهارة وشك في الحدث على اليقين؛ فلأن يبني من تيقن الحدث وشك في الطهارة على اليقين بطريق الأولى.
وأما كون من تيقن الطهارة والحدث وشك في السابق منهما محدثًا إذا كان قبلهما متطهرًا؛ فلأنه تيقن الحدث بعد طهارته الأولى وشك في الطهارة الثانية هل كانت بعد الحدث أو قبله فلا يزول عن اليقين بالشك.

الجزء: 1 - الصفحة: 179

وأما كونه متطهرًا إذا كان قبلهما محدثًا؛ فلأنه تيقن بعد حدثه الأول طهارة وشك هل كان الحدث الآخر قبل طهارته أو بعدها؟ فلا يزول عن اليقين بالشك.
قال: (ومن أحدث حرم 256 عليه الصلاة، والطواف، ومس المصحف).
أما كون من أحدث يحرم عليه الصلاة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ» 257. وأما كونه يحرم عليه الطواف فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «الطواف بالبيت صلاة إلا أن الله أباح فيه الكلام» 258 رواه الشافعي في مسنده.
وأما كونه يحرم عليه مس المصحف فلقول الله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: 79].
ولقوله عليه السلام: «لا تمس القرآن إلا وأنت طاهر» 259 رواه الأثرم.

الجزء: 1 - الصفحة: 180

باب الغَسل

قال أبو محمد بن بري: الغسل بفتح الغين.
قال المصنف رحمه الله: (وموجِباته سبعة: خروج المني الدافق بلذة.
فإن خرج لغير ذلك لم يوجب).
أما كون موجبات الغسل سبعة؛ فلأن موجِبَه تارة يكون خروج المني، وتارة يكون التقاء الختانين، وتارة إسلام الكافر، وتارة الموت، وتارة الحيض، وتارة النفاس، وتارة الولادة.
أما كون خروج المني الدافق بلذة من موجِباته فلقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: 6]، وقوله: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: 43].
وقوله عليه السلام: «إذا فضخت الماء فاغتسل» 260 رواه أبو داود.
وأما كونه لا يوجب إذا خرج لغير ذلك؛ مثل أن يخرج لغير لذة، أو يضرب ظهره فيسبق المني، أو يسيل منه لاسترخاء في أوعيته فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - وصف المني الموجب للغسل بكونه غليظًا أبيض» 261 كما يأتي وعلق الغسل على فضخه.
والفضح: خروجه على وجه الشدة.
ولأنه خرج على غير المعتاد فلم يوجب الغسل كما لو 262 خرج من غير المخرج المعتاد.
فإن قيل: ما صفة المني؟

الجزء: 1 - الصفحة: 181

قيل: مني الرجل ماء ثخين أبيض له رائحة كرائحة العجين تشتد الشهوة عند خروجه ويعقبه فتور.
ومني المرأة ماء رقيق أصفر رائحته تشبه رائحة بيضٍ منتن؛ لما روى أنس «أن أم سُليم سألت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن المرأة ترى في منامها ما يرى الرجل.
فقال - صلى الله عليه وسلم -: إذا رأت ذلك فأنزلت فعليها الغسل.
فقالت أم سُليم: أَوَيكون ذلك.
قال: نعم.
ماء الرجل غليظ أبيض، وماء المرأة رقيق أصفر.
فأيهما سبق أو علا أشبهه الولد» 263 رواه مسلم.
قال: (وإن أحس بانتقاله فأمسك ذكره فلم يخرج فعلى روايتين.
فإن خرج بعد الغسل، أو خرجت بقية المني لم يجب الغسل.
وعنه يجب.
وعنه يجب إذا خرج قبل البول دون ما بعده).
أما كون من أحس بانتقال منيه فأمسك ذكره فلم يخرج يجب عليه الغسل على روايةٍ فلقوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: 6].
لأن الجنابة مشتقة من المجانبة والمباعدة ولذلك فسر قوله تعالى: ﴿والجار الجنب﴾ [النساء: 36] بالبعيد في النسب.
وقيل: بالبعيد في الدين.
وهذا المني قد جانب محله فصاحِبُه جنب فيدخل تحت قوله تعالى: ﴿وإن كنتم جنبًا فاطهروا﴾ [المائدة: 6].
وأما كونه لا يجب عليه على روايةٍ؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علق الاغتسال على رؤية المني في قوله: «نعم إذا رأت الماء» 264. وعلقه على الفضخ في قوله: «إذا فضخت الماء فاغتسل» 265. ولم يوجد واحد منهما.
ولأن الشهوة بمجردها لا توجب الغسل لأنها أحد وصفي العلة.
والأولى هي الصحيحة في المذهب لما ذكر.
ولأن المني المذكور في حكم المني المفضوخ.
وأما كونه لا يجب عليه الغسل إذا خرج بعد الغسل مطلقًا على المذهب؛ فلأنها جنابة واحدة فلم يجب بها غسلاً كما لو خرج الماء دفعة واحدة.

الجزء: 1 - الصفحة: 182

وأما كونه يجب عليه على روايةٍ؛ فلأن الاعتبار بخروجه وقد وجد.
وأما كونه إن خرج قبل البول يجب عليه على روايةٍ؛ فلأن خروجه يكون لشهوة.
وكونه إن خرج بعده لا يجب عليه عليها؛ فلأنه يكون بغير دفق وشهوة ولا يعقبه فتور فلم يجب الغسل لفقدان صفة المني الموجِب.
وأما كون من أمنى فاغتسل ثم خرجت بقية منيه لا يجب عليه الغسل ففيه الروايات الثلاث ودليلها ما مر قبل.
قال: (الثاني: التقاء الختانين.
وهو: تغييب الحشفة في الفرج قبلاً كان أو دبرًا من آدمي أو بهيمة حي أو ميت).
أما كون التقاء الختانين من موجبات الغسل فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا جلس بين شعبها الأربع، ومس الختانُ الختانَ فقد وجب الغسل» 266 رواه مسلم.
وأما قول المصنف رحمه الله: وهو تغييب الحشفة في الفرج فتفسير لالتقاء الختانين لأن ختان الرجل موضع القطع وختان المرأة مستعل على ختان المرأة في أعلا الجلد فإذا غابت الحشفة تحاذيا والتحاذي يطلق عليه الالتقاء ومنه التقاء الفارسان إذا تحاذيا.
وأما كون الدبر كالقبل والبهيمة كالآدمي والميت كالحي في إيجاب الغسل بتغييب الحشفة فلاشتراك الكل في تغييب الحشفة الموجب للغسل.
ولأن التغييب المذكور في الدبر والبهيمة والميتة إيلاج في فرج فأوجب الغسل كالآدمية الحية.
قال: (الثالث: إسلام الكافر أصليًا كان أو مرتدًا.
وقال أبو بكر: لا غسل عليه).
أما كون إسلام الكافر من موجبات الغسل على المذهب فلما روى قيس بن عاصم قال: «أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - أريد الإسلام فأمرني أن أغتسل بماء وسدر» 267 رواه أبو داود والنسائي.

الجزء: 1 - الصفحة: 183

وظاهر أمره الإيجاب.
وأما كون المرتد كالأصلي فلاستواءهما في المعنى الذي وجب له الغسل وهو الإسلام فلا فرق بين أن يغتسل الكافر قبل إسلامه أو لا يغتسل.
ولا بين من أجنب حال كفره أو لم يجنب؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغسل من غير استفصال.
ولو اختلف الحال لوجب الاستفصال.
وأما كون الكافر إذا أسلم لا غسل عليه على قول أبي بكر؛ فلأن العدد الكثير والجمهور الغفير أسلموا زمن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلو أمر كل واحد بالغسل لنقل نقلاً متواترًا.
قال: (والرابع: الموت.
والخامس: الحيض.
والسادس: النفاس.
وفي الولادة وجهان).
أما كون الموت من موجِبات الغسل؛ فلأن غَسل الميت مأمور به لما يأتي.
ولو لم يجب بالموت لما أُمر به.
والغسل المذكور تعبد لا عن حدث ولا عن نجس لأنه لو كان عن حدث لم يرتفع مع بقاء سببه كالحائض لا تغتسل من جريان الدم، ولو كان عن نجس لم يطهر مع بقاء سبب التنجيس وهو الموت وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تنجسوا موتاكم؛ المؤمن طاهر حال حياته وبعد وفاته» 268.

الجزء: 1 - الصفحة: 184

وأما كون الحيض من موجِباته؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالغسل من الحيض في أحاديث كثيرة فقال لفاطمة بنت قيس: «دعي الصلاة قدر الأيام التي كنت تحيضين فيها ثم اغتسلي وصلي» 269 متفق عليه.
وأمر به في حديث أم سلمة 270 وحديث عدي عن أبيه عن جده 271 رواه أبو داود والترمذي.
وأمر به أم حبيبة 272 وسهلة بنت سهيل 273 وغيرهما.
وقد قيل في قوله تعالى: ﴿فإذا تطهرن فأتوهن ... الآية﴾ [البقرة: 222] منع الزوج من وطئها قبل الغسل وذلك يدل على وجوبه عليها لأنها يجب عليها الوطء لزوجها فيجب عليها الغسل لأن ما لا يتم الواجب إلا به واجبٌ.
وأما كون النفاس من موجباته؛ فلأنه دم حيض اجتمع فوجب أن يعطى حكم الحيض.
وأما كون الولادة من موجباته في وجه؛ فلأن الولد مخلوق أصله المني أشبه المني.
ولأنه يُستبرأ به الرحم أشبه الحيض.

الجزء: 1 - الصفحة: 185

وأما كونه ليس من موجباته في وجه وهو الصحيح؛ فلأنه مني استحال وخرج على غير الوجه المعتاد أشبه العلقة.
ولا بد أن يلحظ أن الولادة عرية عن الدم لأنها إذا لم تكن كذلك يكون نفاسًا موجبًا للغسل بلا خلاف لما تقدم.
ولذلك ألحق بعض من أذن له المصنف رحمه الله في الإصلاح: العارية عن الدم ليخرج الولادة التي معها دم عن الخلاف المذكور.
قال: (ومن لزمه الغسل حرم عليه قراءة آية فصاعدًا.
وفي بعض آية روايتان).
أما كون من لزمه الغسل يحرم عليه قراءة آية فصاعدًا فلما روى علي رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه لم يكن يحجبه أو يحجزه عن القرآن شيء ليس الجنابة» 274 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.
وروى ابن عمر عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا يقرأ الجنب ولا الحائض شيئًا من القرآن» 275 رواه أبو داود.
وأما كونه يحرم عليه قراءة بعض آية في روايةٍ فلعموم الأحاديث.
وأما كونه لا يحرم عليه في روايةٍ؛ فلأنه لا يحصل الإعجاز بذلك ولا يجزئ في الخطبة.
ولأنه لا يُمنع الجنب من قول: ﴿الحمد لله﴾ [الفاتحة: 2] بالاتفاق.
وهي نصف آية، ولا من قول: ﴿بسم الله﴾ [الفاتحة: 1].
وهي بعض آية.

الجزء: 1 - الصفحة: 186

قال: (ويجوز له العبور في المسجد، ويحرم عليه اللبث فيه إلا أن يتوضأ).
أما كون من لزمه الغسل يجوز له العبور في المسجد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل﴾ [النساء: 43].
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لعائشة: ناوليني الخمرة من المسجد.
قالت: إني حائض.
قال: إن حيضتك ليست في يدك» 276 متفق عليه.
وعن جابر: «كنا نمر في المسجد ونحن جنب».
ولا بد أن يُلحظ في المرور المذكور العذر فإن لم يكن عذرٌ لم يجز لأن له مندوحة عنه.
وأما كونه يحرم عليه اللبث في المسجد إذا لم يتوضأ؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون ولا جنبًا إلا عابري سبيل حتى تغتسلوا﴾ [النساء: 43].
ولأن عائشة روت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «لا أحل المسجد لجنب ولا حائض» 277 رواه أبو داود.
فإن قيل: المنهي عنه في الآية قربان الصلاة فما وجه الاحتجاج به على تحريم اللبث في المسجد؟ قيل: المراد بالصلاة موضعها لأن الصلاة حقيقة لا يعبر فيها فحيث نَهى عن قربانها واستثنى عابر السبيل عُلم أن المراد الموضع لا الصلاة.
وأما كونه لا يحرم عليه ذلك إذا توضأ فلما روى زيد بن أسلم «كان أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يتحدثون في المسجد على غير وضوء.
وكان الرجل يكون جنبًا فيتوضأ ثم يدخل فيتحدث» 278 رواه حنبل بن إسحاق صاحب أحمد.

الجزء: 1 - الصفحة: 187

وهذا إشارة إلى جميعهم، وتكرار الفعل منهم، وكونه معلومًا عندهم فيكون إجماعًا يُخص به العموم المتقدم.
وعن عطاء بن يسار قال: «رأيت رجالاً من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يجلسون في المسجد وهم مُجنِبون إذا توضؤا وضوء الصلاة» 279 رواه سعيد بن منصور في سننه.
ولأنه إذا توضأ خف حكم الحدث أشبه المتيمم عند عدم الماء.
ودليل خفة حدثه «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بالوضوء لمن أراد النوم وهو جنب» 280.

الجزء: 1 - الصفحة: 188

فصل [في الأغسال المستحبة]

قال المصنف رحمه الله: (والأغسال المستحبة ثلاثة عشر غسلاً: للجمعة، والعيدين، والاستسقاء، والكسوف، ومن غسل الميت، والمجنون، والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام، وغسل المستحاضة لكل صلاة، والغسل للإحرام، ودخول مكة، والوقوف بعرفة، والمبيت بمزدلفة، ورمي الجمار، والطواف).
أما كون الغسل للجمعة من الأغسال المستحبة فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «من توضأ للجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل» 281 رواه أحمد والترمذي والنسائي.
والضمير في فبها عائد إلى السنة أي فبالسنة أخذ، ونعمت يعني الخُلّة.
وعن الإمام أحمد أنه واجب لقوله عليه السلام: «إذا أتى أحدكم الجمعة فليغتسل» 282 رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة.
ولقوله عليه السلام: «غسل الجمعة واجب على كل محتلم» 283 متفق عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 189

والصحيح الأول.
والأمر في الثاني محمول على الاستحباب بدليل ما تقدم.
و«لأن عثمان رضي الله عنه أتى الجمعة ولم يغتسل» 284. وأما قوله: واجب فقد قيل كان واجبًا ثم نسخ.
وقيل: أطلق الواجب على ذلك لتأكد الاستحباب كما يقول: حقك واجب علي.
وأما كون الغسل للعيدين من الأغسال المستحبة فـ «لأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل يوم الفطر ويوم النحر» 285 رواه ابن ماجة.
و«لأن عليًا وابن عمر رضي الله عنهما كانا يأمران بالغسل لهما» 286. ولأن صلاة العيد صلاة وقت شرط لها الجماعة أشبهت الجمعة.
فإن قيل: ما وقته؟ قيل: وقت غسل الجمعة.
وقيل: يجوز قبل طلوع الفجر بخلاف الجمعة.
والفرق بينهما أن وقت العيد ضيق فلو لم يجز إلا بعد طلوع الفجر لتطرق الفوات إلى كثير من الناس بخلاف الجمعة فإن وقتها واسع فلا يؤدي عدم الجواز قبل الفجر إلى ذلك.
وأما كون الغسل للاستسقاء والكسوف من الأغسال المستحبة؛ فلأن الصلاة لكل واحد منهما يسن لها الاجتماع فيسن لها الغسل كالجمعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 190

وأما كون الغسل من غسل الميت منها فلما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «من غسل ميتًا فليغتسل ومن حمله فليتوضأ» 287 رواه الترمذي.
وقال: هذا حديث حسن.
وروي عن علي وأبي هريرة 288 رضي الله عنهما أنهما قالا: «من غسل ميتًا فليغتسل» 289. وأدنى أحوال ذلك الاستحباب.
وأما كون الغسل للمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا من غير احتلام منها: أما المجنون؛ فلأنه يستحب للمغمى عليه لما يأتي؛ فلأن يستحب للمجنون بطريق الأولى.
وأما المغمى عليه فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أغمي عليه فاغتسل» 290 متفق عليه.
ولأنه مختلف في وجوبه وأدنى أحواله الاستحباب.
وأما كون غسل المستحاضة لكل صلاة منها فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر المستحاضة بالغسل فكانت تغتسل لكل صلاة» 291 متفق عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 191

ولأنه يجوز انقطاع الدم المختص بالحيض حينئذ.
ولأن فيه تخفيفًا لحدثها لما تقدم في الجنب.
وأما كون الغسل للإحرام منها فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر أسماء بنت عميس وهي نفساء أن تغتسل وتهل» 292 رواه مسلم.
فإن قيل: إنما أمرها بذلك لما هي فيه من النفاس وهذا المعنى مفقود في كل محرم.
قيل: ليس الأمر كذلك.
وإنما أمرها به للإحرام لأن حدث النفاس مستمر والغسل لا يؤثر فيه.
فعلى هذا يستحب في حق كل محرم لاشتراك الكل في الإحرام.
ويعضد ذلك «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تجرد لإحرامه واغتسل» 293 رواه الترمذي.
وعن عائشة «أنه كان إذا أراد أن يحرم غسل رأسه بخطمي وأُشنان» 294 رواه البخاري.
وأما كون الغسل لدخول مكة منها فلما روى ابن عمر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - بات حتى صلى الصبح واغتسل ثم دخل مكة» 295 رواه مسلم بمعناه.
وأما كون الغسل للوقوف بعرفة منها فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغتسل يوم عرفة» 296 رواه ابن ماجة.
وروى مالك في الموطأ «أن ابن عمر كان يغتسل إذا راح إلى عرفة» 297.

الجزء: 1 - الصفحة: 192

وأما كون الغسل للمبيت بمزدلفة ورمي الجمار والطواف منها؛ فلأنها مواضع يجتمع لها الناس ويزدحمون ويعرقون فيؤذي بعضهم بعضًا بالعرق والرائحة فاستحب فيها الغسل تنظيفًا وتخفيفًا كالجمعة.

الجزء: 1 - الصفحة: 193

فصل في صفة الغسل

قال المصنف رحمه الله: (وهو ضربان: كامل يأتى فيه بعشرة أشياء: النية، والتسمية، وغسل يديه ثلاثًا، وغسل ما به من أذى، والوضوء، ويحثي على رأسه ثلاثًا يروي بها أصول الشعر، ويفيض الماء على سائر جسده ثلاثًا، ويبدأ بشقه الأيمن، ويدلك بدنه بيديه، وينتقل من موضعه فيغسل قدميه.
ومجزئ وهو: أن يغسل ما به من أذى وينوي ويعم بدنه بالغسل).
أما كون الغسل ضربين كاملاً ومجزءًا؛ فلأنه تارة يشتمل على فروضه وسننه ويسمى كاملاً لرجحانه على غيره، وتارة على فروضه فقط ويسمى مجزءًا لحصول الإجزاء به.
وأما كون الكامل ما يُؤتى فيه بالأشياء المذكورة؛ فلأن كل واحد منها إما واجب وإما مسنون: أما النية فواجبة لما يأتي في المجزئ، وأما التسمية فواجبة أو مسنونة على الاختلاف المذكور في الوضوء لكن الغسل آكد من الوضوء وقد جاء فيه: «لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه» 298. وأما غسل يديه ثلاثًا؛ فلأن في حديث عائشة رضي الله عنها قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا اغتسل للجنابة غسل يديه ثلاثًا» 299 متفق عليه.
وأما غسل ما به من أذى والمراد به ما على فرجه من نجاسة أو مني أو نحو ذلك؛ فلأن في حديث ميمونة: «ثم غسل فرجه» 300.

الجزء: 1 - الصفحة: 194

وأما الوضوء؛ فلأن في حديث عائشة المتقدم: «وتوضأ وضوءه للصلاة» 301. وفي حديث ميمونة: «ثم تمضمض واستنشق وغسل وجهه وذراعيه» 302. وأما حثي الماء على رأسه ثلاثًا وغسل سائر جسده؛ فلأن في حديث عائشة المتقدم: «حتى إذا ظن أنه قد روى بشرته أفاض عليه الماء ثلاث مرات.
ثم غسل سائر جسده» 303 متفق عليه.
وفي حديث ميمونة: «ثم أفاض على رأسه.
ثم غسل جسده» 304. وأما تروية أصول الشعر؛ فلأن ذلك مما لا بد منه لقوله عليه السلام: «إن تحت كل شعرة جنابة.
فاغسلوا الشعر وأنقوا البشرة» 305 رواه أبو داود.
وإذا كان لا بد منه استحال أن يكون الغسل كاملاً بدونه.
وأما البدائة بشقه الأيمن؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - «كان يعجبه التيمن في تنعله وتَرَجُّلِه وطَهوره وفي شأنه كله» 306 متفق عليه.
وفي حديث عائشة رضي الله عنها: «كان إذا اغتسل للجنابة بدأ بشقه الأيمن ثم الأيسر» 307.

الجزء: 1 - الصفحة: 195

وأما دلك بدنه [بيديه] 308 فلئلا يبقى موضع من بدنه غير مغسول.
وأما الانتقال من موضع غسله وغسل قدميه؛ فلأن في حديث ميمونة: «ثم تنحى فغسل رجليه» 309. وأما كون المجزئ أن يغسل ما به من أذى وينوي ويعم بدنه بالغسل؛ فلأن ذلك كله واجب.
أما غسل ما به من أذى -والمراد به ما تقدم-؛ فلأن ذلك: إما نجس، وإما مانع من وصول الماء إلى ما تحته مما يجب غسله.
وأما النية؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ [البينة: 5].
ولأن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنما الأعمال بالنيات وإنما لامرئ ما نوى» 310. وقال عليه السلام: «لا عمل إلا بنية» 311. وأما تعميم البدن بالغسل؛ فلأنه لا يقع اسم الغسل بدون إصابة الماء لجميع البدن.
ولم يذكر المصنف رحمه الله التسمية وذلك يدل على عدم وجوبها عنده.
ونص في المغني أن أمرها في الغسل أخف؛ لأن حديث التسمية في الوضوء إنما يتناول بصريحه الوضوء لا غير.
وغير المصنف رحمه الله يختار وجوبها فيهما.
فعلى هذا لا بد من التسمية في المجزئ.
ونص على ذكرها فيه أبو الخطاب.

الجزء: 1 - الصفحة: 196

قال: (ويتوضأ بالمد، ويغتسل بالصاع.
فإن أسبغ بدونهما أجزأه).
أما كون المتوضئ يتوضأ بالمد والمغتسل يغتسل بالصاع فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغسله الصاع من الجنابة ويوضؤه المد» 312 رواه مسلم.
فإن قيل: ما قدر الصاع والمد؟ قيل: الصاع خمسة أرطال وثلث؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لكعب بن عجرة: «أطعم ستة مساكين فَرَقًا من طعام» 313. قال أبو عبيد: لا خلاف بين الناس أعلم أن الفَرَق ثلاثة آصع، والفَرَق ستة عشر رطلاً.
فثبت أن الصاع خمسة أرطال وثلث.
وروي «أن أبا يوسف دخل المدينة وسألهم عن الصاع.
فقالوا: خمسة أرطال وثلث.
فطالبهم بالحجة.
فقالوا: غدًا.
فجاء من الغد سبعون شيخًا كل واحد منهم آخذ صاعه تحت ردائه.
فقال: صاعي ورثته عن أبي وورثه أبي عن جدي حتى انتهوا به إلى النبي - صلى الله عليه وسلم -. فرجع أبو يوسف عن قوله» 314. وهذا إسناد متواتر يفيد القطع.
وقد ثبت أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «المكيال مكيال المدينة» 315. والمد ربع الصاع.
فوزنه على ما ذكر رطل وثلث.
وأما كون الإسباغ.
ومعناه: أن يعم جميع الأعضاء بالماء بحيث يجري عليها يجزئ؛ فلأن هذا هو الغسل.
فإذا أتى به فقد أتى بما أمر به.

الجزء: 1 - الصفحة: 197

وقد روي عن عائشة رضي الله عنها «أنها كانت تغتسل هي والنبي - صلى الله عليه وسلم - في إناء واحد يسع ثلاثة أمداد أو قريبًا من ذلك» 316 رواه مسلم.
قال: (وإذا اغتسل ينوي الطهارتين أجزأ عنهما.
وعنه لا يجزئه حتى يتوضأ (2». أما كون الغسل المذكور يجزئ عنه وعن الوضوء على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿ولا جنبًا إلا عابري سبيل ... الآية﴾ [النساء: 43] جعل الاغتسال نهاية المنع من الصلاة فيجب أنه إذا اغتسل تجوز له الصلاة.
ولأنهما عبادتان فوجب أن تدخل الصغرى في الكبرى كما تدخل العمرة في الحج.
وأما كونه لا يجزئه حتى يتوضأ على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - توضأ لما اغتسل للجنابة» 318. وأُمرنا باتباعه.
ولأن الحدث والجنابة وجدا منه فوجب لهما طهارتان كما لو كانا منفردين.
ولأن الترتيب شرط في رفع الحدث الأصغر [على الصحيح] 319 ولم يوجد.
قال: (ويستحب للجنب إذا أراد النوم 320 أو الأكل أو الوطء ثانيًا أن يغسل فرجه ويتوضأ).
أما كون الجنب يستحب له أن يغسل فرجه في جميع ما ذكر فلإزالة ما عليه من الأذى.
وأما كونه يستحب له أن يتوضأ إذا أراد النوم فلما روى ابن عمر «أن عمر سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أيرقد أحدنا وهو جنب؟ قال: نعم.
إذا توضأ أحدكم فليرقد» 321 متفق عليه.317

الجزء: 1 - الصفحة: 198

وإنما لم يجب عليه ذلك لأن عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينام وهو جنب ولا يمس ماء» 322 رواه الترمذي.
ويجب حمل الأول على الاستحباب وحمل هذا على الجواز لما فيه من الجمع بينهما.
وأما كونه يستحب له ذلك إذا أراد الأكل فلما روت عائشة رضي الله عنها «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان إذا أراد أن يأكل أو ينام توضأ.
يعني وهو جنب» 323 رواه أبو داود.
وأما كونه يستحب له ذلك إذا أراد الوطء ثانيًا فلما روى أبو سعيد قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أتى أحدكم أهله ثم أراد أن يعود فليتوضأ» 324 رواه مسلم.
وإنما لم يجب عليه ذلك لأن عائشة قالت: «كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كانت له حاجة إلى أهله أتاهم ثم يعود ولا يمس ماء» 325 رواه أحمد.
والحمل كما تقدم لما تقدم.

الجزء: 1 - الصفحة: 199

باب التيمم

التيمم في اللغة: القصد.
قال الله تعالى: ﴿ولا تَيَمّموا الخبيث منه تنفقون﴾ [البقرة: 267] أي ولا تقصدوا الخبيث منه تنفقون.
وقال امرؤ القيس: تَيَمَّمَتِ العينَ التي عند ضَارِجٍ ...... يَفِيء عليها الظِلُّ عَرْمَضها طَامِي أي قصدت العين المذكورة.
وفي الشرع: عبارة عن مسح الوجه واليدين بشيء من الصعيد على وجه مخصوص بنية مخصوصة.
وهو جائز بالكتاب والسنة.
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: 6].
وأما السنة فقوله - صلى الله عليه وسلم -: «جعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا» (4) رواه مسلم.
قال المصنف رحمه الله: (وهو بدل لا يجوز إلا بشرطين: أحدهما: دخول الوقت.
فلا يجوز لفرضٍ قبل وقته، ولا لنفلٍ في وقت النهي عنه).
أما كون التيمم بدلاً والمراد عن الماء؛ فلأنه مرتب عليه ويجب فعله عند عدمه ولا يجوز عند وجوده لغير عذر وذلك شأن البدل.
وأما كونه لا يجوز إلا بشرطين فلما يأتي ذكره فيهما.326

الجزء: 1 - الصفحة: 200

وأما كون أحدهما دخول الوقت؛ فلأن التيمم طهارة ضرورة فاشترط فيها دخول الوقت كطهارة المستحاضة.
أو يقال: تيمم في وقت [هو] 327 مستغنٍ عنه أشبه التيمم عند وجود الماء.
فعلى هذا لا يجوز لفرض قبل وقته لانتفاء شرطه، ولا لنفل في وقت النهي عنه لأن وقت النهي ليس وقتًا للنافلة أشبه التيمم لفرضٍ قبل وقته.
قال: (الثاني: العجز عن استعمال الماء لعدمه، أو لضرر في استعماله من جرح، أو برد شديد، أو مرض يخشى زيادته، أو تطاوله، أو عطش يخافه على نفسه، أو رفيقه، أو بهيمته، أو خشية على نفسه، أو ماله في طلبه، أو تعذره إلا بزيادة كثيرة على ثمن مثله، أو ثمن يعجز عن أدائه).
أما كون ثاني شرطي التيمم العجز عن استعمال الماء كما ذُكر؛ فلأن غير العاجز المذكور يجد الماء على وجهٍ لا يضره [استعماله] 328 فلا يدخل في قوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6] ولا في سائر الأدلة الآتي ذكرها في مواضعها.
وأما قول المصنف رحمه الله: لعدمه أو لضرر في استعماله فبيان لتنويع العجز.
وذلك يكون تارة لعدمه.
والأصل فيه ما تقدم من الآية والخبر، وفي حديث آخر: «التراب كافيك ما لم تجد الماء» 329. وتارة لضرر في استعماله.
وهو أنواع أيضًا: أحدها: أن يكون من جرح.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: 29].
وما روى جابر قال: «خرجنا في سفر.
فأصاب رجلاً منا حجر فشجه في رأسه.
فسأل أصحابه: هل تجدون لي رخصة في التيمم؟ فقالوا: ما نجد لك رخصة وأنت تقدر على الماء.
فاغتسل.
فمات.
فلما قدمنا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أُخبر بذلك.
فقال: قتلوه قتلهم الله.
ألا سألوا إذا لم يعلموا.
إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصر ويعصب على جرحه.
ثم يمسح عليه.
ويغسل سائر جسده» 330 رواه أبو داود.

الجزء: 1 - الصفحة: 201

وثانيها: أن يكون من برد شديد.
والأصل فيه ما روى عمرو بن العاص قال: «احتلمت في ليلة باردة في غزوة ذات السلاسل.
فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك.
فتيممت وصليت مع أصحابي الصبح.
فذكروا ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: يا عمرو! أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال.
ثم قلت: سمعت الله تعالى يقول: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم﴾ [النساء: 29] فضحك النبي - صلى الله عليه وسلم - ولم يقل شيئًا» 331 رواه أبو داود.
وثالثها: أن يكون من مرض.
والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6]، وقوله تعالى: ﴿وما جعل عليكم في الدين من حرج﴾ [الحج: 78].
ولأنه إذا جاز لشدة البرد؛ فلأن يجوز للمرض بطريق الأولى.
ويشترط للمرض المجوز أن يخشى تطاوله أو زيادته؛ لأن من لا يخشى ذلك لا يخاف الضرر.
والتيمم للمرض يلحظ فيه خوف الضرر، [ولا ضرر في الماء مع ذلك كله] 332. وعن الإمام أحمد رضي الله عنه: لا يجوز التيمم إلا لمن خاف التلف كما إذا جبر زنده بعظم نجس.
والأول أولى؛ لأن مقتضى الآية الأولى جواز التيمم للمريض مطلقًا.
تُرك العمل به فيمن لا يخشى ما تقدم ذكره، [وفيمن مرضه يسير، وفيمن يمكنه استعمال الماء المسخن] 333 لما تقدم فيجب أن يبقى فيما عداه على مقتضاها.
ورابعها: أن يكون من عطش يخافه على نفسه.
والأصل فيه أنه خائف على نفسه باستعمال الماء فجاز له التيمم كالمريض.
وخامسها: أن يكون ذلك من عطش يخافه على رفيقه.
والأصل فيه أنه يجب عليه بذله إذا خاف تلفه فجاز التيمم كما لو خاف على نفسه.

الجزء: 1 - الصفحة: 202

وسادسها: أن يكون ذلك من عطش يخاف على بهيمته.
والأصل فيه أن للروح حرمة.
ولذلك يجب عليه سقيها.
فإذا خاف عليها العطش ترك لها ما معه من الماء وتيمم كما يفعل ذلك مع نفسه.
وسابعها: أن يكون ذلك خشية على نفسه أو ماله إن طلب المال.
والأصل في ذلك أن في طلبه ضررًا والضرر منفي شرعًا.
وثامنها: أن يكون ذلك لتعذره إلا بزيادة كثيرة على ثمن مثله.
والأصل في ذلك أن الزيادة على ثمن المثل تجعل الموجود حسًا معدومًا شرعًا.
دليله الرقبة في الكفارات.
وتاسعها: أن يكون ذلك لتعذره إلا بثمن يعجز عن أدائه.
والأصل فيه أن العجز عن الثمن يبيح الانتقال إلى البدل.
دليله العجز عن ثمن الرقبة في الكفارة.
قال: (فإن كان بعض بدنه جريحًا تيمم له وغسل الباقي.
وإن وجد ماء يكفي بعض بدنه لزمه استعماله وتيمم للباقي إن كان جنبًا.
وإن كان محدثًا فهل يلزمه استعماله؟ على وجهين).
أما كون من بعض بدنه جريح يتيمم لجرحه ويغسل الباقي؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث جابر المتقدم: «إنما كان يكفيه أن يتيمم ويعصب على جرحه ثم يمسح عليه، ويغسل سائر جسده» 334. فإن قيل: الحديث يدل على الجمع بين المسح والتيمم، ولم يذكر المصنف رحمه الله المسح.
قيل: فيه روايتان: إحداهما: يجب الجمع لما ذكر من الحديث.
والثانية: لا يجب لأنه جمع بين بدل ومبدل.
وذلك لا يجب كالصيام والإطعام.
والحديث محمول على جواز المسح بعد ذلك ولذلك ذكره بثم المقتضية للتراخي.

الجزء: 1 - الصفحة: 203

وأما كون من وَجد ما يكفي بعض بدنه يلزمه استعمال ذلك إن كان جنبًا؛ فلأنه قدر على استعمال بعض الواجب فلزمه لقوله عليه السلام: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 335 رواه البخاري.
ولأن العجز عن إيصال الماء إلى البعض لا يقتضي سقوطه عن إيصاله إلى الباقي قياسًا على عادم بعض أعضائه.
وأما كونه يتيمم للباقي؛ فلأنه عادم لماءٍ يغسله به فلزمه التيمم له لقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6].
فعلى هذا يجب أن يقدم استعمال الماء على التيمم ليكون عند التيمم عادمًا للماء.
وأما كونه يلزمه استعماله إن كان محدثًا على وجه فلعموم الأدلة المذكورة في الجنب، وقياسًا على الجنب.
وأما كونه لا يلزمه على وجه؛ فلأن الموالاة من فروض الوضوء في الصحيح من المذهب فإذا غسل بعض الأعضاء دون بعض لم يفد شيئًا بخلاف الجنب.
قال: (ومن عدم الماء لزمه طلبه في رحله وما قرب منه.
وإن دل عليه قريبًا لزمه قصده.
وعنه لا يجب الطلب.
وإن نسي الماء بموضع يمكنه استعماله وتيمم لم يجزئه).
أما كون من عدم الماء يلزمه طلبه على المذهب؛ فلأن الله تعالى أباح التيمم بشرط عدم الوجدان.
ولا يقال لم يجد إلا لمن طلب.
ولأنه بدل فلم يجز العدول إليه قبل الطلب للمبدل كالصيام في الظِّهار.
وأما كونه لا يلزمه طلبه على روايةٍ؛ فلأن كل عبادة تعلق وجوبها بوجود شرط لم يلزمه طلب ذلك الشرط كالمال في الحج والزكاة.
ولأنه غير عالم بوجوده أشبه ما لو طلب فلم يجد.
والأول أصح؛ لما تقدم.
ولأن الماء شرط لصحة الصلاة فلزم الاجتهاد في طلبه عند إعوازه كالقبلة.

الجزء: 1 - الصفحة: 204

وأما كونه يطلب ذلك في رحله وما قرب منه؛ فلأن ذلك هو الموضع الذي يطلب فيه الماء عادة.
والمراد بما قرب الميل والميلان والثلاث.
نص عليه الإمام أحمد.
وأما كونه يلزمه قصده إذا دله عليه قريبًا ثقة؛ فلأنه قادر على استعمال شرط العبادة بقطع مسافة قريبة فلزمه ذلك كغيره من الشروط.
وأما كون من نسي الماء بموضع يمكنه استعماله إذا تيمم لا يجزئه؛ فلأن النسيان لا يخرجه عن كونه واجدًا، وشرط إباحة التيمم عدم الوجدان.
ولأنها ضرورة تجب مع الذكر فلم تسقط بالنسيان كالحدث.
قال: (ويجوز التيمم لجميع الأحداث، وللنجاسة على جرح تضره إزالتها.
فإن تيمم للنجاسة لعدم الماء وصلى فلا إعادة عليه إلا عند أبي الخطاب).
أما كون التيمم لجميع الأحداث يجوز: أما للحدث الأكبر وهو الجنابة؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماء فتيمموا﴾ [المائدة: 6].
والملامسة الجماع.
ولأن عمران بن حصين روى «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلاً معتزلاً لم يصل في القوم.
فقال: يا فلان! ما منعك أن تصلي مع القوم؟ فقال: أصابتني جنابة ولا ماء.
فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك» 336 متفق عليه.
وفي حديث عمار «أنه لما أجنب تمعَّك في التراب.
فذكر ذلك للنبي - صلى الله عليه وسلم -. فقال: إنما كان يكفيك أن تقول هكذا.
ثم ضرب بيديه الأرض ثم مسح بهما وجهه وكفيه» 337. وأما الحدث الأصغر وهو الوضوء فلما تقدم من قوله: ﴿أو جاء أحد منكم من الغائط﴾ [المائدة: 6].

الجزء: 1 - الصفحة: 205

ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» 338 رواه أبو داود.
ولأنه إذا جاز للحدث الأكبر؛ فلأن يجوز للحدث الأصغر بطريق الأولى.
وأما النجاسة على جرح يضره إزالتها؛ فلأنه يمنع من الصلاة معها فجاز أن يتيمم لها عند العجز عن استعمال الماء كالحدث.
ولأن ذلك يدخل في قوله عليه السلام: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين» 339 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: حديث صحيح.
وأما كون من تيمم للنجاسة لعدم الماء وصلى لا إعادة عليه عند غير أبي الخطاب؛ فلأنه وجب عليه طهارة ناب عنها التيمم فلم تجب الإعادة عليه كطهارة الحدث.
وأما كونه عليه الإعادة عند أبي الخطاب؛ فلأن النجاسة عذر نادر غير دائم فوجبت الإعادة معه عليه كعادم الماء والتراب.
ولأنه صلى بالنجاسة فوجبت عليه الإعادة كما لو تيمم.
قال: (وإن تيمم في الحضر خوفًا من البرد وصلى ففي وجوب الإعادة روايتان).
أما كون الإعادة تجب فيما ذكر على روايةٍ؛ فلأنه عذر نادر فوجبت الإعادة معه كنسيان الطهارة.
وأما كونها لا تجب على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر عمرو بن العاصي بالإعادة» 340 مع أنه عذر نادر ولو وجبت لأمره.
وإلا يلزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.

الجزء: 1 - الصفحة: 206

قال: (ولو عدم الماء والتراب صلى على حسب حاله.
وفي الإعادة روايتان).
أما كون من عدم ما ذكر يصلي على حسب حاله فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم» 341. ولأن من عدم الماء والتراب عدم شرط الصلاة ولم يبق له بدل وذلك يوجب الصلاة على حسب الحال؛ لما روت عائشة «أنها استعارت من أسماء قلادة.
فهلكت.
فبعث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - رجالاً في طلبها.
فأدركتهم الصلاة وليس معهم ماء.
فصلوا.
فشكوا ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فنزلت آية التيمم» 342 متفق عليه.
وأما كونه يعيد في روايةٍ؛ فلأن الخلل في الصلاة إذا كان لعذر نادر لا يشق تسقط به الإعادة لأنه يمكنه تدارك الخلل مع عدم المشقة.
وأما كونه لا يعيد في روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر الذين بعثهم بالإعادة» 343. قال: (ولا يجوز التيمم إلا بتراب طاهر له غبار يعلق باليد.
فإن خالطه ذو غبار لا يجوز التيمم به كالجص ونحوه فهو كالماء إذا خالطته الطاهرات).
أما كون التيمم لا يجوز إلا بتراب طاهر؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فتيمموا صعيدًا طيبًا﴾ [المائدة: 6].
قال ابن عباس: «الصعيد تراب الحرث، والطيب الطاهر» 344. ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «وجعلت لي الأرض مسجدًا وترابها طهورًا» 345.

الجزء: 1 - الصفحة: 207

فإن قيل: الآية والخبر يدلان على جواز التيمم بالتراب الطاهر فما وجه كونه لا يجوز بغيره؟ قيل: الآية مسوقة لبيان ما يجوز فعله عوضًا عن الماء وذلك يفيد ما ذكر.
ولأن الخبر يدل على اختصاص التراب بالجواز لأنه ذكره فيما فضّله الله به على سائر الأنبياء فلو جاز بغيره أيضًا لذكره لأن فيه ازياد فضيلة.
وأما كونه لا يجوز بتراب لا غبار له يعلق باليد؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: 6].
وما لا غبار له يعلق باليد لا يمسح بشيء منه.
وأما كونه ما خالطه ذو غبار لا يجوز التيمم به كالجص ونحوه كالماء إذا خالطته الطاهرات؛ فلأنه طهور خالطه غير طهور أشبه الماء إذا خالطه غيره من الطاهرات.
فإن قيل: ما معنى قول المصنف رحمه الله: فهو كالماء إذا خالطته الطاهرات.
قيل: معناه أن المخالط إن غلبت أجزاؤه على أجزاء التراب أو غيّرتها لم يجز التيمم به كالماء إذا خالطته الطاهرات فغلبت على أجزائه أو غيّرته لأن كل واحد من الغلبة والتغيّر يمنع من استعمال الماء وهو الأصل؛ فلأن يمنع من استعمال التراب وهو بدله بطريق الأولى.

الجزء: 1 - الصفحة: 208

فصل [فرائض التيمم] قال المصنف رحمه الله: (وفرائض التيمم أربعة: مسح وجهه، ويديه إلى كوعيه، والترتيب، والموالاة على إحدى الروايتين).
أما كون فرائض التيمم أربعة؛ فلأنها مسح جميع وجهه، ويديه إلى كوعيه، وترتيب ذلك، والموالاة فيه.
وسيأتي ذكر دليل ذلك في مواضعه.
وأما كون مسح الوجه واليدين من فرائضه فلقوله تعالى: ﴿فلم تجدوا ماء فتيمموا صعيدًا طيبًا فامسحوا بوجوهكم وأيديكم منه﴾ [المائدة: 6].
وأما كون المسح بجميع الوجه واليدين إلى الكوعين؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يمسح جميع وجهه ويديه إذا تيمم لأن في حديث عمار «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - مسح اليمين على الشمال وظاهر كفيه ووجهه» 346. وأما كون مسح اليدين إلى الكوعين لا غير فللحديث المتقدم.
ولأن المسح حكم علق على مطلق اليد فلم يدخل فيه الذراع كقطع يد السارق [ومس الفرج] 347. وأما كون الترتيب والموالاة من فرائضه على الخلاف؛ فلأن التيمم بدل عن الوضوء فوجب أن يثبت فيه ما يثبت في الأصل بالقياس عليه.
قال: (ويجب تعيين النية لما يتيمم له من حدث أو غيره.
فإن نوى جميعها جاز، وإن نوى أحدها لم يجزئه عن الآخر، وإن نوى نفلاً، أو أطلق النية للصلاة لم يصل إلا نفلاً).
أما كون تعيين النية لما يتيمم له من حدث أو غيره يجب؛ فلأن التيمم لا يرفع الحدث وإنما يبيح الصلاة فلم يكن بد من التعيين تقوية لضعفه.

الجزء: 1 - الصفحة: 209

فإن قيل: ما صفة التعيين؟ قيل: أن ينوي استباحة الصلاة من الجنابة والحدث إن كان جنبًا محدثًا، أو من الجنابة إن كان جنبًا، أو من الحدث إن كان محدثًا، أو ما أشبه ذلك.
وأما كون من نوى الجميع يجوز له ذلك والمراد به أنه يجزئه؛ فلأن كل واحد يدخل في العموم فيكون منويًا.
وأما كون من نوى أحدها مثل أن ينوي الجنابة أو الحدث الأصغر لا يجزئه عن الآخر؛ فلأن البعض غير منوي فيدخل في عموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «لا عمل إلا بنية» 348. وأما كون من نوى نفلاً لا يصلي به إلا نفلاً؛ فلأن غير النفل غير منوي لا صريحًا ولا بطريق التضمين.
وأما كون من أطلق النية للصلاة لا يصلي إلا نفلاً؛ فلأن تعيين النية شرط ولم يوجد في الفرض وإنما أبيح النفل لأنه أقل ما يحمل عليه الإطلاق.
قال: (وإن نوى فرضًا فله فعله، والجمع بين الصلاتين، وقضاء الفوائت، والتنفل إلى آخر الوقت).
أما كون من نوى الفرض له فعله؛ فلأنه منوي.
وأما كونه له الجمع بين الصلاتين؛ فلأنهما في حكم صلاة واحدة.
وأما كونه له قضاء الفوائت؛ فلأن تيممه باق إلى خروج الوقت ولم يوجد ما يبطله.
وأما كونه له التنفل إلى آخر الوقت؛ فلأنه إذا جاز له قضاء الفوائت؛ فلأن يجوز له التنفل بطريق الأولى؛ لأن النفل أخف من ذلك.
قال: (ويبطل التيمم بخروج الوقت، ووجود الماء، ومبطلات الوضوء).
أما كون التيمم يبطل بخروج الوقت فلقول علي رضي الله عنه: «التيمم لكل صلاة» 349.

الجزء: 1 - الصفحة: 210

و «كان ابن عمر يتيمم لكل صلاة» 350. ولأن التيمم طهارة ضرورة فتقيدت بالوقت كطهارة المستحاضة.
وأما كونه يبطل بوجود الماء؛ فلأن مفهوم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «الصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين، فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» 351 يدل على أنه ليس بوضوء عند وجود الماء.
وأما كونه يبطل بمبطلات الوضوء؛ فلأنها تبطل المبدل؛ فلأن يبطل البدل بطريق الأولى.
قال: (وإن تيمم وعليه ما يجوز المسح عليه ثم خلعه لم يبطل تيممه.
وقال أصحابنا: يبطل).
أما كون التيمم لا يبطل بخلع المتيمم ما يجوز له المسح عليه.
وهو اختيار المصنف رحمه الله؛ فلأن التيمم طهارة لم يمسح على الملبوس فيها فلم يبطل بالخلع كالملبوس على غير طهارة.
وأما كونه يبطل بذلك على قول الأصحاب؛ فلأنه من مبطلات الوضوء والمبطل للوضوء مبطل للتيمم لما تقدم.
قال: (وإن وجد الماء بعد الصلاة لم تجب إعادتها، وإن وجده فيها بطلت.
وعنه لا تبطل).
أما كون من وجد الماء بعد الصلاة لا تجب عليه إعادة الصلاة فلما روى عطاء بن يسار قال: «خرج رجلان في سفر.
فحضرت الصلاة وليس معهما ماء.
فتيمما صعيدًا طيبًا.
فصليا.
ثم وجدا الماء في الوقت.
فأعاد أحدهما الوضوء

الجزء: 1 - الصفحة: 211

والصلاة ولم يعد الآخر.
ثم أتيا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فذكرا ذلك له.
فقال للذي لم يعد: أجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين» 352 رواه أبو داود.
ولأنه أدى صلاته بطهارة صحيحة أشبه ما لو أداها بالماء.
وأما كون من وجد الماء تبطل صلاته في روايةٍ فلعموم قوله - صلى الله عليه وسلم -: «فإذا وجدت الماء فأمسه جلدك» 353. وأما كونه لا يبطل في روايةٍ؛ فلأنه شَرَع في المقصود أشبه المكفِّر إذا قدر على الإعتاق بعد شروعه في الصيام.
والأولى أصح في المذهب؛ لأنه يروى عن الإمام أحمد رضي الله عنه أنه قال: كنت أقول يمضي.
ثم تدبرت الأحاديث فإذا أكثرها أنه يخرج.
وهذا يدل على رجوعه عن الرواية الثانية.
قال: (ويستحب تأخير التيمم إلى آخر الوقت لمن يرجو وجود الماء.
فإن تيمم وصلى في أول الوقت أجزأه).
أما كون من يرجو وجود الماء يستحب له تأخير التيمم؛ فلأن الطهارة بالماء فريضة والصلاة في أول الوقت فضيلة، وانتظار الفريضة أولى.
وأما كونه إذا تيمم وصلى في أول الوقت يجزئه فلما تقدم من حديث عطاء بن يسار 354. قال: (والسنة في التيمم أن ينوي، ويسمي، ويضرب بيديه مفرجتي الأصابع على التراب ضربة واحدة.
فيمسح وجهه بباطن أصابعه، وكفيه براحتيه.
وقال القاضي: المسنون ضربتان يمسح بإحداهما وجهه وبالأخرى يديه إلى المرفقين.
فيضع بطون أصابع اليسرى على ظهر أصابع اليمنى، ويمرها إلى

الجزء: 1 - الصفحة: 212

مرفقه.
ثم يدير بطن كفه إلى بطن الذراع ويمرها عليه، ويمر إبهام اليسرى على ظهر إبهام اليمنى، ويمسح اليسرى باليمنى كذلك، ويمسح إحدى الراحتين بالأخرى، ويخلل الأصابع).
أما كون السنة في التيمم أن تكون الصفة المذكورة أولاً 355 على المذهب؛ فلأن في حديث عمار «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - ضرب ضربة واحدة ثم الشمال على اليمين وظاهر كفيه ووجهه» 356 متفق عليه.
وأما كون المسنون أن تكون على الصفة الثانية على قول القاضي؛ فلأن التيمم بدل فإذا أشبه مبدله في كمال اليد كان أولى.
ولأنه روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «التيمم ضربة للوجه وضربة لليدين إلى المرفقين» 357. وحديث عمار محمول على المجزئ جمعًا بين الحديثين.
وأما كون المتيمم يضرب بيديه مفرجتي الأصابع فليدخل الغبار فيما بينهما.
وأما كونه يمسح إحدى الراحتين بالأخرى فلِيُمِرّ التراب بذلك بعد الضرب.
وأما تخليل 358 الأصابع؛ فلأنه كالتخليل في الوضوء.
قال: (ومن حبس في المصر صلى بالتيمم ولا إعادة عليه).
أما كون من حبس في المصر يصلي بالتيمم؛ فلأنه عاجز عن الماء أشبه المسافر.
وأما كونه لا إعادة عليه؛ فلأنه أدى فريضة بالبدل فلم يكن عليه إعادة كالمسافر.
قال: (ولا يجوز لواجد الماء التيمم خوفًا من فوات المكتوبة ولا الجنازة.
وعنه يجوز للجنازة).
أما كون واجد الماء لا يجوز له التيمم خوفًا من فوات المكتوبة؛ فلأن الله تعالى إنما أباح التيمم عند عدم الماء، وهذا واجد للماء.

الجزء: 1 - الصفحة: 213

وأما كونه لا يجوز له ذلك خوفا من فوات الجنازة على روايةٍ فلما مر قبل.
وأما كونه يجوز 359 على روايةٍ؛ فلأنه لا يمكن استدراكها بخلاف غيرها.
قال: (وإن اجتمع 360 جنب وميت ومن عليها غسل حيض فبذل ما يكفي أحدهم لأَوْلاَهم به فهو للميت.
وعنه أنه للحي.
وأيهما يقدم؟ فيه وجهان).
أما كون ما ذكره للميت على الرواية الأولى؛ فلأن غسله خاتمة طهارته وصاحباه يرجعان إلى الماء ويغتسلان.
وأما كونه للحي على الرواية الأخرى؛ فلأنه متعبد بالغسل مع وجود الماء وهو واجد والميت قد سقط عنه الفرض بالموت.
وأما كون الحائض تقدم على الجنب في أحد الوجهين؛ فلأن غسلها آكد وتستبيح بغسلها ما يستبيحه الجنب وزيادة جواز الوطء.
وأما كون الجنب يقدم عليها في الوجه الآخر؛ فلأن غسله ثابت بتصريح القرآن بخلاف غسل الحيض.

الجزء: 1 - الصفحة: 214

باب إزالة النجاسة

قال المصنف رحمه الله: (لا تجوز إزالتها بغير الماء.
وعنه ما يدل على أنها تزال بكل مائع طاهر مزيل كالخل ونحوه) 361. أما كون إزالة النجاسة لا تجوز بغير الماء كالخل والمري والنبيذ وماء الورد والمعتصر من الشجر وما أشبه ذلك على المذهب فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لا سيما في دم الحيض يصيب الثوب-: «حتيه ثم اقرصيه ثم اغسليه بالماء» 362 متفق عليه.
أمر بالغسل بالماء، وأمره للوجوب.
ولأن إزالة النجاسة طهارة شرعية فلم يجز بغير الماء كطهارة الحدث.
وأما كونها تزال بكل مائع طاهر مزيل على روايةٍ؛ فلأن الغرض إزالة النجاسة فإذا زالت يجب أن تطهر.
وفي تقييد ذلك بالمائع احتراز عن غير المائع فإن ذلك لا يزيل شيئًا، وبالطاهر عن النجس لأن النجس إذا ضم إلى النجس لا يفيد طهارة، وبالمزيل عما لا يزيل لأن الغرض الإزالة ولا يحصل إلا بالمزيل.

الجزء: 1 - الصفحة: 215

وقول المصنف رحمه الله: كالخل ونحوه تعداد لما تزال به النجاسة.
والمراد بنحوه ما تقدم ذكره في المري إلى آخره.
وكل شيء اجتمع فيه الصفات المذكورة تحصل [به] 363 الإزالة.
قال: (ويجب غسل نجاسة الكلب والخنزير سبعًا إحداهن بالتراب.
فإن جعل مكانه أشنانًا أو نحوه فعلى وجهين) 364. أما كون غسل نجاسة الكلب يجب سبعًا إحداهن بالتراب فلما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «إذا ولغ الكلب في إناء أحدكم فليغسله سبعًا» 365. وفي لفظ لمسلم: «أولاهن بالتراب» 366. وعن أحمد يجب غسله سبعًا وواحدة بالتراب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذا ولغ الكلب في الإناء فاغسلوه سبعًا وعفروه الثامن بالتراب» 367. والأول أصح لأن الحديث الثاني عد النبي - صلى الله عليه وسلم - التراب ثامنة لكونه من غير جنس الماء.
والأولى جعل التراب في الأولى ليكون الماء بعده فينظف.
وأما الأشنان ونحوه كالصابون إذا جعل مكان التراب لا يقوم مقامه على وجه؛ فلأنه تطهير ورد من الشرع التراب فيه فلم يقم غيره مقامه كالتراب في التيمم.
وأما كونه يقوم مقامه على وجهٍ؛ فلأن نص النبي - صلى الله عليه وسلم - على التراب تنبيه على ما هو أبلغ منه في التنظيف وذلك موجود فيما ذكر.

الجزء: 1 - الصفحة: 216

وقال بعض أصحابنا: يقوم مع عدم التراب ومع إفساد التراب للمغسول لأن كل واحد منهما موضع حاجة.
وأما كون غسل نجاسة الخنزير تجب سبعًا إحداهن بالتراب؛ فلأنه منصوص على حرمته في القرآن مجمع عليه وليس منتفعًا به بوجه فكان أولى بذلك من الكلب.
فإن قيل: ما حكم المتولد منهما أو من أحدهما؟ قيل: حكم الكلب تغليبًا للنجاسة المغلظة واحتياطًا في إزالة النجاسات.
ولا فرق بين ولوغ الكلب والخنزير والمتولد المذكور وبين رجيع ذلك ودمه وبوله وعرقه أو وضع يده أو رجله أو شيء من أجزائه لأنه إذا نص على الفم مع أنه أشرف شيء من أجزائه فغيره أولى.
ولأن الولوغ يكثر ويشق غسله فإذا نص على وجوب الغسل فيه ففيما يقل يكون بطريق الأولى.
قال: (وفي سائر النجاسات ثلاث روايات: إحداهن: يجب غسلها سبعًا، وهل يشترط التراب؟ على وجهين.
والثانية: ثلاثًا.
والثالثة: تكاثر بالماء من غير عدد كالنجاسات كلها إذا كانت على الأرض).
أما كون سائر النجاسات إذا كانت على الأرض يجب غسلها سبعًا في روايةٍ؛ فلقول ابن عمر: «أُمرنا بغسل الأنجاس سبعًا».
وهذا عام.
والصحابي إذا قال: أُمرنا ينصرف إلى أمر الرسول - صلى الله عليه وسلم -. ولأن السبع واجبة في الكلب مع الاختلاف في نجاسته فللمتفق على نجاسته أولى.
ويكون نصه في الكلب تنبيهًا بالأدنى على الأعلى.
فعلى هذه الرواية هل يشترط التراب؟ على وجهين: أحدهما: يشترط كالكلب.
والثاني: لا يشترط قياسًا على النجاسة على الأرض.

الجزء: 1 - الصفحة: 217

و «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أسماء بالتراب لما أمرها بغسل الثوب من دم الحيض» 368. وأما كونها يجب غسلها ثلاثًا في روايةٍ؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا استيقظ أحدكم من نوم الليل فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثًا؛ فلأنه لا يدري أين باتت يده» 369. أمر بالثلاث وعلل بوهم النجاسة ولا يرفع وهمها إلا ما يرفع حقيقتها.
وأما كونه يكاثر بالماء من غير عدد في روايةٍ فقياسًا على النجاسة على الأرض و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يأمر أسماء بعدد» 370. وروي أن ابن عمر قال: «كان غسل الثوب من النجاسة سبع مرات فلم يزل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يسأل حتى جعل الغسل من البول مرة» 371 رواه أبو داود.
وأما كون النجاسات كلها إذا كانت على الأرض تكاثر بالماء من غير عدد فـ «لأن أعرابيًا بال في المسجد فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بذنوب من ماء فأهريق عليه» 372 متفق عليه.
ولو لم تطهر بذلك لكان تكثيرًا للنجاسة.
ولأن الأرض مصاب الفضلات ومطارح الأقذار فلو اعتبر في غسلها العدد لشق ذلك على الناس وحرجوا منه.
وذلك منتف شرعًا.
والمراد بالمكاثرة أن يصب الماء على النجاسة حتى يذهب عينها ولونها.

الجزء: 1 - الصفحة: 218

قال: (ولا تطهر الأرض النجسة بشمس ولا بريح) 373. أما كون الأرض النجسة لا تطهر بالشمس؛ فلأن ذلك لا يثبت إلا بالشرع ولم يرد به.
و«لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بغسل بول الأعرابي» 374. ولو كانت الشمس تطهر لاكتفى بها.
ولأن الأرض النجسة محل نجس فلم يطهر بالجفاف كالثوب المجفف بالشمس.
وأما كونها لا تطهر بالريح فلما ذكر في الشمس.
قال: (ولا يطهر شيء من النجاسات بالاستحالة إلا الخمرة إذا انقلبت بنفسها.
فإن خللت لم تطهر.
وقيل: تطهر).
أما كون شيء من النجاسات غير الخمرة لا يطهر بالاستحالة نحو أن يلقى [خنزير] 375 في ملاحة فيصير ملحًا، [أو] 376 في نار فيصير رمادًا، وما أشبه ذلك؛ فلأن ذلك أجزاء النجاسة فكان نجسًا كالدبس النجس إذا طبخ فصار ناطفًا.
ولأن نجاسة ذلك لعينه بخلاف الخمرة فإن نجاستها لمعنى يزول بالانقلاب.
وأما كون الخمرة إذا انقلبت بنفسها تطهر؛ فلأن نجاستها لشدتها المسكرة وقد زالت من غير نجاسة خلفتها فوجب أن تطهر كالماء الذي ينجس بالتغيير إذا زال تغيره.
وأما كونها إذا خللت لا تطهر على المذهب فلما روي: «أن أبا طلحة سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن أيتام ورثوا خمرًا.
فقال: أهرقها.
قال: أفلا أخللها.
قال: لا» 377 من المسند رواه الترمذي.
ولو جاز التخليل لم ينهه عنه.
فإن قيل: ما صفة تخليلها؟

الجزء: 1 - الصفحة: 219

قيل: أن يلقى فيها ملح أو ما أشبه ذلك.
واختلف فيما إذا نقلت 378 من شمس إلى فيء وبعكس ذلك فقيل: هو تخليل.
وقيل: ليس بتخليل.
وأما كونها تطهر على قولٍ فلزوال علة التحريم أشبه ما إذا تخللت بنفسها.
قال: (ولا تطهر الأدهان النجسة 379. وقال أبو الخطاب: يطهر بالغسل منها ما يتأتى غسله.
وإذا خفي موضع النجاسة لزمه غسل ما يتيقن به إزالتها).
أما كون الأدهان النجسة التي لا يتأتى غسلها لا تطهر بالغسل؛ فلأن المطهر الغسل ولا يتأتى ذلك فيما ذكر.
وأما كون [ما] 380 يتأتى غسله كالزيت ونحوه لا يطهر بالغسل أيضًا على المذهب فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر بإراقة السمن الذي وقعت فيه فأرة» 381. ولو كان إلى تطهيره طريق لما أمر بإراقته لأنه يكون إتلافًا للمال.
وأما كونه يطهر على قول أبي الخطاب؛ فلأن تطهيره ممكن أشبه الثوب.
فإن قيل: ما صفة غسله.
قيل: أن يترك في إناء له بِزالٌ في أسفله.
ثم يصب عليه الماء.
ويخاض به.
ثم يفتح البِزال فينزل الماء إلى آخره.
ثم يُسد.
وأما كون من خفي عليه موضع النجاسة يلزمه غسل ما يتيقن به إزالة النجاسة؛ فلأن بذلك يحصل تأدية فرضه بيقين فلزمه.
وكما لو نسي صلاةً من يوم لا يعلم عينها.
فإن قيل: لو نظر على ثوب عليه نجاسة ماذا يلزمه.
قيل: غسل ما يقع نظره عليه وهو لا بسه دون ما خلفه.
وكذا لو رأى النجاسة في أحد كميه بعينه لزمه غسله دون سائر الثوب.

الجزء: 1 - الصفحة: 220

قال: (ويجزئ في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام: النضحُ).
أما كون بول الغلام المذكور يجزئ فيه النضح؛ لما روت أم قيس بنت محصن الأسدية قالت: «دخلت بابن لي على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لم يأكل الطعام.
فبال على ثوبه.
فدعى بماء فرشه عليه» 382 متفق عليه.
وفي لفظ: «فأجلسه على حجره.
فبال على ثوبه.
فدعى بماء فنضحه ولم يغسله» 383. وعن عائشة رضي الله عنها قالت: «أتي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بصبي.
فبال على ثوبه.
فدعى بماء فأتبعه بوله ولم يغسله» 384 متفق عليه 385. وعن علي رضي الله عنه قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «بول الغلام ينضح عليه، وبول الجارية يغسل» 386 رواه أحمد.
والمراد بقول المصنف رحمه الله: لم يأكل الطعام عدم أكله له بشهوة لا عدم أكله بالكلية؛ لأن الصبي أول ما يولد يحنك بتمر أو نحوه.
«وقد فعل ذلك النبي - صلى الله عليه وسلم - بالحسين رضي الله عنه» 387.

الجزء: 1 - الصفحة: 221

والمراد بالنضح: رش الماء على موضع البول حتى يغمره.
ولا يشترط فيه عصر ولا قرص ولا عدد ولا أن يجري الماء عن موضع النجاسة.
وتقييد المصنف رحمه الله البول بكونه بول غلام لم يأكل الطعام مشعر بأمرين: أحدهما: أن بول الغلام الذي أكل يُغسل.
وهو صحيح صرح به في غير مقنعه.
وذكره غيره من الأصحاب.
ووجهه أن مقتضى الدليل غسل كل نجاسة.
تُرك في بول الغلام الذي لم يأكل الطعام للحديث.
فيبقى فيما عداه على مقتضى الدليل.
ولأنه إذا أكل لشهوة وصار ذلك غذاء له استحال استحالة شديدة.
بخلاف أكله قبل ذلك.
وثانيهما: أن بول الجارية يغسل.
وهو صحيح لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «بول الغلام ينضح، وبول الجارية يغسل» 388 رواه الإمام أحمد رضي الله عنه.
وروي «أن الحسين بال على إزار النبي - صلى الله عليه وسلم -. فقالت أم الفضل بنت الحارث: أعطني إزارك لأغسله.
فقال: إنما يغسل بول الجارية، ويصب على بول الغلام» 389 رواه أحمد.
وذكر بعض أصحابنا بينهما فرقًا.
قال: بول الجارية لا يعسر التحرز منه ولا يتعدى مكانه.
بخلاف الصبي فإنه لا يزال مُحْبَنْطِيًا 390 ويخرج بوله بقوة فيصيب من بَعُد عنه وذلك يكثر ويصعب التحرز منه.
فلو كُلّف الشخص غسله لشق ولذلك أن الغلام إذا بلغ حدًا يشتهي به الطعام قعد على مقعدته وجب غسل بوله لأنه حينئذ يمكن التحرز منه.
قال: (وإذا تنجس أسفل الخف أو الحذاء وجب غسله.
وعنه يجزئ دلكه بالأرض.
وعنه يغسل من البول والغائط ويدلك من غيرهما).
أما كون أسفل الخف أو الحذاء يجب غسله إذا تنجس على روايةٍ؛ فلأنه محلٌّ تنجس فوجب غسله.
قياسًا على سائر المحالّ إذا تنجست.

الجزء: 1 - الصفحة: 222

وأما كونه يجزئ دلكه بالأرض على روايةٍ فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وطئ أحدكم الأذى بخفيه فطهورهما التراب» 391 رواه أبو داود.
وأما كونه يُغسل من البول والغائط ويدلك من غيرهما على روايةٍ: أما غسله من البول والغائط؛ فلأنهما أغلظ وأفحش من غيرهما.
وأما دلكه من غيرهما؛ فلأن ذلك يشق غسله في كل وقت، وليست في الغلظ والفحش كذلك فعفي عنه دفعًا للمشقة السالمة عن معارضة المبالغة في الفحش والغلظ.
فإن قيل: ما حكم ذلك بعد الدلك في الطهارة أو العفو عنه مع نجاسته؟ قيل: حكم أثر الاستجمار.
قال: (ولا يعفى عن يسير شيء من النجاسات إلا الدم وما تولد منه من القيح والصديد وأثر الاستنجاء.
وعنه في المذي والقيء وريق البغل والحمار وسباع البهائم والطير وعرقها وبول الخفاش والنبيذ والمني: أنه كالدم.
وعنه في المذي: أنه يجزئ فيه النضح).
أما كون شيء من النجاسات غير المستثنى لا يعفى عن يسيره على المذهب؛ فلأن الله تعالى قال: ﴿وثيابك فطهر? والرجز فاهجر﴾ [المدثر: 4 - 5]. وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه مر بقبرين.
فقال: إنهما ليعذبان.
وما يعذبان في كبير: أما أحدهما فكان لا يستبرأ من البول» 392 وفي لفظ: «لا يستنزه» 393.

الجزء: 1 - الصفحة: 223

وإذا كان كذلك في البول ففي غيره بطريق الأولى لأنه لا يشق التحرز منه بخلاف البول.
وأما كون الدم يعفى عن يسيره فلما روت عائشة قالت: «كان يكون لإحدانا الدرع: فيه تحيض وفيه تصيبها الجنابة.
ثم ترى فيه قطرة من دم فَتَقْصَعُهُ بريقها» 394. وفي لفظ: «بلته بريقها ثم قَصعَتْهُ بظفرها» 395. والريق لا يُطَهِّر.
وهو إخبار عن دوام الفعل.
ومثل هذا لا يخفى عن النبي - صلى الله عليه وسلم -. ولا يكون ذلك إلا عن أمره.
و«لأن ابن عمر رضي الله عنه كان يسجد فيخرج يديه فيضعهما على الأرض وهما يقطران دمًا من شقاق يديه».
و«عصر بُثْرة فخرج منها شيء من دم فمسحه بيديه ولم يغسله (3») (4). ولأنه يشق التحرز منه فعفي عنه كأثر الاستجمار.
واليسير والكثير هنا كهما في نقض الوضوء وقد مر.
وأما كون ما تولد من الدم ومن القيح والصديد يعفى عن يسيره؛ فلأنهما متولدان من الدم.
والعفو عنهما أولى لاختلاف العلماء في نجاستهما.
والدم المتولد منه المعفو عنه هو ما كان من حيوان طاهر.
أما دم الحيوان النجس كالكلب والخنزير وشبههما والمتولد من ذلك الدم فلا يعفى عن شيء منه لأنه 397 اكتسب حكم التغليظ لملاقاته لحم الحيوان النجس.396398

الجزء: 1 - الصفحة: 224

وأما كون أثر الاستنجاء والمراد به الاستجمار يعفى عنه؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الأحجار: «أنها تجزئ» 399. ولو كان الباقي في المحل غير معفو عنه لما كانت مجزئة.
وأما كون المذي يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه يخرج من الشاب كثيرًا فيشق التحرز منه.
وأما كون القيء يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه خارج من غير السبيل أشبه الدم.
وأما كون ريق البغل والحمار يعفى عن يسيره في روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ركب البغل والحمار» 400. والظاهر أنه لا يسلم من ريقهما.
ولأن ذلك يشق التحرز منه.
وأما كون ريق سباع البهائم والطير وعرقها يعفى عن يسيره في روايةٍ فللاختلاف في نجاسته.
واعلم أن سباع البهائم عام يدخل فيه الكلب والخنزير والمتولد منهما.
وليس ذلك مرادًا من العموم؛ لأن ريق ذلك وعرقه اكتسب حكم التغليظ من الكلب والخنزير والمتولد منهما.
وأما كون بول الخفاش يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه لو لم يعف عنه لما أمكن الصلاة في بعض المساجد.
وأما كون النبيذ يعفى عن يسيره في روايةٍ؛ فلأنه اختلف في نجاسته.
وأما كون المني يعفى عن يسيره إذا قيل بنجاسته في روايةٍ؛ فلأنه مختلف في نجاسته.
وإذا قيل بطهارته فلا فرق بين القليل والكثير.
قال: (ولا ينجس الآدمي بالموت ولا ما لا نفس له سائلة كالذباب وغيره).
أما كون الآدمي لا ينجس بالموت فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «المؤمن لا ينجس» 401.

الجزء: 1 - الصفحة: 225

وقال عليه السلام: «لا تنجسوا موتاكم إن المسلم ليس بنجس حيًا ولا ميتًا» 402 رواه الدارقطني.
ولأنه آدمي فلم ينجس بالموت كالشهيد.
وفارق بقية الحيوانات لحرمته.
ولا فرق بين المسلم والكافر فيما ذكر؛ لاستوائهما في الآدمية.
ولأنهما استويا حالة الحياة فكذلك بعد الممات.
وعن الإمام أحمد: أنه ينجس قياسًا على سائر ما ينجس بالموت.
وأما كون ما لا نفس له سائلة لا ينجس بالموت فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «إذا وقع الذباب في إناء أحدكم فامقلوه.
فإن في أحد جناحيه داء وفي الآخر دواء» 403 رواه البخاري.
أمر بمقله فلو تنجس بالموت لما أمر به لأن الظاهر موته بمقله لا سيما إذا كان الطعام حارًا فلو تنجس بالموت لكان ذلك تنجيسًا للطعام والنبي - صلى الله عليه وسلم - لا يأمر بذلك.
فإذا لم يَنجس الذباب بالموت لم ينجس سائر ما لا نفس له سائلة؛ لأن الكل مشترك معنى فوجب أن يشترك حكمًا.
وأما قول المصنف رحمه الله: كالذباب فتمثيل لما لا نفس له سائلة.
قال: (وبول ما يؤكل لحمه وروثه ومنيه طاهر.
وعنه أنه نجس).
أما كون بول ما يؤكل لحمه طاهرًا على المذهب فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - أمر العُرَنِيّين بشرب أبوال الإبل» 404. ولو كانت نجسة لما أمر بشربها.

الجزء: 1 - الصفحة: 226

فإن قيل: أمر به؛ لأن التداوي بالنجس يجوز.
قيل: لا يجوز ذلك؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها» 405. وعلى تقدير التسليم لا ينبغي حمل الحديث عليه لأنه لو كان للتداوي لا للطهارة لأمرهم بغسل أفواههم وأيديهم لأجل الصلاة وإلا لزم تأخير البيان عن وقت الحاجة.
فلما لم يأمرهم بالغسل علم أن الأمر بالشرب للطهارة.
وروى البراء بن عازب عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: «لا بأس ببول ما أُكل لحمه» 406. وروى جابر عليه السلام أنه قال: «ما أُكل لحمه فلا بأس ببوله» 407 رواهما الدارقطني.
ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه أشبه اللبن.
وأما كون روثه طاهرًا على المذهب فـ «لأنه - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي في مرابض الغنم» 408 قبل المسجد.
وهي لا تخلو من أبعارها.
ولم يكن النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا أصحابه يصلون على الأوطية ولم ينقل عنهم تنظيفها.
ولأنه متحلل معتاد من حيوان يؤكل لحمه أشبه البول واللبن.

الجزء: 1 - الصفحة: 227

وأما كون منيه طاهرًا على المذهب؛ فلأنه إذا حكم بطهارة بوله وروثه؛ فلأن يحكم بطهارة منيّه بطريق الأولى.
وأما كون بوله وروثه نجسًا على روايةٍ؛ فلأنه رجيع أشبه رجيع غير مأكول اللحم.
وأما كون منيه نجسًا على روايةٍ؛ فلأن طهارته بالقياس على طهارة البول والروث فإذا حكم بنجاستهما وجب الحكم بنجاسته لانتفاء الحكم في المقيس عليه، ولثبوت التنجيس فيه.
قال: (ومني الآدمي طاهر.
وعنه أنه نجس، ويجزئ فرك يابسه.
وفي رطوبة فرج المرأة روايتان).
أما كون مني الآدمي طاهرًا على المذهب فلقوله تعالى: ﴿وهو الذي خلق من الماء بشرًا﴾ [الفرقان: 54].
أطلق عليه اسم الماء فوجب أن يطلق عليه حكمه في الطهارة.
ولما روت عائشة رضي الله عنها قالت: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم يذهب.
فيصلي فيه» 409 رواه مسلم.
ولو كان نجسًا لم يَطهر بالفرك كالعَذِرَة.
وقال ابن عباس: «امسحه عنك بإذخرة أو خرقة.
ولا تغسله إنما هو كالبصاق والمخاط» 410. ورواه الدارقطني مرفوعًا.
ولأنه بدء خلق آدمي فكان طاهرًا كالطين.
وأما كونه نجسًا على روايةٍ؛ فلأنه مستحيل من الدم أشبه القيح والصديد.
ولأنه خارج لشهوة أشبه المذي.
وأما كونه يجزئ فرك يابسه على هذه الرواية فلقول عائشة رضي الله عنها: «كنت أفرك المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا كان يابسًا وأغسله إذا كان رطبًا» 411 رواه الدارقطني.

الجزء: 1 - الصفحة: 228

و «لأنه نزل بعائشة ضيف فأمرت له بملحفة صفراء ينام فيها.
فاحتلم.
فاستحيا أن يرسل بها وفيها أثر الاحتلام.
فغمسها في الماء.
ثم أرسلها.
فقالت عائشة رضي الله عنها: لِمَ أفسد علينا ثوبنا.
إنما كان يكفيه أن يفركه بأصابعه.
وربما فركته من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بأصابعي» 412 رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن صحيح.
وتقييد الإجزاء بكون المني يابسًا مشعر بأنه إذا كان رطبًا لا بد من غسله.
وهو صحيح لوجوه: الأول: أن المجزئ الفرك وذلك لا يتأتى في الرطب.
الثاني: أن المحل نجس فلم يكن بد من تطهيره.
الثالث: أن الآثار وردت بغسله.
منها: ما تقدم من قول عائشة: «وأغسله إذا كان رطبًا» 413. ومنها ما روي عن عائشة رضي الله عنها: «كنت أغسل المني من ثوب رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ثم يخرج فيصلي فيه.
وأنا أنظر إلى البقع فيه من أثر الغسل» 414 متفق عليه.
فإن قيل: إجزاء الفرك عام في كل مني أم لا؟ قيل: لا.
بل هو مختص بمني الرجل؛ لأن أحمد نص على أنه لا يجزئ فرك مني المرأة لأنه رقيق.
وإنما أجزأ فرك مني الرجل لأنه غليظ فيؤثر الفرك فيه تخفيفًا بخلاف مني المرأة.
وأما كون رطوبة فرج المرأة نجسة في روايةٍ؛ فلأنها لا تخلو من مذي.

الجزء: 1 - الصفحة: 229

وأما كونها طاهرة في روايةٍ -وهي الصحيحة- لما ذكر في طهارة المني المستدل عليه بفرك مني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأنه كان مني جماع لا مني غيره ضرورة أن الأنبياء لا يحتلمون.
قال: (وسباع البهائم، والطير، والبغل، والحمار الأهلي نجسة.
وعنه أنها طاهرة).
أما كون سباع البهائم كالأسد والنمر وغير ذلك نجسة على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الماء وما ينوبه من السباع.
فقال: إذا كان الماء قلتين لم ينجسه شيء» 415. فمفهومه أنه ينجس إذا لم يبلغهما.
وإنما ينجس أن لو كان الذي نابه نجسًا.
ولأنه حيوان حرم أكله يمكن التحرز منه فكان نجسًا كالكلب.
وأما كونها طاهرة على روايةٍ فلما روى أبو سعيد الخدري «أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الحِياض التي بين مكة والمدينة.
تردها الكلاب والسباع والحمر.
فقال: لها ما أخذت في أفواهها، ولنا ما غَبَرَ طَهور» 416 رواه ابن ماجة.
و«لأن عمر بن الخطاب وعمرو بن العاصي مرا بحوض فقال عمرو: يا صاحب الحوض! ترد على حوضك السباع؟ فقال عمر: يا صاحب الحوض! لا تخبرنا.
فإنا نرد عليها وترد علينا» 417 رواه مالك في الموطأ.
وأما كون جوارح الطير كالعقاب والنسر ونحو ذلك نجسة على روايةٍ، وطاهرة على روايةٍ؛ فلأنها تساوي سباع البهائم معنى فكذا يجب أن يكون حكمًا.
وأما كون كل واحد من البغل والحمار الأهلي نجسًا على روايةٍ فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم خيبر «إنها رجس» 418 متفق عليه.
ولما ذكرنا في السباع.

الجزء: 1 - الصفحة: 230

وأما كونه طاهرًا على روايةٍ فلما روى جابر «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - سئل: أنتوضأ بما أفضلته الحمر؟ قال: نعم.
وبما أفضلت السباع كلها» 419 رواه الشافعي في مسنده.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يركب الحمار والبغل.
و «ركب يومًا حمارًا مُعْرَوْرَى في الحر» 420 أي عريانًا.
ذكره البخاري.
والظاهر أنه لا يسلم من عرقه.
وكان أصحابه عليه السلام يقتنون البغال والحمير ويصحبونها في أسفارهم.
فلو كانت نجسة لبين لهم نجاستها.
ولأنه لا يمكن التحرز منها للمشقة أشبها الهر.
ولأنه يجوز بيعهما أشبها مأكول اللحم.
قال: (وسؤر الهر 421 وما دونها في الخلقة طاهر).
أما كون سؤر الهر طاهرًا فلما روت كبشة بنت كعب بن مالك قالت: «دخل عليّ أبو قتادة.
فسكبت له وضوءًا.
فجاءت هرة فأصغى لها الإناء حتى شربت.
فرآني أنظر إليه.
فقال: أتعجبين يا ابنة أخي؟ قلت: نعم.
قال: إن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: إنها ليست بنجس.
إنها من الطوافين عليكم والطوافات» 422 رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن صحيح.

الجزء: 1 - الصفحة: 231

وأما كون سؤر ما دون الهر في الخلقة كالفأرة ونحوها طاهرًا؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - علل طهارة الهر بكونها من الطوافين والطوافات وذلك موجود فيما دونها لكونه مما يطوف علينا.
ولأنه لا يمكن التحرز منه أشبه الهر.

الجزء: 1 - الصفحة: 232

باب الحيض

قال المصنف رحمه الله: (وهو دم طبيعة وجِبِلَّة.
ويمنع عشرة أشياء: فعل الصلاة، ووجوبها، وفعل الصيام، وقراءة القرآن، ومس المصحف، واللبث في المسجد، والطواف، والوطء في الفرج، وسنة الطلاق، والاعتداد بالأشهر، ويوجب الغسل، والبلوغ، والاعتداد 423 به).
أما قول المصنف رحمه الله: وهو دم طبيعة وجبلة فبيان لمعنى الحيض.
وأما كون الحيض يمنع فعل الصلاة فـ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لفاطمة بنت أبي حبيش: دعي الصلاة أيام أقرائك» 424 متفق عليه.
وأما كونه يمنع وجوبها فلقول عائشة رضي الله عنها: «كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» 425 متفق عليه.
وأما كونه يمنع فعل الصوم فلقول عائشة رضي الله عنها: «إن كان ليكون علي الصوم من رمضان.
فما أستطيع أن أقضيه حتى يأتي شعبان» 426 متفق عليه.
يعني صومًا أفطر به بالحيض.

الجزء: 1 - الصفحة: 233

ولقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أليس إحداكن إذا حاضت لم تصم ولم تصل؟ قلن: بلى» 427 رواه البخاري.
وأما كونه يمنع قراءة القرآن فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا تقرأ الحائض ولا الجنب شيئًا من القرآن» 428 رواه الترمذي.
وأما كونه يمنع مس المصحف فلقول الله تعالى: ﴿لا يمسه إلا المطهرون﴾ [الواقعة: 79].
وأما كونه يمنع اللبث في المسجد فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لا أحل المسجد لحائض ولا جنب» 429 رواه أبو داود.
وأما كونه يمنع الطواف فلما روت عائشة قالت: «قدمت مكة وأنا حائض فلم أطف بالبيت ولا بالصفا والمروة.
فشكوت ذلك إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. فقال: افعلي ما يفعل الحاج غير أنك لا تطوفي بالبيت حتى تطهري» 430 متفق عليه.
وأما كونه يمنع الوطء في الفرج فلقوله تعالى: ﴿فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن﴾ [البقرة: 222]. وأما كونه يمنع سنة الطلاق؛ فلأنه يحرم طلاق المدخول بها لما فيه من تطويل العدة.

الجزء: 1 - الصفحة: 234

وأما كونه يمنع الاعتداد بالأشهر؛ فلأن الحائض يجب عليها الاعتداد بالأقراء لما سيأتي إن شاء الله تعالى.
وأما كونه يوجب الغسل فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «دعي الصلاة أيام أقرائك التي كنت تحيضين فيها.
ثم اغتسلي وصلي» 431 متفق عليه.
وأما كونه يوجب البلوغ؛ فلأن حيض المرأة يحصل به البلوغ لما يأتي في المحجور عليه.
وأما كونه يوجب الاعتداد به فلقوله تعالى: ﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ [البقرة: 228]. قال: (والنفاس مثله إلا في الاعتداد).
أما كون النفاس مثل الحيض في الأحكام المذكورة غير الاعتداد؛ فلأنه دم حيض اجتمع ثم خرج دفعة واحدة.
ولأنه دم يمنع فرض الصلاة أشبه الحيض.
وأما كونه لا يوجب الاعتداد بخلاف الحيض؛ فلأن عدة النفساء تنقضي بوضع الحمل.
قال: (وإذا 432 انقطع الدم أبيح فعل الصيام والطلاق ولم يبح غيرهما حتى تغتسل).
أما كون من انقطع دم حيضها يباح لها فعل الصيام؛ فلأنها حينئذ كالجنب، والجنب يباح له ذلك؛ لما روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - «أنه كان يدركه الفجر وهو جنب من أهله ثم يغتسل ويصوم» 433 متفق عليه.
وأما كونها يباح طلاقها فلزوال تطويل العدة التي هي علة تحريمه في الحيض.

الجزء: 1 - الصفحة: 235

وأما كون غير فعل الصيام والطلاق لا يباح حتى تغتسل؛ فلأن المانع من ذلك زمن الحيض موجود زمن الانقطاع قبل الغسل فوجب بقاء ما كان [على ما كان] 434 عملاً بالمقتضى واستصحابًا للحال.
قال: (ويجوز أن يستمتع 435 من الحائض بما دون الفرج.
فإن وطئها في الفرج فعليه نصف دينار كفارة.
وعنه: ليس عليه إلا التوبة).
أما كون الاستمتاع من الحائض بما دون الفرج يجوز فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «اصنعوا كل شيء إلا النكاح» 436 رواه مسلم.
ولأن وطء الفرج إنما مُنع من الأذى ويختص المنع بموضع الأذى.
وأما كون من وطئها في الفرج عليه نصف دينار كفارة على روايةٍ فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض: يتصدق بدينار أو بنصف دينار» 437 رواه أبو داود والنسائي.
وأما كونه ليس عليه إلا التوبة على روايةٍ؛ فلأن الحديث المذكور قيل ليس بصحيح.
ولذلك قال الإمام أحمد رضي الله عنه: لو صح الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - كنا أخذنا به.
ولأنه وطء نُهي عنه لأجل الأذى فلم تجب فيه كفارة قياسًا على الوطء في الدبر.

الجزء: 1 - الصفحة: 236

وأما كونه عليه التوبة؛ فلأنه وطء محرم فلم يكن بد من التوبة كغيره من المحرمات.
قال: (وأقل سن تحيض له المرأة تسع سنين.
وأكثره خمسون سنة.
وعنه ستون في نساء العرب.
والحامل لا تحيض).
أما كون أقل سنٍّ تحيض المرأة تسع سنين؛ فلأنه لم يثبت في الوجود لامرأة حيض قبل ذلك.
وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: «إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة» 438. وأما كون أكثره خمسين سنة على المذهب فلقول عائشة رضي الله عنها: «إذا بلغت المرأة خمسين سنة خرجت عن حد الحيض».
وأما كونه ستين سنة في نساء العرب على روايةٍ؛ فلأن المرجع في ذلك إلى الوجود.
وقد وجد في نساء العرب حيض معتاد.
أخبر به ثقات عن أنفسهن بعد الخمسين.
ولأن ما كان فيه الحد معتبرًا ولم يوجد له في الشرع حد: يرجع فيه إلى العادات.
وأما كون الحامل لا تحيض فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما سأله عمر عن طلاق ابنه امرأته وهي حائض.
قال: مره فليراجعها.
ثم ليطلقها طاهرًا، أو حاملاً» 439 متفق عليه.
فإن قيل: ما الحجة في ذلك؟ قيل: الحجة فيه أنه جعل الحمل علمًا على دم الحيض كما جعل الطهر علمًا عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 237

و «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في سبايا أوطاس: لا توطأ حامل حتى تضع، ولا حائل حتى تحيض حيضة» 440 رواه الإمام أحمد.
جعل وجود الحيض علمًا على براءة الرحم.
ولأنه زمان لا يعتاد فيه الحيض غالبًا فلم يكن ما تراه من الدم حيضًا كالآيسة.
قال الإمام أحمد رحمة الله عليه: إنما يَعرف النساء الحمل بانقطاع الدم.
قال: (وأقل الحيض يوم وليلة.
وعنه يوم.
وأكثره خمسة عشر يومًا.
وعنه سبعة عشر.
وغالبه: ست أو سبع).
أما كون أقل الحيض يومًا وليلة على المذهب؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «أقل الحيض يوم وليلة» 441. وأما كونه يومًا على روايةٍ؛ فلأن الشرع علق على الحيض أحكامًا ولم يبين قدره فعلم أنه رده إلى العرف كالقبض والحِرز.
وقد وجد حيض معتاد يومًا ولم يوجد أقل منه.
قال عطاء: «رأيت من تحيض يومًا، ومن تحيض خمسة عشر يومًا» 442. وأما كون أكثره خمسة عشر يومًا على المذهب؛ فلأنه يروى عن علي رضي الله عنه أنه قال: «ما زاد على خمسة عشر فهو استحاضة» 443. ولأن في قوله: «تمكث إحداكن شطر عمرها لا تصلي» 444 رواه البخاري.
إشارة إلى هذا.

الجزء: 1 - الصفحة: 238

وأما كونه سبعة عشر على روايةٍ؛ فلأن أقل الطهر إذا كان ثلاثة عشر كان أكثر الحيض سبعة عشر ضرورة أن الشهر يجمع طهرًا وحيضًا.
وأما كون غالبه ستًا أو سبعًا فـ «لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لحمنة بنت جحش: تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا.
ثم اغتسلي وصلي أربعة وعشرين يومًا أو ثلاثة وعشرين يومًا كما تحيض النساء.
وكما يطهرن لميقات حيضهن وطهرهن» 445. رواه الترمذي.
وقال: حديث حسن.
قال: (وأقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا.
وقيل خمسة عشر يومًا.
ولا حد لأكثره).
أما كون أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا على المذهب فلما روي عن علي رضي الله عنه «أنه سئل عن امرأة ادعت انقضاء عدتها في شهر.
فقال لشريح: قل فيها.
فقال: إن جاءت ببطانة من أهلها يشهدان أنها حاضت في شهر ثلاث حيضات تترك الصلاة فيها، وإلا فهي كاذبة.
فقال علي رضي الله عنه: قالون.
يعني جيد» 446. وهذا اتفاق منهما على إمكان ثلاث حيضات في شهر ولا يمكن ذلك إلا بما قلنا في أقل الحيض وأقل الطهر.
وأما كونه خمسة عشر على قولٍ فلما تقدم من قوله: «تمكث إحداكن شطر عمرها ... الحديث» 447. وأما كون الطهر لا حد لأكثره؛ فلأنه قد وجد من لا تحيض أصلاً.

الجزء: 1 - الصفحة: 239

فصل [في المبتدأة] قال المصنف رحمه الله: (والمبتدأة تجلس يومًا وليلة ثم تغتسل وتصلي.
فإن انقطع دمها لأكثره فما دون اغتسلت عند انقطاعه.
وتفعل ذلك ثلاثًا.
فإن كان في الثلاث على قدر واحدٍ صار عادة، وانتقلت إليه، وأعادت ما صامته من الفرض 448. وعنه يصير عادة بمرتين).
أما كون المبتدأة وهي التي أول ما ترى الدم تجلس أي تدع الصلاة والصوم؛ فلأن دم الحيض دم طبيعة وجبلة وعادة، ودم الفساد 449 دم عارض لمرض ونحوه.
والأصل عدم العارض.
وأما كون ذلك يومًا وليلة؛ فلأنه أول الحيض على المذهب.
ومفهوم ذلك أنها لا تجلس أكثر من ذلك وهو صحيح على المذهب لأن الصلاة في ذمتها بيقين وقد شكّت في الزائد على أقل الحيض فلا يترك اليقين بالشك.
وأما كونها تغتسل بعد اليوم والليلة؛ فلأنه آخر حيضها حكمًا أشبه آخر حيضها حسًا.
وأما كونها تصلي بعد ذلك؛ فلأن المانع من الصلاة الحيض وعدم الغسل وقد انتفى كل واحد منهما: أما الحيض؛ فلأنه حكم بانقضائه لما تقدم.
وأما عدم الغسل فلوجود الغسل حقيقة.
وأما كونها تغتسل عند انقطاع دمها إذا انقطع لأكثر الحيض فما دون؛ فلأنه يحتمل أن ذلك آخر حيضها فلا تكون طاهرة بيقين إلا بالغسل حينئذ.
وأما كونها تفعل ذلك ثلاثًا أي مثل جلوسها يومًا وليلة وغسلها عند آخر ذلك.
ثم غسلها عند انقطاع الدم؛ فلأن العادة لا تثبت إلا بتكرار الدم ثلاث

الجزء: 1 - الصفحة: 240

مرات على المذهب لقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «دعي الصلاة أيام أقرائك» 450. والأقراء جمعٌ أقله ثلاثة.
ولأن ما اعتبر فيه التكرار اعتبر فيه الثلاث كالأقراء في عدة الحرة، والشهور، وخيار المصراة، ومهلة المرتد، وتعليم الكلب في الوجه الصحيح.
فعلى هذا إن تكرر في الثلاث على قدر واحد صار ذلك عادة لتكرره ثلاثًا وإلا فلا لما ذكرنا.
وإن تكرر مختلفًا مثل أن يكون في الشهر الأول عشرة وفي الثاني اثني عشر وفي الثالث ثلاثة عشر فالعشرة متكررة ثلاثًا فهي عادة وما عدا ذلك ليس بعادة إلا أن يتكرر بعد ذلك.
وفي الجملة كل دم تكرر ثلاثًا صار عادة ما لم يجاوز أكثر الحيض وما لا فلا، مختلفًا كان أو متفقًا.
وأما كون الدم إذا تكرر مرتين صار عادة على روايةٍ؛ فلأن العادة مأخوذة من المعاودة وذلك يحصل بمرتين.
فلا يختلف المذهب أنها لا تثبت بمرة لما ذكرنا من الاشتقاق.
[فإن قيل: لم خص المصنف رحمه الله جلوس المبتدأة باليوم والليلة؟ قيل: لأن ذلك أقل الحيض على رواية.
ولعلها هي المختارة بدليل أنه قدمها.
ولأن دليل الثانية يمكن حمله على اليوم والليلة لجواز إطلاق اليوم وإرادة الليلة؛ لأن الليل في العدد قد يدخل تبعا] 451. وأما كون من صار دمها عادة تنتقل إليه أي تجلسه كما تقدم؛ فلأن المعتادة يجب عليها أن تجلس زمن العادة لقوله عليه السلام: «دعي الصلاة أيام أقرائك» 452. ولما يأتي في المستحاضة المعتادة بعد.

الجزء: 1 - الصفحة: 241

وأما كونها تعيد ما صامته من الفرض في الزمن الذي قبل الحكم بالعادة؛ فلأن بتكرره ثلاثًا عُلم أن الدم في ذلك الزمن كان دم الحيض فعلم أن الصوم فيه غير صحيح فيجب إعادته لأن الحيض لا يُسقِط وجوب الصوم بدليل ما تقدم من حديث عائشة 453. قال: (وإن جاوز أكثر الحيض فهي مستحاضة: فإن كان دمها متميزًا بعضه ثخين أسود منتن، وبعضه رقيق أحمر.
فحيضها زمن الدم الأسود وما عداه استحاضة.
وإن لم يكن متميزًا قعدت من كل شهر غالب الحيض.
وعنه: أقله.
وعنه: أكثره.
وعنه عادة نسائها كأمها وأختها وعمتها وخالتها.
وذكر أبو الخطاب في المبتدأة أول ما ترى الدم الروايات الأربع).
أما كون المبتدأة إذا جاوز دمها أكثر الحيض مستحاضة؛ فلأن عليًا رضي الله عنه قال: «ما زاد على خمسة عشر يومًا فهو استحاضة» 454. ولما تقدم من أن أكثر الحيض خمسة عشر.
فإن قيل: دم المرأة على كم ضرب؟ قيل: على ثلاثة: أحدها: دم يسمى دم فساد.
وهو المرئي أقل من يوم وليلة.
وثانيها: دم يسمى حيضًا.
وهو ما كان في العادة والتمييز أو ما أشبههما مما تُمنع فيه من الصلاة والصوم ونحوهما.
وثالثها: دم يسمى استحاضة.
وهو ما اتصل بالحيض وجاوزه.
والمرأة لها فرجان: داخل بمنزلة الدبر.
منه الحيض، وخارج كالإليتين.
منه الاستحاضة.
وأما كون حيض المستحاضة إذا كان دمها متميزًا كما ذكر المصنف رحمه الله من الدم الأسود فلما روي «أن فاطمة بنت أبي حبيش قالت: يا رسول الله! إني

الجزء: 1 - الصفحة: 242

أستحاض فلا أطهر.
أفأدع الصلاة؟ قال: إن ذلك عرق ليس بالحيضة.
فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة.
فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم» 455 متفق عليه.
يعني بإقباله سواده ونتنه وإدباره رقته وحمرته.
وفي لفظ قال لها: «إذا كان دم الحيض فإنه أسود يعرف.
فأمسكي عن الصلاة.
فإذا كان الآخر فتوضئي.
إنما هو عرق» 456 رواه النسائي.
وقال ابن عباس: «ما رأت الدم البحراني فإنها تدع الصلاة.
إنها والله إن ترى الدم بعد أيام حيضها إلا كغسالة ماء اللحم» 457. ولا بد أن يُلحظ في ذلك كون الدم الأسود يصلح أن يكون حيضًا بأن يكون لا ينقص عن أقل الحيض ولا يزيد على أكثره لأنه متى نقص عن ذلك أو زاد عنه لا يصلح أن يكون حيضًا.
وأما كون ما عداه استحاضة فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث فاطمة: إن ذلك عرق وليس بالحيضة» 458. فإن قيل: ما حكم المرأة في زمن استحاضتها؟ قيل: حكم الطاهرات تصوم وتصلي؛ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حديث فاطمة: فإذا أقبلت الحيضة فدعي الصلاة.
فإذا أدبرت فاغسلي عنك الدم وصلي» 459 متفق عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 243

وفي لفظ للنسائي: «فإذا كان دم الحيض فأمسكي عن الصلاة.
فإذا كان الآخر فتوضئي.
إنما هو عرق» 460. وأما كونها إذا لم يكن دمهًا متميزًا تقعد من كل شهر غالبه ستًا أو سبعًا على المذهب فلما روي «أن حمنة بنت جحش قالت: يا رسول الله! إني أستحاض حيضة كثيرة شديدة.
قد منعتني الصوم والصلاة.
فقال: تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا.
ثم اغتسلي ... مختصر» 461 رواه الترمذي وقال: حديث حسن.
وأما كونها تقعد أوله على روايةٍ فلما ذكرنا في المبتدأة.
وأما كونها تقعد أكثره على روايةٍ؛ فلأنه دم في زمن يصلح أن يكون حيضًا فكان حيضًا قياسًا على دم المبتدأة أول ما تراه.
ولأن الأصل عدم كونه دم فساد.
وأما كونها تقعد عادة نسائها كأمها وأختها وعمتها وخالتها على روايةٍ؛ فلأن الغالب شبهها بهن.
وقياسًا على المهر.
وأما كون المبتدأة أول ما ترى الدم [فيها] 462 الروايات الأربع على ما ذكره أبو الخطاب؛ فلأنها تساوي ما تقدم ذكره معنى فكذا يجب أن يكون حكمًا.
قال: (وإن استحيضت المعتادة رجعت إلى عادتها وإن كانت مميزة.
وعنه يُقدَّم التمييز.
وهو اختيار الخرقي).
أما كون المستحاضة المعتادة التي لا تمييز لها ترجع إلى عادتها فـ «لقوله - صلى الله عليه وسلم - في حديث أم سلمة: لتنظر عدة الليالي والأيام التي كانت تحيضهن من الشهر قبل أن يصيبها الذي أصابها فلتترك الصلاة قدر ذلك من الشهر» 463 متفق عليه.

الجزء: 1 - الصفحة: 244

وروي «أن سودة استحيضت فأمرها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا مضت أيامها اغتسلت وصلت» 464. ولأن الحيض يتعلق به أحكام وأيام فجاز أن يُرجع إلى الأيام عند إعواز الدم كالعدة.
وأما كون المعتادة التي لها تمييز ترجع إلى عادتها على المذهب؛ فلأن اعتبار العادة متفق عليه والتمييز مختلف فيه.
وأما كونه يُقدم التمييز على روايةٍ - وهو اختيار الخرقي -؛ فلأنه اجتهاد، والعادة تقليد والاجتهاد مقدم على التقليد.
والأول أصح لما تقدم.
ولأن الرجوع في التمييز إلى لون الدم.
ونحن نرى ألوان الدماء التي في العروق تختلف اختلافًا بيّنًا.
وقد تبطل دلالة التمييز إذا نقص عن أقل الحيض أو زاد على أكثره.
بخلاف العادة.
ولأن الأحاديث الدالة على العادة تقتضي العموم مميزة كانت أو غير مميزة لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - لم يستفصل السائلة ولم يسألها عن ذلك.
فإن قيل: حديث فاطمة يدل على اعتبار التمييز من غير استفصال عن العادة ولا سؤال عنها.
قيل: حديث فاطمة قد روي من طريق متفق عليه أنه ردها إلى العادة فيتعارضان.
ثم على تقدير التسليم بأنه ردها إلى التمييز تكون أخبرته أنها لا عادة لها، أو علم ذلك بقرينة.
ثم يلزم من تقدير التمييز إشكال هو أنها إذا كانت عادتها خمسة من أول كل شهر ثم استحيضت فرأت عشرة أيام أسود وباقي الشهر أحمر أو أصفر فعلى تقدير التمييز تترك الصلاة عشرة أيام وفي ذلك إسقاط العبادة عنها في خمسة أيام.

الجزء: 1 - الصفحة: 245

قال: (وإن نسيت العادة عملت بالتمييز.
فإن لم يكن لها تمييز جلست غالب الحيض في كل شهر.
وعنه أقله.
وقيل فيها الروايات الأربع).
أما كون من نسيت العادة تعمل بالتمييز؛ فلأن التمييز حينئذ دليل لا معارض له فوجب العمل به كدم المبتدأة.
وأما كون من لها تمييز تجلس غالب الحيض على المذهب فلقوله - صلى الله عليه وسلم -: «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا» 465. ولأن الظاهر أن ذلك حيضها لأن ذلك غالب عادة النساء.
وأما كونها تجلس أقله على روايةٍ فقياسًا على المبتدأة.
وأما كونها فيها الروايات الأربع المتقدم ذكرهن على قول بعض الأصحاب فلما تقدم في المبتدأة 466. قال: (وإن علمت عدد أيامها ونسيت موضعها جلستها من أول كل شهر في أحد الوجهين.
وفي الآخر: تجلسها بالتحري.
وكذلك الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز).
أما كون من علمت عدد أيامها ونسيت موضعها تجلسها من أول كل شهر في وجه فلقول النبي - صلى الله عليه وسلم -: «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا.
ثم اغتسلي وصلي ثلاثا وعشرين» 467. جعل حيضها من أوله، والصلاة في بقيته.
وأما كونها تجلسها بالتحري أي بالاجتهاد في وجهٍ؛ فلأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ردها إلى الاجتهاد في العدد بين الست والسبع 468 فكذلك في الوقت.
وأما كون الحكم في كل موضع حيض من لا عادة لها ولا تمييز كالحكم في موضع من علمت عدد أيامها ونسيت موضعها؛ فلأن من لا عادة لها ولا تمييز تشارك من

الجزء: 1 - الصفحة: 246

نسيت موضع حيضها في تعدد الجلوس في زمن محقق فوجب أن يثبت لها ما ثبت لها لأن الاشتراك يوجب المساواة.
قال: (وإن علمت أيامها في وقتٍ من الشهر كنصفه الأول جلستها فيه إما من أوله [أو بالتحري] 469 على اختلاف الوجهين).
أما كون من علمت أيامها في وقتٍ من الشهر كما مثّل المصنف رحمه الله تجلسها فيه؛ فلأن ما عداه طهر بيقين.
وأما كونها تجلسها من أوله أو بالتحري ففيه الوجهان المتقدم ذكرهما وتوجيههما في من نسيت موضع أيام حيضها.
قال: (وإن علمت موضع حيضها ونسيت عدده جلست فيه غالب الحيض أو أقله على اختلاف الروايتين).
أما كون من علمت حيضها ونسيت عدده تجلس فيه غالب الحيض على روايةٍ فلما تقدم من قوله - صلى الله عليه وسلم -: «تحيضي في علم الله ستًا أو سبعًا» 470. وأما كونها تجلس أقله على روايةٍ؛ فلأن العبادة في ذمتها بيقين وما زاد على أقله مشكوك فيه ولا يزول عن اليقين بالشك.
قال: (وإن تغيرت العادة بزيادة أو تقدم أو تأخر أو انتقال فالمذهب أنها لا تلتفت إلى ما خرج عن العادة حتى يتكرر ثلاثًا أو مرتين على اختلاف الروايتين.
وعندي أنها تصير إليه من غير تكرار).
أما كون من تغيرت عادتها بما ذُكر لا يلتفت إلى ما خرج عن العادة على المذهب حتى يتكرر كما ذكر المصنف رحمه الله؛ فلأن العادة لا تثبت إلا بذلك فلم يلتفت إلى [ما] 471 خرج عنها ضرورة أنه غير معتاد.
فإن قيل: ما معنى تغيّر العادة بذلك؟

الجزء: 1 - الصفحة: 247

قيل: تغيرها بالزيادة أن تكون عادتها مثلاً خمسة من كل شهر فتصير ستة أو سبعة أو شبه ذلك، وتغيرها بالتقدم أن يكون حيضها في أول الشهر خمسة فيصير يومًا من الشهر الذي قبله وأربعة من الشهر الذي كانت تحيض فيه، وتغيرها بالتأخر أن يكون حيضها خمسة من أول الشهر فتصير خمسة من ثانيه، وتغيرها بالانتقال أن يكون حيضها الخمسة الأولة فتصير الخمسة الثانية.
وأما كونها تصير إليه من غير تكرار عند المصنف رحمه الله.
وهي رواية عن الإمام أحمد.
ذكرها صاحب المستوعب فيه: فـ «لأن النساء كن يرسلن بالدرجة فيها الشيء من الصفرة إلى عائشة رضي الله عنها فتقول: لا تعجلن حتى ترين القَصَّةَ البيضاء» 472. ولأن ظاهر الأخبار يدل على أن النساء كن يَعددن ما يرينه من الدم حيضًا من غير اعتبار عادة.
ولأنا رجعنا في أكثر أحكام الحيض إلى العرف، والعرف أن الحيضة تتقدم وتتأخر وتزيد وتنقص.
ولأن في اعتبار العادة على الوجه المذكور أولاً إخلاء لبعض المنتقلات عن الحيض بالكلية مع رؤيتها [الدم] 473 على صفته، وهذا لا سبيل إليه.
قال: (وإن طهرت في أثناء عادتها اغتسلت وصلت.
فإن عاودها الدم في العادة فهل تلتفت إليه؟ على روايتين).
أما كون من طهرت في أثناء عادتها تغتسل؛ فلأن ابن عباس قال: «لا يحل لها ما رأت الطهر ساعة إلا أن تغتسل» 474. وأما كونها تصلي؛ فلأنها طاهرة فيلزمها الصلاة كسائر الطاهرات.
وأما كونها تلتفت إلى الدم الذي يعاودها في العادة على روايةٍ؛ فلأنه دم في العادة فكان حيضًا كما لو اتصل.

الجزء: 1 - الصفحة: 248

وأما كونها لا تلتفت إليه على روايةٍ؛ فلأنه جاء بعد طهر فلم يكن حيضًا بغير تكرار كالخارج عن العادة.
قال: (والصفرة والكدرة في أيام الحيض من الحيض).
أما كون الصفرة في أيام الحيض من الحيض؛ فلما تقدم من «أن النساء كن يرسلن بالدرجة فيها الشيء من الصفرة إلى عائشة، فتقول: لا تعجلن حتى ترين القَصَّةَ البيضاء» 475. فإن قيل: ما القَصَّة؟ قيل: قال الإمام أحمد رحمه الله: القصة البيضاء ما ابيض يتبع الحيضة.
وأما كون الكدرة في أيام الحيض من الحيض؛ فلأنها في معنى الصفرة.
[ولأنه في زمن العادة أشبه الأسود] 476. قال: (ومن كانت ترى يومًا دمًا ويومًا طهرًا فإنها تضم الدم إلى 477 الدم فيكون حيضًا والباقي طهرًا إلا أن يجاوز أكثر الحيض فتكون مستحاضة).
أما كون من كانت ترى ما ذكر تضم الدم إلى الدم والطهر إلى الطهر إذا لم يجاوز مجموعها أكثر الحيض؛ فلأنه لا سبيل إلى جعل كل واحد من الدم حيضة ضرورة أن أقل الطهر بين الحيضتين ثلاثة عشر يومًا أو خمسة عشر على الخلاف وإذا لم يكن سبيل إلى ذلك تعين الضم.
وأما كون الدم المضموم بعضه إلى بعض حيضًا؛ فلأنه دم في زمن يصلح أن يكون فيه حيضًا فكان حيضًا كما لو لم يفصل بينه طهرًا.
وأما كون الباقي طهرًا؛ فلأنه طهر حقيقة فكذلك حكمًا.
وأما كونها مستحاضة إذا جاوز مجموعهما أكثر الحيض فلما تقدم من قول علي رضي الله عنه 478.

الجزء: 1 - الصفحة: 249

فصل [في المستحاضة] قال المصنف رحمه الله: (والمستحاضة تغسل فرجها وتعصبه وتتوضأ لوقت كل صلاة وتصلي ما شاءت من الصلوات.
وكذلك من به سلس البول والمذي والريح والجريح الذي لا يرقأ دمه والرعاف الدائم).
أما كون المستحاضة تغسل فرجها فلإزالة ما عليه من الدم.
وأما كونها تعصبه فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لحمنة بنت جحش حين شكت إليه كثرة الدم: أنعت لك الكرسف - يعني القطن - تحشي به المحل.
قالت: إنه أشد من ذلك.
قال: تلجمي» 479. وقال في حديث أم سلمة: «فلتستثفر بثوب ثم لتصل فيه» 480. وأما كونها تتوضأ لوقت كل صلاة فـ «لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لفاطمة بنت أبي حبيش: توضئي لوقت كل صلاة وصلي» 481. قال الترمذي: هذا حديث صحيح.
فإن قيل في بعض ألفاظ الحديث: «توضئي لوقت كل صلاة» 482. قيل: ذلك مطلق وما تقدم مقيد والمطلق يجب حمله على المقيد لما تقدم ذكره غير مرة.

الجزء: 1 - الصفحة: 250

ولأنها طهارة عذر وضرورة فتقيدت بالوقت لأنه موضع الضرورة بخلاف ما قبله.
فإن قيل: إن خرج منها الدم بعد الوضوء.
قيل: إن خرج لتفريط في الشدّ أعادت الوضوء لأنه حدثٌ أمكن التحرز منه، وإن خرج لغير تفريط فلا شيء عليها؛ لما روت عائشة قالت: «اعتكفتْ مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - امرأة من أزواجه فكانت ترى الدم والصفرة والطست تحتها وهي تصلي» 483 رواه البخاري.
ولأنه لا يمكن التحرز منه فسقط.
وأما كونها تصلي ما شاءت من الصلوات؛ فلأنها متطهرة أشبهت المتيمم.
ولا بد أن يُلحظ في ذلك بقاء الوقت.
فإن خرج وقت الصلاة الذي توضأت المستحاضة فيه لم يكن لها أن تصلي شيئًا لأن طهارتها تبطل بخروج الوقت لما تقدم من أنها طهارة ضرورة.
ولأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «توضئي لوقت كل صلاة» 484. ولا بد أن يُلحظ استمرار دمها فإن انقطع دمها بعد أن توضأت فإن كان عادتها انقطاعه في وقت لا تتسع للصلاة لم تؤثر لأنه يمكن الصلاة فيه، وإن لم يكن لها عادة أو كان عادتها انقطاعه مدة طويلة لزمها استئناف الوضوء، وإن كان في الصلاة بطلت لأن العفو عن الوضوء ضرورة جريان الدم فيزول بزواله.
وأما كون من به سلس البول والمذي والريح والجريح الذي لا يرقأ دمه والرعاف الدائم كالمستحاضة في الطهارة المذكورة؛ فلأن هؤلاء شاركوا المستحاضة في أعذارهم المذكورة فأعطوا حكمها.
فإن قيل: ما لا يمكن عصبه.
قيل: يصلي صاحبه بحسب حاله «لأن عمر رضي الله عنه صلى وجرحه يثعب دمًا» 485.

الجزء: 1 - الصفحة: 251

قال: (وهل يباح وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت؟ على روايتين).
أما كون وطء المستحاضة في الفرج من غير خوف العنت لا يباح على روايةٍ؛ فلأن الوطء في الحيض إنما منع منه لكونه أذى وهو موجود هاهنا.
وأما كونه يباح على روايةٍ فـ «لأن حمنة كان يجامعها زوجها وهي مستحاضة» 486 رواه أبو داود.
وكذلك روي عن أم حبيبة 487. ولأنها في حكم الطاهرات في جميع الأحكام فكذلك في هذا.
وتقيد المصنف رحمه الله الخلاف بغير خوف العنت مشعر بأنه إذا خاف العنت أبيح له الوطء بلا خلاف في المذهب.
وهو صحيح؛ لأن عدم جوازه مع خوفه العنت مفضٍ إلى وقوعه في الزنا وذلك محذور.
ولأن بعض الأشياء محرم الفعل وخوف العنت يبيحه.
دليله تزوج الأمة فكذلك يجب أن يكون هاهنا.

الجزء: 1 - الصفحة: 252

فصل [في النفاس] قال المصنف رحمه الله: (وأكثر النفاس أربعون يومًا.
ولا حد لأقله.
أيَّ وقت رأت الطهر فهي طاهر تغتسل وتصلي.
ويستحب أن لا يقربها في الفرج حتى تتم الأربعين).
أما كون أكثر النفاس أربعين يومًا فلما روت أم سلمة قالت: «كانت النفساء تجلس على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أربعين يومًا أو أربعين ليلة.
وكنا نطلي وجوهنا بالوَرْسِ من الكلف» 488 رواه أبو داود والترمذي.
وقال: أجمع أهل العلم من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والتابعين من بعدهم على أن النفساء تدع الصلاة أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك فتغتسل وتصلي.
والأحاديث في هذا ضعيفة.
أثبتها ما ذكر هنا.
وينبغي أن يجعل مستند هذا الحكم ما وجد في أعصار المتقدمين.
وقد روي «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - وقت للنفساء أربعين يومًا إلا أن ترى الطهر قبل ذلك» 489. وأما كونه لا حد لأقله؛ فلأنه لم يرد في الشرع تحديده فرجع فيه إلى العرف وقد وجد قليل وكثير.
وقد روي «أن امرأة ولدت على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلم تر دمًا فسميت ذات الجفاف» وروي «ذات الجفوف» 490 رواه أبو داود.

الجزء: 1 - الصفحة: 253

وأما كون النفساء طاهرًا أيَّ وقت رأت الطهر فلانقطاع دم النفاس.
وكما لو انقطع دم الحائض في عادتها.
وأما كونها تغتسل عند رؤيتها الطهر فللحكم بانقضاء نِفاسها.
وأما كونها تصلي فلما ذكر.
وروى أبو أمامة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا طهرت المرأة حين تضع صلت».
وقال علي رضي الله عنه: «لا يحل للنفساء إذا رأت الطهر إلا أن تصلي» 491. وأما كونها يستحب أن لا يقربها زوجها في الفرج حتى تتم الأربعين؛ فلأنه لا يأمن عود الدم في الوطء أو بعده فيكون واطئًا في نفاس.
فإن قيل: إذا لم يستحب فهل يكره؟ قيل: روايتان: إحداهما: يكره؛ لذلك.
و«لأن عثمان بن أبي العاص أتته امرأته قبل الأربعين.
فقال: لا تقربيني حتى تتمي الأربعين» 492. والثانية: لا يكره لأنها حُكم بطهارتها فلم يكره قياسًا على سائر الطاهرات.
قال: (فإن 493 انقطع دمها في مدة الأربعين ثم عاد فيها فهو نفاس.
وعنه أنه مشكوك فيه تصوم وتصلي وتقضي الصوم المفروض).
أما كون الدم المذكور نفاسًا على المذهب؛ فلأنه دم في زمن النفاس فكان نفاسًا كما لو اتصل.

الجزء: 1 - الصفحة: 254

وأما كونه مشكوكًا فيه على روايةٍ فلتعارض الأدلة في كونه نفاسًا أم لا.
وأما كون من انقطع دمها فيما ذكر ثم عاد فيه تصوم وتصلي على الرواية المذكورة؛ فلأن النفاس المشكوك فيه كالحيض المشكوك.
والحيض المشكوك فيه حكمه حكم الطهر والمرأة في حال طهرها تصوم وتصلي فكذلك هنا لأن حكمها حكمه.
ولأن وجوب العبادة في زمنها متيقن وقد شك في كون هذا الدم نفاسًا فلا تعدل عن اليقين بالشك.
وأما كونها تقضي الصوم المفروض؛ فلأنه يحتمل أن يكون نفاسًا فلا يصح الصوم فيه.
فإن قيل: فما الفرق بين هذا وبين الدم الزائد على الست أو السبع في حق الناسية إذ لا يجب عليها قضاء ما صامته فيه مع الشك.
قيل: الفرق بينهما أن غالب عادات النساء حيض ست أو سبع وما زاد نادر.
والغالب من النفاس أربعون يومًا وما نقص نادر.
ولأن الحيض يتكرر فيشق القضاء بخلاف النفاس.
قال: (وإن ولدت توأمين فأول النفاس من الأول وآخره منه.
وعنه أنه من الأخير.
والأول أصح).
أما كون أول نفاس من ذلك من الأول؛ فلأنه دم يعقبه ولادة فكان أوله من الأول كما لو لم تأت بالآخر.
وأما كون آخره منه على روايةٍ فلما ذكر.
وأما كون آخره من الثاني على روايةٍ؛ فلأن كل واحد منهما سبب للمدة فلما اجتمعا اعتبر أوله من الأول وآخره من الأخير كما لو وطئت في العدة.
وأما كون الأول أصح؛ فلأن الولد الثاني تبع الأول فلم يعتبر في آخر النفاس كأوله.

الجزء: 1 - الصفحة: 255

فصول الكتاب · 35 فصل
جارٍ التحميل